ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍۢ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ٢
Commentary
الله تعالى هو الذي رفع السموات السبع بقدرته من غير عمد كما ترونها، ثم استوى -أي علا وارتفع- على العرش استواء يليق بجلاله وعظمته، وذلَّل الشمس والقمر لمنافع العباد، كلٌّ منهما يدور في فلكه إلى يوم القيامة. يدبِّر سبحانه أمور الدنيا والآخرة، يوضح لكم الآيات الدالة على قدرته وأنه لا إله إلا هو; لتوقنوا بالله والمعاد إليه، فتصدقوا بوعده ووعيده وتُخْلصوا العبادة له وحده.
يخبر الله تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه: أنه الذي بإذنه وأمره رَفَع السماوات بغير عمَد، بل بإذنه وأمره وتسخيره رفعها عن الأرض بُعدًا لا تنال ولا يدرك مداها، فالسماء الدنيا محيطة بجميع الأرض وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها وأرجائها، مرتفعة عليها من كل جانب على السواء، وبعد ما بينها وبين الأرض من كل ناحية مسيرة خمسمائة عام، وسمكها في نفسها مسيرة خمسمائة عام. ثم السماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا وما حوت، وبينها وبينها من البعد مسيرة خمسمائة عام، وسمكها خمسمائة عام، ثم السماء الثالثة محيطة بالثانية، بما فيها، وبينها وبينها خمسمائة عام، وسمكها خمسمائة عام، وكذا الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة، كما قال [الله] تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] وفي الحديث: "ما السماواتُ السبع وما فيهنّ وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فَلاة، والكرسي في العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة وفي رواية: " والعرش لا يقدر قدره إلا الله، عز وجل ، وجاء عن بعض السلف أن بعد ما بين العرش إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة، وبعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة، وهو من ياقوتة حمراء. Ibn Kathir 5/428Ibn Kathir 5/428
وقوله: (بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) روي عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة: أنهم: قالوا: لها عَمَد ولكن لا ترى.
وقال إياس بن معاوية: السماء على الأرض مثل القبة، يعني بلا عمد. وكذا روي عن قتادة، وهذا هو اللائق بالسياق. والظاهر من قوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] فعلى هذا يكون قوله: (ترونها) تأكيدا لنفي ذلك، أي: هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها. هذا هو الأكمل في القدرة. وفي شعر أمية بن أبي الصلت الذي آمن شعره وكفر قلبه، كما ورد في الحديث ويروى لزيد بن عمرو بن نفيل، رحمه الله ورضي عنه:
وأنتَ الذي مِنْ فَضْل مَنٍّ وَرَحْمَة … بَعَثتَ إلى مُوسَى رَسُولا مُنَاديا
فقلت له: فاذهَبْ وهارونَ فادعُوَا … إلى الله فرْعَونَ الذي كانَ طَاغيا
وَقُولا له: هَلْ أنتَ سَوّيت هَذه … بلا [وتَد حَتَّى اطمأنت كَمَا هيا
وقُولا له: أأنتَ رَفَّعتَ هَذه … بلا] عَمَد أرْفِقْ إذَا بَِك بانيَا؟
وَقُولا لَه: هَل أنتَ سَوَّيت وَسْطَهَا … مُنيرًا إذا ما جَنَّك الليَّل هاديا وقُولا له: مَنْ يُرْسِلُ الشَّمس غُدوةً … فيُصبحَ ما مَسَّتْ مِنَ الأرضِ ضَاحيا? Ibn Kathir 5/429Ibn Kathir 5/429
وَقُولا له: مَن يُنْبِت الحَبَّ في الثَّرَى … فيُصبحَ مِنْه العُشب يَهَْتُّز رَابيا?
وَيُْخِرجُ منْه حَبَّه في رءوسه … فَفِي ذَاكَ آياتٌ لِمنْ كَانَ وَاعيَا
وقوله: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) تقدم تفسير ذلك في سورة "الأعراف" وأنه يُمَرَّر كما جاء من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تمثيل، تعالى الله علوا كبيرا.
وقوله: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى) قيل: المراد أنهما يجريان إلى انقطاعهما بقيام الساعة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨] .
وقيل: المراد إلى مستقرهما، وهو تحت العرش مما يلي بطن الأرض من الجانب الآخر، فإنهما وسائر الكواكب إذا وصلوا هنالك، يكونون أبعد ما يكون عن العرش؛ لأنه على الصحيح الذي تقومُ عليه الأدلة، قبة مما يلي العالم من هذا الوجه، وليس بمحيط كسائر الأفلاك؛ لأنه له قوائم وحملة يحملونه. ولا يتصوّر هذا في الفلك المستدير، وهذا واضح لمن تَدَبَّر ما وَرَدَتْ به الآيات والأحاديث الصحيحة، ولله الحمد والمنة.
وذكر الشمس والقمر؛ لأنهما أظهر الكواكب السيارة السبعة، التي هي أشرف وأعظم.
من الثوابت، فإذا كان قد سخر هذه، فَلأن يدخل في التسخير سائرُ الكواكب بطريق الأولى والأحرى، كما نبه بقوله تعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] مع أنه قد صرح بذلك بقوله ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
وقوله: (يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) أي: يوضح الآيات والدلالات الدالة على أنه لا إله إلا هو، وأنه يعيد الخلق إذا شاء كما ابتدأ خلقه. Ibn Kathir 5/430Ibn Kathir 5/430
• قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} .
ظاهر هذه الآية الكريمة قد يفهم منه أن السماء مرفوعة على عمد، ولكننا لا نراها، ونظير هذه الآية قوله أيضًا في أول سورة "لقمان" : {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} .
واختلف العلماء في قوله: {تَرَوْنَهَا} على قولين: أحدهما أن لها عمدًا، ولكننا لا نراها، كما يشير إليه ظاهر الآية، وممن روي عنه هذا القول ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد، كما قاله ابن كثير.
وروى عن قتادة أيضًا: أن المعنى أنها مرفوعة بلا عمد أصلًا، وهو قول إياس بن معاوية، وهذا القول يدل عليه تصريحه تعالى في سورة "الحج" أنه هو الذي يمسكها أن تقع على الأرض في قوله: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ} .
قال ابن كثير: فعلى هذا يكون قوله: {تَرَوْنَهَا} تأكيدًا لنفي ذلك، أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها كذلك، وهذا هو الأكمل في القدرة. اه. al-Shinqiti 4/89al-Shinqiti 4/89
قال مقيده -عفا الله عنه-: الظاهر أن هذا القول من قبيل السالبة لا تقتضي وجود الموضوع، والمراد أن المقصود نفي اتصاف المحكوم عليه بالمحكوم به، وذلك صادق بصورتين:
الأولى: أن يكون المحكوم عليه موجودًا، ولكن المحكوم به منتف عنه، كقولك ليس الإنسان بحجر، فالإنسان موجود والحجرية منتفية عنه.
الثانية: أن يكون المحكوم عليه غير موجود، فيعلم منه انتفاء الحكم عليه بذلك الأمر الوجودي، وهذا النوع من أساليب اللغة العربية، كما أوضحناه في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] ومثاله في اللغة قول امرىء القيس:
على لاحِبٍ لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا
أي لا منار له أصلًا حتى يهتدى به، وقوله:
لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب بها ينجحر
يعني لا أرانب فيها ولا ضباب.
وعلى هذا فقوله: {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} أي: لا عمد لها حتى تروها. والعمد: جمع عمود على غير قياس، ومنه قول نابغة ذبيان:
وخَيِّس الجن إني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصُّفَّاح والعمد
والصُّفَّاح -بالضم والتشديد-: الحجر العريض. al-Shinqiti 4/90al-Shinqiti 4/90
Choose one book or more.