رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ كَانُوا۟ مُسْلِمِينَ ٢
Language and grammar
قوله: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ
قرئت (رُبَّمَا) يود بتشديد الباء وتخفيفها، والعرب تقول: رُبَّ رجلٍ
جاءني، ويخففون فيقولون رُبَ رَجُل، قال الحادرة
فَسُمَيَّ ما يدريك أن رُبَ فِتْيَةٍ. . . باكرتُ لَذَّتَهُمْ بِأدْكَنَ مُتْرعِ
يريد سُمَيَّة، فَرَخَّمَ. al-Zajjaj 3/171al-Zajjaj 3/171
ويسكنون في التخفيف فيقولون: رُبْ رَجُلٍ قد جاءني.
وأنشدوا بيت الهذلي:
أَزُهَيرُ إِنْ يَشِبِ القَذالُ فإِنَّني. . . رُبْ هَيْضَلٍ لَجِبٍ لفَفْت بِهَيْضَلِ
ويقولون ربَتَّا رجل، وربَّتْ رَجل، ويقولون رَبَّ رَجْل، فيفتحون الراء
ورُبَمَا رَجل جاءني - بفتح الراء، وَرَبَّتَمَا رجل فيفتحون.
حكى ذلك قطرب.
فأما تفسير الآية ففيه غير قول، قيل إنه إذا كان يوم القيامة وعاين الكافِرُ
القيامة وَدَّ لو كان مسلماً، وقيل إنه إذا عاين الموت وَدَّ لَوْ أنه مسْلِم.
وقيل إذا كان يوم القيامة أخرج المسلمون من النار فوَدَّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين.
وقيل يعَيِّر أهْل النار الكفَرَة المُسْلِمينَ قائلين: ما نفعكم إيمَانُكُمْ، فيغضب
اللَّهُ عزَّ وجلَّ لذلك، فيخرجهم من النَّارِ فيود الذين كفروا لو كانوا مسلمين.
والذي أراه - واللَّه أعلم - أن الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب
ورأى حالًا عليها أحوال المسْلِم وَدَّ لوكان مُسْلِماً.
فهذه الأحوال كلها تحتملها الآية.
فإن قال قائل: فلم كانت، (رُبَّ) ههنا، ورُبَّ للتقليل؟
فالجواب في هذا
أن العرب خوطبت بما تعقله في التهدُّدِ، والرجل يتهدَّدُ الرجلَ فيقول له:
لَعلك سَتَنْدَمُ على فعلك، وهو لَا يَشك في أنه يَنْدَم، وتقول له: ربما نَدِم
الِإنْسَانُ من مثل ما صنعتَ، وهو يعلم أن الِإنسان يندم كثيراً، ولكن مجازه أن هذا أو كان مما يُوَدُّ في حَالٍ وَاحِدَةٍ من أحوال العذاب، أو كان الِإنسانَ al-Zajjaj 3/172al-Zajjaj 3/172
يخافُ أنْ يندمَ على الشيء لوجَبَ عَليه اجْتِنَابُه.
والدليل على أنه عَلَى مَعْنَى التهدُّدِ.
* * *
قوله عزَّ وجلَّ: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
[]
وجائز أن يكون - واللَّه أعلم - أن أهوال يوم القيامة تسكرهم وتَشْغَلُهم
عن التَمني، فإذا أفاقوا مِنْ سَكْرةٍ من سَكَرات العَذَابِ ودوا لو كانوا مسلمين.
فأمَّا من قال إن رُبَّ يُعْنِيَ بها الكثير فهذا ضِدُّ مَا يَعْرفُه أهلُ اللغةِ، لأن
الحروف التي جاءت لمعنىً تكون على ما وضعت العَربُ. فربَّ موضوعة
للتقليل، وكم موضوعة للتكثير، وإنما خوطبوا بما يعقلون ويستفيدون.
وإنما زيدت ما مع رُبَّ ليليها الفعُلُ، تقول رُبَّ رَجُلٍ جَاءَنِي وربما
جاءني رَجُل.
رُبَما فيه ثمانية أوجه: قرأ الأعمش وحمزة والكسائي رُبَما مثقلة، وقرأ أهل المدينة وعاصم رُبَما مخفّفة. والأصل الثقيل، والعرب تخفف المثقّل ولا تثقل المخفف. وقال سيبويه : لو سميت رجلا رب مخفّفة ثم صغرته رددته إلى أصله فقلت: ربيب. قال إسماعيل بن إسحاق: حدثنا نصر بن علي عن أبيه عن الأصمعي قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقرأ «ربما» مخفّفة ومثقلة. قال: التخفيف لغة أهل الحجاز والثقيل لغة تميم وقيس وبكر. وحكى أبو زيد أنه يقال: ربّتما وربّتما، وهذا على تأنيث الكلمة. فهذه أربع لغات وحكى أبو حاتم: ربما وربّما وربتما وربتما. ولا موضع لها من الإعراب عند أكثر النحويين لأنها كافة جيء بها لأن ربّ لا يليها الفعل، فلما جئت بما وليها الفعل عند سيبويه لا غير إلّا في الشعر فإنه يليها الابتداء والخبر، وأنشد: [الطويل] ٢٥٧-
صددت فأطولت الصّدود وقلّما ... وصال على طول الصّدود يدوم والجيد قوله: al-Nahhas 2/236al-Nahhas 2/236
٢٥٨-
وطال ما وطال ما وطالما ... سقى بكفّ خالد وأطعما
والذي حكيناه قول الخليل وسيبويه، وحكى لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد أن هذا جائز في الكلام والشعر كما أن إنما يكون بعدها الفعل والابتداء والخبر، وسمعت محمد بن الوليد يقول: ليس في حروف الخفض نظير لربّ لأن سبيل حروف الخفض أن يضاف بها قبلها إلى ما بعدها وسبيل ربّ أن يضاف ما بعده من الفعل إلى ما قبله، وزعم الأخفش أنه يجوز أن تكون «ما» في موضع خفض على أنها نكرة أي ربّ شيء أو ربّ ودّ. يقال: وددت أنّ ذلك كان، إذا تمنيته ودّا لا غير، ووددت الرجل، إذا أحببته ودّا، بضم الواو ومودّة وودادة وودادا. al-Nahhas 2/237al-Nahhas 2/237
Choose one book or more.