ٱلْقَارِعَةُ ١
Commentary
الساعة التي تقرع قلوب الناس بأهوالها.
قرأ: «القارعة ما القارعة» بالنصب عيسى، قال جمهور المفسرين: الْقارِعَةُ يوم القيامة نفسها لأنها تقرع القلوب بهولها، وقال قوم من المتأولين: الْقارِعَةُ: صيحة النفخة في الصور، لأنها تقرع الأسماع، وفي ضمن ذلك القلوب، وفي قوله تعالى: وَما أَدْراكَ تعظيم لأمرها، وقد تقدم مثله، ويَوْمَ: ظرف، والعامل فيه الْقارِعَةُ. وأمال أبو عمرو: الْقارِعَةُ، و «الفراش» : طير دقيق يتساقط في النار ويقصدها، ولا يزال يقتحم على المصباح ونحوه حتى يحترق، ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب» ، وقال الفراء:
«الفراش» في الآية: غوغاء الجراد وهو صغيره الذي ينتشر في الأرض والهواء، الْمَبْثُوثِ هنا معناه:
المتفرق، جمعه وجملته موجودة متصلة، وقال بعض العلماء: الناس أول قيامهم من القبور كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ، لأنهم يجيئون ويذهبون على غير نظام، يدعوهم الداعي فيتوجهون إلى ناحية المحشر فهم حينئذ كالجراد المنتشر، لأن الجراد إنما توجهه إلى ناحية مقصودة، واختلف اللغويون في: «العهن» ، فقال أكثرهم: هو الصوف عاما، وقال آخرون: وهو الصوف الأحمر، وقال آخرون: هو الصوف الملون ألوانا، واحتج بقول زهير:
كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم
والفنا: عنب الثعلب، وحبه قبل التحطم منه الأخضر والأحمر والأصفر، وكذلك الجبال جدد بيض وحمر وسود وصفر، فجاء التشبيه ملائما، وكون الْجِبالُ كَالْعِهْنِ، إنما هو وقت التفتيت قبل النسف ومصيرها هباء، وهي درجات، والنفش: خلخلة الأجزاء وتفريقها عن تراصها، وفي قراءة ابن مسعود وابن جبير: «كالصوف المنفوش» ، و «الموازين» : هي التي في القيامة، فقال جمهور العلماء والفقهاء والمحدثين: ميزان القيامة بعمود ليبين الله أمر العباد بما عهدوه وتيقنوه، وقال مجاهد: ليس تم ميزان إنما هو العدل مثل ذكره بالميزان إذ هو أعدل ما يدري الناس، وجمعت الموازين للإنسان لما كانت له موزونات كثيرة متغايرة، وثقل هذا الميزان هو بالإيمان والأعمال، وخفته بعدمها وقلتها، ولن يخف خفة موبقة ميزان مؤمن. وعِيشَةٍ راضِيَةٍ معناه: ذات رضى على النسب، وهذا قول الخليل وسيبويه، وقوله تعالى: Ibn ‘Atiyya 5/516Ibn ‘Atiyya 5/516
فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ قال كثير من المفسرين: المراد بالأم نفس الهاوية، وهي درك من أدراك النار، وهذا كما يقال للأرض: أم الناس لأنها تؤويهم، وكما قال عتبة بن أبي سفيان في الحرب: فنحن بنوها وهي أمنا، فجعل الله الهاوية أم الكافر لما كانت مأواه، وقال آخرون: هو تفاؤل بشر فيه تجوز في أم الولاد، كما قالوا: أمه ثاكل وخوى نجمه وهوى نجمه ونحو هذا، وقال أبو صالح وغيره: المراد أم رأسه لأنهم يهوون على رؤوسهم، وقرأ طلحة: «فإمّه» بكسر الهمزة وضم الميم مشددة، ثم قرر تعالى نبيه على دراية أمرها وتعظيمه ثم أخبره أنها نارٌ حامِيَةٌ، وقرأ: «ما هي» بطرح الهاء في الوصل ابن إسحاق والأعمش، وروى المبرد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: لا أم لك، فقال: يا رسول الله، أتدعوني إلى الهدى وتقول: لا أم لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أردت لا نار لك، قال الله تعالى: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ. Ibn ‘Atiyya 5/517Ibn ‘Atiyya 5/517
(الْقَارِعَةُ) من أسماء يوم القيامة، كالحاقة، والطامة، والصاخة، والغاشية، وغير ذلك.
ثم قال معظمًا أمرها ومهولا لشأنها: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ) ؟ ثم فسر ذلك بقوله: (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ) أي: في انتشارهم وتفرقهم، وذهابهم ومجيئهم، من حيرتهم مما هم فيه، كأنهم فراش مبثوث كما قال في الآية الأخرى: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾
وقوله: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ) يعني: قد صارت كأنها الصوف المنفوش، الذي قد شَرَع في الذهاب والتمزق.
قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والضحاك، والسدي: " الْعِهْنِ" الصوف.
ثم أخبر تعالى عما يئول إليه عمل العاملين، وما يصيرون إليه من الكرامة أو الإهانة، بحسب أعمالهم، فقال: (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) أي: رجحت حسناته على سيئاته، (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) يعني: في الجنة. (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ) أي: رجحت سيئاته على حسناته.
وقوله: (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) قيل: معناه: فهو ساقط هاو بأم رأسه في نار جهنم. وعَبَّر عنه بأمه-يعني دماغه-روي نحو هذا عن ابن عباس، وعكرمة، وأبي صالح، وقتادة - قال قتادة: يهوي في النار على رأسه وكذا قال أبو صالح: يهوون في النار على رءوسهم.
وقيل: معناه: (فَأُمُّهُ) التي يرجع إليها، ويصير في المعاد إليها (هَاوِيَةٌ) وهي اسم من أسماء النار.
قال ابن جرير: وإنما قيل: للهاوية أمه؛ لأنه لا مأوى له غيرها . Ibn Kathir 9/468Ibn Kathir 9/468
وقال ابن زيد: الهاوية: النار، هي أمه ومأواه التي يرجع إليها ويأوي إليها، وقرأ: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [آل عمران: ١٥١] .
قال ابن أبي حاتم: وروي عن قتادة أنه قال: هي النار، وهي مأواهم. ولهذا قال تعالى مفسرا للهاوية: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ)
قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى: حدثنا ابن ثور، عن مَعْمَر، عن الأشعث بن عبد الله الأعمى قال: إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين، فيقولون: رَوِّحُوا أخاكم، فإنه كان في غَمّ الدنيا. قال: ويسألونه: وما فعل فلان ؟ فيقول: مات، أو ما جاءكم؟ فيقولون: ذهب به إلى أمه الهاوية
وقد رواه ابن مَرْدَويّه من طريق أنس بن مالك مرفوعًا، بأبسط من هذا. وقد أوردناه في كتاب صفة النار، أجارنا الله منها بمنه وكرمه .
وقوله: (نَارٌ حَامِيَةٌ) أي: حارة شديدة الحر، قوية اللهيب والسعير.
قال أبو مصعب، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "نار بني آدم التي تُوقدون جزء من سبعين جزء من نار جهنم" . قالوا: يا رسول الله، إن كانت لكافية. فقال: "إنها فُضِّلَت عليها بتسعة وستين جُزءًا" .
ورواه البخاري، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك. ورواه مسلم عن قُتيبة، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزِّناد، به وفي بعض ألفاظه: "أنها فُضلت عليها بتسعة وستين جزءا، كلهن مثل حرّها" .
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد -وهو ابن سلمة-عن محمد بن زياد-سمع أبا هريرة يقول: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: " نار بني آدم التي توقدون، جزء من سبعين جزءا من نار جهنم" . فقال رجل: إن كانت لكافية. فقال: "لقد فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا حَرًّا فحرا" .
تفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو على شرط مسلم. Ibn Kathir 9/469Ibn Kathir 9/469
وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا سفيان، عن أبي الزياد عن الأعرج، عن أبي هُرَيرة، عن النبي ﷺ -وعمرو، عن يحيى بن جَعْدة-: "إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، وضربت بالبحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد" .
وهذا على شرط الصحة ولم يخرجوه من هذا الوجه، وقد رواه مسلم في صحيحه من طريق [ابن أبي الزناد] .
ورواه البزار من حديث عبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري: "ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا" .
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا عبد العزيز -هو ابن محمد الدراوردي-عن سُهَيل عن أبيه، عن أبي هُريرة، عن النبي ﷺ قال: "هذه النار جزء من مائة جزء من جهنم" .
تفرد به أيضا من هذا الوجه، وهو على شرط مسلم أيضا.
وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو الخلال، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا مَعْن بن عيسى القزاز، عن مالك، عن عَمّه أبي سُهَيل، عن أبيه، عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أتدرون ما مثل ناركم هذه من نار جهنم؟ لهي أشد سوادًا من دخان ناركم هذه بسبعين ضعفًا" .
وقد رواه أبو مصعب، عن مالك، ولم يرفعه. وروى الترمذي وابن ماجه، عن عباس الدَّوريّ، عن يحيى بن أبي بُكَيْر: حدثنا شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة" .
وقد روي هذا من حديث أنس وعمر بن الخطاب. Ibn Kathir 9/470Ibn Kathir 9/470
وجاء في الحديث -عند الإمام أحمد-من طريق أبي عثمان النَّهدي، عن أنس -وأبي نضرة العَبْديّ، عن أبي سعيد وعَجْلان مولى المُشْمَعّل، عن أبي هريرة - عن النبي ﷺ أنه قال: "إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان يغلي منهما دماغه" .
وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب، أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنَفَسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف. فأشد ما تجدون في الشتاء من بردها، وأشد ما تجدون في الصيف من حرها" .
وفي الصحيحين: "إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فَيح جَهَنم" .
آخر تفسير سورة "القارعة" Ibn Kathir 9/471Ibn Kathir 9/471
Choose one book or more.