The Noble Qur’an Search the Qur’an by a word or a number like 2:282Ctrl K

وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةًۭ ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٨

Sura An-Nahl, ayah 8Meccan
In its sura

Language and grammar

ChosenMa‘ani al-Qur’anI‘rab al-Qur’an
Ma‘ani al-Qur’anal-Farra’ · d. 207 AH

وقوله عزّ وجلّ: (لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً) ، ننصبها: ونجعلها زينة عَلَى فعل مضمر، مثل وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ) أي جعلناها. ولو لَمْ يكن فِي الزينة ولا فى (وَحِفْظاً) واو لنصبتها بالفعل الَّذِي قبلها لا بالإضمار. ومثله أعطيتك درهمًا ورغبة فِي الأجر، المعنى أعطيتكه رغبةً.

فلو ألقيت الواو لَمْ تَحتج إلى ضَمير لأنه متصل بالفعل الَّذِي قبله.

وقوله: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ [٩] يقال: هداية الطرق. ويقال السبيل، الإسلام (وَمِنْها جائِرٌ) ، يقال: الجائر اليهوديّة والنصرانية. يدلّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ القول قوله (وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) . al-Farra’ 2/97al-Farra’ 2/97

وقوله: تُسِيمُونَ [١٠] ترعون إبلكم.

وقوله: مَواخِرَ فِيهِ [١٤] واحدها ماخِرة وهو صوت جَرْي الْفُلْك بالرياح، وقد مَخَرت تَمْخَر وتمخُرُ.

وقوله: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [١٦] يُقال: الْجَدْي والفَرْقَدان.

وقوله: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [١٧] جعل (مَنْ) لغير الناس لَمَّا مَيَّزه فجعله مع الخالِق وصَلح، كما قَالَ: (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ) والعرب تَقُولُ: اشتبه عَليّ الراكب وحمله فما أدرى من ذا من ذا، حيث جمعهما واحدهما إنسان صلحت (مَن) فيهما جَميعًا.

وقوله: أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ [٢١] رفعته بالاستئناف. وإن شئت رددته إلى أَنَّهُ خبر للذين فكأنه قَالَ: والذين تَدْعونَ من دون الله أَمْوات. الأموات فِي غير هَذَا الموضع أنَّها لا رُوح فيها يعني الأصنام. ولو كانت نصبًا عَلَى قولك يُخلقونَ أمواتًا عَلَى القطع وَعَلَى وقوع الفعل أي ويخلقونَ أمواتًا ليسوا بأحياء.

وقوله: (وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) يقول: هي أموات فكيف تشعر متى تُبعث، يعنى الأصنام. ويقال للكفار: وما يشعرون أيّان. وقرأ أَبُو عبد الرحمن السُّلَميّ (أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) بكسر ألف (إِيَّان) وهي لغة لسُلَيم وقد سمعت بعض العرب يقول: متى إيوان ذاك والكلام أوان ذَلِكَ. al-Farra’ 2/98al-Farra’ 2/98

وقوله: وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ [٣٠] جَنَّاتُ عَدْنٍ [٣١] .

ترفع الجنات لأنه اسم لنعم كما تَقُولُ: نعم الدار دارٌ تنزلها. وإن شئت جَعلت (وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ) مكتفيًا بِما قبله، ثُمَّ تستأنف الجنات فيكون رفعها على الاستئناف. وإن شئت رفعتها بما عاد من ذكرها فى (يَدْخُلُونَها) .

وقوله: إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ [٣٨] قَرأها أصحابُ عبد الله (يَهِّدي) يريدون: يهتدي مَن يُضلّ. والعربُ تَقُولُ للرجل: قد هَدَّى الرجلُ يريدون: اهتدى.

ومثله (أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى) ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَن بن عيَّاش أخو أبي بكر بن عَيّاش وقيس بن الربيع وغيرهما عَن الأعمش عَن الشعبي عَن عَلقمة أَنَّهُ قرأ (لا يهدى من يضل) كذلك.

وقرأها أهلُ الحجاز (لا يُهْدَى من يُضلُّ) وهو وجهٌ جيّد لأنّها فِي قراءة أُبَيّ (لا هَادي لِمَن أضلّ الله) ومَنْ فِي الوجهين جَميعًا فِي موضع رفع ومن قَالَ (يُهْدَى) كانت رَفعًا إذ لَمْ يسم فاعلها ومن قَالَ (لا يَهْدِي) يريد: يَهتدي يكون الفعل لمن. al-Farra’ 2/99al-Farra’ 2/99

وقوله: بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا [٣٨] بَلى ليبعثنَّهم وعدًا عَلَيْهِ حقًّا. ولو كَانَ رفعًا عَلَى قوله:

بَلى ذَلِكَ وعد عَلَيْهِ حقٌّ كَانَ صوابًا.

وقوله: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [٤٠] القول مرفوع بقوله:

(أَنْ نَقُولَ) كما تَقُولُ: إِنَّما قولنا الحق. وأَمَّا قوله (فَيَكُونُ) فهي منصوبة بالردّ عَلَى نقول.

ومثلها التي فِي يس منصوبة، وقد رَفعها أكثرُ القراء. وَكَانَ الْكِسَائي يردّ الرفع فِي النحل ٩٤ ب.

وَفِي يس وهو جائز عَلَى أن تجعل (أَنْ تَقُولَ لَهُ) كلامًا تامًا ثُمَّ تُخبر بأنه سيكون، كما تَقُولُ للرجل: إِنَّما يكفيه أن آمره ثُمَّ تَقُولُ: فيفعلُ بعد ذَلِكَ ما يُؤمر.

وقوله: (وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا [٤١] ذُكِرَ أنَّها نزلت فِي عَمَّار وصُهَيْب وبِلال ونظرائِهم الَّذِينَ عُذِّبُوا بمكّة (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً) : نزول المدينة، ولنحَلِّلَنَّ لَهُم الغنيمة. و (الذين) موضعها رفع.

وقوله: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا [٤٣] ثم قال: بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ [٤٤] بعد إلا وَصِلَةُ ما قبل إلا لا تتأخر بعد إِلّا. وَذَلِكَ جائز عَلَى كلامين. فمن ذَلِكَ أن تَقُولُ: ما ضربَ زَيْدًا إِلّا أخوك، وما مر بزيد إِلّا أخوك. (فإن قلت ما ضرب [سقط فى ا] إلا أخوك زيدًا أو ما مرّ إلا أخوك بزيد) فإنه عَلَى كلامين تريدُ مَا مَرّ إِلَّا أخوك ثُمَّ تَقُولُ: مَرّ بزيد. ومثله قولُ الأعشى:

وليس مُجيرًا إن أتى الحيَّ خائِفُ ... ولا قائلًا إِلَّا هُوَ المتَعَيَّبَا فلو كَانَ عَلَى كلمة واحدة كَانَ خطأ لأن المتعيّب من صلة القائِل فأخّره ونوى كلامين فجازَ ذَلِكَ. al-Farra’ 2/100al-Farra’ 2/100

وقال الآخر:

نُبِّئْتُهُمْ عَذَّبُوا بالنار جارتهُمْ ... وهل يعذِّب إِلَّا اللهُ بالنّارِ

ورأيتُ الْكِسَائي يجعل (إِلّا) مع الجحد والاستفهام بِمنزلة غير فينصب ما أشبه هَذَا عَلَى كلمة واحدة، واحتجّ بقول الشاعر :

فلم يَدْرِ إِلَّا اللهُ ما هيَّجت لَنَا ... أَهِلَّةُ أناءِ الديار وشامُهَا

ولا حجَّة لَهُ فِي ذَلِكَ لأنّ (ما) فِي موضع أي فلها فعل مضمر عَلَى كلامين. ولكنه حَسُن قوله، يقول الله عَزَّ وَجَلَّ (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) فقال: لا أجد المعنى إِلَّا لو كَانَ فيهما آلهة غير الله لفسدتا، واحتجّ بقول الشاعر :

أبنِي لُبَيْنَى لستُم بِيَدٍ ... إِلا يدٍ ليست لَهَا عَضد

فقال لو كَانَ المعنى إِلَّا كَانَ الكلام فاسدًا فِي هَذَا لأنِّي لا أقدر فِي هَذَا البيت عَلَى إعادة خافض بضمير وقد ذهب هاهنا مذهبًا.

وقوله: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ [٤٧] جاء التفسير بأنه التنقص. والعربُ تَقُولُ: تَحوَّفته بالحاء:

تنقّصته من حَافَاته. فهذا الَّذِي سَمعت. وقد أتى التفسير بالخاء و (هو معنى) . ومثله ممّا قرىء بوجهين قوله (إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا) و (سبخا) بالحاء والخاء. والسَّبخ: al-Farra’ 2/101al-Farra’ 2/101

السعة. وسمعت العرب تَقُولُ: سَبِّخي صُوفك وهو شبيه بالندف، والسَّبح نحو من ذَلِكَ، وكلّ صَواب بِحمد الله.

وقوله: يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ [٤٨] الظِّلّ يرجع عَلَى كل شيء من جوانبه، فذلك تفيّؤه. ثُمَّ فَسَّر فقال: (عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ) فوحّد اليمين وجَمَع الشمائل. وكل ذَلِكَ جائز فِي العربية.

قَالَ الشاعر :

بِفِي الشامتين الصخر إن كَانَ هدّني ... رَزِيّة شِبْلَيْ مُخْدر فِي الضراغم

ولم يقل: بأفواهِ الشامتين. وقال الآخر :

الواردون وثيم فى ذراسبأ ... قد عضَّ أعناقَهم جلدُ الجواميس

وقال الآخر/ ٩٥:

فباست بنى عبس وأستاه طيّئ ... وباست بني دُودان حَاشَا بني نَصْرِ

فجمع وَوَحَّد. وقال الآخر:

كلوا فِي نصف بطنِكم تعيشوا ... فإنَّ زمانكم زَمَنٌ خميصُ

فجاء التوحيد لأن أكثر الكلام يُواجه بِهِ الواحد، فيقال: خذ عَن يمينك وعن شِمالك لأن المكلم واحد والمتكلّم كذلك، فكأنه إذا وَحّد ذهب إلى واحد من القوم، وإذا جَمَع فهو الَّذِي لا مسألة فِيهِ. وكذلك قوله: al-Farra’ 2/102al-Farra’ 2/102

بنى عقيل ماذه الخنافِقُ ... المالُ هَدْيٌ والنساءُ طالِقُ

وجبل يأوي إِلَيْهِ السارق

فقال: طالق لأن أكثر ما يجري الاستحلاف بين الخصم والخصم، فجرى فِي الجمع عَلَى كثرة الْمُجرى فِي الأصل. ومثله (بِفِي الشامتين) وأشباهه.

وقوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ [٤٩] فقال: (مِنْ دابَّةٍ) لأن (ما) وإن كانت قد تكون عَلَى مذهب (الَّذِي) فإنها غير مؤقّتة، وإذا أبهمت غير موقّتة أشبهت الجزاء، والجزاء تدخل (من) فيما جاء من اسم بعده من النكرة. فيُقال: من ضربه من رجُل فاضربوه. ولا تسقط من فى هَذَا الموضع. وهو كَثِير فِي كتاب الله عزّ وجلّ. قال الله تبارك وتعالى (مَا أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) وقال (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ) وقال (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) ولم يقل فِي شيء منه بطرح (مِنْ) كراهية أن تَشبه أن تكون حالًا لِمَن وَمَا، فجعلوهُ بِمَن ليدلّ عَلَى أَنَّهُ تفسير لِمَا ومن لأنهما غير مؤقّتتين، فكان دخول (من) فيما بعدهما تفسيرا لمعناهما، وَكَانَ دخول (مِن) أدلَّ عَلَى ما لَمْ يوقّت مِن مَنْ وما، فلذلك لَمْ تُلْقَيَا . ومثله قول الشاعر:

حاز لك الله ما آتاكَ من حسن ... وحيثما يقض أمرًا صالِحًا تكُنِ

وقال آخر.

عُمرا حَييت ومَن يشناكَ من أحد ... يَلْق الهوان ويلق الذلّ والغِيرا فدلّ مجيء أحدها هنا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يرد أن يكون ما جاء من النكرات حالًا للأسماء التي قبلها، ودلّ عَلَى أَنَّهُ مترجم عَن معنى من وما. ومما يدل أيضًا قول الله عَزَّ وَجَلَّ (وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ) لأن الشيء لا يكون حالًا، ولكنه اسم مترجم. al-Farra’ 2/103al-Farra’ 2/103

وإنَّما ذكرت هَذَا لأن العرب تَقُولُ: لله دَرُّه من رجل، ثُمَّ يُلقون (من) فيقولون لله دره رجلًا.

فالرجل مترجم (لِمَا قبله) وليس بِحال، إنَّما الحال التي تنتقل مثل القيام والقعود، ولم تُرد لله دَرّه فِي حال رجوليته فقط، ولو أردت ذَلِكَ لَمْ تمدحه كل المدح لأنك إذا قلت: لله درّك قائِمًا، فإنَّما تمدحه فِي القيام وحده.

فإن قلت: فكيف جاز سقوط من فِي هَذَا الموضع؟ قلت من قبل أن الَّذِي قبله مؤقت فلم أُبَلْ أن يخرج بطرح من كالحال، وَكَانَ فِي الجزاء غير موقت فكرهُوا أن تفسَّر حال عَن اسم غير موقّت فألزموها من. فإن قلت: ٩٥ ب قد قالت العرب: ما أتاني من أحد وما أتاني أحد فاستجازوا إلقاء من. قلت: جاز ذَلِكَ إذ لَمْ يكن قَبل أحد وما أتى مثله شىء يكون الأحد لَهُ حالًا فلذلك قالوا:

ما جاءني من رجل وما جاءني رجل.

وقوله: وَلَهُ الدِّينُ واصِباً [٥٢] معناهُ: دائمًا. يُقال: وَصَبَ يَصِب: دام. ويُقال: خالِصًا.

وقوله: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [٥٣] (ما) فِي معنى جزاء وَلَهَا فعل مضمر، كأنك قلت: ما يكن بكم من نعمة فمن الله لأن الجزاء لا بد لَهُ من فعل مجزوم، إن ظهر فهو جزم وإن لَمْ يظهر فهو مضمر كما قَالَ الشاعر: al-Farra’ 2/104al-Farra’ 2/104

إنِ الْعَقْلُ فِي أموالنا لا نضق بِهِ ... ذراعًا وإن صبرًا فَنعرفُ للصبر

أراد: إن يكن فأضمرها. ولو جعلت (ما بِكُمْ) فِي معنى (الَّذِي) جاز وجعلت صلته (بِكم) و (ما) حينئذ فِي موضع رفع بقوله (فَمِنَ اللَّهِ) وأدخل الفاء كما قَالَ تبارك وتعالى (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ) وكل اسم وصل، مثل من وما والذي فقد يَجوز دخول الفاء فِي خبره لأنه مضارع للجزاء والجزاء قد يُجاب بالفاء. ولا يَجوز أخوك فهو قائم لأنه اسم غير موصول وكذلك مالك لي. فإن قلت: مالك جاز أن تَقُولَ: فهو لي. وإن ألقيت الفاء فصواب.

وما ورد عليك فقسه عَلَى هَذَا. وكذلك النكرة الموصولة. تَقُولُ: رجل يقول الحق فهو أحب إليّ من قائل الباطل. وإلقاء الفاء أجود فِي كله من دخولها.

والجُؤار : الصوت الشديد. والثور يُقال لَهُ: قد جأرَ يَجْأَرُ جُؤارًا إذا ارتفعَ صوته من جوع أو غيره بالجيم. وكذلك (فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ)

وقوله: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ [٥٧] نصب لأنها مصدر، وفيها معنى من التعوّذ والتنزيه لله عَزَّ وَجَلَّ. فكأنّها بِمنزلة قوله (مَعاذَ اللَّهِ) وبمنزلة (غُفْرانَكَ رَبَّنا) .

وقوله: (لَهُمْ ما يَشْتَهُونَ) (ما) فِي موضع رفع ولو كانت نصبًا عَلَى: ويَجعلونَ لأنفسهم ما يشتهونَ لكان ذَلِكَ صوابًا. وإنمَّا اخترت الرفع لأن مثل ذا من الكلام يجعل مكان لهم لأنفسهم ألا ترى أنك تَقُولُ: قد جعلت لنفسك كذا وكذا، ولا تَقُولُ: قد جعلت لك. وكل فعل أو خافض ذكرته من مكني عائد عَلَيْهِ مكنيًّا فاجعل مخفوضه الثاني بالنفس فنقول أنت لنفسك لا لغيرك، ثُمَّ تَقُولُ فِي المنصوب أنت قتلت نفسك وَفِي المرفوع أهلكتْكَ نفسك ولا تَقُولُ أهْلَكتك. al-Farra’ 2/105al-Farra’ 2/105

وإنَّما أراد بإدخال النفس تفرقة ما بين نفس المتكلم وغيره. فإذا كَانَ الفعل واقعًا من مكنيّ عَلَى مكنيّ سواه لَمْ تُدخل النفس. تَقُولُ غلامك أهلك مالك ثُمَّ تكني عَن الغلام والمال فتقول: هُوَ أهلكه، ولا تَقُولُ: هُوَ أهلك نفسه وأنت تريدُ المال، وقد تقوله العرب فِي ظننت وأخواتها من رأيت وعلمت وحسبت فيقولون: أظنُّني قائِمًا، ووجدتُني صالِحًا لنقصانِهما وحاجتهما إلى خبر سوى الاسم. وربما اضطر الشاعر فقال: عدمتُني وفقدتُني فهو جائز، وإن كَانَ قليلًا قَالَ الشاعر- وهو جِرَان الْعَوْد-:

لقد كَانَ بي عَن ضَرَّتين عدِمتُني ... وعمَا ألاقي منهما متَزحَزَح

هي الْغُول والسعلاة حَلْقي منهما ... مُخَدَّشُ ما فوق التراقي مكدَّح

وقوله: ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا [٥٨] ولو كَانَ (ظل وجهه مسودٌّ) لكان صوابًا تجعل الظّلول للرجل ويكون الوجه ومسود فِي موضع نصب كما قَالَ (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) والظلول إذا قلت [٩٦ ا] (مُسْوَدًّا) للوجه.

وقوله: أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ [٥٩] الْهُون فِي لغة قريش: الهوان وبعض بني تَميم يجعل الهون مصدرًا للشيء الهين. قَالَ الْكِسَائي: سمعتُ العرب تَقُولُ: إن كنت لقليل هون المئونة مذ اليوم. وقال: سمعت الهوان فِي مثل هَذَا المعنى من بني إنسان قَالَ قَالَ لبعير لَهُ ما بِهِ بأس غير هوانه، يقول: al-Farra’ 2/106al-Farra’ 2/106

إنه هين خفيف الثمن. فإذا قالت العرب: أقبل فلان يَمْشِي على هَوْنه لَمْ يقولوه إلا بفتح الْهَاء، كقوله (يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً) وهي السكينة والوقار. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي شُرَيك عَن جابر عَن عِكْرمة ومجاهد في قوله (يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً) قالا: بالسكينة والوقار، وقوله:

(أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ) يقول: لا يدرى أيّهما يفعل: أيمسكه أم يدسه فِي التراب، يقول:

بدفنها أم يصبر عليها وعلى مكروهها وهى الموؤدة، وهو مثل ضربه الله تبارك وتعالى:

ثم فسر المثل في قوله: لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ [٦٠] ولو كَانَ (مَثَلُ السَّوْءِ) نصبًا لجازَ، فيكون فِي المعنى عَلَى قولك: ضَرَب للذين لا يؤمنون مثل السوء، كما كَانَ فِي قراءة أُبَيّ (وضربَ مَثَلًا كَلِمَةً خَبِيثَةً) وقراءة العوام هاهنا وَفِي إِبْرَاهِيم بالرفع لَمْ نسمع أحدًا نَصَب.

وقوله: وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى [٦٢] أنّ فِي موضع نصب لأنه عبارة عَن الكذب. ولو قيل : (وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ) تجعل الكذب من صفة الألسنة واحدها كذُوبٌ وكُذُب، مثل رسولُ ورُسُل. ومثله قوله (وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ) ، وبعضهم يخفض (الكذب) يجعله مخفوضًا باللام التي فِي قوله (لِمَا) لأنه عبارة عَن (ما) والنصب فِيهِ وجه الكلام، وبه قرأت العوام. ومعناهُ: ولا تقولوا لوصفها الكذب.

وقوله (وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ) يقول: مَنسيّون فِي النار. والعربُ تَقُولُ: أفرطت منهم ناسا أي خلفتهم ونسيتهم. وتقرأ (وأَنَّهُمْ مُفْرِطُونَ) بكسر الرَّاء، كانوا مُفرطين فِي سوء العمل لأنفسهم فِي الذنوب. وتقرأ (مفرِّطُونَ) كقوله (يَا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) يقول: al-Farra’ 2/107al-Farra’ 2/107

فيما تركت وضيّعت.

وقوله: نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ [٦٦] العرب تَقُولُ لكل ما كَانَ من بطون الأنعام ومن السماء أو نَهر يَجري لقوم: أسْقَيت. فإذا سَقَاكَ الرَّجُلُ ماء لِشَفَتِكَ قالوا: سَقَاه. ولم يقولوا: أسْقَاهُ كما قَالَ الله عزّ وجل (وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً) وقال (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) وربما قالوا لِمَا فِي بطون الأنعام ولماء السماء سَقى وأسقى، كما قَالَ لبيد:

سَقَى قومي بني مَجْد وأسقى ... نُميرا والقبائل من هلال

رعوه مربعا وتصيّفوه ... بلا وبإ سُمَيّ ولا وَبَالِ

وقد اختلف الْقُراء فقرأ بعضهم (نُسْقِيكُمْ) وبعضهم (نُسْقِيكم) .

وَأمَّا قوله (مِمَّا فِي بُطُونِهِ) ولم يقل بطونها فإنه قيل- والله أعلم- إنَّ النَّعَمَ والأنعام شيء واحد، وهما جَمعان، فرجع التذكير إلى معنى النَّعم إذ كَانَ يؤدي عَن الأنعام أنشدني بعضهم:

إذا رَأَيْت أنجمًا من الأسد ... جَبْهته أو الخرَاة والكَتَدْ

بال سُهَيْل فِي الفضيح. ففسد ... وطاب أَلْبَانُ اللقاح وبرد فرجع إلى اللبن لأن اللبن والألبان يكون فِي معنى واحد. وقال الْكِسَائي (نُسْقِيكُمْ مِمَّا بطونه) : بطون ما ذكرناهُ، وهو صواب، أنشدني بعضهم: al-Farra’ 2/108al-Farra’ 2/108

مثل الفراخ نَتَقَتْ حَواصلهْ»

وقال الآخر:

كذاك ابنة الأعيار خافى بسالة الرجال وأصلال الرجال أقاصِرُهْ ولم يقل أقاصرهم. أصلال الرجال: الأقوياء منهم.

وقوله (سائِغاً لِلشَّارِبِينَ) يقول: لا يَشرَق باللبن ولا يُغَصّ بِهِ.

وقوله تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً [٦٧] هي الخمر قبل أن تُحَرَّم. والرزق الْحَسَن الزبيب والتمر وما أشبههما.

وقوله: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [٦٨] ألهمَها ولم يأتها رسول.

وقوله: (أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) وهي سقوف البيوت.

وقوله: (ذُلُلًا) [٦٩] نعت للسبل. يُقال: سبيل ذَلُول وذُلُل للجمع ويقال: إن الذلل نعت للنحل أي ذللت لأن يخرج الشراب من بطونها.

وقوله (شِفاءٌ لِلنَّاسِ) يعني العسل دواء ويقال (فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ) يرادُ بالهاء القرآن، فِيهِ بيان الحلال والحرام: al-Farra’ 2/109al-Farra’ 2/109

وقوله: لِكَيْلا يَعْلَمَ [٧٠] .

يقول: لكيلا يعقل من بعد عقله الأول (شَيْئاً) وقوله: فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [٧١] فهذا مثل ضرب الله للذين قالوا: إن عيسى ابنه تعالى الله عَمَّا يقول الظالِمونَ عُلُوًّا كبيرًا، فقال: أنتم لا تشركون عبيدكم فيما ملكتم فتكونون سواء فِيهِ، فكيف جعلتم عبده شريكًا لَهُ تبارك وتعالى.

وقوله: وَحَفَدَةً [٧٢] : والحفدة الأختان ، وقالوا الأعوان. ولو قيل: الْحَفَد: كَانَ صوابًا لأن واحدهم حافد فيكون بِمنزلة الغائب والغَيْب والقاعد والقَعَد.

وقوله: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً [٧٣] نصبت (شَيْئاً) بوقوع الرزق عَلَيْهِ، كما قَالَ تبارك وتعالى (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً) أي تكفت الأحياء والأموات. ومثله (أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً) ولو كَانَ الرزق مع الشيء لَجازَ خفضه: لا يملك لَهم رزق شيء من السموات.

ومثله قراءة من قرأ (فجزاءُ مِثلِ ما قتلَ من النَّعَمِ) .

وقوله: (وَلا يَسْتَطِيعُونَ) وقال فِي أول الكلام (يَمْلِكُ) وَذَلِكَ أنَّ (ما) فى مذهب جمع لآلهتم التي يَعبدون، فوُحِّد (يَمْلِكُ) عَلَى لفظ (ما) وتوحيدها، وجُمع فِي (يَسْتَطِيعُونَ) عَلَى المعنى.

ومثله قوله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) وَفِي موضع آخر (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ) al-Farra’ 2/110al-Farra’ 2/110

ومثله (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً) و (يَعْمَلْ صالِحاً) فمن ذكره رَدّ آخره عَلَى أوّله ، ومن أنَّثَ ذهب إلى أن (مَن) فِي موضع تأنيث، فذهبَ إلى تأنيثها. وأنشدنا بعضُ العرب:

هَيَا أُمَّ عَمْرو مَنْ يكن عُقْرَ دارِهِ ... جواءُ عدِيّ يأكلِ الحشرات

ويسودَّ من لفح السّموم جبينُهُ ... ويَعْرَ وإن كانوا ذوي نَكرات

فرجع فِي (كانوا) إلى معنى الجمع وَفِي قراءة عبد الله- فيما أعلم- (ومنكم من يكون شيوخًا) ولم يقل (شَيْخًا) وقد قَالَ الفرزدق:

تَعَشَّ فإن واثقتني لا تَخونُني ... نكن مثل مَن يا ذئبُ يصطحبان

وأنت امرؤ يا ذئب والغدرُ كنتما ... أُخَيَّيْنِ كانا أُرضِعَا بِلِبانِ

فثنى (يصطحبان) وهو فعل لمن لأنه نواه ونفسه.

وقوله: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً [٧٥] ضرب مثلًا للصنم الَّذِي يعبدون أَنَّهُ لا يقدر عَلَى شيء، (وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ) أي يحمله، فقال: هَلْ يستوي هَذَا الصنم (وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) فقال: لا تُسوُّوا بين الصنم وبين الله تبارك وتعالى.

وقوله: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ [٨٠] يعنى الفساطيط للسفر، وبيوت العرب التي من الصوف والشعر. والظعن يثقل فِي القراءة ويخفف لأن ثانيه عين، والعربُ تفعل ذَلِكَ بِما كَانَ ثانيه أحد الستة الأحرف مثل الشعر والبحر والنهر. أنشدني بعضُ العرب: al-Farra’ 2/111al-Farra’ 2/111

لَهُ نَعْل لا تَطَّبي الكلبَ ريحُها ... وَإِن وُضِعْتَ بين المجالس شمّت

وقوله (أَثاثاً وَمَتاعاً) المتاع إلى حين يقول يكتفون بأصوافها إلى أن يَموتوا. ويُقال إلى الحين بعد الْحين.

وقوله: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [٨١] .

ولم يقل: البرد، وهي تقي الحر والبرد، فترك لأن معناهُ معلومٌ- والله أعلم- كقول الشاعر:

وما أدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ وجهًا ... أريدُ الخيرَ أيُّهما يليني

يريد أي الخير والشر يليني لأنه إذا أراد الخير فهو يتقي الشرّ وقوله (لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) وبلغنا عَن ابن عباس أَنَّهُ قرأ (لعلكم تَسْلمون) من الجراحات.

وقوله: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ [٨٣] يعني الكفارَ إذا قيل لَهُم، من رزقكم؟ قالوا: الله، ثُمَّ يقولون:

بشفاعة آلهتنا فيُشركونَ فذلك إنكارهم (نِعْمَتَ اللَّهِ) .

[قوله] : فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ [٨٦] آلهتهم ردّت عليهم قولهم (إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ) أي لَمْ ندعكم إلى عبادتنا.

وقوله: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ [٩٢] : من بعد إبرام. كانت تغزل الغزل من الصوف فتُبْرمه ثُمَّ تأمر جارية لَهَا بنقضه. ويُقال: إنها رَيطة (تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ) يقول: دَغَلا وخديعة. al-Farra’ 2/112al-Farra’ 2/112

قوله (أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ) يقول: هي أكثر، ومعناهُ لا تغدروا بقوم لقلّتهم وكثرتكم أو قلّتكم وكثرتهم، وقد غررتموهم بالأيمان فسكنوا إليها ٩٧ ب. وموضع (أدنى) نصب. وإن شئت رفعت كما تَقُولُ: ما أظن رجلًا يكون هُوَ أفضل منك وأفضل منك، النصب عَلَى الْعِمَاد ، والرفع عَلَى أن تجعل (هُوَ) اسمًا. ومثله قول الله عَزَّ وَجَلَّ (تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً) نَصْب، ولو كَانَ رفعًا كَانَ صَوَابًا.

وقوله: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ [١٠١] إذا نسخنا آية فيها تشديد مكان آية ألين منها قَالَ المشركون: إنما يتقوله من نفسه ويتعلّمه من عائش مملوك كَانَ لِحُوَيطب بن عبد العزى كَانَ قد أسلم فحسن إسلامه وَكَانَ أعجم، فقال الله عَزَّ وَجَلَّ: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ [١٠٣] يَميلونَ إِلَيْهِ ويهوونه (أَعْجَمِيٌّ) فقال الله: وَهَذَا لِسَانُ مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والقرآن عربيّ.

وقوله : فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ [٨٦] فكسرت لأنّها من صلة القول.

ومن فَتَحها لو لَمْ تكن فيها لام فِي قوله لكاذبون جعلها تفسيرا للقول: ألقو إليهم إنكم كاذبون فيكون نصبًا لو لَمْ يكن فيها لام كما تَقُولُ: ألقيت إليك أنك كاذب. ولا يَجوز إلا الكسر عند دخول اللام، فتقول: ألقيت إليك إنك لكاذب.

وقوله: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا [١١٠] يقول: عذّبوا. نزلت فى عمّار بن ياسر وأصحابه الَّذِينَ عُذبوا، حَتَّى أشرك بعضهم بلسانه وهو مؤمنٌ بقلبه فغفر الله لَهُم، فذلك قوله (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) بعد الفعلة . al-Farra’ 2/113al-Farra’ 2/113

وقوله: قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً [١١٢] يعني مكة أنها كانت لا يُغارُ عليها كما تفعل العرب:

كانوا يتغاورون (مُطْمَئِنَّةً) : لا تنتقل كما تنتجع العرب الخصب بالنُّقْلة.

وقوله (مِنْ كُلِّ مَكانٍ) : من كلّ ناحية (فَكَفَرَتْ) ثم قال (بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) ومثله فِي القرآن كَثِير. منه قوله (فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ) ولم يقل: قائلة. فإذا قَالَ (قائِلُونَ) ذهب إلى الرجال، وإذا قَالَ (قائلة) فإنّما يعني أهلها، وقوله (فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً فَذاقَتْ) .

وقوله (لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) ابتُلوا بالجوع سبع سنين حَتَّى أكلوا العظامَ المحرقة والجِيفَ.

والخوفَ بُعُوث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسراياه. ثُمَّ إن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَقَّ لَهم فحمل إليهم الطعام وهم مشركون. قال الله عَزَّ وَجَلَّ لَهُم، كُلُوا (وَاشْكُرُوا ) .

وقوله: لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ [١١٩] كل من عمل سوءًا فهو جاهل إذا عمله.

وقوله: أُمَّةً قانِتاً [١٢٠] : مُعلمًا للخير.

وقوله: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ [١٢٤] أتى موسى أصحابه فقال: تفرّغوا لله يوم الجمعة فلا تعلموا فيه شيئا، فقالوا: لا، بَلْ يوم السبت، فرغ الله فِيهِ من خَلْق السموات والأرض، فشُدد عليهم فِيهِ. وأتى عيسى النصارى بالجمعة أيضًا فقالوا: لا يكون عيدهم بعد عيدنا فصاروا إلى الأحد. فذلك اختلافهم وتقرأ (إنما جَعَل ٩٨ السبتَ نصبًا، أي جعل الله تبارك وتعالى. al-Farra’ 2/114al-Farra’ 2/114

وقوله: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [١٢٦] (نزلت فِي حَمْزَةَ ) لِمّا مَثَّل المشركون بحمزة يوم أحد فقال النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لأمثّلَنّ بسبعين شيخًا من قريش فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ) ثُمَّ أمره بالصبر فقال (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ثُمَّ أمره بالصبر عزمًا فقال:

وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [١٢٧] .

وقوله (وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) فالضيق ما ضاق عَنْهُ صدرك، والضيق ما يكون فِي الَّذِي يتسع مثل الدار والثوب وأشباه ذَلِكَ وإذا رأيت الضَّيق وقع فِي موقع الضيق كَانَ عَلَى وجهين: أحدهما أن يكون جَمعًا واحدته ضَيْقَة كما قَالَ :

كَشَف الضَّيْقة عَنّا وَفَسَحْ

والوجهُ الآخر أن يُراد بِهِ شيء ضَيِّق فيكون مخففًا، وأصله التشديد مثل هين ولين تريد هيّن ليّن.

[ومن سورة بنى إسرائيل]

قوله: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ. الحرم كله مسجد، يعني مكة وحرمها (إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) : بيت المقدس (الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) بالثمار والأنهار.

وقوله: (لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا) يعني النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين أُسْرِيَ بِهِ ليريه تِلْكَ الليلة العجائب. وأُري الأنبياء حَتَّى وصفهم لأهل مكة، فقالوا: فإن لنا إبلا فى طريق الشام فأخبرنا بأمرها، فأخبرهم بآيات وعلامات، فقالوا: متى تقدَمُ؟ فقال: يوم كذا مع طلوعِ الشمس يقدُمها جَمل أورق. فقالوا: هَذِه علامات نعرف بِهَا صِدْقه من كذبه. فغدوا من وراء العقبة يستقبلونها، فقال قائل: هَذِه والله الشمسُ قد شَرَقت ولم تأتِ. وقال آخر: هَذِه والله العيرُ يقدُمها جَمل أورق كما قَالَ مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ لَمْ يؤمنوا. al-Farra’ 2/115al-Farra’ 2/115

وقوله: أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا [٢] يُقال: رَبًّا، ويُقال: كافيًا.

وقوله: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا [٣] منصوبة عَلَى النداء ناداهم: يا ذُرِّية من حملنا مع نوح، يعني فِي أصلاب الرجال وأرحام النساء مِمّن لَمْ يُخْلَق.

وقوله: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ [٤] .

أعلمناهم أنهم سيفسدون مرتين.

وقوله: (فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما) يقول: عقوبة أولى المرتين، وهو أول الفسادين (بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا) يعني بُخْتَنصر فسَبَى وقتل.

وقوله: (فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ) يعني: قتلوكم بين بيوتكم (فَجاسُوا) فِي معنى أخذوا وحاسوا أيضًا بالحاء فِي ذَلِكَ المعنى.

وقوله: ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ [٦] يعني عَلَى بختنصَّر جاء رجل بعثه الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَى بختنصر فقتله وأعاد الله إليهم ملكهم وأمرهم، فعاشوا، ثُمَّ أفسدوا وهو آخر الفسادين.

وقوله: فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ [٧] يقول القائل: أين جواب (إذا) ؟

ففيه وجهان. يقال: فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسُوء الله وجوهكم لِمن قرأ بالياء. وقد يكون ليسوء العذاب وجوهكم. وقرأها أبي بن كعب ٩٨ ب (لِنَسُوءن وجوهَكم) بالتخفيف يعني النون. al-Farra’ 2/116al-Farra’ 2/116

ولو جعلتها مفتوحة اللام كانت جَوَابًا لإذا بلا ضمير فعل. تَقُولُ إذا أتيتني لأسُوءَنَّك ويكون دخول الواو فيما بعد (لنسوءن) بِمنزلة قوله (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ) نريه الملكوت، كذلك الواو فى (وَلِيَدْخُلُوا) تضمر لَهَا فعلًا بعدها، وقد قُرئت (لِيَسُوءُوا وجوهكم) الذين يدخلون.

وقوله: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [٩] . يقول: لشهادة أن لا إله إلا الله.

(وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ) أوقعت البشارة عَلَى قوله (أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) ويَجوز أن يكون المؤمنون بُشروا أيضًا بقوله (وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) لأن الكلام يحتمل أن تَقُولُ: بشرت عبد الله بأنه سيعطى وأن عدّوه سيُمنع، ويكون . ويبشر الَّذِينَ لا يؤمنون بالآخرة أنا أعتدنا لَهم عذابًا أليمًا، وإن لَمْ يوقع التبشير عليهم كما أوقعه عَلَى المؤمنين قبل (أنَّ) فيكون بِمنزلة قولك فِي الكلام بَشّرت أن الغيث آتٍ فِيهِ معنى بشرت الناس أن الغيث آتٍ وإن لَمْ تذكرهم. ولو استأنفْت (وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) صلح ذَلِكَ ولم أسمع أحدًا.

قرأ بِهِ.

وقوله: وَيَدْعُ الْإِنْسانُ [١١] حذفت الواو منها فِي اللفظ ولم تُحذف فِي المعنى لأنَّها فِي موضع رفع، فكان حذفها باستقبالها اللام السَّاكنة. ومثلها (سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ) وكذلك (وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ) وقوله (يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ) وقوله (فَما تُغْنِ النُّذُرُ) ولو كن بالياء والواو كَانَ صَوَابًا. وهذا من كلام العرب. قَالَ الشاعر: al-Farra’ 2/117al-Farra’ 2/117

كفاكَ كفٌّ ما تُليق دِرْهمًا ... جُودًا وأخرى تُعْطِ بالسيف الدَّمَا

وقال بعضُ الأنصار:

لَيْسَ تَخفى بشارتي قَدْر يومٍ ... ولقد تُخْفِ شِيمتي إعساري

وقوله: (وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ) يريد كدعائه بالخير فِي الرغبة إلى الله عَزَّ وَجَلَّ فيما لا يحب الداعي إجابته، كدعائه عَلَى ولده فلا يُستجابُ لَهُ فِي الشر وقد دعا بِهِ. فذلك أيضًا من نِعَم الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ.

وقوله: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ [١٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي مِنْدَلُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أبى الأسود الدّؤلي رَفَعَهُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: هُوَ اللَّطْخُ الَّذِي فِي الْقَمَرِ.

وقوله: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ [١٣] وهو عمله، إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشرًا (وَنُخْرِجُ لَهُ) قرأها يَحْيَى بن وثّاب بالنون وقرأها غيره بالياء مفتوحة: (وَيَخْرُجُ لَهُ) طائره، منهم مجاهدو الحسن. وقرأ أَبُو جَعْفَر المدني (ويُخرج ... له كتابًا) معناهُ: ويُخْرِج لَهُ عمله كتابًا.

وكلٌّ حسن. al-Farra’ 2/118al-Farra’ 2/118

وقوله: اقْرَأْ كِتابَكَ [١٤] : فيها- والله أعلم- (يُقال) مضمرة. مثل قوله (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) ومثل قوله (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ) المعنى- والله أعلم-:

فيقال: أكفرتم.

وقوله: أَمَرْنا مُتْرَفِيها

[١٦] قرأ الأعمش ٩٩ اوعاصم ورجال من أهل المدينة (أَمَرْنا)

خفيفة حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي سفيان بن عيينة عن حميد الأعرج عن مجاهد (أَمَرْنا)

خفيفة.

وفسّر بعضهم (أَمَرْنا مُتْرَفِيها)

بالطاعة (فَفَسَقُوا)

أي إن المترف إذا أُمر بالطاعة خالفَ إلى الفسوق .

وَفِي قراءة أُبي بن كعب (بعثنا فيها أكابر مجرميها) وقرأ الْحَسَن (آمرَنا) وروى عَنْهُ (أمِرنا) ولا ندري أنّها حُفظت عَنْهُ لأنا لا نعرف معناها هاهنا. ومعنى (آمرنا) بالمد: أكثرنا. وقرأ أَبُو العالية الرياحي (أمَّرنا مُتْرفيها) وهو موافق لتفسير ابن عباس، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: سلَّطْنَا رؤساءها ففسقوا فيها.

قوله: كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [١٤] وكل ما فِي القرآن من قوله (وَكَفى بِرَبِّكَ) (وَكَفى بِاللَّهِ) و (كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ) فلو ألقيت الباء كَانَ الحرف مرفوعًا كما قَالَ الشاعر :

ويُخبرني عَن غائب الْمَرْء هَدْيُه ... كَفَى الْهَدْيُ عَمَّا غَيَّب المرءُ مُخْبِرا

وإنّما يَجوز دخول الباء فِي المرفوع إذا كَانَ يُمدح بِهِ صاحبه ألا ترى أنك تَقُولُ: كفاكَ بِهِ ونَهاكَ بِهِ وأكرم بِهِ رجلًا، وبئس بِهِ رجلًا، ونعم بِهِ رجلًا، وطاب بطعامك طعامًا، وجادَ بثوبك ثوبًا. ولو لَمْ يكن مدحًا أو ذمًا لَمْ يجز دخولها ألا ترى أن الَّذِي يقول: قامَ أخوكَ أو قعد أخوك لا يَجوز لَهُ أن يقول: قام بأخيك ولا قعد بأخيك إلا أن يُريد قام بِهِ غيره وقعد بِهِ. al-Farra’ 2/119al-Farra’ 2/119

وقوله: عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [١٨] أي ذَلِكَ منا لِمن نريد.

وقوله: كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ أوقعت عليهما نُمد أي نُمدهم جَميعًا أي نرزق المؤمن والكافر من عطاء ربّك.

وقوله: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا [٢٣] كقولك: أمر ربك وهي فِي قراءة عبد الله (وَأَوْصَى ربَك) وقال ابن عباس هي (وَوَصَّى) التصقت واوها. والعربُ تَقُولُ تركته يقضي أمور الناس أي يأمر فيها فينفذ أمره.

وقوله (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) معناهُ: وأوصى بالوالدين إحسانًا. والعرب تَقُولُ أوصيكَ بِهِ خيرًا، وآمرك بِهِ خيرًا. وَكَانَ معناهُ: آمرك أن تفعل بِهِ ثُمَّ تحذف (أنْ ) فتوصل الخير بالوصية وبالأمر، قَالَ الشاعر:

عجبتُ من دَهْمَاء إذ تشكونا ... ومن أبي دهماء إذ يوصينا

خيرًا بِهَا كأننا جافونا

وقوله: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ) فإنه ثنى لأن الوالدين قد ذكر قبله فصار الفعل عَلَى عددهما، ثُمَّ قَالَ (أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما) على الائتناف كقوله (ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا ) ثم استأنف فقال: (كَثِيرٌ مِنْهُمْ) وكذلك قوله (لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) ثم استأنف فقال:

(الَّذِينَ ظَلَمُوا) وقد قرأها ناس كَثِير (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ) جعلت (يَبْلُغَنَّ) فعلًا لأحدهما. فكررت ب فكرت عَلَيْهِ كلاهما. al-Farra’ 2/120al-Farra’ 2/120

وقوله (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ) قرأها عَاصِم بن أبي النجود والأعمش (أُفِّ) خفضًا بغير نون. وقرأ العوامّ (أفّ) فالذين خفضوا ونوَّنوا ذهبوا إلى أنها صوت لا يُعرف معناهُ إلا بالنطق بِهِ فخفضوه كما تُخفض الأصوات. من ذَلِكَ قول العرب: سمعت طاقٍ طاقٍ لصوت الضرب، ويقولون:

سمعت تغٍ تغٍ لصوت الضحك. والذين لَمْ ينونوا وخفضوا قالوا: أفّ عَلَى ثلاثة أحرف، وأكثر الأصوات إنما يكون عَلَى حرفين مثل صَهْ ومثل يغ ومَهْ، فذلك الَّذِي يُخفض ويُنَوَّن فِيهِ لأنه متحرك الأول. ولسنا بمضطرين إلى حركة الثاني من الأدوات وأشباهِها فيُخْفَض فخفض بالنون:

وشبهت أفَّ بقولك مُدَّ ورُدَّ إذ كانت عَلَى ثلاثة أحرف. ويدل عَلَى ذَلِكَ أن بعض العرب قد رفعها فيقول أفُّ لك. ومثله قول الراجز:

سألتُها الوصلَ فقالت مِضِّ ... وحَرَّكت لي رأسها بالنَغْض

كقول القائل (لا) يقولها بأضراسه. ويُقال: ما علّمك أهلك إلا (مضِّ ومِضُّ) وبعضهم:

إلا مِضّا يوقع عليها الفعل. وقد قَالَ بعضُ العرب: لا تقولن له أُفا ولا تُفّا يجعل كالاسم فيصيبه الخفض والرفع [والنصب] ثبت فِي ب والنصب بلا نون يَجوز كما قالوا رُدّ. والعربُ تَقُولُ: جعل يتأفف من ريح وجدها، معناهُ يقول: أفِّ أفِّ. وقد قَالَ الشاعر فيما نُوّن:

وقفنا فقلنا إِيهِ عَن أمّ سالِمٍ ... وَمَا بال تكليم الديار البلاقع فحذف النون لأنها كالأداة، إذ كانت عَلَى ثلاثة أحرف، شُبِّهت بقولِهم: جَيْر لا أفعل ذَاك، وقد قَالَ الشاعر : al-Farra’ 2/121al-Farra’ 2/121

فقُلْن عَلَى الفردوس أوَّل مشرب ... أجل جير إن كانت أبيحت دعاثره

وقوله: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ [٢٤] بالضم قرأها العوام. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي هُشيم عَنْ أبي بشر جَعْفَر بن إياس عَن سعيد بن جبير أَنَّهُ قرأ (واخفض لهما جناحَ الذِّلّ) بالكسر. قَالَ: حَدَّثَنَا الفراء وَحَدَّثَنِي الحكم بن ظُهير عَن عَاصِم بن أبي النجود أَنَّهُ قرأها (الذِّلّ) بالكسر. قَالَ أَبُو زكريا: فسألتُ أبا بكر عنها فقال: قرأها عَاصِم بالضم. والذُلّ من الذلة أن يتذلل وليس بذليل فِي الخلقة، والذلة والذل مصدر الذليل والذِّل مصدر للذلول مثل الدابَّة والأرض. تَقُولُ: جَمَل ذَلُول، ودابة ذَلُول، وأرض ذَلول بينة الذل.

وقوله: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ [٢٨] يقول: إذا أتتك قرابتك أو سواهم من المحتاجين يسألونك فأعرضت لأنه لا شيء عندك تعطيهم فقل لهم: قولا ميسورا، يقول: عِدْهُم عِدة حَسَنةً. ثُمَّ نَهاهُ أن يعطي كل ما عنده حَتَّى لا يبقى محسورًا لا شيء عنده. والعرب تَقُولُ للبعير:

هُوَ محسور إذا انقطعَ سيره وحسرت الدابة إذا سرتها حَتَّى ينقطع سيرها. وقوله: (يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ) يحسر عند أقصى بلوغ المنظر. al-Farra’ 2/122al-Farra’ 2/122

وقوله: خِطْأً كَبِيراً [٣١] وقرأ الْحَسَن خَطَاء كبيرًا بالمد. وقرأ أَبُو جَعْفَر المدني (خَطَأ كبيرًا) قَصَر وهمز. وكل صواب. وكأن الخطأ الإثم. وقد يكون فِي معنى خَطَأ بالقصر.

كما قالوا: قِتْب وقَتَب، وحِذْرٌ وَحَذَرٌ، ونجسٌ ونَجَسٌ. ومثله قراءة من قرأ (هم أولاء على أثرى) و (إثرى) .

وقوله: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً [٣٣] فِي الاقتصاص أو قبول الدية.

ثُمَّ قَالَ: (فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) فقرئت بالتاء والياء. فمن قَالَ بالياء ذهبَ إلى الولي أي لا يقتلنَّ غير قاتله. يقول فلا يُسرف لولي فِي القتل. قَالَ: حدّثنا القراء قَالَ وَحَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ مِنْدَلٌ وَجَرِيرٌ وَقَيْسٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ أَنَّهُ قَرَأَ (فَلا تُسْرِفْ) بِالتَّاءِ.

وَفِي قراءة أُبَيّ (فلا يُسْرِفوا فِي القتل) .

وقوله (إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً) يُقال: إن وليَّه كَانَ منصورًا. ويُقال الْهَاء للدم. إن دم المقتول كَانَ منصورًا لأنه ظلم. وقد تكون الْهَاء للمقتول نفسه، وتكون للقتل لأنه فعل فيجري مجرى الدم والله أعلمُ بصواب ذَلِكَ.

وقوله: حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ [٣٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ وَحَدَّثَنِي حِبَّانُ بْنُ عَلِيٍّ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الأَشُدُّ. مَا بَيْنَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ إِلَى ثَلاثِينَ.

وقوله: وَلا تَقْفُ [٣٦] أكثر القراء يجعلونها من قفوت، فتحرَّك الفاء إلى الواو، فتقول (وَلا تَقْفُ) وبعضهم قَالَ (ولا تَقُفْ ) والعربُ تَقُولُ قُفْت أثره وقفوته. ومثله يعتام ويعتمى وقاع الجمل الناقة وقعا إذا ركبها، وعاث وعَثَى من الفساد. وهو كَثِير، منه شاك السلاح وشاكي السلاح، وجُرْف هارٌ وهارٍ. وسمعت بعض قُضَاعة يقول: اجتحى ماله واللغة الفاشية اجتاح ماله. al-Farra’ 2/123al-Farra’ 2/123

وقد قَالَ الشاعر:

ولو أني رأيتك من بعيد ... لعاقكَ من دعاء النِّيب عَاقِي

يريد: عائق

حَسِبْتَ بُغَامَ راحِلَتي عَنَاقًا ... وما هِيَ وَيْبَ غَيْرِكَ بالعَنَاق

وقوله: كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً [٣٨] وقرأ بعض أهل الحجاز (كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً) .

وقوله: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ [٤٤] .

أكثر القراء عَلَى التاء. وهي فِي قراءة عبد الله (سبَّحت لَهُ السموات السبع) فهذا يقوِّي الَّذِينَ قرءوا بالتاء. ولو قرئت بالياء لكان صوابا كما قرءوا (تَكادُ السَّماواتُ) و (يكادُ) وإنَّما حسنت الياء لأنه عدد قليل، وإذا قلَّ العدد من المؤنث والمذكر كانت الياء فِيهِ أحسن من التاء قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ فِي المؤنث القليل (وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ) ، وقال فِي المذكر (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ) فجاء بالتذكير. وَذَلِكَ أن أول فعل المؤنث إذا قلّ يكون بالياء، فيقال:

النسوة يقمن ١٠٠ ب. فإذا تقدم الفعل سقطت النون من آخره لأن الاسم ظاهر فثبت الفعل من أوله على الياء، ومن أنث ذهبَ إلى أن الجمع يقع عَلَيْهِ (هَذِه) فأنَّث لتأنيث (هَذِه) والمذكر فِيهِ كالمؤنث ألا تَرى أنك تَقُولُ: هَذِه الرجال، وهذه النساء. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي قيس بن الربيع عن عمار الدهني عَن سعيد بن جبير قَالَ: كل تسبيح فِي القرآن فهو صلاة، وكل سلطان حُجّة، هَذَا لقوله (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) . al-Farra’ 2/124al-Farra’ 2/124

وقوله: عِظاماً وَرُفاتاً: الرفات: التراب لا واحد لَهُ، بِمنزلة الدُّقَاق والحطام.

وقوله: أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ [٥١] قالوا للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أرأيت لو كُنّا الموت من يميتنا؟ فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ (أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ) يعني الموت نفسه أي لبعث الله عليكم من يميتكم.

وقوله (فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ) يُقال أنغض رأسه أي حرَّكه إلى فوق وإلى أسفل.

وأرانا ذَلِكَ أَبُو زكريا فقال برأسه، فألصقه بِحَلْقِه ثُمَّ رفعه كأنه ينظرُ إلى السّقف. والرأس ينغض وينغض. والثنيّة إذا تحركت: قيل نغضت سنة. وإنما يسمى الظليم نَغضًا لأنه إذا عجل مشيه ارتفع وانخفض.

وقوله: (وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ) يعني البعث.

وقوله: وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا [٥٤] يقول: حافظا وربّا.

وقوله: زَبُوراً [٥٥] قال الفراء وَحَدَّثَنِي أَبُو بكر قَالَ كَانَ عَاصِم يقرأ (زَبُوراً) بالفتح فِي كل القرآن. وقرأ حَمْزَةُ بالضم.

وقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ [٥٧] يعني الجن الَّذِينَ كانت خُزاعة تعبدهم. فقال الله عز وجل (أُولئِكَ) يعني الجن الَّذِينَ (يَدعونَهم) يبتغونَ إلى الله. ف (يَدْعُونَ) فعل للذين يعبدونهم. و (يَبْتَغُونَ) فعل للجنّ به ارتفعوا. al-Farra’ 2/125al-Farra’ 2/125

وقوله: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها [٥٨] بالموت (أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً) بالسيف.

وقوله: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ [٥٩] (أنْ) فِي موضع نصب (إِلَّا أَنْ كَذَّبَ) أن فِي موضع رفع كما تَقُولُ: ما منعهم الإيمان إلَّا تكذيبهم.

وقوله (النَّاقَةَ مُبْصِرَةً) جعل الفعل لَهَا. ومن قرأ (مَبْصَرة) أراد: مثل قول عنترة.

والكفر مَخبثَة لنفس المنعم

فإذا وضعت مفعلة فِي معنى فاعل كفت من الجمع والتأنيث، فكانت موحدة مفتوحة الْعَين، لا يجوز كسرها. العرب تَقُولُ: هَذَا عُشْب مَلْبَنَة مسمنة ، والولد مبخلة مجبنة. فما ورد عليك منه فأخرجه عَلَى هَذه الصورة. وإن كَانَ من الياء والواو فأظهرهما. تَقُولُ: هَذَا شراب مَبْولة، وهذا كلام مهيبة للرجال ، ومتيهة، وأشباه ذَلِكَ. ومعنى (مبصرة) مضيئة، كما قَالَ الله عز وجل (والنَّهارَ مُبْصِراً) : مضيئا.

وقوله: إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ [٦٠] يعني أهل مكة أي أَنَّهُ سيفتح لك (وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً) يريد: ما أريناكَ ليلة الإسراء إلا فتنة لَهُم، حَتَّى قَالَ بعضهم: ساحر، وكاهن، وأكثروا. (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ) هي شجرة الزَّقوم، نصبتها بجعلنا. ولو رُفعت تُتْبَع الاسم الَّذِي فِي فتنة من الرؤيا كَانَ صوابًا. ومثله فِي الكلام جعلتك عاملًا وزيدا وزيد. al-Farra’ 2/126al-Farra’ 2/126

وقوله: لَأَحْتَنِكَنَّ ١٠١ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [٦٢] يقول: لأستولينّ عليهم (إِلَّا قَلِيلًا) يعنى المعصومين.

وقوله: وَاسْتَفْزِزْ [٦٤] يقول استخفّ (بِصَوْتِكَ) بدعائك (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) يعني خيل المشركين ورجالهم.

وقوله (وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ) كل مال خالطه حرام فهو شركُهُ. وقوله (وَعِدْهُمْ) أي قل لَهُم: لا جنّة ولا نار. ثُمَّ قَالَ الله تبارك وتعالى (وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً) .

وقوله: لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً [٦٩] يُقال: ثائرًا وطالبًا. فتبيع فِي معنى تابع.

وقوله: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [٧١] قراءة العوامّ بالنون. و (يدعوا ) أيضًا لله تبارك وتعالى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الفراء قَالَ: وسألني هُشيم فقَالَ: هَلْ يجوز (يوم يدعوا كُلُّ أناس) روَوه عَن الْحَسَن فأخبرته أني لا أعرفه، فقال: قد سألتُ أهل العربية عَن ذَلِكَ فلم يعرفوه .

وقوله: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى [٧٢] يعنى: فى نعم الدُّنْيَا التي اقتصصناها عليكم (فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ) فى نعم الآخرة (أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا) .

والعرب إذا قالوا: هُوَ أفعل منك قالوه فِي كل فاعل وفَعِيل، وما لا يزاد فِي فعله شيء عَلَى ثلاثة أحرف. فإذا كان على فعللت مثل زخرفت، أو أفعلت مثل احمررت واصفررت لَمْ يقولوا: هُوَ أفعل منك إلا أن يقولوا: هُوَ أشد حمرةً منك، وأشد زخرفةً منك. وإنما جازَ فِي العمى لأنه لَمْ يُرد بِهِ عمى الْعَين، إنّما أراد بِهِ- والله أعلم- عَمَى القلب. فيُقال: فلان أعمى من فلان فِي القلب و (لا تقل) : هُوَ أعمى منه فِي الْعَين. فذلك أَنَّهُ لَمَّا جاء عَلَى مذهب أحمر وحمراء تُركَ فِيهِ أفعل منك كما تُرِكَ فِي كثيره . وقد تَلْقَى بعض النحويين يقول: أُجيزه فِي الأعمى والأعشى والأعرج والأزرق، لأنا قد نقول: عمي وزرق وعرج وعَشِي ولا نقول: صَفِر ولا حَمِر ولا بيض. وليس ذَلِكَ بشيء، إنما ينظر فِي هَذَا إلى ما كَانَ لصاحبه فِيهِ فعل يقلّ أو يكثر، فيكون أفعل دليلًا عَلَى قلة الشيء وكثرته ألا ترى أنك قد تَقُولُ: فلان أقوم من فلان وأجمل لأن قيام ذا وجَمَالَه قد يزيد عَلَى قيام الآخر وجماله، ولا تَقُولُ لأعميين: هَذَا أعمى من هَذَا، ولا لميتين: هَذَا أموت من هَذَا. al-Farra’ 2/127al-Farra’ 2/127

فإن جاءك منه شيء فِي شعر فأجزته احتمل النوعان الإجازة: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي شيخ من أهل البصرة أَنَّهُ سمع العرب تَقُولُ: ما أسود شعره. وسئل الفراء عَن الشيخ فقال: هَذَا بشار الناقط. وقال الشاعر :

أمّا الملوك فأنتَ اليومَ ألأمهم ... لُؤمًا وأبيضهم سِرْبَالَ طبَّاخ

فمن قَالَ هَذَا لزمه أن يقول: الله أبيضك والله أسْوَدك وما أسْوَدَك. ولُعبة للعرب يقولون أبيضي حالا وأسيدي حالا والعربُ تَقُولُ مُسْوِدة مُبيضة إذا ولدت السُّودان والبيضان وأكثر ما يقولون: مُوضحة إذا ولدت البيضان وقد يقولون مسيدة ١٠١ ب.

وقوله: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ [٧٦] لَمّا قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة حسدته اليهود وثَقُلَ عليهم مكانه، فقالوا: إنك لتعلم أن هَذِه البلاد ليست ببلاد الأنبياء، إنما بلادهم الشام. فإن كنت نبيًّا فاخرج إِلَيْهِ، فإن الله سينصرك. قَالَ: فعسكر النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أميالٍ من المدينة فأنزل الله: (وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ) ليستخفونك وإذا لا يلبثون من الأرض (خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا) يقول: إنك لو خرجت ولم يؤمنوا لنزل بِهم العذاب. al-Farra’ 2/128al-Farra’ 2/128

وقوله: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ [٧٧] نصب السنة عَلَى العذاب المضمر، أي يُعذبون كسنة من قد أرسلنا (وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا) .

وقوله: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ [٧٨] .

جاء عَن ابن عباس قَالَ: هُوَ زَيغوغتها وزوالها للظهر. قَالَ أَبُو زكريّا: ورأيت العرب تذهب بالدلوك إلى غياب الشمس أنشدني بعضهم:

هَذَا مَقَام قدَمَيْ رَبَاحِ ... ذبَّبَ حَتَّى دَلَكتْ بِراحِ

يعني الساقي ذبَّب: طرد الناس. براح يقول: حَتَّى قَالَ بالراحة عَلَى الْعَين فينظر هَلْ غابت قَالَ: هكذا فسَّروه.

وقوله (إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ) : أوّل ظلمته للمغرب والعشاء.

وقوله (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) أي وأقم قرآن الفجر (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً) يعني صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار.

وقوله: نافِلَةً لَكَ [٧٩] ليست لأحد نافلة إلا للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنه لَيْسَ من أحد إلا يخاف عَلَى نفسه، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد غُفِرَ لَهُ ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فعمله نافلة.

وقوله: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ [٨٠] قَالَ لَهُ فِي المنصرف لِمَا رجع من معسكره إلى المدينة حين أراد الشام (وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) إلى مكة. al-Farra’ 2/129al-Farra’ 2/129

وقوله: كانَ يَؤُساً [٨٣] إذا تركت الهمزة من قوله (يؤوسا) فإن العرب تَقُولُ يَوْسًا ويَووسًا تجمعون بين ساكنين وكذلك (وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما) وكذلك (بِعَذابٍ بَئِيسٍ) يقول بيس و (بييس) و (يؤوده) يجمعون بين ساكنين. فهذا كلام العرب: والقراء يقولون (يووسا) و (يووده) فيحركون الواو إلى الرفع و (بَيِيسٍ) يحركون الياء الأولى إلى الخفض. ولم نَجد ذَلِكَ فِي كلامهم، لأن تَحريك الياء والواو أثقل من ترك الْهَمْزَةِ، فلم يكونوا ليَخْرجوا من ثقل إلى ما هُوَ أثقل منه.

وقوله: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ [٨٤] : ناحيته. وهي الطريقة والجديلة. وسمعت بعض العرب من قضاعة يقول: وعبد الملك إذا ذاك عَلَى جديلته وابن الزبير عَلَى جديلته. والعربُ تَقُولُ: فلان عَلَى طريقة صالِحة، وخيْدَبة صالِحة، وسُرْجُوجة. وعُكْل تَقُولُ: سِرْجيجة.

وقوله: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [٨٥] يقول: مِن علم ربي، لَيْسَ من علمكم.

وقوله: إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [٨٧] استثناء كقوله (إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها) .

وقوله: عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ [٨٨] جواب لقوله (لئن) والعربُ إذا أجابت (لئن) ب (لا) جعلوا ما بعد لا رفعًا لأن (لئن) كاليمين، وجواب اليمين ب (لا) مرفوع.

وربما جَزَم الشاعر، لأن (لئن) إن التي يُجازي بِهَا زيدت عليها لام، فوجّه الفعل فيها إلى فعل، ولو أُتي بيفعل لجاز جزمه. وقد جزم بعضُ الشعراء بلئن، وبعضهم بلا التي هى جوابها.

قال الأعشى: al-Farra’ 2/130al-Farra’ 2/130

لَئِنْ مُنِيتَ بِنا عَن غِبِّ مَعْرَكةٍ ... لا تلفنا من دماء القوم ننتفل

١٠٢ اوأنشدتنى امرأة عقيلية فصيحة:

لئِن كَانَ ما حُدِّثْتُهُ اليومَ صادِقًا ... أَصُمْ فِي نهار الْقَيْظِ للشَّمسِ بادِيَا

وأَرْكَبْ حمارًا بين سرجٍ وفروةٍ ... وأعْرِ من الخاتام صُغْرَى شماليا

قَالَ وأنشدني الْكِسَائي للكميت بن معروف:

لئن تَكُ قد ضاقْت عليكم بُيوتُكُمْ ... لَيَعْلَمُ ربي أن بيتي واسعُ

وقوله (لِبَعْضٍ ظَهِيراً) الظهير العون.

وقوله: مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [٩٠] .

الَّذِي ينبع، ويقال: ينبع لغتان. و (تَفْجُرَ) قرأها يَحْيَى بن وثاب وأصحاب عبد الله بالتخفيف . وكأن الفجر مرة واحدة و (فَتُفَجِّرَ) فكأن التفجير من أماكن. وهو بِمنزلة فتحت الأبواب وفتحتها.

وقوله: كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً [٩٢] .

و (كِسَفاً) الكسف : الجماع. قَالَ: سمعت أعرابيًا يقول لبزاز ونحن بطريق مكة:

أعطنى كشفة أي قطعة. والكشف مصدر. وقد تكون الكسف جمع كسفة وكسف.

وقوله (أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا) أي كفيلًا.

وقوله: أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ [٩٣] . المعنى: إلى السماء. غير أن جوازه أنهم قالوا: أو تضع سُلَّمًا فترقى عَلَيْهِ إلى السماء، فذهبت (فى) إلى السلّم. al-Farra’ 2/131al-Farra’ 2/131

وقوله: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا [٩٤] أن فِي موضع نصب (إِلَّا أَنْ قالُوا) (أن) فِي موضع رفع.

(أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي حبّان عن الكلبىّ قال: الزخرف: الذهب.

وقوله: لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ [١٠٢] قرأها ابن عباس وابن مسعود (علمت) بنصب التاء.

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي هشيم عَن أبي بشر عَن سعيد بن جبير (لَقَدْ عَلِمْتَ) مثله بنصب التاء. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي قَيْسٌ وَأَبُو الأَحْوَصِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ شَيْخٍ مِنْ مُرَادٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلِمَ عَدُوُّ اللَّهِ، إِنَّمَا عَلِمَ مُوسَى. وَكَانَ يَقْرَأُ (عَلِمْتُ) بِرَفْعِ التَّاءِ. وفسره الكلبي بإسناده عَلَى قراءة عليّ وتفسيره. وأما ابن عباس وابن مسعود فقالا: قد قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ) قَالَ الفراء: والفتح أحبّ إِليَّ وقال بعضهم: قرأ الْكِسَائي بالرفع، فقال: أخالفه أشدَّ الخلاف.

وقوله: يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً [١٠٢] ممنوعًا من الخير. والعرب تَقُولُ: ما ثَبَرك عَن ذا أي ما منعك منه وصرفك عنه.

وقوله: جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً [١٠٤] من هاهنا وهاهنا وكلّ جانب.

وقوله: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ [١٠٦] نصبت القرآن بأرسلناك أي ما أرسلناك إلا مبشّرا ونذيرا وقرآنا أيضًا كما تَقُولُ: ورحمة لأن القرآن رحمة. ويكون نصبه بفرقناهُ عَلَى راجع ذكره. فلما كانت الواو قبله نصب. مثله (وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ) وأما (فَرَقْناهُ) بالتخفيف فقد قرأه أصحاب عبد الله. al-Farra’ 2/132al-Farra’ 2/132

والمعنى أحكمناهُ وفصَّلناهُ كما قال (فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) أي يفصل. وروي عَن ابن عباس (فَرَّقْنَاهُ يقول: لَمْ ينزل فِي يوم ولا يومين. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مالك عن ابن عباس (وَقُرْآناً فَرَقْناهُ) مخففة.

وقوله: أَيًّا ما تَدْعُوا [١١٠] (ما) قد يكون صلة، كما قَالَ تبارك وتعالى (عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ) وتكون فِي معنى أي معادة لِمَا اختلف لفظهما:

وقوله: (وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا) أي قصدا.

[ومن سورة الكهف]

قوله تبارك وتعالى: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً المعنى: الحمد لله الَّذِي أنزل عَلَى عبده الكتاب قَيّما، ولم يجعل لَهُ عوجًا. ويُقال فى القيّم: قيّم على الكتب أي أنه بصدّقها.

وقوله (لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً) مع البأس أسماء مضمرة يقع عليها الفعل قبل أن يقع عَلَى البأس. ومثله فِي آل عمران (إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ) معناهُ:

يخوفكم أولياءه.

وقوله: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ معناهُ ولا لأسلافهم: آبائهم وآباء آبائهم [ولا] يعنى الآباء الذين هم لأصلابهم فقط. al-Farra’ 2/133al-Farra’ 2/133

وقوله: (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ) نصبها أصحاب عبد الله، ورفعها الْحَسَن وبعض أهل المدينة. فمن نصب أضمر فِي (كَبُرَتْ) : كبرت تِلْكَ الكلمة كلمة. ومن رفع لَمْ يضمر شيئًا كما تَقُولُ: عظم قولك وكبر كلامك.

وقوله فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ [٦] أي مخرج نفسك قاتل نفسك.

وقوله: (إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا) تكسرها إذا لَمْ يكونوا آمنوا عَلَى نيّة الجزاء، وتفتحها إذا أردت أنها قد مضت مثل قوله فِي موضع آخر: (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ) و (أن كنتم) .

ومثله قول الشاعر:

أتجزع أن بان الخليط المودّع ... وجبل الصّفا من عزّة المتقطع

وقوله: صَعِيداً [٨] الصعيد التراب. والجُرز: أن تكون الأرض لا نبات فيها. يُقال:

جرِزَت الأرض وهي مجروزة. وجرزَها الجرادُ أو الشاء أو الإبل فأكلن ما عليها.

وقوله: أَمْ حَسِبْتَ [٩] يخاطب محمدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ) الكهف:

الجبل الَّذِي أَوَوْا إِلَيْهِ. والرقيم: لوح رصاص كتبت فِيهِ أنسابهم ودينهم وممَّ هربوا.

وقوله: هَيِّئْ [١٠] كتبت الْهَمْزَةُ بالألف (وهَيَّأ) بهجائه. وأكثر ما يكتب الْهَمْز عَلَى ما قبله. فإن كان ما قبله مفتوحا كتبت بالألف. وإن كَانَ مضمومًا كتب بالواو، وإن كَانَ مكسورًا كُتِبت بالياء. وربما كتبتها العرب بالألف فِي كل حال لأن أصلها ألف. قالوا نراها إذا ابتدئت تكتب بالألف فِي نصبها وكسرها وضمّها مثل قولك: أُمِرُوا، وأمرت، وقد جئت شيئًا إمرًا فذهبوا هَذَا المذهب. قَالَ: ورأيتها فِي مصحف عبد الله (شَيْأً) فِي رفعه وخفضه بالألف. al-Farra’ 2/134al-Farra’ 2/134

ورأيتُ يستهزءون يستهزأون بالألف وهو القياس. والأول أكثر فِي الكتب، وقوله: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ [١١] بالنوم .

وقوله: (سِنِينَ عَدَداً) العدد هاهنا فِي معنى معدودة والله أعلم. فإذا كَانَ ما قبل العدد مُسَمًّى مثل المائة والألف والعشرة والخمسة كَانَ فِي العدد وجهان:

أحدهما: أن تنصبه عَلَى المصدر فتقول: لك عندي عشرة عَدَدًا. أخرجت العدد من العشرة لأن فِي العشرة معنى عُدَّت، كأنك قلت: أُحصيت وعُدَّت عَدَدًا وَعَدّا. وإن شئت رفعت العدد، تريد: لك عشرة معدودة فالعدد هاهنا مع السنين بِمنزلة قوله تبارك وتعالى فِي يوسف (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ) لأن الدراهم ليست بِمسمَّاة بعدد. وكذلك ما كَانَ يُكال ويوزن تخرجه (إذا جاء ) بعد أسمائه عَلَى الوجهين . فتقول لك عندي عشرة أرطال وزنًا ووزن وكيلًا وكيلٌ عَلَى ذَلِكَ.

وقوله: ١٠٣ ا- لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى [١٢] رفعت أيَّا بأحصى لأن العلم لَيْسَ بواقع عَلَى أيّ إنَّما هُوَ: لتعلم بالنظر والمسألة وهو كقولك اذهب فاعلم لي أيُّهم قام، أفلا ترى أنك إنما توقع العلم عَلَى من تستخبره. ويُبين ذَلِكَ أنك تَقُولُ: سل عبد الله أيهم قام فلو حذفت عبد الله لكنت لَهُ مريدًا، ولمثله من المخبرين. al-Farra’ 2/135al-Farra’ 2/135

وقوله: (أَيُّ الْحِزْبَيْنِ) فيقال: إن طائفتين من المسلمين فِي دهر أصحاب الكهف اختلفوا فِي عددهم. ويُقال: اختلف الكفار والمسلمون. وأما (أَحْصى) فيقال: أصوب: أي أيهم قَالَ بالصواب.

وقوله: (أَمَداً) الأمد يكون نصبه عَلَى جهتين إن شئت جعلته خرج من (أَحْصى) مفسِّرًا، كما تَقُولُ: أيّ الحزبين أصوب قولًا وإن شئت أوقعت عَلَيْهِ اللُّبَاث: للباثهم أمدًا.

وقوله: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ [١٦] يعني أصحاب الكهف فقال: وإذ اعتزلتم جَميع ما يعبدون من الآلهة إلّا الله. و (ما) فِي موضع نصب. وَذَلِكَ أنهم كانوا يشركون بالله، فقال:

اعتزلتم الأصنام ولم تعتزلوا الله تبارك وتعالى ولا عبادته:

وقوله: (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ) جواب لإذْ كما تَقُولُ: إذ فعلت ما فعلت فتُبْ.

وقوله: (مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً) كسر الميم الأعمش والحسن، ونصبها أهلُ المدينة وَعَاصِم.

فكأن الَّذِينَ فتحوا الميم وكسروا الفاء أرادوا أن يفرقوا بين المرفق من الأمر والمرفق من الْإِنْسَان وأكثر العرب عَلَى كسر الميم من الأمر ومن الْإِنْسَان. والعرب أيضًا تفتح الميم من مرفق الْإِنْسَان.

لغتان فيهما.

وقوله تَتَزاوَرُ [١٧] وقرئت (تزَّاوَرُ) وتريد (تَتَزاور) فتدغم التاء عند الزَّاي. وقرأ بعضهم (تَزْوَرّ) وبعضهم (تَزْوَارّ) مثل تَحْمَر وتَحْمَارّ. والازورار فِي هَذَا الموضع أنها كانت تطلع عَلَى كهفهم ذات اليمين ولا تدخل عليهم، وذات الشمال. والعربُ تَقُولُ: قرضته ذات اليمين وحذوته وكذلك ذات الشمال وقُبُلًا ودُبُرًا، كل ذَلِكَ أي كنت بِحذائه من كل ناحية. al-Farra’ 2/136al-Farra’ 2/136

وقوله: ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [١٨] الْوَصِيد: الفناء. والوصيد والأصيد لغتان مثل الإكاف والوكاف ، ومثل أرَّخت الكتاب وورخته، ووكدت الأمر وأكدّته، ووضعته يتنا وأَتْنا ووتْنَا يعني الْوَلد. فأمّا قول العرب: واخيت ووامرت وواتيت وواسيت فإنها بنيت على المواخاة والمواساة والمواتاة والمؤامرة، وأصلها الهمز كما قيل: هو سول منك، وأصله الْهَمْز فبُدِّل وَاوًا وبُني على السؤال.

وقوله : (فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ) أي ناحية متّسعة.

وقوله: (وَلَمُلِئْتَ) بالتخفيف قرأه عَاصِم والأعمش وقرأ أهل المدينة (وَلَمُلِّئْتَ مِنْهُمْ) مشددًا. وهذا خوطب بِهِ مُحَمَّد صلّى الله عليه وسلم.

وقوله: بِوَرِقِكُمْ [١٩] قرأها عَاصِم والأعمش بالتخفيف وهو الْوَرِق. ومن العرب من يقول الْوِرْق، كما يقال كَبِد وكِبْدٌ وكَبْدٌ، وَكَلِمَةٌ وَكَلْمَةٌ وكِلْمَة.

وقوله (فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى) يُقال: أحَلّ ذَبيحة لأنهم كانوا مَجوسًا.

وقوله: أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ [٢١] أظهرنا وأطلعنا. ومثله فِي المائدة (فَإِنْ عُثِرَ ) : اطّلع (واحد الأيقاظ يقظ ويقظ) . al-Farra’ 2/137al-Farra’ 2/137

قوله: وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [٢٢] قَالَ ابن عباس: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم.

وقال ابن عباس: أنا من القليل الَّذِينَ قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) .

ثم قال الله تبارك وتعالى لنبيه عَلَيْهِ السَّلَام (فَلا تُمارِ فِيهِمْ) يا محمد (إِلَّا مِراءً ظاهِراً) إلا أن تحدّثهم بِهِ حديثًا.

وقوله: (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ) فِي أهل الكهف (مِنْهُمْ) من النصارى (أَحَداً) وهم فريقان أتوه من أهل نجران: يعقوبي ونُسطوري. فسألهم النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن عددهم، فنُهِيَ.

فذلك قوله (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً) .

وقوله: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً [٢٣] إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [٢٤] إلا أن تَقُولَ:

إن شاء الله (ويكون مع القول : ولا تقولنه إلا أن يشاء الله) أي إلا ما يُريد الله.

وقوله (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ) قَالَ ابن عباس: إذا حلفت فنسيت أن تستثني فاستثن متى ما ذكرت ما لَمْ تَحْنَث.

وقوله: ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ [٢٥] مضافة . وقد قرأ كَثِير من القراء (ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ) يريدونَ ولبثوا فِي كهفهم سنين ثلاثمائة فينصبونها بالفعل.

ومن العرب من يضع السنين فِي موضع سنة فهي حينئذ فِي موضع خفض لمن أضاف. ومن نَوَّن عَلَى هَذَا المعنى يريدُ الإضافة نصب السنين بالتفسير للعدد كقول عنترة:

فيها اثنتان وأربعونَ حَلُوبةً ... سُودا كخافية الْغُرابِ الْأَسْحَمِ

فجعل (سودًا) وهي جمع مفسِّرة كما يفسّر الواحد. al-Farra’ 2/138al-Farra’ 2/138

وقوله: أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ [٢٦] يريدُ الله تبارك وتعالى كقولك فِي الكلام: أكرم بعبد الله ومعناهُ: ما أكرم عبد الله وكذلك قوله (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ) : ما أسمعهم ما أبصرهم. وكل ما كَانَ فِيهِ معنى من المدح والذم فإنك تَقُولُ فِيهِ: أظرف بِهِ وأكرم بِهِ، ومن الياء والواو: أطيب بِهِ طعامًا، وأجود بِهِ ثوبًا، ومن المضاعف تظهر فِيهِ التضعيف ولا يجوز الإدغام، كما لَمْ يجز نقص الياء ولا الواو لأن أصله ما أجوده وما أشده وأطيبه فترك عَلَى ذَلِكَ، وأمّا أشدد بِهِ فإنه ظهر التضعيف لسكون اللام من الفعل، وترك فِيهِ التضعيف فلم يدغم لأنه لا يثنى ولا يؤنث، لا تقول للاثنين:

أشدَّا بِهما، ولا للقوم أشِدُّوا بِهم. وإنّما استجازت العرب أن يقولوا مُدّ فِي موضع أمدد لأنهم قد يقولون فِي الاثنين: مُدَّا وللجميع: مُدُّوا، فبُني الواحدُ عَلَى الجميع.

وقوله (وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً) ترفع إذا كَانَ بالياء عَلَى: وليس يُشرك. ومن قَالَ (لا تُشْرِكْ) جزمها لأنها نَهْي.

وقوله: مُلْتَحَداً [٢٧] الْمُلْتَحد: الملجأ.

وقوله: بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ [٢٨] قرأ أَبُو عبد الرحمن السلمي (بالغُدْوةِ والْعَشِيِّ) ولا أعلمُ أحدًا قرأ غيره. والعربُ لا تُدخل الألف واللام فِي الغدوة لأنها معرفة بغير ألف ولام سمعت أبا الجراح يقول: ما رأيتُ كغُدْوة قَطُّ، يعني غداة يومه. وذاك أنَّها كانت باردة ألا ترى أن العرب لا تضيفها فكذلك لا تُدخلها الألف واللام.

إنّما يقولون: أتيتك غَدَاة الخميس، ولا يقولون: غُدْوَة الخميس. فهذا دليل على أنها معرفة. al-Farra’ 2/139al-Farra’ 2/139

وقوله (وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ) الفعل للعينين: لا تنصرف عيناك عنهم. وهذه نزلت فِي سلمان وأصحابه.

وقوله (وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) متروكًا قد تُرك فِيهِ الطاعة وغُفِلَ عنها. ويُقال إنه أفرط فِي القول فقال: نحن رءوس مُضَر وأشرافها، وليس كذلك. وهو عيينة ابن حصن. وقد ذكرنا حديثه فى سورة الأنعام.

وقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ [٣٠] خبر (الَّذِينَ آمَنُوا) فِي قوله (إِنَّا لا نُضِيعُ) وهو مثل قول الشاعر:

إن الخليفة إنّ الله سَرْبله ... سِرْبَالَ مُلْكٍ بِهَا تُزْجَى الخواتيمُ

كأنه فِي المعنى: إنا لا نضيعُ أجر من عمل صالِحًا فتُرِكَ الكلام الأول واعتُمد على الثاني بنيّة التكرير كما قال (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ ) ثم قال (قِتالٍ فِيهِ) يريد: عَن قتال فِيهِ بالتكرير ويكون أن تجعل (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا) فِي مذهب جزاء، كقولك: إن من عمل صالِحًا فإِنّا لا نضيع أجره، ب: فتضمر فتضمّن الفاء فِي قوله (فإنّا) وإلقاؤها جائز. وهو أحبُّ الوجوه إليّ.

وإن شئت جعلت خبرهم مؤخّرًا كأنك قلت: إن الَّذِينَ آمنوا وعملوا الصالِحات أولئكَ لَهم جنَّات عدن.

وقوله: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ [٣١] لو ألقيت (مِنْ) مِنَ الأساور كانت نصبًا. ولو ألقيت (مِنْ) مِنَ الذهب جاز نصبه عَلَى بعض القبح، لأن الأساورَ لَيْسَ بِمعلوم عددها، وإنما يحسن النصب فِي المفسر إذا كَانَ معروف العدد، كقولك: عندي جُبَّتان خَزّا، وأسواران ذهبًا، وثلاثة أساور ذهبًا. فإذا قلت: عندي أساورُ ذهبًا فلم تبيّن عددها كَانَ بِمن، لأن المفسر ينبغي لِمَا قبله أن يكون معروف المقدار. ومثله قَوْل الله تبارك وتعالى (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ) المعنى: فيها جبال بَرد، فدخلت (من) لأن الجبال غير معدودة فِي اللفظ. ولكنه يَجوز كأنك تريد بالجبال والأساور الكثيرة، كقول القائل: ما عنده إلا خاتمان ذهبًا قلت أنت: عنده خواتم ذهبًا لمّا أن كَانَ ردًّا عَلَى شيء معلوم العدد فأنزل الأساورَ والجبال من بَرد عَلَى هَذَا المذهب. al-Farra’ 2/140al-Farra’ 2/140

فأما (يُحَلَّوْنَ) فلو قَالَ قائل: يَحْلَون لجازَ، لأن العرب تَقُولُ: امرأة حالية، وقد حليت فهي تحلى إذا لبست الْحُلِيّ فهي تحلى حُلِيًّا وحَلْيًا.

وقوله (نِعْمَ الثَّوابُ) ولم يقل: نعمت الثواب، وقال (وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً) فأنَّثَ الفعل عَلَى معنى الجنَّة ولو ذكر بتذكير المرتفق كَانَ صوابًا، كما قَالَ (وَبِئْسَ الْمِهادُ) ، وبئس القرار) ، (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) وكما قال (بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) يريد إبليس وذريته، ولم يقل بئسوا.

وقد يكون (بئس) لإبليس وحده أيضًا. والعرب تُوحد نعم وبئس وإن كانتا بعد الأسماء فيقولون:

أما قومك فنعموا قومًا، ونعم قومًا، وكذلك بئس. وإنما جازَ توحيدها لأنهما ليستا بفعل يلتمس معناه، إنما أدخلوهما لتدلا عَلَى المدح والذم، ألا ترى أن لفظهما لفظ فَعَل وليس معناهما كذلك، وأنه لا يُقال منهما يبأس الرجل زيد، ولا ينعم الرجل أخوك، فلذلك استجازوا الجمع والتوحيد فِي الفعل. ونظيرهما (عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ) وَفِي قراءة عبد الله (عسوا أن يَكونوا خيرًا منهم) ألا ترى أنك لا تَقُولُ، هُوَ يَعْسِي كما لَمْ تقل يَبْأَس. al-Farra’ 2/141al-Farra’ 2/141

وقوله: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها [٣٣] ولم يقل: أتتا. وَذَلِكَ أن (كِلْتَا) ثنتان لا يُفرد واحدتهما، وأصله كُلّ كما تَقُولُ للثلاثة: كل: فكان القضاء أن يكون للثنتين ما كَانَ للجمع، لا أن يفرد للواحدة شىء فجاز توحيده ١٠٤ ب عَلَى مذهب كلّ. وتأنيثه جائز للتأنيث الَّذِي ظهر فِي كلتا. وكذلك فافعل بكلتا وكِلا وكُلّ إذا أضفتهنّ إلى معرفة وجاء الفعل بعدهن، فاجمع ووحِّد.

من التوحيد قوله (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً) ومن الجمع (وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ) و (آتوه) مثله. وهو كَثِير فِي القرآن وسائر الكلام. قَالَ الشاعر:

وكلتاهما قد خُطّ لي فِي صحيفتي ... فلا العيشُ أهواهُ ولا الموتُ أرْوح

وقد تفرد العربُ إحدى كلتا وهم يذهبونَ بإفرادها إلى اثنتيها، أنشدني بعضهم.

فِي كِلْت رجليها سُلَامَى واحدة ... كلتاهما مقرونة بزائده

يريد بكلت كلتا.

والعرب تفعل ذَلِكَ أيضًا فِي (أىّ) فيؤنثون ويذكّرون، والمعنى التأنيث، من ذلك قول الله تبارك وتعالى (وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) ويَجوز فِي الكلام بأيَّة أرض. ومثله (فِي أىّ صورة) يجوز فِي الكلام فِي أيَّة صورة. وقال الشاعر: al-Farra’ 2/142al-Farra’ 2/142

بأيّ بلاء أَمْ بأيَّة نعمة ... يقدّم قبلي مسلم والمهلب

ويجوز أيتهما قَالَ ذاك. وقالت ذاك أجود. فتذكر وقد أدخلت الْهَاء، تتوهم أن الْهَاء ساقطة إذا جاز للتأنيث (بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) وكذلك يَجوز أن تَقُولُ للاثنتين : كلاهما وكلتاهما.

قَالَ الشاعر:

كلا عقبيه قد تشعّب رأسُهَا ... من الضرب فِي جنْبِي ثَفال مباشر

الثفال: البعير البطيء فإن قَالَ قائل: إنما استجزت توحيد (كِلْتَا) لأن الواحد منهما لا يُفرد فهل تجيز: الاثنتان قام وتوحد، والاثنان قام إذ لَمْ يفرد لَهُ واحد؟

قلت: إن الاثنين بنيا عَلَى واحد ولم يُبن (كلا) عَلَى واحد، ألا ترى أن قولك: قام عبد الله كلُّه خطأ، وأنك تَجد معنى الاثنين عَلَى واحد كمعنى الثلاثة وزيادات العدد، ولا يَجوز إلا أن تَقُولُ: الاثنان قاما والاثنتان قامَتَا.

وهي فِي قراءة عبد الله.

كُلّ الجنتين آتى أُكُله

ومعناه كل شيء من ثمر الجنتين آتى أكله. ولو أراد جمع الثنتين ولم يرد كل الثمر لَمْ يجز إلا كلتاهما، ألا ترى أنك لا تَقُولُ: قامت المرأتان كلهما، لأن (كل) لا تصلح لإحدى المرأتين وتصلح لإحدى الجنتين. فقس عَلَى هاتين كل ما يتبعض مما يقسم أولا يقسم. al-Farra’ 2/143al-Farra’ 2/143

وقوله (وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً) يقال: كيف جَازَ التشديد وإنَّما النهر واحد؟ قلت: لأن النهر يمتد حَتَّى صار التفجر كأنه فِيهِ كله فالتخفيف فِيهِ والتثقيل جائزان. ومثله (حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً) يثقّل ويخفّف .

(قوله: وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ [٣٤] ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي المعلَّى بن هلال الْجَعَفِيّ عَن ابن أبي نجيح عَن مجاهد قَالَ: ما كَانَ فِي القرآن من ثُمُر بالضم فهو مال، وما كَانَ من ثَمَر مفتوح فهو من الثمار.

وقوله: خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً [٣٦] مردودة عَلَى الجنة وَفِي بعض مصاحف أهل المدينة (منْهُمَا مُنْقَلَبًا) مردودة عَلَى الجنتين.

وقوله: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [٣٨] معناهُ: لكن أنا هُوَ الله ربي تُرك همزة الألف من أنا، وكثر بِهَا الكلام ، فأدغمت النون من (أنا) مع النون من (لكن) ومن العرب من يقول:

أنا قلت ذاك بِتمام الألف فقرئت لكنّا عَلَى تِلْكَ اللغة وأثبتوا الألف فِي اللغتين فِي المصحف: كما قالوا: رأيت يزيدا وقواريرا فثبتت فيهما الألف فِي القولين إذا وقفت. ويَجوز الوقوف بغير ألف فِي غير القرآن فِي أنا. ومن العرب من يقول إذا وقف: أَنَّهُ وهي فِي لغة جيدة. وهي فِي علياتميم وسُفْلَى قيس وأنشدني أَبُو ثروان:

وترمينني بالطّرْف أيْ أنت مذنب ... وتقلينني لكن إيّاك لا أَقلي

يريد: لكن أنا إياك لا أقلي، فترك الْهَمْز فصار كالحرف الواحد. وزعم الْكِسَائي أَنَّهُ سمع العرب تَقُولُ لكن والله، يريدون: لكن أنا والله. وقال الْكِسَائي: سمعتُ بعض العرب يقول: إنّ قائم يريد إن أنا قائم فترك الْهَمْز: وأدغم فهي نظير للكن. al-Farra’ 2/144al-Farra’ 2/144

وقوله: ما شاءَ اللَّهُ [٣٩] مَا، فِي موضع رفع، إن شئت رفعته بإضمار (هُوَ) تريد:

هُوَ ما شاء الله. وإن شئت أضمرت ما شاء الله كَانَ فطرحت (كان) وكان موضع (ما) نصبا بشاء، لأن الفعل واقع عَلَيْهِ. وجاز طرحُ الجواب كما قَالَ (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ) لَيْسَ لَهُ جواب لأن معناهُ معروف.

وقوله: (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ) (أنا) إذا نصبت (أقلَّ) عماد . وإذا رفعت (أقل) فهي اسم والقراءة بِهما جائزة.

وقوله: صَعِيداً زَلَقاً [٤٠] الزلق: التراب الَّذِي لا نبات فِيهِ محترق رميم [قوله:] ماؤُها غَوْراً [٤١] العرب تَقُولُ: ماء غَوْر، وماءان غَوْر، ومياه غور بالتوحيد فِي كل شيء.

وقوله: خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها [٤٢] عَلَى سقوفها.

وقوله: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ ينصرنه [٤٣] ذهب إلى الرجال. ولو قيل: تنصره يذهب إلى الفئة- كما قَالَ (فِئَةٌ) تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ- لجاز:

وقوله: هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ [٤٤] رفع من نعت (الْوَلايَةُ) وَفِي قراءة أُبَيّ (هُنَالِكَ الْوَلايةُ الحقُّ َّلِلَّهِ) وإن شئت خفضت تجعله من نعت (الله) والولاية الملك. ولو نصبت (الْحَقِّ) عَلَى معنى حقًّا كَانَ صوابًا. al-Farra’ 2/145al-Farra’ 2/145

وقوله: تَذْرُوهُ الرِّياحُ [٤٥] من ذَرَوْت وذَرَيْت لغة، وهي كذلك فِي قراءة عبد الله (تَذْرِيهِ الريح) ولو قرأ قارئ (تذريه الريح) من أذريت أي تلقيه كَانَ وجهًا وأنشدني المفضل:

فقلتُ لَهُ صوِّب ولا تجهدنَّه ... فيُذرك من أُخرى القطاة فتزلق

تَقُولُ : أذريت الرجل عَن الدابة وعن البعير أي ألقيته.

وقوله: وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ [٤٦] يُقال هي الصلوات الخمس ويُقال هي سبحان الله والحمدُ لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

وقوله: (وَخَيْرٌ أَمَلًا) (يقول خير ما يؤْمَل) والأمل للعمل الصالِح خير من الأمل للعمل السيّء.

وقوله وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ [٤٧] و (تَسِيرُ الْجِبالُ) .

وقوله: (وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً) يقول: أبرزنا أهلها من بطنها. ويُقال: سُيرت عنها الجبال فصارت كلها بارزة لا يستر بعضها بعضا. al-Farra’ 2/146al-Farra’ 2/146

وقوله (فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ) هذه القراءة (ولو قرئت «ولم نغْدِرْ» كَانَ صوابًا) ومعناهما واحد يقال: ما أغدرت منهم أحدًا، وما غادرت وأنشدني بعضهم :

هَلْ لك والعائض منهم عائِض ... فِي هجمة يغدر منها القابض

سُدْسا ورُبعا تحتها فرائض قَالَ، الفراء سدس ورُبْع من أسنان الإبل.

وقوله فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [٥٠] أي خرج عَن طاعة ربه. والعربُ تَقُولُ، فَسقت الرُّطَبة من (جلدها ) وقشرها لخروجها منه وكأن الفأرة إنها سميت فويسقة لخروجها من جحرها عَلَى الناس.

وقوله: وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً [٥٢] يقال: جعلنا تواصلهم فِي الدُّنْيَا (مَوْبِقاً) يقول مَهْلِكًا لَهُم فِي الآخرة ويُقال: إنه وادٍ فى جهنم.

وقوله: فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها [٥٣] أي علموا.

وقوله: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا [٥٥] يُقال: الناس هاهنا فِي معنى رجل واحد. وقوله (إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) أن فِي موضع رَفع وقوله (سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) يقول: سنتنا فِي إهلاك الأمم المكذبة. وقوله (أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا) : عيانا. وقد تكون (قُبُلًا ) لهذا المعنى.

وتكون (قُبُلًا) كأنه جمع قَبيل وقُبُل أي عذاب متفرق يتلو بعضه بعضا. al-Farra’ 2/147al-Farra’ 2/147

وقوله: لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا [٥٨] (الموئل الْمَنْجَى) وهو الملجأ فِي المعنى واحد.

والعربُ تَقُولُ: إنه ليوائل إلى موضعه يريدون: بذهب إلى موضعه وحِرْزه.

وقال الشاعر:

لا وألت نفسك خلَّيتها ... للعامريّين ولم تُكْلَم

(يريد : لا نجت) .

وقوله: لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً [٥٩] يقول: لإهلاكنا إيّاهم (مَوْعِداً) أجلًا وقرأ عَاصِم (لَمهْلَكهِمْ) فتح الميم واللام ويَجوز (لمهِلكهم) بكسر اللام تبنيه عَلَى هَلَك يَهْلِك. فمن أراد الاسم مِمّا يُفْعَل منه مكسور الْعَين كسر مفعلًا.

ومن أراد المصدر فتح الْعَين. مثل المضرب والمضرب والمدبّ والمدبّ والمفرّ المفرّ فإذا كَانَ يفعل مفتوح الْعَين آثرت العرب فَتَحها فِي مفعل، اسمًا كَانَ أو مصدرًا. وربما كسروا الْعَين فِي مفعل إذا أرادوا بِهِ الاسم. منهم من قَالَ (مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) وهو القياس وإن كَانَ قليلًا.

فإذا كَانَ يفعل مضموم الْعَين مثل يدخل ويخرج آثرت العرب فِي الاسم منه والمصدر فتح الْعَين إلا أحرفًا من الأسماء ألزموها كسر الْعَين فِي مفعل. من ذَلِكَ المسجد والمطلع والمغرب والمشرق والمسقط والمفرق والمجزر والمسكن والمَرْفِق من رَفَق يَرْفُق والمنسِك من نسك ينسك، والمنبت. al-Farra’ 2/148al-Farra’ 2/148

فجعلوا الكسر علامة للاسم، والفتح علامة للمصدر. وربما فتحه بعض العرب (فِي الاسم ) وقد قرئ مسكن ومسكَن. وقد سمعنا المسجد والمسجَد وهم يريدون الاسم، والمطلَع والمطلِع.

والنصب فِي كلّه جائزِ وإن لَمْ تسمعه فلا تنكرنه إن أتى.

وما كَانَ من ذوات الياء والواو من دعوت وقضيت فالمفعل منه فِيهِ مفتوح اسمًا كَانَ أو مصدرًا، إلا المأقِي من الْعَين فإن العرب كسرت هَذَا الحرف. وبعضُ العرب يُسمّي مأوَى الإبل مَأوِي فهذان نادران. وإنّما امتنعوا من (كسر الْعَين) فِي الياء والواو لأن الياء والواو تذهبان فِي السكت للتنوين الَّذِي يلحق، فردّوها إلى الألف إذ كانت لا تسقط فِي السكوت.

وإذا كَانَ المفعل من كال يكيل وشبهه من الفعل فالاسم منه مكسور، والمصدر مفتوح من ذلك مال مميلا ومما لا تذهب بالكسر إلى الأسماء، وبالفتح إلى المصادر. ولو فتحتهما جَميعًا أو كسرتهما فِي المصدر والاسم لَجاز. تَقُولُ العرب: المعاش. وقد قالوا: المعيش. وقال رؤبة ابن العجّاج:

إليك أشكو شدّة المعيش ١٠٦ ا ... ومرّ أعوام نتَفْن ريشي

نتف الْحُبَارَى عَن قَرَا رَهِيشِ القَرَا: الظهر، وقال الآخر:

أنا الرجل الَّذِي قد عبتموهُ ... وما فيكم لَعيّاب معاب ومثله مَسَار ومَسِير، وما كَانَ يشبهه فهو مثله. al-Farra’ 2/149al-Farra’ 2/149

وإذا كَانَ يفعل مفتوحًا من ذوات الياء والواو مثل يخاف ويَهاب فالاسم والمصدر منه مفتوحان مثل المخاف والمهاب:

وما كَانَ من الواو مضمومًا مثل يقوم ويقول ويعود ويقود وأشباهه فالاسم والمصدر فِيهِ مفتوحان، وإنّما فتحوهُ إذا نووا الاسم ولم يكسروه كما كُسِرَ المغرب لأنهم كرهوا تَحول الواو إلى الياء فتلتبس الواو بالياء.

وما كَانَ أوّله وَاوًا مثل وزنت وورثت ووجِلت فالمفعل فِيهِ اسمًا كَانَ أو مصدرًا مكسور مثل قولهَ لَّنْ

جْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً) وكذلك يَوْحَل ويَوْجَل المفعل منهما مكسور (فِي الوجهين ) وزعم الْكِسَائي أَنَّهُ سمع مَوْجَل ومَوْحَل. قَالَ الفراء: وسمعت أنا موضع. وإنّما كسروا ما أوّله الواو، لأن الفعل فِيهِ إذا فتح يكون عَلَى وجهين. فأما الَّذِي يقع فالواو منه ساقطة مثل وَزَن يَزِنُ. والذي لا يقع تثبت واوه فِي يفعل. والمصادر تستوي فِي الواقع وغير الواقع. فلم يَجعلوا فِي مصدريهما فرقًا ، إنَّما تكون الفروق فِي فعل يفعل.

وما كَانَ من الْهَمْز فإنه مفتوح فِي الوجهين. وكأنَّهم بَنَوه عَلَى يفعل لأن ما لامه همزة يأتي بفتح الْعَين من فَعَل ومن فَعِل. فإن قلت: فلو كسروه إرادة الاسم كما كسروا مجمعًا . قلت: al-Farra’ 2/150al-Farra’ 2/150

لَمْ يأت. وكأنهم أنزلوا المهموز. بِمنزلة الياء والواو لأن الْهَمْز قد يُترك فتلحقهما .

وما كَانَ مفعل مُشتقًا من أفعلت فلك فِيهِ ضم الميم من اسمه ومصدره. ولك أن تُخرجه عَلَى أوَّليته قبل أن تزاد عَلَيْهِ الألف. فتقول: أخرجته مُخرجًا ومَخْرَجًا، وأنزلته مُنْزَلًا ومَنْزِلًا.

وقرئ (أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً) (وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ) و (مُنْزَلًا ) .

وما كَانَ مما يعمل بِهِ من الآلة مثل المروحة والمطرقة وأشباه ذَلِكَ مما تكون فِيهِ الْهَاء أو لا تكون فهو مكسور الميم منصوب الْعَين مثل المدرع والملحف والمطرق وأشباه ذَلِكَ. إلا أنهم. قالوا: المطهرة والمِطهرة، والمرقاة والمرقاة والمسقاة والمسقاة. فمن كسرها شبّهها بالآلة التي يُعمل بِهَا. ومن فتح قَالَ: هَذَا موضع يُفعل فِيهِ فجعله مخالفًا ففتح الميم ألا ترى أن المروحة وأشباهها آلة يعمل بِهَا، وأن المطهرة والمرقاة فِي موضعهما لا تزولان يعمل فيهما.

وما كَانَ مصدرًا مؤنثًا فإن العرب قد ترفع عينه مثل المقدرة وأشباهه . ولا يفعلون ذَلِكَ فِي مذكر ليست فِيهِ الْهَاء لأن الْهَاء إذا أدخلت سقط عنها بناء فعل يفعل فصارت اسمًا مختلفًا، ومفعل يبنى عَلَى يفعل، فاجتنوا الرَّفعة فِي مفعل، لأن خِلقة يفعل التي يلزمها الضم كرُم يكرُم فكرهوا أن يُلزموا الْعَين من ١٠٦ ب مفعل ضمَّة فيَظنَّ الجاهل أن فِي مفعل فرقًا يلزم كما يلزم فَعِلَ يَفعَل الْفُروق، ففتحت إرادة أن تَخلط بِمصادر الواقع. فأمّا قول الشاعر: al-Farra’ 2/151al-Farra’ 2/151

لِيوم رَوْعٍ أو فَعَال مَكْرُم

فإنه جمع مَكْرُمة ومَكْرُم. ومثله قول الآخر :

بثين الزمي لا إنه إن لزمتِه ... عَلَى كثرة الواشينَ أيُّ مَعُونِ

أراد جمع معونة. وَكَانَ الْكِسَائي يقول: هما مفعل نادران لا يُقاس عليهما وقد ذهب مذهبًا. إلا أني أجد الوجه الأول أجمل للعربية مِمّا قَالَ. وقد تقلب فِيهِ الياء إلى الواو فيقال:

وكنت إذا جارى دعا لمضُوفةٍ ... أشمِّر حَتَّى يَنْصُف الساق مئزري

جعلها مفعُلة وهي من الياء فقلبها إلى الواو لضمّة ما قبلها، كما قالوا: قد سُور بِهِ.

وقد قالت العرب فِي أحرف فضمّوا الميم والعين، وكسروا الميم والعين جميعًا. فمِمّا ضموا عينه وميمه قَوْلهم: مُكْحُلة ومُسْعُط ومُدْهُن ومُدُقّ. ومما كسروا ميمه وعينه مِنْخِر ومِنْتِن.

ومما زادوا عَلَيْهِ ياء للكسر، وواوًا للضم مسكين ومِنديل ومنطيق. والواو نَحو مُغْفُور وَمُغْثُور وهو الَّذِي يسقط عَلَى الثُّمام ويقال للمنخر: منخور وهم طيّىء. والذين ضمّوا أوله وعينه شبهوا الميم بِما هُوَ من الأصل، كأنه فُعلول. وكذلك الَّذِينَ كسروا الميم والعين شبّهوه بفعليل وفعلل. al-Farra’ 2/152al-Farra’ 2/152

وما كَانَ من ميم زائدة أدخلتها عَلَى فعل رباعى قد زيد على ثلاثيّه شيء من الزيادات فالميم منه فِي الفاعل والمفعول بِهِ والمصدر مضمومة. من ذَلِكَ قولك رجل مُستضرَبٌ (ومُسْتضَربٌ ) ومستطعِم ومستطعَم.

يكون المستطعم- بالفتح- مصدرًا ورجلًا وكذلك المضارب هُوَ الفاعل والمضارب- بالفتح- مصدر ورجل. وكل الزيادات عَلَى هَذَا لا ينكسر، ولا يَختلف فِيهِ فِي لغات ولا غيرها إلا أن من العرب- وهم قليل- من يقول في المتكبِّر: متكبَّر كأنهم بنوه عل يتكبَّر. وهو من لغة الأنصار.

وليس مِمَّا يُبنى عَلَيْهِ. قَالَ الفراء: وحدّثت أن بعض العرب يكسر الميم فِي هَذَا النوع إذا أدغم فيقول هم المطّوّعة والمسّمع المستمع. وهم من الأنصار. وهي من المرفوض. وقالت العرب: مَوْهَب فجعلوه اسمًا موضوعًا عَلَى غير بناء، ومَوْكَل اسمًا موضوعًا. ومنه مَوْحَد لأنهم لَمْ يريدوا مصدر وَحَد، إنَّما جُعل اسمًا فِي معنى واحد مثل مَثْنَى وثُلاث ورُبَاع. وأمّا قولهم: مَزيد ومَزْوَد فهما أيضًا اسمان مختلفان عَلَى غير بناء الفعل ولك فِي الاختلاف أن تفتح ما سبيله الكسر إذا أشبه بعض الْمُثُل، وتضم المفتوح أو تكسره إذا وجهته إلى مثال من أسمائهم كما قيل معفور للدى يسقط عَلى الثمام وميمه زائدة فشبه بفُعلول، وكما قالت العرب (فِي المصير وهو من صِرْت مُصْران للجميع) ومَسيلِ الماء وهو مفعِل: مُسْلان للجميع فشبَّهوا مفعلا بفَعِيل ألا ترى أنهم قالوا سُؤته مسائية وإنَّما هي مساءة عَلَى مَفْعَلة فزيدت عليها الياء من آخرها كما تزاد عَلَى فعالة نَحو كراهة وكراهية وطَبَانة وطبانِيَة.

وقوله: وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ [٦٠] يريد: لا أزال حتى أبلغ، لَمْ يرد: لا أبرح مكاني.

وقوله (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي) غير معنى أزال، هَذِه إقامة. وقوله (لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ) al-Farra’ 2/153al-Farra’ 2/153

: لن نزال عَلَيْهِ عاكفين. ومثلها ما فتئت وما فتأت- لغة- ولا أفتأ أذكرك.

وقوله (تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ) معناهُ: لا تزال تذكر يوسف. ولا يكون تزال وأفتأ وأبرح إذا كانت فِي معناهما إلا بجحد ظاهر أو مضمر. فأمّا الظاهر فقد تراهُ فِي القرآن (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ) (وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ) وكذلك (لا أَبْرَحُ) والمضمر فِيهِ الجحدُ قول الله (تَفْتَؤُا) ومعناهُ: لا تفتأ. لا تزال تذكر يوسف: ومثله قول الشاعر:

فلا وأبي دَهْمَاء زالت عزيزةً ... عَلَى قَوْمها ما فتَّل الزَّنْدَ قادِحُ»

وكذلك قول امرئ القيس:

فقلتُ يَمينَ الله أبرحُ قاعدًا ... ولو قطعُوا رأسي لديك وأوصالِي

قوله: (أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً) الْحُقُب فِي لغة قيس: سنَة. وجاء التفسير أَنَّهُ ثَمانون سنة. وأما قوله:

مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ فبحر فارس والروم. وإنّما سمي فتى موسى لأنه كَانَ لازمًا لَهُ يأخذ عَنْهُ العلم. وهو يوشع بن نون.

وقوله: (نَسِيا حُوتَهُما [٦١] وإنّما نسيه يوشع فأضافه إليهما، كما قَالَ (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) وإنَّما يخرج من الملح دون العذب. وقوله (فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً) كَانَ مالِحًا فلمّا حَيِيَ بالماء الَّذِي أصابه من الْعَين فوقع فِي البحر جمد طريقه فى البحر فكان كالسرب.

وقول: واتّخذ سبيله.

يقول: اتخذ موسى سبيل الحوت (فِي الْبَحْرِ عَجَباً) . al-Farra’ 2/154al-Farra’ 2/154

ثُمَّ قَالَ حين أخبره بقصَّة الحوت: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ [٦٤] أي هَذَا الَّذِي كُنَّا نبغي.

وقوله حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً [٧٠] يقول: حَتَّى أكون أنا الَّذِي أسألك.

وقوله: لِيَغْرَق أهلها [٧١] قرأها يَحْيَى بن وثّاب والحسن بالرفع والياء وقرأها سائرُ الناس (لِتُغْرِقَ أَهْلَها) .

وقوله: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ [٧٣] حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ الْمُهَلَّبِ- وَكَانَ مِنْ أَفَاضِلِ أَهْلِ الْكُوفَةِ- عَنْ رَجُلٍ عَنِ الْمِنْهَالِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: لَمْ يَنْسَ وَلَكِنَّهَا مِنْ مَعَارِيضِ الْكَلامِ.

وقوله (وَلا تُرْهِقْنِي) يقول: لا تُعجلني.

وقوله: أَقَتَلْتَ نَفْساً (زَكِيَّةً) [٧٤] مَرَّ بغلام لَمْ تجن جناية رآها موسى فقتله. وقوله (زَكِيَّةً) قرأها عَاصِم ويحيى بن وثاب والحسن (زَكِيَّةً) وقرأها أهل الحجاز وأبو الرحمن السُّلَمي (زَاكيةً) بألف . وهي مثل قوله (وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً) (وقسيّة) .

وقوله: فَلا تُصاحِبْنِي [٧٦] و (فَلَا تَصْحَبْنِي ) نَفْسُكَ ولا تصحبني أنت كل ذَلِكَ صواب والله مَحْمُود.

وقوله: فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما [٧٧] (سألوهم الْقِرَى: الإضافة فلم يفعلوا. فلو قرئت (أَنْ يُضَيِّفُوهُما) كَانَ صَوَابًا. ويُقال القرية أنطاكية) [وقوله] (يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) يقال: كيف يريد الجدار أن ينقض؟ وَذَلِكَ من كلام العرب أن يقولوا: الجدارُ يريد أن يسقط. ومثله قول الله (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ) والغضب لا يسكت (إنما يسكت صاحبه) وإنّما معناه: al-Farra’ 2/155al-Farra’ 2/155

سكن، وقوله: (فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ) [و] إنما يعزم الأمر أهلهُ وقد قَالَ الشاعر:

إن دهرًا يَلُفَّ شملي بجُمْلٍ ... لزمان يَهُمُّ بالإحسانِ

١٠٧ ب وقال الآخر:

شكا إِليَّ جَمَلي طُول السُّرى ... صَبْرًا جَميلًا فَكِلانا مُبْتَلَى .

والجملُ لَمْ يَشْك، إنما تُكلم بِهِ عَلَى أَنَّهُ لو نطق لقال ذَلِكَ. وكذلك قول عنترة.

فازوَرَّ من وَقْع الْقَنَا بِلبانه ... وشكا إليّ بعبرة وتَحمحُمِ

وقد ذكرت (يَنْقَاض) للجدار والانقياض: الشِّقّ فِي طول الجدار وَفِي طيّ البئر وَفِي سِنّ الرَّجُل يقال: انقاضت سِنَّة إذا انشقت طولًا. فقال موسى لو شئت [لَمْ تُقِمه حَتَّى يَقرونا فهو الأجر. وقرأ مُجاهد] (لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) وأنشدني القنانِيّ.

تَخِذَهَا سُرِّيَّةً تُقَعِّده

وأصلها اتّخذ: افتعل.

وقوله: هَذَا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [٧٨] .

[ولو نصبت الثانية كَانَ صوابًا، يتوهم أَنَّهُ كان (فراق ما بينى وبينك) ] . al-Farra’ 2/156al-Farra’ 2/156

وقوله: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ [٧٩] يقول: أمامهم مَلِك. وهو كقوله (مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ) أي أنها بين يديه. ولا يَجوز أن تَقُولَ لرجل وراءك: هُوَ بين يديك، ولا لرجل هُوَ بين يديك: هُوَ وراءك، إنما يَجوز ذَلِكَ فِي المواقيت من الأيام والليالي والدهر أن تَقُولَ: وراءك بَرد شديد: وبين يديك بَرْد شديد لأنك أنت وراءه فجاز لأنه شيء يأتي، فكأنه إذا لحقك صارَ من ورائك، وكأنك إذا بلغته صار بين يديك. فلذلك جاز الوجهان.

وقوله: فَخَشِينا [٨٠] : فعلمنا. وهي فِي قراءة أُبَيّ (فخافَ ربُّك أن يرهقهما) عَلَى معنى: علم ربُّكَ. وهو مثل قوله (إِلَّا أَنْ يَخافا) قَالَ: إلا أن يعلما ويظنّا. والخوفُ والظن يُذهب بِهما مذهب العلم.

وقوله: خَيْراً مِنْهُ زَكاةً [٨١] صلاحا (وَأَقْرَبَ رُحْماً) يقول: أقرب أن يُرْحما بِهِ. وهو مصدر رحمت.

وقوله: كَنْزٌ لَهُما [٨٢] يقال: علم.

وقوله (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) نصب: فَعَل ذَلِكَ رحمة منه. وكل فعل رأيته مفسِّرًا للخبر الَّذِي قبله فهو منصوب. وتعرفه بأن ترى هُوَ وهي تصلحان قبل المصدر، فإذا ألقيتا اتّصل المصدر بالكلام الَّذِي قبله فنصب، كقوله (فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ) وكقوله (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) معناهُ: إنك من المرسلين وهو تنزيل العزيز (وهذا تنزيل العزيز الرحيم) وكذلك قوله (فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِنْ عِنْدِنا) معناهُ: الفرق فيها أمر من عندنا.

فإذا ألقيت ما يرفع المصدر اتصل بِما قبله فنصب. al-Farra’ 2/157al-Farra’ 2/157

وقوله: فَأَتْبَعَ سَبَباً [٨٥] قرئت (فأتبع ) و (اتَّبَع ) وأَتْبَع أحسن من اتَّبع، لأن اتبعت الرجل إذا كَانَ يسير وأنت تسير وراءه. وإذا قلت أتبعته بقطع الألف فكأنك قفوته.

وقوله: حَمِئَةٍ [٨٦] حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (حَمِئَةٍ) قَالَ: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ سَوْدَاءَ. وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي سفيان ابن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنه قرأ (حمئة) حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَرَأَ (حَامِيَةٍ) وذكر بعض المشيخة عَن خُصيف عَن أبي عبيدة (أن ابن مسعود قرأ) (حامِيَةٍ) .

وقوله (إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً) موضع أن كلتيهما نَصب. ولو رفعت كَانَ صوابًا أي فإنما هُوَ هَذَا أو هَذَا. وأنشدنى بعض العرب:

فسيرا فإما حاجة تقضيانها ... وإما مقيل صالح وصديق

١٠٨ اولو كَانَ قوله (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً) رفعًا كَانَ صوابًا والعرب تستأنف بإمّا وَإِمَّا.

أنشدني بعض بني عُكْلٍ:

ومن لا يزل يستودع الناس مَاله ... تَرِبْهُ عَلَى بعض الخطوبِ الودائع

ترى الناس إمّا جاعلوه وقاية ... لمالهم أو تاركوه فضائع وقايةً ووِقاءَهُمْ. والنصبُ عَلَى افعل بنا هَذَا أو هَذَا، والرفعُ عَلَى هُوَ هَذَا أو هذا. al-Farra’ 2/158al-Farra’ 2/158

وقوله: فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى [٨٨] أي فله جزاءً الحسنى نَصَبت الجزاء عَلَى التفسير وهذا مما فسرت لك. وقوله (جَزاءً الْحُسْنى) مضاف . وقد تكون الحسنى حسناته فهو جزاؤها. وتكون الحسنى الجنة، تضيف الجزاء إليها، وهي هو، كما قال (حَقُّ الْيَقِينِ) و (دِينُ الْقَيِّمَةِ) (وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ) ولو جعلت (الْحُسْنى) رفعًا وقد رفعت الجزاء ونوَّنت فِيهِ كَانَ وجهًا. ولم يقرأ بِهِ أحد. فتكون كقراءة مسروق (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدّنيا بزينة الكواكب) فخفض الكواكب ترجمة عَن الزينة.

وقوله: لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً [٩٠] يقول: لا جبل ولا ستر ولا شجر هم عراة.

وقوله: يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ [٩٤] همزهما عَاصِم ولم يهمزهما غيره [وقوله: (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً) ] الخراج الاسم الأول. والخرج كالمصدر كأنه الْجُعْلُ.

وقوله: ما مَكَّنِّي [٩٥] أدغمت نونه فِي النون التي بعدها. وقد ذكر عَن مجاهد (ذكره أَبُو طلحة الناقط ما يحضرني عَن غيره) قَالَ: (ما مَكَّنَني) بنونين ظاهرتين وهو الأصل.

وقوله: حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ [٩٦] . al-Farra’ 2/159al-Farra’ 2/159

و (الصَّدَفَيْنِ) و (الصّدفين ) سَاوَى وسوَّى بينهما واحد.

[قوله: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ] : قرأ حمزة والأعمش (قال أتوني) (مقصورة) قنصبا القطر بها وجعلاها (من جيئونى) و (آتوني) أعطوني. إذا طولت الألف كَانَ جيدًا (آتِنا غَداءَنا ) : آتوني قِطرا أفرغ عَلَيْهِ. وإذا لَمْ تطوّل الألف أدخلت الياء فِي المنصوب فقلت ائتنا بغدائنا. وقول حَمْزَةَ والأعمش صواب جائز من وجهين. يكون مثل قولك: أخذت الْخِطَام وأخذت بالخطام. ويكون عَلَى ترك الهمزة الأولى فِي (آتُونِي) فإذا أسقطت الأولى همزت الثانية.

وقوله: جَعَلَهُ دَكَّاءَ [٩٨] حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي قيس بن الربيع عَن سعيد بن مسروق عَن الشعبي عَن الربيع بن خَيْثم الثوري أن رجلًا قرأ عليه (دكا ) فقال (دكّاء) فخّمها. قَالَ الفراء: يعني: أطلها.

وقوله: وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ [١٠٠] : أبرزناها حَتَّى نظر إليها الكفار وأعرضت هي:

استبانت وظهرت.

وقوله: لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً [١٠١] كقولك: لا يستطيعونَ سمع الهدى فيهتدوا.

وقوله: أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا [١٠٢] قراءة أصحاب عبد الله ومجاهد (أفحسب) حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ الْخُرَاسَانِيُّ عن الصلت بْنِ بَهْرَامَ عَنْ رَجُلٍ قَدْ سَمَّاهُ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَرَأَ (أَفَحَسْبُ الَّذِينَ كَفَرُوا) فَإِذَا قُلْتَ (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا) . فَأَنْ رَفْعٌ وَإِذَا قلت (أَفَحَسِبَ) كانت أن تصبا. al-Farra’ 2/160al-Farra’ 2/160

قوله: عَنْها حِوَلًا [١٠٨] : تحوّلا.

[ومن سورة مريم]

قوله: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا [١] الذكر مرفوع بكهيعص. وإن شئت أضمرت:

هَذَا ذكر رحمة ربِّك. والمعنى ذكر ربك عبده برحمته فهو تقديم وتأخير. (زَكَرِيَّا) فِي موضع نصب.

وقوله: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [٤] يقول: لَمْ أشق بدعائك، أجبتني إذ دعوتك.

وقوله: الْمَوالِيَ [٥] هم بنو (عم الرجل) وورثته والَولِيّ وَالْمَوْلَى فِي كلام العرب واحد وَفِي قراءة عبد الله (إِنَّما مَوْلاكُمُ اللهُ ورَسُولُهُ) مكان (وَلِيُّكُمُ) وذكر فِي خَفَّتِ الموالي أَنَّهُ قلَّت، ذُكِرَ عن عثمان (بن عفان ) .

وقوله ١٠٨ ب: يرثنى [٦] تقرأ جزمًا ورفعًا: قرأها يَحْيَى بن وثاب جزما والجزم الوجه لأن (يَرِثُنِي) من آية سوى الأولى فحسن الجزاء. وإذا رفعت كانت صلة للوليّ: هب لي الذي يرثنى. al-Farra’ 2/161al-Farra’ 2/161

ومثله (ردءا يصدّقنى) و (يُصَدِّقْنِي) .

وإذا أوقعت الأمر عَلَى نكرة: بعدها فعل فِي أوّله الياء والتاء والنون والألف كَانَ فِيهِ وجهان: الجزمُ عَلَى الجزاء والشرط، والرفع عَلَى أَنَّهُ صلة للنكرة بِمنزلة الَّذِي، كقول القائل: أعِرْنِي دابَّة أركبها، وإن شئت أركبُها: وكذلك (أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا) ولو قَالَ (تَكُنْ لَنَا) كَانَ صوابًا. فإذا كَانَ الفعلُ الَّذِي بعد النكرة لَيْسَ للأوّل ولا يصلح فِيهِ إضمار الْهَاء إن كَانَ الفعل واقعًا عَلَى الرجل فليس إلا الجزم كقولك: هَبْ لي ثوبًا أَتَجَمّل مع الناس لا يكون (أَتجمَّل) إِلَّا جَزْمًا لأن الْهَاء لا تصلح فِي أتجمل. وتقول: أَعِرْنِي دابَّة أركب يا هذا لأنك تقول أركبها فتضمر الْهَاء فيصلح ذَلِكَ.

وقوله: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا [٧] لَمْ يسم أحد بيحيى قبل يَحْيَى بن زكريّا.

وقوله: مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا و (عِتِيًّا) وقرأ ابن عباس (عُسِيًّا) وأنت قائل للشيخ إذا كبر، قد عَتَا وعسا كما يُقال للعود إذا يَبِس.

وقوله: قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ [٩] أي خَلْقُه عَليّ هَيِّن.

وقوله: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ [١٠] (أن) فِي موضع رفع أي آيتك هَذَا.

و (تُكَلِّمَ) منصوبة بأن ولو رُفعت (كما قَالَ : أَفَلا يرون إن لا يرجع إليهم قولا:) كان صوابا.) al-Farra’ 2/162al-Farra’ 2/162

وإذا رأيت (أن) الخفيفة معها (لا) فامتحنها بالاسم المكنّي مثل الْهَاء والكاف. فإن صلحا كَانَ فِي الفعل الرفع والنصب وإن لَمْ يصلحا لَمْ يَكن فِي الفعل إلا النصب ألا ترى أَنَّهُ جائز أن تَقُولَ: آيتك أنك لا تكلم الناس والذي لا يكون إلا نصبًا.

قوله (يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا) لأن الْهَاء لا تصلح فِي (أن) فقس على هذين.

وقوله (ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا) يُقال: من غير خَرَس.

وقوله وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا [١٣] الحنان: الرحمة (ونصب حَنَانًا أي) وفعلنا ذَلِكَ رحمةً لأبويه (وَزَكاةً) يقول: وصلاحًا. ويُقال: وتزكية لهما.

وقوله: إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا

[١٦] يقال : فِي مَشْرُقَة دارِ أهلها. والعربُ تَقُولُ: هُوَ مني نَبْذَة ونُبْذَة.

وقوله. فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً

[١٧] كانت إذا أتاها الحيض ضربت حِجابَا.

وقوله : فَأَوْحى إِلَيْهِمْ [١١] أي أشار إليهم. والعربُ تَقُولُ: أوحى إليّ ووَحَى وأومأ إليّ وَوَمَى بِمعنى واحد، ووَحَى يحى و (ومِي يَمِي) وإنه ليحي إلى وَحْيا ما أعرفه.

وقوله: لِأَهَبَ لَكِ

[١٩] الْهِبَة من الله، حكاها جبريل لَهَا، كأنه هُوَ الواهب. وَذَلِكَ كَثِير فِي القرآن خاصة. وَفِي قراءة عبد الله (لِيَهَبَ لَكِ) والمعنى: ليهب الله لك. وأما تفسير (لِأَهَبَ لَكِ) al-Farra’ 2/163al-Farra’ 2/163

فإنه كقولك أرسَلني بالقول لأهب لك فكأنه قال: قَالَ: ذا لأهب لك والفعل لله تعالى.

وقوله وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا [٢٠] البغيّ: الفاجرة.

وقوله: هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ [٢١] خلقه علىّ هيّن.

وقوله: مَكاناً قَصِيًّا [٢٢] (قاصيًا) بِمعنى واحد. أنشدني بعضهم.

لَتقعُدِنَّ مَقعدَ الْقَصِيِّ ... مِنِّي ذي القاذُورة الْمَقْلِيّ

وقوله: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ [٢٣] من جئت كما تَقُولُ: فجاء بِهَا المخاض إلى جذع النخلة. فلمّا ألقيت الباء جعلت فِي الفعل ألفًا كما تَقُولُ: آتيتك زيدًا تريد: أتيتك بزيد. ومثله (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ) فلمّا ألقيت الباء زدت ألفًا وإِنَّما هُوَ ائتوني بزُبَر الحديد. ولغة أخرى لا تصلح فِي الكتاب وهي تَميمية: فأشاءها المخاض، ومن أمثال العرب : شرٌّ ما ألجأك إلى مُخَّة عُرْقُوبِ. وأهل الحجاز وأهل العالية يقولون: شرّ ما أجاءك إلى مُخَّة عرقوب، والمعنى واحد.

وتَميم تَقُولُ: شرّ ما أشاءك إلى مُخّة عرقوب.

وقوله (وَكُنْتُ نَسْياً) ١٠٩ أصحاب عبد الله قرءوا نسيا) بفتح النون. وسائر العرب تكسر النون وهما لغتان مثل الجسر والجسر والحجر والْحَجْر والْحِجْر والوَتْر والوِتْر. والنِّسْي: ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها (لأنه إذا رُمي بِهِ لَمْ يُرَدّ) وهو اللَّقي مقصور. وهو النَّسي ولو أردت بالنَّسْي مصدر النسيان كَانَ صوابًا. al-Farra’ 2/164al-Farra’ 2/164

بِمنزلة قولك: حِجْرًا محجورًا: حرامًا محرمًا، نسيًا منسيًا. والعربُ تَقُولُ: نسيته نِسْيَانًا، ونسيا، أنشدني بعضهم:

من طاعة الربّ وعَصْي الشيطان

يريد: وعصيان الشيطان . وكذلك أتيته إتيانًا وأتْيًا. قَالَ الشاعر:

أَتْيُ الفواحش فيهم معروفة ... ويرون فعل المكرُمات حَرَامَا

وقوله: فَناداها مِنْ تَحْتِها [٢٤] و (نَادَاها مَنْ تَحْتها) وهو الملك فِي الوجهين جَميعًا. أي فناداهَا جبريل من تحتها، وناداها من تحتها: الَّذِي تحتها وقوله (سَرِيًّا) السرِيّ: النهر.

وقوله: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [٢٥] العربُ تَقُولُ: هَزّ بِهِ وهزَّه، وخذ الْخِطَام وخذ بالخطام، وتعلق زيدًا وتعلق بزيد، وخُذْ برأسه وخذ رأسه، وامدد بالحبل (وامدد الحبل ) قال الله (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ) معناه: فليمدد سببا (إلى السّماء) وكذلك فِي قوله (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) لو كانت: وهُزّي جذع النخلة كَانَ صوابًا. al-Farra’ 2/165al-Farra’ 2/165

وقوله: (يَسَّاقط) ويُقرأ (تسَّاقط عَلَيْكِ) وتَسَاقط وتُسَاقِط (بالتاء) فمن قرأها يَسَّاقط ذهب إلى الجذع. وقد قرأها البراء بن عازب بالياء، وأصحاب عبد الله (تساقط) يريدونَ النخلة، فإن شئت شدّدت وإن شئت خففت. وإن قلت (تُسَاقِطْ عليك) كَانَ صوابًا. والتشديد والتخفيف فِي المبدوء بالتاء والتشديد فِي المبدوء بالياء خاصَّة. ولو قرأ قارئ تُسْقِط عليك رطبًا يذهب إلى النخلة أو قَالَ يَسْقط عليك رُطبًا يذهب إلى الجذع كان صوابا.

وقوله (جَنِيًّا) الْجَنِيِّ والْمَجْنِيّ واحد وهو مفعول بِهِ.

وقوله: وَقَرِّي عَيْناً [٢٦] جاء فِي التفسير: طِيبي نَفسًا. وإنما نصبت الْعَين لأن الفعل كَانَ لَهَا، فصيرته للمرأة. معناهُ: لتقرر عينك، فإذا حول الفعل عَن صاحبه إلى ما قبله نصب صاحب الفعل عَلَى التفسير. ومثله (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً) وإِنَّما معناه: فإن طابت أنفسهن لكم، وَضَاقَ بِهِ ذرعًا وضقت بِهِ ذَرْعًا، وسؤت بِهِ ظَنًّا إنَّما (معناهُ : ساء به ظنّي) وكذلك مررت برجل حسنٍ وجهًا إنما كَانَ معناه: حسن وجهه، فحولت فعل الوجه إلى الرجل فصار الوجه مفسرًا.

فابن عَلَى ذا ما شئت. وقوله: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً) أي صمتًا.

وقوله: لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا [٢٧] الْفِريّ: الأمر العظيم. والعربُ تَقُولُ: يَفْرِي الْفَرِيّ إذا هُوَ أجادَ العمل أو السَّقْيَ ففضل الناس قيل هذا فيه. وقال الراجز . al-Farra’ 2/166al-Farra’ 2/166

قد أَطعمتني دَقَلًا حَجْرِيَّا ... قد كنت تفرين به الْفَرِيَّا

أي قد كنت تأكلينه أكلًا كثيرا .

وقوله: يا أُخْتَ هارُونَ [٢٨] كَانَ لَهَا أخ يُقالُ لَهُ هَارونَ من خيار بني إسرائيل ولم يكن من أبويها فقيل: يا أخت هارون فِي صلاحه. أي إن أخاك صالح وأبواك أبواك كالتغيير لَها. أي أهل بيتك صالِحون وقد أتيتِ أمرا عظيما.

وقوله: فَأَشارَتْ إِلَيْهِ [٢٩] إلى ابنها. ويُقال إن المهد حِجْرهَا وحَجْرها. ويُقال: سَريره والحِجْر أجود .

وقوله: وَجَعَلَنِي مُبارَكاً [٣١] يتعلم منى حيثما كنت.

وقوله جَبَّاراً [٣٢] الجبَّار: الَّذِي يقتل عَلى الغضب، ويضرب عَلَى الغضب.

وقوله وَبَرًّا بِوالِدَتِي نصبته عَلَى وجعلني نبيًّا وجعلني بَرًّا. مُتبع للنبي كقوله (وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ) ثم قال (وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها) (دانية) مردودة على (مُتَّكِئِينَ فِيها) كما أن البر مردودة عَلَى قوله (نَبِيًّا) .

وقوله: وَالسَّلامُ عَلَيَّ [٣٣] جاء فِي التفسير السَّلامة علَيّ.

وقوله: قَوْلَ الْحَقِّ [٣٤] فِي قراءة عبد الله (قَالُ اللهِ الحقّ) والقول والقال فى معنى واحد. al-Farra’ 2/167al-Farra’ 2/167

والحق فِي هَذَا الموضع يُرادُ بِهِ الله. ولو أريدَ بِهِ قول الحق فيضاف القول إلى الحق ومعناهُ القول الحق كَانَ صوابًا كما قيل: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ) فيضاف الشيء إلى مثله ومثله قَوْل الله (وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ) ومعناهُ الوعد الصدق. وكذلك (وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ) إِنَّما هُوَ: والدار الآخرة.

وقد قرأت القراء بالنصب (قَوْلَ الْحَقِّ) وهو كَثِير يريدون بِهِ: حقًّا. وإن نصبت القول وهو فِي النيَّة من نعت عيسى كَانَ صَوَابًا، كأنك قلت: هَذَا عبد الله أخاهُ بعينه. والعربُ تنصب الاسم المعرفة فِي هَذَا وَذَلِكَ وأخواتهما. فيقولون: هَذَا عبدُ الله الأسد عاديًا كما يقولون:

أسدًا عاديًا.

وقوله: مَا كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ [٣٥] (أن) فِي موضع رفع.

وقوله: وَإِنَّ اللَّهَ [٣٦] تقرأ (وَأَنَّ اللَّهَ) فمن فتح أراد: ذَلِكَ أنّ الله ربي وربكم. وتكون رفعًا وتكون (فِي تأويل ) خفض عَلَى: ولأن الله كما قَالَ (ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ) ولو فتحت (أنّ) على قوله (وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ. (وأن الله) كَانَ وجهًا. وَفِي قراءة أُبَيّ (إن الله ربي وربكم) بغير واو فهذا دليل على أنها مكسورة.

وقوله: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ [٤١] اقصص قِصَة إِبْرَاهِيم: اتْلُ عليهم. وكذلك قوله فيمن ذكر من الأنبياء (أي) اقصُصْ عليهم قصصهم. al-Farra’ 2/168al-Farra’ 2/168

وقوله: إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ [٤٥] يريد: إني أعلم. وهو مثل قوله (فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما) أي فعلمنا.

وقوله: لَأَرْجُمَنَّكَ [٤٦] لأسبّنّك.

وقوله: (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) طويلًا يُقال كنت عنده مَلْوةً من دهر ومُلْوةً ومِلْوةً ومُلَاوَةً من دهر وهذيل تَقُولُ: مِلاوة، وبعض العرب مَلاوة. وكله من الطول.

وقوله: كانَ بِي حَفِيًّا [٤٧] : كَانَ بي عالِمًا لطيفًا يُجيبُ دعائي إذا دعوته.

وقوله: عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا [٤٨] يقول: إن دعوته لَمْ أَشْقَ بِهِ.

وقوله: وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا [٥٠] : ثناء حسنا فى كلّ الأديان. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرو بن أبي المقدام عَن الحكم بن عُتيبة عَن مُجاهد فِي قوله (وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) قَالَ: ثناء حَسَنًا.

وقوله: وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ [٥٢] (من الجبل) لَيْسَ للطور يمين ولا شِمال، إنَّما هُوَ الجانب الَّذِي يلي يمينك كما تقول: عن يمين القبلة وعن شمالها.

وقوله (وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا) (اسم لَيْسَ بِمصدر ولكنه) كقولك: مُجالس وجَليس. والنجيّ وَالنَّجْوَى قد يكونان اسمًا ومصدرًا.

وقوله: وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [٥٥] ولو أتت: مرضَوّا كَانَ صَوَابًا لأن أصلها الواو ألا ترى أنّ الرضوان بالواو. والذين قالوا مرضيّا بنوه عَلَى رضِيت (ومَرْضُوًّا لغة أهل الحجاز) . al-Farra’ 2/169al-Farra’ 2/169

وقوله: وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا [٥٧] ذُكِرَ أن إدريس كَانَ حُبِّبَ إلى ملك الموت حَتَّى استأذنَ ربَّهُ فِي خُلّته. فسأل إدريس ملك الموت أن يريه النار فاستأذنَ ربه فأراها إياهُ ثُمَّ (استأذنَ ربَّه) فِي الجنّة فأراها إيّاه فدخلها. فقال له ملك الموت: اخرج فقال: والله لا أخرج منها أبدًا لأن الله قَالَ (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) فقد وردتها يعني النار وقال (وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ ) فلستُ بِخارج منها إلا بإذنه. فقال الله: بإذني دخلها فدعه. فذلك قوله (وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا) .

وقوله: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خلف: الخلف يُذهَب بِهِ إلى الذم. والخَلَف الصالِح. وقد يكون فى الرديء خلف وَفِي الصالِح خَلْف لأنهم قد يذهبون بالخلف إلى القرن بعد القرن.

وقوله: جَنَّاتِ عَدْنٍ [٦١] نَصْب. ولو رفعت عَلى الاستئناف كَانَ صوابًا.

وقوله (إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا) ولم يقل: آتيا. وكل ما أتاك فأنت تأتيه ألا ترى أنك تَقُولُ أتيت عَلَى خمسين سنة وأتت عَليّ خمسون سنة. وكل ذَلِكَ صواب.

وقوله: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا [٦٢] ليس هنالك بكرة ولا عشي، ولكنهم يُؤتَون بالرزق عَلَى مقادير من الْغُدُوّ والعشيّ فِي الدُّنْيَا.

وقوله: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [٦٤] يعني الملائكة وقوله: لَهُ (مَا بَيْنَ أَيْدِينا) من أمر الدنيا (وَما خَلْفَنا) من أمر الآخرة (وَما بَيْنَ ذلِكَ) يُقال ما بين النفختين، وبينهما أربعون سنة. al-Farra’ 2/170al-Farra’ 2/170

وقوله: لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا [٦٦] و (أَخْرُجُ) قراءتان .

وقوله: أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ [٦٧] وهي فِي قراءة أُبَيّ (يَتَذَكَّرُ) وقد قرأت القراء (يَذْكُرُ) عَاصِم وغيره .

وقوله: خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا [٧٣] : مجلسًا. والندِيّ والنادي لغتان.

وقوله: أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً [٧٤] الأثاث: المتاع. والرِّئي: المنظر، والأثاث لا واحد لَهُ، كما أن المتاع لا واحد لَهُ. والعرب تجمع المتاع أمتعة وأماتيع ومُتُعًا. ولو جمعت الأثاث لقلت:

ثلاثة آثّة، وأثت لا غير. وأهل المدينة يقرءونها بغير همز (وَرِيًّا) وهو وجه جَيّد لأنه مع آيات لسن بِمهموزات الأواخر. وقد ذُكِرَ عَن بعضهم أَنَّهُ ذهب بالريِّ إلى رَويت . وقد قرأ بعضهم (وَزِيًّا) بالزاي. والزِّيُّ: الهيئة والمنظر. والعربُ تَقُولُ: قد زَيَّيْت الجارية أي زَيَّنْتَها وهَيَّأتها.

وقوله: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً [٧٦] بالناسخ والمنسوخ.

قرىء: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي [٧٧] بغير هَمز.

وقوله: وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ [٨٠] يعني ما يزعم الْعَاصي»

بن وائل أَنَّهُ لَهُ فِي الجنة فتجعله لغيره (وَيَأْتِينَا فَرْدًا: خاليًا من المال والولد.

وقوله: لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا [٨١] يقول: ليكونوا لهم شفعاء فى الآخرة. al-Farra’ 2/171al-Farra’ 2/171

فقال الله: كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [٨٢] يكونون عليهم أعوانًا .

وقوله: أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ [٨٣] (فى الدنيا) (تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) : تزعجهم إلى المعاصي وتغريهم بِهَا.

وقوله: إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا [٨٤] يُقال: الأيَّام والليالي والشهور والسنون. وقال بعضُ المفسرين: الأنفاس.

وقوله: نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً [٨٥] الوفد: الركبان.

وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً [٨٦] مشاة عطاشا.

وقوله: لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ [٨٧] : لا يملكون أن يشفعوا (إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً) والعهد لا إله إلا الله. و (من) فِي موضع نصب عَلَى الاستثناء ولا تكون خفضًا بضمير اللام ولكنها تكون نصبًا عَلَى معنى الخفض كما تَقُولُ فِي الكلام: أردت المرور اليوم إلا العدوّ فإني لا أمُرّ بِهِ فتستثنيه من المعنى ولو أظهرت الباء فقلت: أردت المرور إلا بالعدو لخفضت. وكذلك لو قيل: لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعةَ إِلَّا لمن اتّخذ عند الرحمن [١١٠ ب] عهدا.

[قوله: لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً [٧٧] ] حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي المغيرة عَن إِبْرَاهِيم أَنَّهُ كَانَ يقرأ (مَالُهُ وَوُلْدُهُ) وَفِي كهيعص (مالًا وَوَلَداً) قال الفراء وكذلك قرأ يَحْيَى بن وَثّاب. ونصب عَاصِم الواو. وثقّل فِي كل القرآن. وقرأ مُجاهد (مالُه ووُلْدُه إلَّا خَسَارًا) بالرفع ونصب سائر القرآن. وقال الشاعر: al-Farra’ 2/172al-Farra’ 2/172

ولقد رأيت معاشرا ... قد ثَمّروا مَالًا وَوُلْدًا

فخفف (وثَمروا) والوُلْد والوَلَد لغتان مثل (ما قالوا) : الْعَدمَ وَالْعُدْمُ (والوُلْد والولد) وهما واحد. (وليس بِجمع) ومن أمثال العرب وُلْدُكِ مَن دَمَّى عقبيك. وقال بعضُ الشعراء:

فليتَ فلانًا مات فِي بطن أمه ... وليت فلانا كان وُلْدَ حمار

فهذا واحد. وقَيْس تَجعل الْوُلْد جَمْعًا وَالْوَلَدَ وَاحدًا.

وقوله: وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا [٩٠] : كسرا.

وقوله: أَنْ دَعَوْا [٩١] لأن دَعَوا، ومن أَن دَعَوا، وموضع (أن) نصب لاتصالِها. وَالْكِسَائي كَانَ يقول: (موضع أن) خفض.

وقوله: إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [٩٣] ولو قلت: آتٍ الرحمن عبدًا كَانَ صوابًا. ولم أسمعهُ من قارئ.

وقوله: لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا [٨٩] قرأت القرَّاء بكسر الألف، إلا أبا عبد الرحمن السُّلَمِي فإنه قرأها بالفتح (أَدّا) ومن العرب من يقول: لقد جئت بشيء آدٍ مثل مادّ. وهو فِي الوجوه كلها:

بشيء عظيم. al-Farra’ 2/173al-Farra’ 2/173

وقوله: يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ [٩٠] ويَنْفَطِرْنَ. وَفِي قراءة عبد الله (إن تكاد السّماوات لتتصَدَّع منه) وقرأها حَمْزَةُ (يَنْفَطِرْنَ) عَلَى هَذَا المعنى.

وقوله: وُدًّا [٩٦] يقول: يجعل الله لَهم وُدّا فِي صدور المؤمنين.

وقوله: أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً [٩٨] الركز: الصوت.

[من سورة طه]

قوله طه [١١] حرف هجاء. وقد جاء فِي التفسير طه: يا رجل، يا إنسان حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ حَدَّثَنِي عَاصِمٌ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ:

قَرَأَ رجل على ابن مسعود طه بِالْفَتْحِ قَالَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ طِهِ بِالْكَسْرِ قَالَ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ يَا با عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَيْسَ أَنَّمَا أُمِرَ أَنْ يَطَأَ قَدَمُهُ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ طِهِ. هَكَذَا أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَكَانَ بعضُ القراء يقطّعها طِ هِـ قرأها أَبُو عَمْرو بن العلاء طاهي هكذا.

وقوله: إِلَّا تَذْكِرَةً [٣] نصبها على قوله: وما أَنْزَلْنا إِلَّا تَذْكِرَةً.

وقوله: تَنْزِيلًا [٤] ولو كانت (تنزيلٌ) (عَلَى الاستئناف) كَانَ صوابًا.

وقوله: يَعْلَمُ السِّرَّ [٧] : ما أسررته (وَأَخْفى) : ما حَدَّثت بِهِ نفسك.

وقوله: إِنِّي آنَسْتُ ناراً [١٠] : وَجدْتُ نارًا. والعربُ تَقُولُ: اخْرُج فاستأنس هَل ترى شيئًا.

ومن أمثال العرب بعد اطّلاع إيناس . وبعضهم يقول بعد طلوع إيناس. al-Farra’ 2/174al-Farra’ 2/174

وقوله: (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ) الْقَبَس مثل النار فِي طَرَف العود أو فِي الْقَصَبة. وقوله:

(أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً) يعني هاديًا. فأجزأ المصدر من الهادي. وَكَانَ موسى قد أخطأ الطريق.

وقوله : يَا مُوسى [١١] إنى [١٢] إن جَعَلت النداء واقعًا عَلَى (موسى) كسرت (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) وإن شئت أوقعت النداء عَلَى (أنِّي) وَعَلَى (موسى) وقد قرىء بذلك.

وقوله: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ) ذُكِر أنهما كانتا من جلد حمارٍ ميّتٍ فأمر بخلعهما ١١١ الذلك. وقوله (طوى) قد تكسر طاؤه فيُجرَى. ووجه الكلام (الإجراء إذا كسرت الطَّاء) وإن جعلته اسمًا لِمَا حول الوادي جَازَ ألا يُصرف كما قيل (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ) فأجرو حنينًا لأنه اسم للوادي. وقال الشاعر فِي ترك إجرائه:

نصروا نبِيَّهمُ وشَدّوا أَزْرَهُ ... بِحُنَيْنَ يوم تواكُلِ الأبطال

نوى أن يجعل (حنين) اسمًا للبلدة فلم يُجْرِه. وقال الآخر :

ألَسْنَا أكرم الثقلين رَحْلا ... وأعظمه ببَطن حِراء نارَا

فلم يُجر حراء وهو جبل لأنه جعله اسما للبلدة التي هو بها. al-Farra’ 2/175al-Farra’ 2/175

وأمَّا من ضمَّ (طُوَى) فالغالبُ عَلَيْهِ الانصراف. وقد يَجوز ألا يُجرى يُجعل عَلَى جهة فُعل مثل زُفَر وعُمَر ومُضَر قَالَ الفراء : يقرأ (طوى) مجراة.

وقوله: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ [١٣] وتقرأ [وَأَنَّا اخترناكَ] مردودة عَلَى [نودي] نودي أنَّا اخترناكَ، وَإِنَّا اخترناكَ فإذا كسرها استأنفها .

وقوله: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [١٤] ويقرأ: (لِذِكْرَا) بالألف فمن قَالَ (ذِكْرَا) فجعلها بالألف كَانَ عَلَى جهة الذكرى. وإن شئت جَعَلْتَها ياء إضافة حُوِّلَت ألفًا لرءوس الآيات كما قَالَ الشاعر:

أطوِّف ما أطوِّف ثُمَّ آوِي ... إِلَى أمَّا ويُرِويني النقيعِ

والعربُ تَقُولُ بأبا وَأُمَّا يريدون: بأبي وَأُمِّي. ومثله (يَا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ ) وإن شئت جعلتها ياء»

إضافة وإن شئت ياء»

نُدْبة و (يَا حَسْرَتى عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) [قوله: أَكادُ أُخْفِيها [١٥] قرأت القراء (أَكادُ أُخْفِيها) بالضَمِّ. وَفِي قراءة أُبَيّ (إِنّ الساعة آتية أكاد أخفيها من نفسي فكيف أظهركم عليها) وقرأ سعيد بن جُبير (أَخْفِيها) بفتح الألف حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي الْكِسَائي عَن مُحَمَّد بن سهل عن وقاء عَن سعيد بن جُبَيْر أَنَّهُ قرأ (أَخْفِيها) بفتح الألف من خفيت. وخفيت: أظهرت وخفيت: سترت.

قَالَ الفراء قَالَ الْكِسَائي والفقهاء يقولون . قال الشاعر : al-Farra’ 2/176al-Farra’ 2/176

فإن تدفنوا الداء لا نخفِه ... وإن تبعثوا الحرب لا نَقْعُدِ

يريد لا نُظهره.

وقوله: فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها [١٦] يريدُ الإيمان ويُقال عَن الساعة: عَن إتيانها. وجازَ أن تَقُولَ:

عنها وأنت تريد الإيمان كما قَالَ (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا) ثُمَّ قَالَ (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) يذهب إلى الْفَعْلةِ.

وقوله: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى [١٧] يعني عصاهُ. ومعنى (تِلْكَ) هَذِه.

وقوله: (بِيَمِينِكَ) فِي مذهب صلة لتلك لأن تِلْكَ وهذه توصلان كما توصل الذي قال الشاعر .

عدش ما لعبادٍ عليكِ إمارة ... أمِنتِ وهذا تحملين طليقُ

وعَدَسْ زجر للبغل يريد الَّذِي تحملين طليق.

وقوله: وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي [١٨] أضرب بِهَا الشجر اليابس ليسقط ورقها فترعاهُ غنمه (وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى) يعني حوائج جعل أخرى نعتًا للمآرب وهي جمع. ولو قَالَ: أُخَر، جاز كما قَالَ الله (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) ومثله (وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ) .

وقوله. سِيرَتَهَا الْأُولى [٢١] أي طريقتها الأولى. يقول: يردّها عصا كما كانت. al-Farra’ 2/177al-Farra’ 2/177

وقوله: وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ [٢٢] الْجَنَاح فِي هَذَا الموضع من أسفل الْعَضد إلى الإبط.

وقوله: (تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) أي برص.

وقوله: آية أخرى، المعنى هي آية أخرى وهذه آية أخرى، فلمّا لَمْ يأت بهي ولا بِهذه قبل الآية اتّصلت بالفعل فنصبت.

وقوله: مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى [٢٣] ولو قيل: الكبر كان صوابا، هى بِمنزلة (الْأَسْماءُ الْحُسْنى) و (مَآرِبُ أُخْرى) .

وقوله. وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي [٢٧] كانت فِي لسانه رُتَّة .

وقوله: هارُونَ أَخِي [٣٠] إِن شئت أوقعت (اجْعَلْ) عَلَى (هارُونَ أَخِي) وجعلت الوزير فعلًا لَهُ. وإن شئت جعلت (هارُونَ أَخِي) مترجمًا عَن الوزير، فيكون نصبًا بالتكرير. وقد يَجوز فِي (هارون) الرفع عَلَى الائتناف لأنه معرفة مفسر لنكرة كما قَالَ الشاعر:

فإن لَهَا جَارين لن يَغْدِرا بِهَا ... رَبيبُ النَّبِيّ وابن خير الخلائق

وقوله: اشْدُدْ بِهِ [٣١] دعاء: (اشْدُدْ بِهِ) يا ربّ (أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ) يا رب (فِي أَمْرِي) .

دعاء من موسى وهي فِي إحدى القراءتين (أَشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأُشْرِكْهُ فِي أمري) بضم الألف. وذكر عَن الْحَسَن (اشْدُدْ بِهِ) جزاء للدعاء لقوله (اجْعَلْ لِي) (وأشركه) بضم الألف فى (أشركه) لأنها فعل لموسى. al-Farra’ 2/178al-Farra’ 2/178

وقوله: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى [٣٧] قبل هَذِه. وهو ما لطف لَهُ إذ وقع إلى فرعون فحببّه إليهم حَتَّى غَذَوه. فتلك المنَّة الأخرى (مع هَذِه الآية) .

وقد فسَّره إذ قَالَ: إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ مَا يُوحى [٣٨] أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فى اليمّ ثم قال: (فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ) هُوَ جزاء أخرج مُخرج الأمر كَانَ البحر أُمر. وهو مثل قوله:

(اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ) المعنى. والله أعلم: اتبعُوا سبيلنا نَحمل عنكم خطاياكم. وكذلك وعدها الله: ألقيه فِي البحر يُلْقِه اليمّ بالساحل. فذكر أن البحر ألقاهُ إلى مشرَعة آل فرعون، فاحتمله جواريه إلى امرأته.

وقوله: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي) حُبِّبَ إِليّ (كلّ من رآه) .

وقوله: (وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي [٣٩] إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ) [٤٠] ذكر المشي وحده، ولم يذكر أنها مشت حَتَّى دخلت عَلَى آل فرعون فدلتهم عَلَى الظِّئر وهذا فِي التنزيل كَثِير مثله قوله:

(أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ) ولم يقل فأرسل فدَخَل فقال يوسف. وهو من كلام العرب: أن تجتزىء (بحذف كَثِير) من الكلام وبقليله إذا كَانَ المعنى معروفا.

وقوله: (وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً) ابتليناكَ بالغم: غمّ القتل ابتلاء.

وقوله (عَلى قَدَرٍ يا مُوسى) يريدُ عَلَى ما أراد الله من تكليمه.

وقوله: وَلا تَنِيا [٤٢] يريد: ولا تَضعُفا ولا تفتُرا عَن ذكري وفى ذكرى سواء. al-Farra’ 2/179al-Farra’ 2/179

وقوله: قَوْلًا لَيِّناً [٣٤ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن أبان القرشي قَالَ: كَنَّياه. قَالَ مُحَمَّد بن أبان قَالَ يكنى: أبا مُرّة، قَالَ الفراء. ويُقال: أبو الوليد.

وقوله: أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا ٤٥ و (يَفْرُطَ) يريد فِي العجلة إلى عقوبتنا. والعربُ تَقُولُ: فَرَطَ منه أمر. وأفرط: أسْرَف، وَفَرَّطَ: تَوانى ونسي.

وقوله: إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ ٤٧ ويجوز رَسُول ربك لأن الرسول قد يكون للجمع وللاثنين والواحد. قَالَ الشاعر :

أَلِكْني إليها وخير الرسو ... ل أعلمهم بنواحي الخبَرْ

أراد: الرُّسْلَ.

وقوله: وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى [٤٧] يريد: والسلامة عَلَى من اتّبع الهدى، ولِمن اتبع الهدى سواء قَالَ أمر موسى أن يقول لفرعون (وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى) .

وقوله: إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [٤٨] دليلٌ عَلَى معنى قوله:

يَسْلم من اتبع الهدى.

وقوله: قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يَا مُوسى [٤٩] يكلم الاثنين ثُمَّ يجعل الخطاب لواحد لأن لكلام إنما يكون من الواحد لا من الجميع. ومثله مما جُعِل الفعل عَلَى اثنين وهو لواحد.

قوله: (نَسِيا حُوتَهُما) وإنّما نسيه واحد ألا ترى أَنَّهُ قَالَ لموسى (فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ) ومثله (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ) وإنما يخرج من الملح. al-Farra’ 2/180al-Farra’ 2/180

وقوله: (أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ) [يُقال: أعطى الذكر من الناس امرأة مثله من صنفه، والشاة شاة، والثور بقرة.

وقوله: (ثُمَّ هَدى) ألهم الذكر المأْتَى.

وقوله: فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا ينساه و (رَبِّي) فِي موضع رفع تضمر الْهَاء فِي يضله (وَلا يَنْسى) وتقول: أضللت الشيء إذا ضاع مثل الناقة والفرس وما انفلت منك. وإذا أخطأت الشيء الثابت موضعه مثل الدار والمكان قلت: ضلَلته وضللته لغتان ولا تقل أضللت ولا أضللته.

وقوله: أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى [٥٣] مختلف الألوان الطعوم .

وقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى [٥٤] يقول: فِي اختلاف ألوانه وَطَعِمه آيات لذوي العقول. وتقول للرجل. إنه لذو نُهْية إذا كان ذا عقل.

وقوله: تارَةً أُخْرى [٥٥] مردودة على قوله (مِنْها خَلَقْناكُمْ) لا مردودة على (نُعِيدُكُمْ) لأن الأخرى والآخر إنما يردّان عَلَى أمثالهما. تَقُولُ فِي الكلام: اشتريت ناقةً ودارًا وناقة أخرى فتكون (أُخْرى) مردودة عَلَى الناقة التي هي مثلها ولا يَجوز أن (تكون مردودة) على الدار. وكذلك قوله منها خلقناكم كقوله (منها أخرجناكم، ونخرجكم بعد الموت (مرة أخرى )

وقوله: فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً يَقول: اضرب بيننا أجلًا فضَربَ. وقوله (مَكاناً سُوىً) و (سوى) وأكثر كلام العرب سواء بالفتح وللدّ إذا كَانَ فِي معنى نِصْفٍ وَعدْلٍ فتحوه ومدّوه كقول الله (تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ) والكسر والضم بالقصر عربيّان ولا يكونان إلا مقصورين وقد قرىء بهما: al-Farra’ 2/181al-Farra’ 2/181

وقوله: يَوْمُ الزِّينَةِ [٥٩] ذكر أَنَّهُ جعل موعدهم يوم عيد، ويُقال: يوم سوق كانت تكون لَهُم يتزينونَ فيها.

وقوله: (وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) يقول: إذا رأيت الناس يُحشرونَ من كل ناحيةٍ ضَحًى فذلك الموعد. وموضع (أن) رفع تردّ عَلَى اليوم، وخفضٌ ترد عَلَى الزينة أي يوم يحشر الناس.

وقوله: (فَيُسْحِتَكُمْ) [٦١] وسحت أكثر وهو الاستئصَال : يستأصلكم بعذاب.

وقال الفرزدق:

وعض زمان يا ابن مروَانَ لَمْ يدع ... من المال إلا مُسْحَتًا أو مُجَلَّف

والعربُ تَقُولُ سَحَتَ وَأَسْحَت بِمعنى واحد . قَالَ: قيل للفراء: إن بعض الرواة يقول:

ما بِهِ من المال إلا مسحت أو مجلف:

قَالَ لَيْسَ هَذَا بشيء حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي. أَبُو جَعْفَر الرؤاسيّ عَن أبي عَمْرو بن العلاء قَالَ: مرّ الفرزدق بعبد الله بن أبي إسحاق الحضرميّ النحوي فأنشده هَذِه القصيدة.

عَزَفتَ بأعشاش وما كدت تعزف ... حتى انتهى إلى هذا البيت ... al-Farra’ 2/182al-Farra’ 2/182

وعضّ زمان يا ابن مروان لَمْ يَدَع ... من المال إلا مُسْحَت أو مجلّف

فقال عبد الله للفزدق: علام رفعت؟ فقال لَهُ الفرزدق: عَلَى ما يسوءك.

وقوله: فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ [٦٢] يعني السَّحَرة قَالَ بَعضهم لبعض: إن غَلَبَنَا موسى اتَّبعناهُ وأسرُّوها من فرعون وأصحابه.

وقوله: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [٨٣] قد اختلف فِيهِ القراء فقال بعضهم: هُوَ لحن ولكنا نمضي عَلَيْهِ لئلا نُخالف الكتاب. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ عَنْ هَاشِمِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ قوله فِي النِّسَاءِ (لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ.... وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ) وَعَنْ قوله فِي الْمَائِدَةِ (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ) وعن قوله ( إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) فقالت: يا ابن أَخِي هَذَا كَانَ خَطَأً مِنَ الْكَاتِبِ. وقرأ أَبُو عمرو (إِنَّ هَذَيْنِ لساحران) واحتج أَنَّهُ بلغه عَن بعض أصحاب مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إن فِي المصحف لحنًا وستقيمه العرب.

قَالَ الفراء: ولست أشتهي عَلَى (أن أخالف الكتاب وقرأ بعضهم (إِنْ هذان لساحران) al-Farra’ 2/183al-Farra’ 2/183

خفيفة وَفِي قراءة عبد الله: (وأسروا النجوى أن هذان ساحران) وَفِي قراءة أُبَيّ (إنْ ذان إلا ساحران) فقراءتنا بتشديد (إنّ) وبالألف عَلَى جهتين.

إحداهما عَلَى لغة بني الحارث بن كعب: يجعلونَ الاثنين فِي رفعهما ونصبهما وخفضهما بالألف.

وأنشدني رجلٌ من الأسد عنهم. يريد بني الحارث:

فأَطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مسَاغًا لِناباه الشجاعُ لصَمّما

قَالَ: وما رأيت أفصح من هَذَا الأسدي وحكى هَذَا الرجل عنهم: هَذَا خطُّ يَدَا أخي بعينه.

وَذَلِكَ- وإن كَانَ قليلًا- أقيس لأن العرب قالوا: مسلمون فجعلوا الواو تابعة للضمة (لأن الواو لا تُعرب) ثُمَّ قالوا: رأيت المسلمين فجعلوا الياء تابعة لكسرة الميم. فلمّا رأوا أن الياء من الاثنين لا يمكنهم كسر ما قبلها، وثبت مفتوحًا: تركوا الألف تتبعه، فقالوا: رجلانِ فِي كل حَالٍ.

وقد اجتمعت العرب عَلَى إثبات الألف فِي كِلا الرجلين فِي الرفع والنصب والخفض وهما اثنان، إلا بنى كنانة فإنهم يقولون: رأيت كلى الرجلين ومررت بكلَيِ الرجلين. وهي قبيحة قليلة، مَضَوْا عَلَى القياس.

والوجهُ الآخر أن تَقُولُ: وجدت الألف (من هَذَا دِعامة وليست بلام فعل، فلمّا ثنّيت زدتُ عليها نونًا ثُمَّ تركت الألف) ثابتة عَلَى حالِها لا تزول عَلَى كل حال كما قالت العرب (الَّذِي) ثُمَّ زادوا نونًا تدل عَلَى الجماع، فقالوا: الَّذِينَ فِي رفعهم ونصبهم وخفضهم كما تركوا (هذان) فِي رفعه ونصبه وخفضه. وكنانة يقولون (اللّذون) . al-Farra’ 2/184al-Farra’ 2/184

وقوله: وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى [٦٣] الطريقة: الرجال الأشراف وقوله (المثلى) يريد الأمثل يذهبون بأشرافكم فقال المثلى ولم يقل المثل مثل (الْأَسْماءُ الْحُسْنى) وإن شئت جعلت (المثلى) مؤنثة لتأنيث الطريقة. والعرب تقول للقوم: هَؤُلَاءِ طريقة قومهم وطرائق قومهم: أشرافهم، وقوله (كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً) من ذَلِكَ. ويقولون للواحد أيضًا: هَذَا طريقة قومه ونَظُورة قومه وبعضهم: ونظيرة قومه، ويقولون للجمع بالتوحيد والجمع: هَؤُلَاءِ نَظُورة قومهم ونظائر قومهم.

وقوله: فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ [٦٤] الإجماع: الإحكام والعزيمة على ١١٣ االشيء. تَقُولُ أجمعت الخروج وَعَلَى الخروج مثل أزمعت قَالَ الشاعر:

يا ليت شِعْرِي والمنى لا تنفع ... هَلْ أَغْدُوَنَّ يومًا وأمري مُجْمَعُ

يريد قد أُحكم وعُزِم عَلَيْهِ. ومن قرأ (فاجْمَعوا) يقول: لا تتركوا من كيدكم شيئًا إِلَّا جئتم به.

وقوله (مَنِ اسْتَعْلى) من غلب.

وقوله: إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى [٦٥] و (أن) فِي موضع نصب.

والمعنى اختر إحدى هاتين. ولو رفع إذ لَمْ يظهر الفعل كَانَ صوابا، كأنه خبر، كقول الشاعر:

فسيرا فإما حاجة تقضيانها ... وإما مقيل صالح وصديق

ولو رفع قوله (فإمّا مَنٌّ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءٌ) كانَ أيضًا صَوَابًا. ومذهبه كمذهب قوله (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) والنصب فى قوله (إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ) وَفِي قوله (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً) al-Farra’ 2/185al-Farra’ 2/185

أجود من الرفع لأنه شيء لَيْسَ بعام مثل ما ترى من معنى قوله (فَإِمْساكٌ) و (فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) لَمّا كَانَ المعنى يعم الناس فِي الإمساك بالمعروف وَفِي صيام الثلاثة الأيام فِي كفارة اليمين كان كالجزاء فرفع لذلك. والاختيار إنما هي فعلة واحدة، ومعنى (أفلح) عاش ونَجا.

وقوله: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [٦٦] (أنّها) فِي موضع رفع. ومن قرأ (تُخَيَّلُ) أو (تَخَيَّل) فإنها فِي موضع نصب لأن المعنى تتخيل بالسعي لَهُم وتُخَيِّل كذلك، فإذا ألقيت الباء نصبت كما تَقُولُ: أردت بأن أقوم ومعناهُ: أردت القيام، فإذا ألقيت الباء نصبت. قَالَ الله (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ ) ولو ألقيت الباء نصبت فقلت: ومن يُرد فِيهِ إلحادًا بظلمٍ.

وقوله: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى [٦٧] أحسّ ووجد.

وقوله: إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ سِحْرٍ [٦٩] جعلت (ما) فِي مذهب الَّذِي: إن الَّذِي صنعوا كيد سحر، وقد قرأه بعضهم (كَيْدُ ساحِرٍ) وكل صواب، ولو نصبت (كَيْدَ سحر) كَانَ صوابًا، وجعلت (إنَّما) حرفًا واحدًا كقوله (إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً) .

وقوله: (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى) جاء فِي التفسير أَنَّهُ يُقتل حيثما وُجِد.

وقوله: فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ [٧١] ويصلح فِي مثله من الكلام عَن وَعَلَى والباء.

وقوله (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) يصلح (عَلَى) فِي موضع (فِي) وإِنَّما صَلحت (فِي) لأنه يرفع فِي الخشبة فِي طولها فصلحت (فِي) وصلحت (عَلَى) لأنه يرفع فيها فيصير عليها، وقد قال الله (وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ) ومعناهُ فِي ملك سُلَيْمَان. وقوله (أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى) يقول: وأدْوَم. al-Farra’ 2/186al-Farra’ 2/186

وقوله: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى مَا جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا [٧٢] فالذي فِي موضع خفض:

وَعَلَى الَّذِي. ولو أرادوا بقولهم (وَالَّذِي فَطَرَنا) القسم بها كانت خفضًا وَكَانَ صوابًا، كأنَّهم قالوا:

لن نؤثرك والله.

وقوله (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قاضٍ) : افعل ما شئت. وقوله (إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا) إنما حرف واحد، لذلك نصبت (الحياة) ولو قرأ قارئ برفع (الحياة) لَجازَ، يجعل (ما) فِي مذهب الَّذِي كأنه قَالَ: إن الَّذِي تقضيه هَذِه الدُّنْيَا.

وقوله: وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ [٧٣] مَا فِي موضع نصب مردودة عَلَى معنى الخطايا. وذُكِرَ فِي التفسير أن فرعون كَانَ أكره السّحرة ١١٣ ب عَلَى تَعلّم السحر .

وقوله: لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى [٧٧] رفع عَلَى الاستئناف بلا كما قَالَ (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً) وأكثر ما جاء فِي جواب الأمر بالرفع مع لا.

وقد قرأ حَمْزَةُ (لا تَخَفْ دَرَكًا) فجزمَ عَلَى الجزاء ورفع (ولا تخشى) عَلَى الاستئناف، كما قَالَ (يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ) فاستأنفَ بثم، فهذا مثله. ولو نوى حَمْزَةُ بقوله (وَلا تَخْشى) الجزم وإن كانت فِيهِ الياء كَانَ صَوَابًا كما قَالَ الشاعر:

هُزِّي إليك الجذع يجنيك الجنى ولم يَقل: يَجنك الجنى. وقال الآخر : al-Farra’ 2/187al-Farra’ 2/187

هَجَوْتَ زَبَّان ثُمَّ جئتَ معتذِرًا ... من سبّ زَبَّان لَمْ تهجو ولم تَدَعِ

وقال الآخر :

أَلَمْ يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زيادِ

فأثبت فِي (يأتيك) الياء وهي فِي موضع جزم لسكونِها فجازَ ذَلِكَ.

وقوله: فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي [٨١] الكسرُ فِيهِ أحبّ إليّ من الضم لأن الحلول ما وقع من يَحُلّ، ويَحِلُ: يجب، وجاء التفسير بالوجوب لا بالوقوع. وكل صواب إن شاء الله. وَالْكِسَائي جعله عَلَى الوقوع وهي فِي قراءة الفراء بالضم مثل الْكِسَائي سُئِلَ عَنْهُ فقاله، وَفِي قراءة عبد الله أو أبي (إن شاء الله) (ولا يَحُلَّنَّ عليكم غضبي ومن يحلل عَلَيْهِ) مضمومة. وأما قوله (أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ) فهى مكسورة. وهي مثل الماضيتين، ولو ضُمَّت كَانَ صَوَابًا فإذا قلت حَل بِهم العذاب كانت يحل بالضم لا غير، فإذا قلت: عَلَى أو قلت يحل لك كذا وكذا فهو بالكسر.

وقوله: ثُمَّ اهْتَدى [٨٢] : علم أن لذلك ثوابا وعقابا.

وقوله: قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي [٨٤] وقد قرأ بعضُ القراء (أُولايَ عَلَى أَثَرِي) بترك الْهَمْز، وشبِّهت بالإضافة إذا تُرك الْهَمْز، كما قرأ يَحْيَى بن وثاب (مِلّة آبايَ إِبْرَاهِيم) (وَتَقَبَّل دُعَايَ رَبَّنَا) . al-Farra’ 2/188al-Farra’ 2/188

وقوله: مَا أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا [٨٧] برفع الميم. (هَذَا قراءة القراء) ولو قرئت بِمَلْكِنا (وملكنا ) كَانَ صوابًا. ومعنى (مُلكنا) فِي التفسير أنا لَمْ نملك الصواب إِنَّما أخطأنا.

وقوله (وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ) يعني ما أخذوا من قوم فرعون حين قَذَفَهم البحرُ من الذهب والفضة والحديد، فألقيناه فِي النار. فكذلك فعل السامري فاتَّبَعناهُ. فلما خلصت فضّة ما ألقوا وذهبه صوره السامري عجلًا وَكَانَ قد أخذ قبضة من أثر فرس كانت تحت جبريل (قَالَ السامري لموسى : قُذِفَ فِي نفسي أني إن ألقيت تِلْكَ القبضة عَلَى ميت حيي، فألقى تِلْكَ القبضة فِي أنف الثور وَفِي دبره فحيي وخار) قَالَ الفراء: وَفِي تفسير الكلبي أن الفرس كانت الحياة فذاك قوله (وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) يقول زيَّنته لي نفسي.

ومن قرأ بملكنا بكسر الميم فهو الملك يملكه الرجل تَقُولُ لكل شيء ملكته: هَذَا ملك يميني للمملوك وغيره مما مُلك والملك مصدر ملكته مَلْكًا ومَلَكة: مثل غلبته غَلْبًا وغَلَبَةً. والملك السلطان وبعض بني أسد يقول مالي مُلْك، يقول: مالي شيء أملكه وملك الطريق ومَلْكه: وجهه .

قَالَ الشاعر:

أقامت عَلَى ملك الطريق فَمَلكه ... لها ولمنكوب المطايا جوانبه ١١٤ اويقال مع ملك الطريق: فَمِلكه. أقامت عَلَى عُظم الطريق وَعَلَى سجح الطريق وَعَلَى سننه وسنُنَه: al-Farra’ 2/189al-Farra’ 2/189

وقوله: فَنَسِيَ [٨٨] يعني أن موسى نسي: أخطأ الطريق فأبطأ عنهم فاتخذوا العجل فعَيَّرهم الله فقال. أفلا يرونَ أن العجل لا يتكلم ولا يملك لَهم ضرًّا ولا نفعًا.

وقوله: فَقَبَضْتُ قَبْضَةً [٩٦] القبضة بالكف كلّها. والقبضة بأطراف الأصابع. وقرأ الْحَسَن قبصة بالصاد والقُبْصَة والقبضة جميعًا : اسم التراب بعينه فلو قرئتا كَانَ وجهًا: ومثله مما قد قرئ بِهِ (إِلا من اغترف غرفة بيده) و (غُرْفَةً) . والغُرْفة: المغروف، والغَرفة: الْفَعلة. وكذلك الْحُسْوة والحَسْوة والخُطْوة والخَطْوة والأُكلة والأَكلة. والأُكلة المأكول والأكلة المرة. والخُطوة ما بين القدمين فِي المشي، والخَطْوة: المرَّة. وما كَانَ مَكسورًا فهو مصدر مثل إنه لحسن المشية والجلسة والقِعدة.

وقوله: فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ [٩٧] أي لا أُمَسّ ولا أَمَسُ، أُوِّلَ ذَلِكَ أن موسى أمرهم ألا يؤاكلوهُ ولا يخالطوهُ ولا يبايعوه. وتقرأ (لا مَسَاسِ) وهي لغة فاشية: لا مَسَاسِ لا مَسَاسِ مثل نزال ونظار من الانتظار. وقوله (الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً) و (ظَلْتَ) و (فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) و (فَظَلْتُمْ) إنما جاز الفتح والكسر لأن معناهما ظللتم، فحذفت اللام الأولى: فمن كسر الظاء جعل كسرة اللام الساقطة فِي الظاء. ومن فتح الظاء قَالَ: كانت مفتوحة فتركتُها على فتحها. al-Farra’ 2/190al-Farra’ 2/190

ومثله مسَسْت ومسِست تَقُولُ العرب قد مَسْتُ ذَلِكَ ومِسْته، وهممت بذلك وهَمْت، وَوَدِدْتُ وَوَدَدْتُ كذا فى ب أنك فعلت ذاكَ، وهل أحسست صاحبك وهل أحسْت.

وقوله (لَنُحَرِّقَنَّهُ) بالنار و (لَنُحَرِّقَنَّهُ) لنَبْرُدَنَّه بالحديد بَرْدًا من حرقت أحرُقه وأَحرِقه لغتان. وأنشدني المفضل:

بذي فَرِقَيْنِ يوم بَنُو حَبيبٍ ... نيُوبَهَمُ علينا يَحْرِقُونا

حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي حِبَّانُ بْنُ عَلِيٍّ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ (لَنُحَرِّقَنَّهُ) لنبردنّه.

وقوله: يَوْمَئِذٍ زُرْقاً [١٠٢] يُقال نحشرهم عِطَاشًا ويُقال نحشرهم عُميًا.

وقوله: يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ [١٠٢] التخافت: الكلام المخفي.

وقوله أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً [١٠٤] أجودهم قولًا فِي نفسه وعندهم (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً) وكذب.

وقوله: يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً [١٠٥] يقلعها.

وقوله: قاعاً صَفْصَفاً [١٠٦] القاع مستنقع الماء والصفصف الأملس الَّذِي لا نبات فيه.

وقوله: وَلا أَمْتاً [١٠٧] الأمتُ: موضع النبك من الأرض: ما ارتفعَ منها ويُقال: مسايل الأودية (غير مهموز) ما نسفّل وقد سمعت العرب يقولون: ملأ الْقِرْبَةَ مَلأ لا أمْتَ فيها إذا لَمْ يكن فيها استرخاء. ويُقال سِرْنَا سيرًا لا أَمْت فيه ولا وهن فيه ولا ضعف. al-Farra’ 2/191al-Farra’ 2/191

وقوله: يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ [١٠٨] يتَّبِعونَ صوت الداعي للحشر (لا عِوَجَ لَهُ) يقول لا عوج لَهُم عَن الداعي فجازَ أن يقول (لَهُ) لأن المذهب إلى الداعي وصوته. وهو كما تَقُولُ فِي الكلام:

دَعَوْتني دعوةً لا عِوَج لك عنها أي إني لا أعوج لك ولا عنك.

وقوله: (إِلَّا هَمْساً) يُقال: نقل الأقدام إلى المحشر. ويُقال: إنه الصّوت الخفىّ. وذكر عن ١١٤ ب ابن عباس أَنَّهُ تَمثَّل:

وَهُنَّ يمشينَ بنا هميسًا ... إن تصدق الطير ننِك لَميسا

فهذا صوت أخفاف الإبل فِي سيرها.

وقوله: يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ [١٠٩] (من) فِي موضع نصب لا تنفع إلا من أذن لَهُ أن يشفع فِيهِ.

وقوله: (وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) كقولك : ورضي منه عمله وقد يقول الرجل. قد رضيت لك عملك ورضيته منك.

وقوله: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ [١١٠] يعني ملائكته الَّذِين عَبَدهم من عبدهم. فقال:

هم لا يعلمون ما بين أيديهم وما خلفهم، هُوَ الَّذِي يعلمه. فذلك قوله: (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) .

وقوله: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [١١١] .

يُقال نصبت لَهُ وعملت لَهُ وذُكر أيضًا أَنَّهُ وضع المسلم يديه وجبهته وركبتيه إذا سجد وركع وهو فِي معنى العربية أن يقول الرجل عنوت لك: خضعت لك وأطعتك. ويُقال الأرض لَمْ تَعْنُ بشيء أي لَمْ تُنبت شيئًا، ويُقال: لَمْ تَعْنِ بشيء والمعنى واحد كما قيل: حَثوت عَلَيْهِ التراب وحثيت التراب. والعَنْوة فِي قول العرب: أخذت هَذَا الشيء عَنْوة يكون غلبة ويكون عَن تسليم وطاعة ممن يؤخذ منه الشيء قَالَ الشاعر . al-Farra’ 2/192al-Farra’ 2/192

فما أخذوها عَنْوة عَن موَّدةٍ ... ولكن بضرب المشرفي استقالَها

فهذا عَلَى معنى الطاعة والتسليم بلا قتال.

وقوله: فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً [١١٢] تَقُولُ العرب: هضمت لك من حَقّي أي حططته، وجاء عَن عَليّ بن أبي طالب فِي يوم الْجَمَل أَنَّهُ قيل لَهُ أهضم أم قصاصٌ قَالَ: ما عُمِل بِهِ فهو تَحت قديَّ هاتين فجَعَله هَدرًا وهو النقص.

وقوله: أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً [١١٣] . شرفًا وهو مثل قول الله (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) أي شرفٌ ويُقال (أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً) عذابًا أي يتذكرون حلول العذاب الَّذِي وُعِدُوه.

وقوله: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [١١٤] كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أتاهُ جبريل بالوحي عَجِلَ بقراءته قبل أن يستتم جبريل تلاوته، فأُمِرَ ألَّا يعجل حَتَّى يستتمّ جبريل تلاوته، وقوله (فَنَسِيَ) ترك ما أُمِرَ بِهِ.

وقوله: وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [١١٥] صَريمةً ولا حَزْمًا فيما فَعَل.

وقوله: فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى [٨٧] ولم يقل: فتشقيا لأنّ آدم هُوَ المخاطب، وَفِي فعله اكتفاء من فعل المرأة. ومثله قوله فِي ق (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ) اكتفى بالقَعِيد من صَاحِبه لأن المعنى معروف. ومعنى (فَتَشْقى) تأكل من كدّ يدك وعملك. al-Farra’ 2/193al-Farra’ 2/193

وقوله: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها [١١٨] أن فيها فِي موضع نَصْبٍ لأن إنّ وليت ولعل إذا ولين صفةً نَصبت ما بعدها فأنّ من ذَلِكَ.

وقوله: وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها [١١٩] . نصب أيضًا. ومن قرأ (وَإِنَّكَ لا تَظْمَأُ) جعله مردودًا عَلَى قوله (إنَّ) التي قبل (لك) ويَجوز أن تستأنفها فتكسرها بغير عَطف عَلَى شيء ولو جعلت (وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ) بالفتح مستأنفة تنوي بِهَا الرفع عَلَى قولك ولك أنك لا تظمأ فيها ولا تضحَى كان صوابا.

وقوله: (وَلا تَضْحى) : لا تُصيبك شمس مؤذية وذكر فِي بعض التفسير (وَلا تَضْحى) :

لا تَعْرق والأول أشبه بالصواب قَالَ الشاعر:

رأت رجلًا أمَّا إذا الشمس أعرضت ... فيَضْحَى وأمّا بالعشي فيخصر

فقد بيّن. ويُقال: ضحِيت.

وقوله: وَطَفِقا يَخْصِفانِ [١٢١] هُوَ فِي العربية: أقبلَا يخصفانِ وجعلا يَخْصِفَانِ. وكذلك قوله (فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ) (وقيل ههنا) : جعلَا يُلصقان عليهما ورق التين وهو يتهافت عنهما.

وقوله: ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ [١٢٢] ، اختاره (فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى) أي هداه للتوبة.

وقوله: (مَعِيشَةً ضَنْكاً) [١٢٤] والضَّنْكُ: الضّيِّقَة الشديدة.

وقوله: (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى) أعمى عَن الحجة، ويُقال: إنه يخرج من قبره بصيرا فيعمى فى حشره. al-Farra’ 2/194al-Farra’ 2/194

وقوله: (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ [١٢٨] يبيّن لهم إذا نظروا (كَمْ أَهْلَكْنا) و (كم) فِي موضع نصب لا يكون غيره. ومثله فى الكلام: أو لم يبين لك من يعمل خيرًا يُجزَ بِهِ، فجملة الكلام فيها معنى رفع. ومثله أن تَقُولُ: قد تبيّن لي أقام عبد الله أم زيد، فِي الاستفهام معنى رفع. وكذلك قوله:

(سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ) فيه شىء برفع (سَواءٌ عَلَيْكُمْ) ، لا يظهر مع الاستفهام.

ولو قلت: سواء عليكم صمتكم ودعاؤكم تبيّن الرفع الَّذِي في الجملة.

وقوله: يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ) يعنى أهل مكّة. وكانوا يتّجرون ويسيرن فِي مساكن عادٍ وثَمود، فيمرونَ فيها. فالمشيُ لكفار أهل مكة (والمساكن ) للمهلكين. فقال: أفلم يخافوا أن يقع بهم ما وقع بالذين رأوا مساكنهم وآثار عذابهم.

وقوله: (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى [١٢٩] يريد: ولولا كلمة وأجل مُسمى لكان لِزامًا (مقدم ومؤخر) وهو- فيما ذكروا- ما نزل بهم فِي وقعة بدر من القتل.

وقوله: وَأَطْرافَ النَّهارِ [١٣٠] وإنَّما للنهار طرفان فقال المفسرون: (وَأَطْرافَ النَّهارِ) صلاة الفجر والظهر والعصر (وهو) وجه: أن تَجعل الظهر والعصر من طرف النهار الآخر، ثُمَّ يضم إليهما الفجر فتكون أطرافًا. ويكون لصلاتين فيجوز ذَلِكَ: أن يكونا طرفين فيخرجا مخرج الجماع، كما قَالَ (إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) وهو أحب الوجهين إليّ، لأنه قَالَ (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ) وتنصب لأطراف بالردّ على قبل طلوع الشمس وقبل الغروب. وإن شئت خفضت أطراف تريد وسبّحه من الليل ومن أطراف النهار، ولم أسمعها فِي القراءة، ولكنها مثل قوله (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ) (وإدبارَ السجودِ) وقرأ حَمْزَةُ وإدبارَ السجود. ويَجوز فِي الألف الفتح والكسر ولا يحسن كسر الألف إلا فِي القراءة. al-Farra’ 2/195al-Farra’ 2/195

وقوله (لَعَلَّكَ تَرْضى) و (ترضى) ومعناهما واحد لأنك إذا رضيت فقد أرضيت. وَكَانَ حَمْزَةُ وأصحاب عبد الله يقرءونها ترضَى. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بكر وأخوه الْحَسَن بن عياش عَن عَاصِم عَن أبي عبد الرحمن أَنَّهُ قرأ لعلك (تُرضَى بضم التاء) .

وقوله: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ [١٣١] يريد: رجالًا منهم.

وقوله (زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا) نصبت الزهرة عَلَى الفعل متعناهم بِهِ زهرةً فى/ ١١٥ ب الحياة وزينة فيها. و (زهرة) وإن كَانَ معرفة فإن العرب تَقُولُ: مررتُ بِهِ الشريف الكريم. وأنشدني بعض بني فَقْعس:

أبعد الَّذِي بالسَّفح سفح كُواكبٍ ... رهينةَ رَمْس من تراب وجندل

فنصب الرهينة بالفعل، وإنما وقع عَلَى الاسم الَّذِي هُوَ الرهينة خافض فهذا أضعف من (متَّعنا) وأشباهه.

وقوله: لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً [١٣٢] . أجرًا عَلَى ذَلِكَ. وكذلك قوله (وَرِزْقُ رَبِّكَ) يريد:

وثواب ربك. al-Farra’ 2/196al-Farra’ 2/196

وقوله: أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ [١٣٤] من قبل الرسول (لَقالُوا) كيف أهلكنا من قبل أن أرسلَ إلينا رسولٌ. فالهاء لِمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ويُقال إن الْهَاء للتنزيل. وكلٌّ صواب وقوله: فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى [١٣٥] مَنْ ومَنْ فِي موضع رفع.

وكلّ ما كَانَ فِي القرآن مثله فهو مرفوع إذا كَانَ بعده رافع مثل قوله (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ومثله «لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى» ومثله (أَعْلَمُ مَنْ

جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ولو نصب كَانَ صوابًا، يكون بِمنزلة قول الله (اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) .

وقوله: (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ) الذين لم يضلّوا (وَمَنِ اهْتَدى) ممّن كان ضالا فهدى.

[ومن سورة الأنبياء]

وقوله: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [٢] لو كَانَ المحدث نصبًا أو رفعًا لكان صوابًا.

النصبُ عَلَى الفعل: ما يأتيهم مُحْدثًا. والرفعُ عَلَى الردّ عَلَى تأويل الذكر لأنك لو ألقيت (من) al-Farra’ 2/197al-Farra’ 2/197

لرفعت الذكر. وهو كقولك: ما من أحدٍ قائم وقائمٌ وقائمًا. النصب فِي هَذِه عَلَى استحسان الباء، وَفِي الأولى عَلَى الفعل.

وقوله: لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ [٣] منصوبة عَلَى العطف عَلَى قوله (وَهُمْ يَلْعَبُونَ) لأن قوله وهم يلعبون بِمنزلة لاعبين، فكأنه: إلا استمعوه لاعبين لاهيةً قلوبهم. ونصبه أيضًا من إخراجه من الاسم المضمر فِي (يَلْعَبُونَ) يلعبون كذلك لاهية قلوبهم. ولو رفعت (لاهِيَةً) تُتبعها يلعبون كَانَ صوابًا كما تقول: عبد الله يلهو ولا عب. ومثله قول الشاعر:

يَقْصِدُ فِي أَسْوُقها وجائر

ورفع أيضًا عَلَى الاستئناف لا بالرد عَلَى يلعبون.

وقوله (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) إنما قيل: وأسروا لأنها للناس الَّذِين وصفوا باللهو واللعب و (الَّذِينَ) تابعة للناس مخفوضة كأنك قلت: اقترب للناس الَّذِينَ هَذِه حالهم. وإن شئت جعلت (الَّذِينَ) مستأنقة مرفوعة، كأنك جعلتها تفسيرًا للأسماء التي فِي أسروا كما قَالَ (فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ.) al-Farra’ 2/198al-Farra’ 2/198

وقوله: قالَ رَبِّي [٤] و (قُل ربي) وكل صواب.

وقوله: أَضْغاثُ أَحْلامٍ، بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ [٥] رُدّ ببل عَلَى معنى تكذيبهم، وإن لَمْ يظهر قبله الكلام بِجحودهم، لأن معناهُ خطاب وإخبار عَن الجاحدين.

وقوله: (فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) كالآيات التي جاء بِهَا الأولون.

فقال الله «ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها [٦] ممن جاءته آية فكيف يؤمن هَؤُلَاءِ.

وقوله: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ [٧] أي أهل الكتب التوراة والإنجيل.

وقوله: وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ [٨] وحد الجسد ولم يجمعه وهو عربي لأن الجسد كقولك شيئًا مجسدًا لأنه مأخوذ من فعل فكفى من الجمع، وكذلك قراءة من قرأ (لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ) والمعنى سقوف ثم قال (لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ) يقول: لَمْ نجعلهم جسدًا إلا ليأكلوا الطعام (وَما كانُوا خالِدِينَ) بأكلهم وشربهم، يعنى الرجال المرسلين ١١٦ اولو قيل: لا يأكل الطعام كَانَ صوابًا تجعل الفعل للجسد، كما تَقُولُ. أنتما شيئان صالِحان، وشيء صالِح وشيء صالِحان. ومثله (أَمَنَةً نُعاساً تغشى طائفة) و (يَغْشى) مثله (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ) al-Farra’ 2/199al-Farra’ 2/199

ثُمَّ قَالَ (كَالْمُهْلِ تَغْلِي) للشجرة و (يَغْلِي) للطعام وكذلك قوله (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى) وتمنى.

وقوله: كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ [١٠] شرفكم.

وقوله: إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ [١٢] : يهربون وينهزمون.

وقوله: فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ [١٥] يعنى قولهم: إنا كنّا ظالمين، أي لَمْ يزالوا يردِّدونَها.

وَفِي هَذَا الموضع يصلح التذكير. وهو مثل قوله (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ) و (تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ) .

وقوله: لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً [١٧] قَالَ الْفَرَّاءُ حَدَّثَنِي حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اللَّهْوُ: الْوَلَدُ بِلُغَةِ حَضْرَمَوْتَ.

وقوله: (إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ) جاء فى التفسير: ما كنا فاعلين و (إن) قد تكون فِي معنى (ما) كقوله (إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ) وقد تكون إن التي فِي مذهب جزاء فيكون: إن كنا فاعلين ولكنا لا نفعل. وهو أشبه الوجهين بِمذهب العربية والله أعلم.

وقوله: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [٢٢] إلا فِي هَذَا الموضع بِمنزلة سوى كأنك قلت:

لو كَانَ فيهما آلهة سوى (أو غير) الله لفسد أهلهما (يعني أهل السماء والأرض) . al-Farra’ 2/200al-Farra’ 2/200

وقوله: سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [٢٦] معناه: بَلْ هم عبادٌ مكرمون. ولو كانت: بَلْ عبادًا مكرمين مردودة عَلَى الولد أي لَمْ نتَّخذهم ولدًا ولكن اتخذناهم عبادًا مكرمين (قالَ صَواباً) .

وقوله: أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما [٣٠] فُتِقت السماء بالقطر والأرض بالنبت (وقال ) (كانَتا رَتْقاً) ولم يقل: رتقين (وهو) كما قال (ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً) .

وقوله: (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) خفض ولو كانت : حيّا كَانَ صَوَابًا أي جعلنا كل شيء حيًّا من الماء.

وقوله: وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [٣٢] ولو قيل: محفوظا يُذهب بالتأنيث إلى السماء وبالتذكير إلى السقف كما قَالَ (أَمَنَةً نُعاساً تَغْشى) و (يَغْشى) وقيل (سَقْفاً) وهي سموات لأنها سقف عَلَى الأرض كالسقف عَلَى البيت. ومعنى قوله (مَحْفُوظاً) : حُفظت (مِنَ الشَّياطِينِ ) بالنجوم.

وقوله: (وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ) فآياتها قمرها وشمسها ونجومها. قد قرأ مجاهد (وهم عَن آيتها معرضون) فَوَحد (وجعل ) السماء بِما فيها آية وكلٌّ صواب.

وقال : فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [٣٣] لغير الآدميين للشمس والقمر والليل والنهار، وَذَلِكَ أن السباحة من أفعال الآدميين فقيلت بالنون كما قيل: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) لأن السجود من أفعال الآدميين. ويُقال: إن الفلك موج مكفوف يجرين فيه. al-Farra’ 2/201al-Farra’ 2/201

وقوله أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ [٣٤] دخلت الفاء فِي الجزاء وهو (إن) وَفِي جوابه لأن الجزاء متصل بقرآن قبله. فأدخلت فِيهِ ألف الاستفهام عَلَى الفاء من الجزاء. ودخلت الفاء فِي قوله (فهم) لأنه جواب للجزاء. ولو حُذفت الفاء من قوله (فهم) كَانَ صوابًا من وجهين أحدهما أن تريد الفاء فتضمرها، لأنها لا تغير (هم) عَن رفعها فهناك يصلح الإضمار. والوجهُ الآخر أن يراد تقديم (هم) إلى الفاء فكأنّه ١١٦ ب قيل: أفهم الخالدون إن مت.

وقوله: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [٣٥] ولو نوَّنت فِي (ذائقة) ونصبت (الموت) كَانَ صوابًا.

وأكثر ما تختار العرب التنوين والنصب فِي المستقبل. فإذا كَانَ معناهُ ماضيًا لَمْ يكادوا يقولون إلا بالإضافة. فأمّا المستقبل فقولك: أنا صائم يوم الخميس إذا كَانَ خميسًا مستقبلًا. فإن أخبرت عَن صوم يوم خميس ماض قلت: أنا صائم يوم الخميس فهذا وجه العمل. ويختارون أيضًا التنوين. إذا كَانَ مع الجحد. من ذَلِكَ قولهم: ما هُوَ بتارك حقّه، وهو غير تارك حقه، لا يكادونَ يتركونَ التنوين.

وتركه كَثِير جائز وينشدونَ قول أبي الأسود:

فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكرِ الله إلا قليلَا

فمن حذف النون ونصب قَالَ: النية التنوين مع الجحد، ولكني أسقطت النون للساكن الَّذِي لقيها وأعملت معناها. ومن خفض أضاف.

وقوله: أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [٣٦] يريد: يعيب آلهتكم. وكذلك قوله: سمعنا فثى يذكرهم يقال له إبراهيم) أي يعيبهم. وأنت قائل للرجل: لئن ذكرتني لتند منّ وأنت تريد: بسوء قَالَ عنترة: al-Farra’ 2/202al-Farra’ 2/202

لا تذكري مُهْرِي وما أطعمتُهُ ... فيكونَ جِلْدُكِ مثل جلدِ الأشهبِ

أي لا تعيبيني بأثرة مهري فجعل الذكر عيبًا.

وقوله: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ [٣٧] وَعَلَى عجلٍ كأنك قلت: بنيته وخلقته من العجلة وَعَلَى العجلة.

وقوله: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ [٣٨] (مَتى) فِي موضع نصب، لأنك لو أظهرت جوابها رأيته منصوبًا فقلت: الوعد يوم كذا وكذا (ولو ) جعلت (متى) فِي موضع رفع كما تَقُولُ: متى الميعاد؟ فيقول: يومُ الخميس وَيَوْمَ الخميس. وقال الله (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ) فلو نصبت كَانَ صوابًا. فإذا جعلت الميعاد فِي نكرة من الأيام والليالي والشهور والسنين رفعت فلقت: ميعادك يوم أو يومان، وليلة وليلتان كما قال الله (غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ) والعربُ تَقُولُ: إنّما البرد شهران وإنما الصيف شهران. ولو جاء نصبًا كَانَ صوابًا. وإنما اختاروا الرفع لأنك أبهمت الشهرين فصارا جميعًا كأنهما وقت للصيف.

وإنما اختاروا النصب فِي المعرفة لأنها حينٌ معلومٌ مسند إلى الَّذِي بعده، فحسنت الصفة، كما أنك تَقُولُ:

عبد الله دونٌ من الرجال، وعبد الله دونكَ فتنصب. ومثله اجتمع الجيشان فالمسلمون جانبٌ والكفار جانب. فإذا أضفت نصبت فقلت: المسلمون جانب صاحبهم، والكفار جانب صاحبهم فإذا لَمْ تضف الجانب صيرتهم هم كالجانب لا أنهم فِيهِ فقس عَلَى ذا وقوله: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [٣٩] . al-Farra’ 2/203al-Farra’ 2/203

وقوله: (فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) : فمن يمنعني. ذَلِكَ معناهُ- والله أعلم- فِي عامّة القرآن.

وقوله: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ [٤٢] . مهموزة (ولو ) تركت ١١٧ اهمز مثله فِي غير القرآن قلت: يكلوكم بواو ساكنة أو يكلاكم بألف ساكنة مثل يَخشاكم: ومن جعلها وَاوًا ساكنة قَالَ كَلان بالألف تترك منها النبرة . ومن قَالَ: يكلاكم قَالَ: كليت مثل قضيت. وهي من لغة قريش. وكلٌّ حسن، إلا أنهم يقولون فِي الوجهين مكلوَّةٌ بغير همز، ومكلوٌّ بغير همز أكثر مما يقولون مكليَّة. ولو قيل مَكْلِيّ فِي قول الَّذِينَ يقولون كليتُ كَانَ صوابًا. وسمعتُ بعض العرب ينشد قول الفرزدق:

وما خاصم الأقوام من ذى خصومة ... كورها، مَشْنِيّ إليها حليلُها

فبنى عَلَى شنيت بترك النبرة. وقوله (مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ) يريدُ: من أمر الرحمن، فحذف الأمر وهو يراد كما قَالَ فِي موضع آخر (فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ) يريدُ: من يمنعني من عذاب الله. وأظهر المعنى فِي موضع آخر فقال (فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا) . al-Farra’ 2/204al-Farra’ 2/204

وقوله: لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ [٤٣] يعني الآلهة لا تمنع أنفسها (وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ) يعني الكفار يعني يُجارون (وهي منا لا تُجار) ألا ترى أن العرب تَقُولُ (كَانَ لنا جارًا) ومعناهُ يُجيرك ويمنعك فقال (يُصْحَبُونَ) بالإجارة .

وقوله: وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ [٤٥] ترفع (الصم) لأن الفعل لَهُم. وقد قرأ أَبُو عبد الرحمن السلمي (ولا تسمع الصم الدعاء) ، نصب (الصم) بوقوع الفعل عَلَيْهِ.

وقوله: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ [٤٧] القسط من صفة الموازين وإن كَانَ موحدًا. وهو بِمنزلة قولك للقوم: أنتم رضًا وَعَدْلٌ. وكذلك الحق إذا كَانَ من صفة واحدٍ أو اثنين أو أكثر من ذَلِكَ كَانَ واحدا.

وقوله: (لِيَوْمِ الْقِيامَةِ) وَفِي يوم القيامة.

وقوله: عَزَّ وَجَلَّ (أَتَيْنا بِها) ذهب إلى الحبَّة، ولو كَانَ أتينا بِهِ (كَانَ صوابًا) لتذكير المثقال. ولو رفع المثقال كما قَالَ (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ) كَانَ صوابًا، وقرأ مجاهد (آتَيْنَا بِهَا) بِمدّ الألف يريدُ: جازينا بِهَا عَلَى فاعلنا. وهو وجهٌ حسنٌ:

وقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً [٤٨] هُوَ من صفة الفرقان ومعناهُ- والله أعلم- آتينا موسى وهارونَ الفرقان ضياء وذكرًا، فدخلت الواو كما قَالَ (إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظاً) جعلنا ذلك، وكذلك (وَضِياءً وَذِكْراً) آتينا ذلك. al-Farra’ 2/205al-Farra’ 2/205

وقوله: وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ [٥٠] المبارك رفع من صفة الذكر. ولو كَانَ نصبًا عَلَى قولك: أنزلناهُ مباركًا كَانَ صوابًا.

وقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ [٥١] هُداهُ، إذ كان فِي السرب حَتَّى بلغه الله ما بلّغه.

ومثله (وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها) : رُشدها.

وقوله: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ [٥٧] كانوا أرادوا الخروج إلى عيدلهم، فاعتلّ عليهم إبراهيم، فتخلّف (فَقالَ ) : إِنِّي سَقِيمٌ) ، فلما مضوا كسر آلهتهم إلا أكبرها، فلما رجعوا قَالَ قائل منهم: أنا سمعت إبراهيم يقول: وتالله لأكيدنّ أصنامكم. وهو قوله (سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ) : يذكرهم بالعيب (والشتم ) وبِما قَالَ من الكيد.

وقوله: فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً [٥٨] قرأها يَحْيَى بن وثاب (جِذَاذًا) وقراءة الناس بعد ١١٧ ب (جُذاذاً) بالضم. فمن قال (جُذاذاً) فرفع الجيم فهو واحد مثل الْحُطَام والرُفات. ومن قَالَ (جِذَاذًا) بالكسرِ فهو جمع كأنه جَذِيذ وجِذَاذ مثل خفيف وخِفَاف.

وقوله: عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ [٦١] : على رءوس الناس (لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) عَلَيْهِ بما شهد بِهِ الواحد.

ويُقال: لعلهم يشهدونَ أمره وما يُفعل بِهِ.

وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [٦٣] هَذَا، قَالَ بعضُ الناس بَلْ فَعَلَّهُ كبيرهم مشدّدة يريد: فلعلّه كبيرهم، وقال بعض الناس: بَلْ فَعَله كبيرهم إن كانوا ينطقون. فجعل فِعْلَ الكبير مُسندًا إِلَيْهِ إن كانوا ينطقون وهم لا ينطقون. والمذهب الذي العوامّ عليه: بل فعله كما قَالَ يوسف (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ) ولم يسرقوا. وقد أيّد الله أنبياءه بأكثر من هذا. al-Farra’ 2/206al-Farra’ 2/206

وقوله: ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ [٦٥] يقول: رجعوا عند ما عرفوا من حجة إِبْرَاهِيم فقالوا:

(لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) (والعلم والظن بِمنزلة اليمين. فلذلك لقيت العلم بما) فقال: (عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ) كقول القائل: والله ما أنت بأخينا. وكذلك قوله: (وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ.)

ولو أدخلت العرب (أنْ) قبل (ما) فقيل: علمتُ أن ما فيك خير وظننت أن ما فيك خير كَانَ صوابًا. ولكنهم إذا لقي شيئًا من هَذِه الحروف أداة مثل (إن) التي معها اللام أو استفهام كقولك : اعلم لي أقامَ عبد الله أم زيد (أو لئن) ولو اكتفوا بتلك الأداة فلم يُدخلوا عليها (أَنْ) ألا ترى قوله (ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ) لو قيل: أن ليسجُنُنَّه كَانَ صوابًا كما قَالَ الشاعر:

وخَبَّرْتُمَا أَن إِنَّمَا بَيْنِ بيَشَةٍ ... ونَجْرَان أَحْوَى والمحلُّ خَصِيب

فأدخل أن عَلَى إنما فلذلك أجزنا دخولها عَلَى ما وصفت لك من سائر الأدوات.

وقوله: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً [٧٢] النافلة ليعقوب خاصَّة لأنه ولد الولد، كذلك بلغني.

وقوله: وَلُوطاً آتَيْناهُ [٧٤] نصب لوط من الْهَاء التي رجعت عَلَيْهِ من (آتَيْناهُ) ، والنصب الآخر عَلَى إضمار (واذكر لوطا) أو (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا) أو ما يذكر فى أوّل السورة وإن لَمْ يذكر فإن الضمير إنَّما هُوَ من الرسالة أو من الذكر ومثله (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ) فنصب (الريح) بفعل مضمر معلوم معناهُ: إمّا سخرنا، وإما آتيناهُ. al-Farra’ 2/207al-Farra’ 2/207

وكذلك قوله: (وَنُوحاً إِذْ نادى) فهو عَلَى ضمير الذكر.

وقوله: (وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ) وجميع ما يأتيك من ذكر الأنبياء فِي هذه السورة نصبتهم عَلَى النَّسَق عَلَى المنصوب بضمير الذكر.

وقوله: إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ [٧٨] النفش بالليل، وكانت غنمًا لقوم وقعت فِي كرْمِ آخرين فارتفعوا إلى داود، فقضى لأهل الكرم بالغنم، ودفع الكرم إلى أهل الغنم فبلغ ذَلِكَ سُلَيْمَان ابنه، فقال: غيرُ هَذَا كَانَ أرفق بالفريقين. فعزم عَلَيْهِ داود ليَحْكُمنّ. فقال: أرى أن تُدفعَ الْغَنَم إلى أهل الكرم فينتفعوا بألبانِها وأولادها وأصوافِها، ويُدفعُ الكرم إلى أرباب الشاء ١١٨ افيقوموا عَلَيْهِ حَتَّى يعود كهيئته يوم أُفسد، فذُكر أن القيمتين كانتا فِي هَذَا الحكم مستويتين: قيمة ما نالوا من الغنم وقيمة ما أفسدت الغنم من الكرم. فذلك قوله: (فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ) .

وقوله : (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ) .

وَفِي بعض القراءة: (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمَا شَاهِدِين) وهو مثل قوله: (فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ) يريد: أَخَوين فما زاد. فهذا كقوله: (لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ) إذ جمع اثنين. al-Farra’ 2/208al-Farra’ 2/208

وقوله: وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ [٨٠] و (ليُحْصِنَكُم) و (لنحْصِنَكُم ) فمن قَالَ: (ليُحصنكم) بالياء كان لتذكير الّلبوس. ومن قال: (لِتُحْصِنَكُمْ) بالتاء ذهب إلى ثأنيث الصنعة. وإن شئت جَعَلته لتأنيث الدروع لأنّها هي اللبوس. ومن قرأ: (لنُحصنكم) ، بالنون يقول:

لنحصنكم نحنُ: وَعَلَى هَذَا المعنى يَجوز (ليُحصنكم) بالياء الله من بأسكم أيضًا.

وقوله: تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ [٨١] كانت تجري بسليمان إلى كلّ موضع ثُمَّ تعود بِهِ من يومه إلى منزله. فذلك قوله (تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ) .

وقوله: وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ [٨٢] دون الْغَوْص. يريدُ سوى الغوص.

من البناء.

وقوله: (وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ) للشياطين . وَذَلِكَ أنهم كانوا يُحفظون من إفساد ما يعملون فكان سُلَيْمَان إذا فرغ بعض الشياطين من عمله وكّله بالعمل الآخر، لأنه كَانَ إذا فرغ مِمّا يعمل فلم يكن لَهُ شُغُل كَرَّ عَلَى تَهديم ما بَنَى فذلك قوله: (وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ) .

وقوله: وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ [٨٤] ذُكر أَنَّهُ كَانَ لأيُّوب سبعة بنين وسبع بنات فماتوا فِي بلائه. فلمّا كشفه الله عَنْهُ أحيا الله لَهُ بنيه وبناتِهِ، وولد لَهُ بعد ذَلِكَ مثلهم. فذلك قوله:

(أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً) فعلنا ذَلِكَ رَحمة.

وقوله: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [٨٧] يريد أن لن نقدر عَلَيْهِ من العقوبة ما قَدرنا.

وقوله: (فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ) يُقال: ظلمة البحر، وبطن الحوت ومِعاها (مقصور) الذي كان فيه يونس فتلك الظلمات. al-Farra’ 2/209al-Farra’ 2/209

وقوله: وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [٨٨] القراء يقرءونها بنونين، وكتابها بنون واحدة. وَذَلِكَ أن النون الأولى متحركة والثانية ساكنة، فلا تظهر الساكنة عَلَى اللسان، فلمّا خفيت حُذفت.

وقد قرأ عَاصِم - فيما أعلم- (نُجِّي) بنون واحدة ونصب (المؤمنين) كأنه احتمل اللحن ولا نعلم لَهَا جهة إلا تِلْكَ لأن ما لَمْ يسم فاعله إذا خلا باسم رفعه، إلا أن يكون أضمر المصدر فِي نُجّي فنوى بِهِ الرفع ونصب (المؤمنين) فيكون كقولك: ضُرب الضربُ زيدًا، ثُمَّ تُكنى عَن الضرب فتقول: ضُرِبَ زيدًا. وكذلك نُجِّيَ النجاءُ المؤمنين.

وقوله: وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ [٩٠] يقول: كانت عقيمًا فجعلناها تَلد فذلك صلاحها.

وقوله: أَحْصَنَتْ فَرْجَها [٩١] ذكر المفسرون أَنَّهُ جَيب درعها ومنه نُفخ فيها.

وقوله: وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً (ولم يقل آيتين) لأن شأنهما واحد. ولو قيل: آيتين لكان صوابًا لأنها وَلدت وهي بكر، وتكلّم عيسى فِي المهد فتكون آيتين إذ اختلفتا.

وقوله: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً [٩٢] تنصب (أُمَّةً واحِدَةً) عَلَى القطع . وقد رفع الْحَسَن (أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحدة) عَلَى أن يجعل الأمة خبرًا ثُمَّ يَكُرّ عَلَى الأمة الواحدة بالرفع عَلَى نية الخبر أيضًا كقوله: (كَلَّا إِنَّها لَظى نَزَّاعَةً لِلشَّوى) . al-Farra’ 2/210al-Farra’ 2/210

وَفِي قراءة أُبَيّ فيما أعلم: (إنها لإحدى الكبر نذير للبشر) الرفع عَلَى التكرير ومثله:

(ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) .

وقوله: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها [٩٥] قرأها ابن عباس. حَدَّثَنِي بذلك غير واحد، منهم هُشيم عَن داود عَن عكرمة عَن ابن عباس، وسفيان عَن عمير وعن ابن عباس. وَحَدَّثَنِي عَمْرو بن أبي المقدام عَن أبيه عَن سعيد بن جبير (وَحِرْمٌ) وَحَدَّثَنِي بعضهم عَن يَحْيَى بن وثاب وإبراهيم النخعىّ (وحرم على) وأهل المدينة والحسن (وَحَرامٌ) بألف. وحرام أفشى فِي القراءة. وهو بِمنزلة قولك: حِلّ وحلال، وحرم وحرام.

وقوله: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [٩٦] والحدب كل أكمة (ومكان مرتفع) .

وقوله: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ [٩٧] معناهُ- والله أعلم-: حَتَّى إذا فتحت اقترب. ودخول الواو فِي الجواب فِي (حَتَّى إِذا) بمنزلة قوله (حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها) . وَفِي قراءة عَبْد اللَّه فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَل السَّقَايَةَ) وَفِي قراءتنا بغير واو. ومثله فِي الصافات (فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ) معناهُ ناديناهُ، وقال امرؤ القيس:

فلمّا أَجزنا سَاحة الحيَّ وانتحى ... بنا بطنُ خَبْت ذي قِفافٍ عقنقل

يريد انتحى. al-Farra’ 2/211al-Farra’ 2/211

وقوله: (فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) تكون (هي) عمادًا يصلح فِي موضعها (هُوَ) فتكون كقوله: (إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ومثله قوله: (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ) فجاء التأنيث لأن الأبصار مؤنثة والتذكير للعماد. وسمعت بعض العرب يقول: كَانَ مرة وهو ينفع الناس أحسابهم فجعل (هُوَ) عمادًا. وأنشدني بعضهم:

بِثَوْبٍ ودِينارٍ وشاةٍ ودِرهمٍ ... فَهَل هُوَ مَرفوعٌ بِما هاهنا راسُ

وإن شئت جعلت (هي) للأبصار كنيت عنها ثُمَّ أظهرت الأبصار لتفسرها كما قَالَ الشاعر :

لعمرُ أبيها لا تَقُولُ ظَعينتي ... ألا فَرّعني مالكُ بن أبي كعب

فذكر الظعينة وقد كَنَى عنها فِي (لعمر) .

وقوله: حَصَبُ جَهَنَّمَ [٩٨] ذُكر أن الحصب فِي لغة أهل اليمن الحطب. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي قيس بن الرَّبِيعِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ الْكَاهِلِيِّ عَنْ رَجُلٍ سَمِعَ عَلِيًّا يَقْرَأُ (حَطَبُ) بِالطَّاءِ. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي يَحْيَى الْمَدَنِيُّ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ رَفَعَهُ إِلَى عَائِشَةَ أَنَّهَا قَرَأَتْ (حَطَبُ) كَذَلِكَ. وبإسنادٍ لابن أبي يَحْيَى عَن ابن عباس أَنَّهُ قرأ (حَضَب) بالضاد. وكلُّ ما هيَّجت بِهِ النار أو أوقدتها بِهِ فهو حَضَب.

وأمّا الْحَصب فهو فِي معنى لغة نَجد: ما رميت بِهِ فِي النار، كقولك: حصبت الرجل أي رميته. al-Farra’ 2/212al-Farra’ 2/212

وقوله: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ [١٠٤] بالنون وبالتاء (تُطْوَى ) ولو قيل (يَطْوِي) كما قيل (نَطْوِي) بالنون جَاز.

واجتمعت القراء عَلَى (السِّجِلِّ ) بالتثقيل.

وأكثرهم يقول (للكتابِ) وأصحاب عبد الله (لِلْكُتُبِ) والسجل: الصحيفة. فانقطعَ الكلام عند الكتب، ثُمَّ استأنف فقال (كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) فالكاف للخلق كأنك قلت : نعيد الخلق كما بدأناهم (أَوَّلَ مَرَّةٍ ) .

وقوله (وَعْداً عَلَيْنا) كقولك حقًّا علينا.

وقوله: أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [١٠٥] يقال: أرض الجنّة. ويقال: إنها الأرض التي وعدها بنو إسرائيل، مثل قوله: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا.

وقوله: إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً [١٠٦] أي فِي القرآن.

وقوله: يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ [١٠٨] وجه الكلام (فتح أنَّ ) لأن (يُوحى) يقع عليها.

و (إنّما) بالكسر يَجوز. وَذَلِكَ أنها أداة كما وصفت لك من قول الشاعر:

... أَنْ إِنَّما بَيْنَ بيشةٍ

فتلقى (أن) كأنه قيل: إنما يوحى إلى أن إنّما إلهكم إله واحد. al-Farra’ 2/213al-Farra’ 2/213

وقوله: قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ [١١٢] جَزم : مسألة سألها ربه. وقد قيل : قل ربّي أحكم بالحق ترفع (أحكم) وتَهمز ألفها. ومن قَالَ قل ربي أحكم بالحق كَانَ موضع ربي رفعًا ومن قال:

ربّ احكم موصولة كانت فِي موضع نصب بالنداء.

وقوله: إِنْ أَدْرِي [١١١] رفع على معنى ما أدرى.

[ومن سورة الحج]

قوله: تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ

[٢] رفعت القراء (كُلُّ مُرْضِعَةٍ)

لأنّهم جعلوا الفعل لهما.

ولو قيل: تُذْهِل كلَّ مرضعة وأنت تريد الساعة أنها تُذهل أهلها كَانَ وجهًا. ولم أسمع أحدًا قرأ بِهِ والمرضعة: الأمّ . والمرضِع: التي معَها صَبّي تُرضعه. ولو قيل فِي الأم: مرضع لأنّ الرضاع لا يكون إلا من الإناث فيكون مثل قولك: طامث وحائض. ولو قيل فِي التي معَها صبي: مرضعة كَانَ صوابًا.

وقوله: (وَتَرَى النَّاسَ سَكْرَى وَمَا هُمْ بسَكْرَى) اجتمع الناس والقراء عَلَى (سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى)

حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي هشيم عَن مغيرة عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ (وَتَرَى النَّاسَ سَكْرَى وَمَا هُمْ بسكرى) وهو وجه جيدّ فِي العربية: (لأنه بِمنزلة الْهَلكى والجرحى، وليس بمذهب النشوان والنشاوى . والعرب تذهب بفاعل وفَعِيل وفَعِل إذا كانَ صاحبه كالمريض أو الصريع أو الجريح فيجمعونه عَلَى الفعلى فجعلوا الفعلى علامةً لِجمع كل ذي زمانةٍ وضرر وهلاك. ولا يبالونَ أكان واحده فاعلًا أم فعيلًا أم فعلان فاختير سكرى بطرح الألف من هول ذَلِكَ اليوم وفزعه. ولو قيل (سَكْرى) عَلى أن الجمع يقع عَلَيْهِ التأنيث فيكون كالواحدة كَانَ وجهًا، كما قَالَ الله: (وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) (والْقُرُونِ الْأُولى) والناسَ. جماعة فجائز أن يقع ذَلِكَ عليهم. وقد قالت العرب: قد جاءتك الناس: al-Farra’ 2/214al-Farra’ 2/214

وأنشدني بعضهم:

أضحت بنو عامر غضبى أنوفهم ... أتى عفوت فلا عارٌ ولا باس

فقال: غضبي للأنوف عَلَى ما فسرت لك.

وقد ذُكِرَ أن بعض القراء قرأ (وَتَرَى النَّاسَ)

وهو وجه جيد يريد: مثل قولك رُئِيتَ أنك قائم ورُئيتُك قائِمًا فتجعل (سُكارى)

فِي موضع نصب لأن (تُرَى) تَحتاج إلى شيئين تنصبهما.

كما يحتاج الظنّ.

وقوله: كُتِبَ عَلَيْهِ [٤] الهاء للشيطان المريد فى (عليه) وفى (أنّه يضلّه) ومعناهُ قُضِي عَلَيْهِ أَنَّهُ يضلّ من اتبعه.

وقوله: مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ [٥] يقول: تماما وسقطا. ويجوز ١١٩ ب مخلّقة وغير مخلّقة على الحال: al-Farra’ 2/215al-Farra’ 2/215

والحال تُنصَب فِي معرفة الأسماء ونكرتها. كما تَقُولُ: هَلْ من رجل يُضرب مجرَّدًا. فهذا حال وليس بنعت.

وقوله: (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ مَا نَشاءُ) استأنف (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ) ولم يرددها عَلَى (لنبين) ولو قرئت (ليُبَيِّن) يريد الله ليُبَيِّن لكم كَانَ صوابًا ولم أسمعها .

وقوله: (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) : إلى أسفل العمر (لِكَيْلا يَعْلَمَ) يقول لكيلا يعقل من بعد عقله الأول (شَيْئاً) .

قوله: (وَرَبَتْ) قرأ القراء (وربت) من تَرْبو. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عبد الله التميمي عَن أبي جَعْفَر المدني أَنَّهُ قرأ (اهتَّزت ورَبَأت) مهموزة فإن كَانَ ذهب إلى الرَّبيئة الَّذِي يحرس القوم فهذا مذهب، أي ارتفعت حَتَّى صَارت كالموضع للربيئة.

فإن لَمْ يكن أراد (من هَذَا) هَذَا فهو من غلط قد تغلطه العرب فتقول: حَلأت السَّوِيق، ولبَّأت بالحجّ، ورثأت الميّت. وهو كما قرأ الْحَسَن (وَلَأَدْرَأتكم بِهِ) يهمز. وهو مِمّا يُرفَض من القراءة.

وقوله: ثانِيَ عِطْفِهِ [٩] منصوب عَلَى: يُجادل ثانيًا عطفه: معرضًا عَن الذكر.

وقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ [١١] نزلت فى أعاريب من بنى أشد انتقلوا إلى المدينة بذراريهم، فامتنوا بذلك عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقالوا: إنما يُسلم الرجل (بعد الرجل) من القبيلة. وقد أتيناك بذرارينا. وكانوا إذا أعطوا من الصدقة وسَلمت مواشيهم وخيلهم قالوا: نعم الدين هَذَا. وإن لم يعطوا من الصدقة ولم تسلم مواشيهم انقلبوا عَن الإسلام. فذلك قوله (يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأنّ به) يقول: أقام عَلَيْهِ (وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ) ورجع. al-Farra’ 2/216al-Farra’ 2/216

وقوله: (خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ) غُبِنهما. وذُكِرَ عَن حُمَيْد الأعرج وحده أَنَّهُ قرأ (خاسِر الدُّنْيَا والآخرة) وكلّ صواب: والمعنى واحد.

وقوله: يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ [١٢] يعنى الأصنام.

ثم قال: يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ [١٣] فجاء التفسير: يَدْعو من ضرّه أقرب من نفعه. وقد حالت اللام بينهما. وكذلك هي فِي قراءة عبد الله (يَدْعو من ضَرُّه) ولم نَجد العرب تَقُولَ ضربت لأخاكَ ولا رأيتُ لزيدًا أفضل منك. وقد اجتمعت القراء على ذلك. فترى أن جواز ذَلِكَ لأن (مَنْ) حرف لا يتبيّن فيه الاعراب، فأجيز ب: فاستجيز الاعتراض باللام دون الاسم إذ لَمْ يتبين فِيهِ الإعراب.

وذُكِرَ عَن العرب أنهم قالوا: عندي لَما غيرُه خير منه، فحالوا باللام دون الرافع. وموقع اللام كَانَ ينبغي أن يكون فى (ضَرُّه) وَفِي قولك : عندي ما لغيره خيرٌ منه. فهذا وجه القراءة للاتباع. وقد يكون قوله: (ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ يَدْعُوا) فتجعل (يَدْعُوا) من صلة (الضَّلالُ الْبَعِيدُ) وتضمر فى (يَدْعُوا) الْهَاء، ثُمَّ تستأنف الكلام باللام، فتقول لَمَنْ ضرّه أقرب من نفعه لبئس المولي) كقولك فِي مذهب الجزاء لَمَا فعلت لهو خير لك. وهو وجه قويّ فِي العربية.

ووجهٌ آخر لَمْ يُقرأ بِهِ. وَذَلِكَ أن تكسر اللام فِي (لِمن) وتريد يدعو إلى من ١٢٠ اضرّه أقرب من نفعه، فتكون اللام بِمنزلة إلى، كما قَالَ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا) وإلى هَذَا وأنت قائل فِي الكلام: دعوت إلى فلانٍ ودعَوت لفلانٍ بمعنى واحد. ولولا كراهية خلاف الآثار والاجتماع لكان وجهًا جيدًا من القراءة. ويكون قوله (يَدْعُوا) التي بعد (الْبَعِيدُ) مكرورة على قوله (يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ) يدعو مكرّرة، كما تَقُولُ: يدعو يدعو دائبًا، فهذا قوّه لمن نضب اللام ولم يوقع (يدعو) عَلَى (مَنْ) والضلال البعيد الطويل. al-Farra’ 2/217al-Farra’ 2/217

وقوله: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ [١٥] جزاء جوابه فى قوله (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ) والهاء فى (قوله ) (يَنْصُرَهُ اللَّهُ) للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أي من كَانَ منكم يظن أن الله لن ينصر محمدًا بالغلبة حَتَّى يظهر دين الله فليجعل فِي سماء بيته حبلًا ثُمَّ ليختنق بِهِ فذلك قوله (ثُمَّ لْيَقْطَعْ) اختناقًا وَفِي قراءة عبد الله (ثُمَّ ليقطعه) يعني السبب وهو الحبل: يقول (فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ) إذا فعل ذَلِكَ غَيظه. وَ (مَا يَغِيظُ) فِي موضع نصب:

وقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا [١٧] إلى قوله (وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) ثم قال (إِنَّ اللَّهَ) فجعل فِي خبرهم (إنّ) وَفِي أول الكلام (إنّ) وأنت لا تَقُولُ فِي الكلام: إن أخاكَ إنه ذاهب، فجاز ذَلِكَ لأن المعنى كالجزاء، أي من كَانَ مؤمنًا أو عَلَى شيء من هَذِه الأديان ففصلُ بينهم وحسابُهم عَلَى الله. وربما قالت العرب: إنّ أخاكَ إن الدين عَلَيْهِ لكثير، فيجعلونَ (إنّ) فِي خبره إذا كَانَ إنما يرفع باسم مضاف إلى ذكره كقول الشاعر :

إن الخليفة إن الله سربَله ... سربال مُلكٍ بِهِ ترجَى الخواتيم

ومن قَالَ هَذَا لَمْ يقل: إنك إنك قائم، ولا يقول: إنّ أباكَ إنه قائم لأن الاسمين قد اختلفا فحسن رفض الأول، وجعل الثاني كأنه هُوَ المبتدأ فحسُن للاختلاف وقبح للاتّفاق. al-Farra’ 2/218al-Farra’ 2/218

وقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ [١٨] يريد: أهل السموات (وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) يعني كل خلق من الجبال ومن الجن وأشباه ذَلِكَ (وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) من أهل الطاعة (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ) فيقال. كيف رفع الكثير وهو لَمْ يسجد؟ فالجواب فِي ذَلِكَ أَنَّ قوله (حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ) يدلّ عَلَى أَنَّهُ: وكثير أبَى السّجود، لأنه لا يحِقّ عَلَيْهِ العذاب إلا بترك السجود والطاعة. فترفعه بما عاد من ذكره فِي قوله (حَقَّ عَلَيْهِ) فتكون (حَقَّ عَلَيْهِ) بمنزلة أَبَى. ولو نصبت: وكثيرًا حق العذاب كَانَ وجهًا بمنزلة قوله (فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ) ينصب إذا كَانَ فِي الحرف واو وعاد ذكره بفعل قد وقع عَلَيْهِ. ويكون فِيهِ الرفع لعودة ذكره كما قَالَ الله (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ) وكما قال (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ) .

وقوله (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) يقول: ومن يشقه الله فما لَهُ من مُسعد. وقد تقرأ (فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) يريد: من إكرام.

وقوله: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [١٩] فريقين أهل دينين. فأحد الخصمين المسلمون، والآخر اليهود والنصارى.

وقوله (اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) فِي دين ربهم. فقال اليهود والنصارى للمسلمين: ديننا خيرٌ من دينكم لأنا سبقناكم. فقال المسلمون: بَلْ ديننا خيرٌ من دينكم. لأنّا آمنّا بنبينا والقرآن، وآمنّا بأنبيائكم وكتبكم، وكفرتم بنبيِّنا وكتابنا. فعلاهم المسلمون بالحجة وأنزل الله هذه الآية. al-Farra’ 2/219al-Farra’ 2/219

وقوله: (اخْتَصَمُوا) ولم يقل: اختصما لأنهما جَمعان ليسا برجلين، ولو قيل: اختصما كَانَ صَوَابًا. ومثله (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) يذهب إلى الجمع. ولو قيل اقتتلتا لجازَ، يذهب إلى الطائفتين.

وقوله: يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ: [٢٠] يُذابُ بِهِ. تَقُولُ: صَهَرْت الشحم بالنار.

وقوله: وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ [٢١] ذُكِرَ أنهم يطمعونَ (فِي الخروج) من النار حَتَّى إذا همّوا بذلك ضربت الخزنة رءوسهم بالمقامع فتخسف رءوسهم فيُصب فِي أدمغتهم الحميم فيَصْهَر شحوم بطونِهم، فذلك قوله فِي إِبْرَاهِيم (وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ) مِمّا يذوبُ من بطونِهم وجلودهم.

وقوله: (يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ) يكره عليه.

وقوله: وَلُؤْلُؤاً [٢٣] قرأ أهل المدينة هَذِه والتي فِي الملائكة (وَلُؤْلُؤاً) بالألف وقرأ الأعمش كلتيْهما بالخفض. ورأيتها فِي مصاحف عبد الله والتي فِي الحج خاصَّة (ولُؤْلُأ) (وَلَا تَهَجَّأْه) .

وَذَلِكَ أن مصاحفه قد أجرى الْهَمْز فيها بالألف فِي كل حال إن كَانَ ما قبلها مكسورًا أو مفتوحًا أو غير ذَلِكَ. والتي فِي الملائكة كتبت فِي مصاحفنا (ولؤلؤ) بغير ألف والتي فى الحج (وَلُؤْلُؤاً) بالألف فخفضهما ونصبُهما جائز. ونصب التي فِي الحج أمكن- لمكان الألف- من التي فِي الملائكة.

وقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [٢٥] ردّ يفعلون على فعلوا لأن معناهما كالواحد فِي الَّذِي وغير الَّذِي. ولو قيل: إن الَّذِينَ كفروا وصدُّوا لَمْ يكن فيها ما يُسأل عَنْهُ. وردُّكَ يفعلون عَلَى فَعلوا لأنك أردت إن الَّذِينَ كفروا يصدون بكفرهم. al-Farra’ 2/220al-Farra’ 2/220

وإدخالك الواو كقوله (وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا) أضمرت فعلًا فِي الواو مع الصدّ كما أضمرته هاهنا . وإن شئت قلت: الصد منهم كالدائم فاختيرَ لَهُم يفعلونَ كأنك قلت: إن الَّذِينَ كفروا ومن شأنهم الصد. ومثله (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ) وَفِي قراءة عبد الله (وقاتَلوا الَّذِينَ يأمرون بالقسط) وقال (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ) مثل ذَلِكَ. ومثله فِي الأحزاب فِي قراءة عبد الله (الَّذِينَ بَلَّغُوا رِسَالات اللهِ ويَخْشَوْنَهُ) فلا بأس أن تردّ فَعَل عَلَى يفعل كما قَالَ (وَقَاتلُوا الَّذِينَ يأمرونَ) ، وأن ترد يفعل عَلَى فعل، كما قَالَ (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) .

وقوله: (سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ) فالعاكف من كَانَ من أهل مكّة. والبادِ مَن نَزع إِلَيْهِ بحج أو عمرة. وقد اجتمعَ القراء عَلَى رفع (سَواءً) هَاهُنا. وأما قوله ١٢١ افى الشريعة : al-Farra’ 2/221al-Farra’ 2/221

(سَواءً مَحْياهُمْ

مَماتُهُمْ) فقد نصبها الأعمش وحده، ورفعها سائرُ القراء. فمن نصبَ أوقع عَلَيْهِ (جَعَلْناهُ) ومن رفع جَعل الفعل واقعًا عَلَى الْهَاء واللام التي فِي الناس، ثُمَّ استأنف فقال:

(سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ) ومن شأن العرب أن يستأنفوا بسواء إذا جاءت بعد حرف قد تم بِهِ الكلام فيقولون: مررت برجلٍ سواء عنده الخير والشر. والخفض جائز. وإنما اختاروا الرفعَ لأن (سَواءً) فِي مذهب واحد، كأنك قلت: مررت عَلَى رجل واحد عنده الخير والشر. ومن خفض أراد: معتدل عنده الخير الشرّ. ولا يقولون: مررت عَلَى رجل معتدلٌ عنده الخير والشر لأن (معتدل) فعل مصرَّح، وسواء فِي مذهب مصدر. فإخراجهم إيّاه إلى الفعل كإخراجهم مررت برجلٍ حَسْبِك من رجل إلى الفعل.

وقوله: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ) دخلت الباء فِي (إلحاد) لأن تأويله: ومن يُرد بأن يُلحد فِيهِ بظلم. ودخول الباء فِي (أن) أسهل منه فِي الإلحاد وما أشبهه لأن (أن) تضمر الخوافض معها كثيرًا، وتكون كالشرط فاحتملت دخول الخافض وخروجه لأن الإعراب لا يتبيّن فيها، وقلّ فِي المصادر لتبين الرفع والخفض فيها . أنشدني أَبُو الجراح:

فلمّا رَجَت بالشُّرب هَزّلها العصا ... شَحِيح لَهُ عند الإزاء نَهِيم

(قَالَ الفراء : نَهِيم من الصوت) . وقال امرؤ القيس:

ألا هَلْ أتاها والحوادِثُ جَمَّة ... بأن امرأ القيس بنَ تَمْلِك بيقرا فأدخل الباء عَلَى (أنّ) وهي فِي موضع رفع كما أدخلها على (بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ) وهو فِي موضع نصب. وقد أدخلوها عَلَى (مَا) إذا أرادوا بِهَا المصدر، يعني الْبَاء. وقال قيس بن زُهَير: al-Farra’ 2/222al-Farra’ 2/222

ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد

وهو فِي (ما) أقل منه فِي (أن) لأنّ (أن) أفل شَبَهًا بالأسماء من (ما) . وسمعتُ أعرابيًا من ربيعة وسألته عَن شيء فقال: أرجو بذاك، يريد: أرْجُو ذاكَ. وقد قرأ بعضُ القراء (وَمَن تَرِدْ فِيهِ بإلحادٍ) من الورود، كأنه أراد: مَن وَرَده أو تورَّده. ولست أشتهيهَا، لأن (وردت) يطلب الاسم، ألا ترى أنك تَقُولُ: ورَدنا مكة ولا تَقُولُ: وردنا فِي مكة. وهو جائز تريد النزول . وقد تَجوز فِي لغة الطائيين لأنهم يقولون: رغبت فيك، يريدون: رغبت بك.

وأنشدني بعضهم فِي بنت لَهُ:

وأرغب فيها عَن لَقِيطٍ ورَهْطه ... ولكنني عَن سنْبس لست أرغبُ

(يعني بنته) .

وقوله: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ [٢٦] ولم يقل: بَوَّأنا إِبْرَاهِيم. ولو كَانَ بمنزلة قوله (وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ) فإن شئت أنزلت (بَوَّأْنا) بمنزلة جعلنا. وكذلك سمعت فِي التفسير.

وإن شئت كَانَ بمنزلة قوله (قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ) معناه: ردفكم.

وكلّ صواب. al-Farra’ 2/223al-Farra’ 2/223

وقوله: يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ [٢٧] (يأتين) فعل النوق وقد/ ١٢١ ب قرئت (يأتون) يذهب إلى الركبان. ولو قَالَ: وَعَلَى كل ضامر تأتي تَجعله فعلًا موحدًا لأن (كل) أضيفت إلى واحدة، وقليل فِي كلام العرب أن يقولوا: مررت عَلَى كل رجل قائمين وهو صواب. وأشدّ منه فِي الجواز قوله (فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ) وإنّما جاز الجمع فِي أحد، وَفِي كل رجل لأن تأويلهما قد يكون فِي النية موحدًا وجمعًا. فإذا كَانَ (أحدًا) وكل متفرقة من اثنين لَمْ يَجز إلا توحيد فعلهما من ذَلِكَ أن تَقُولُ: كلُّ رجل منكما قائم. وخطأ أن تَقُولُ قائمون أو قائمان لأن المعنى قد رَدّه إلى الواحد. وكذلك ما منكما أحد قائمون أو قائمان، خطأ لتلك العلة.

وقوله: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ [٢٩] (اللام ساكنة) (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا) اللامات سواكن. سَكَّنهن أهل المدينة وَعَاصِم والأعمش، وكسرهن أبو عبد الرحمن السلمى والحسن فِي الواو وغير الواو. وتسكينهم إيّاها تخفيف كما تَقُولُ: وهو قَالَ ذَلِكَ، وهي قالت ذاك، تسكن الْهَاء إذا وصلت بالواو. وكذلك ما كَانَ من لام أمر وصلت بواو أو فاء، فأكثر كلام العرب تسكينها. وقد كسر بعضهم (ثُمَّ لْيَقْضُوا) وَذَلِكَ لأن الوقوف عَلَى (ثُمَّ) يحسن ولا يحسن فِي الفاء ولا الواو: وهو وجه، إلا أن أكثر القراءة عَلَى تسكين اللام فِي ثُمَّ:

وأمّا التَّفث فنحر البدن وغيرها من البقر والغنم وحَلق الرأس، وتقليم الأظافر وأشباهه.

وقوله: وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ [٣٠] فى سورة المائدة. من المنخنقة والموقوذة والمتردّية والنطيحة إلى آخر الآية. al-Farra’ 2/224al-Farra’ 2/224

وقوله: فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ [٣١] مما رد من يفعل عَلَى فعل. ولو نصبتها فقلت : فتخطفه الطير كَانَ وجهًا. والعرب قد تُجيب بكأنما. وَذَلِكَ أنها فِي مذهب يُخَيَّل إليّ وأظنّ فكأنها مردودة عَلَى تأويل (أنّ) ألا ترى أنك تَقُولُ: يخيل إليّ أن تذهب فأذهب معك. وإن شئت جعلت فِي (كأنما) تأويل جحد كأنك قلت: كأنك عربي فتكرمَ، والتأويل: لست بعربي فتكرم:

وقوله: فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [٣٢] يريد: فإن الْفَعْلةَ كما قَالَ (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) ومن بعده جائز. ولو قيل: فإنه من تَقْوَى القلوب كَانَ جائزًا.

وقوله: لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى [٣٣] يعني الْبُدْن. يقول: لكم أن تنتفعوا بألبانها وركوبها إلى أن تُسَمّى أو تُشعر فذلك الأجل المسمى.

وقوله: (ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) ما كَانَ من هدْي للعمرة أو للنذر فإذا بلغ البيت نُحر. وما كَانَ للحج نُحر بِمنى. جعل ذَلِكَ بِمنى لتطهر مكة.

وقوله: (الْعَتِيقِ) أعتق من الجبابرة. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: العتيق: أُعْتِقَ مِنَ الْجَبَابِرَةِ.

ويُقال: من الغرق زمن نوح.

وقوله: وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ [٣٥] خفضت (الصَّلاةِ) لَمَا حذفت النون وهي فِي قراءة عبد الله (والمقيمين الصلاة) ولو نصبت (الصلاة) وقد حذفت النون كَانَ صوابًا. أنشدني بعضهم: al-Farra’ 2/225al-Farra’ 2/225

أسَيِّدُ ذو خُرَيِّطَةٍ نَهارًا ... من المتلقِّطي قَرَدَ القمام

(وقرد ) وإنما ١٢٢ اجاز النصب مع حذف النون لأن العرب لا تَقُولُ فِي الواحد إلا بالنصب.

فيقولون: هُوَ الآخذ حقّه فينصبون الحق، لا يقولون إلا ذَلِكَ والنون مفقودة، فبنَوا الاثنين والجميع عَلَى الواحد، فنصبوا بحذف النون. والوجه فِي الاثنين والجمع الخفض لأن نونهما قد تظهر إذا شئت، وتحذف إذا شئت، وهي فِي الواحد لا تظهر. فلذلك نصبوا. ولو خُفِض فِي الواحد لجاز ذَلِكَ. ولم أسمعه إلا فِي قولهم: هُوَ الضاربُ الرجلِ، فإنهم يخفضونَ الرجل وينصبونه فمن خفضه شبَّهه بِمذهب قولهم: مررت بالحسن الوجه فإذا أضافوهُ إلى مكني قالوا: أنت الضاربة وأنتما الضارباهُ، وأنتم الضاربوه. وَالْهَاء فِي القضاء عليها خفض فِي الواحد والاثنين والجمع. ولو نويت بِهَا النصب كَانَ وجهًا، وَذَلِكَ أن المكني لا يتبين فِيهِ الإعراب. فاغتنموا الإضافة لأنّها تتصل بالمخفوض أشد مما تتصل بالمنصوب، فأخذوا بأقوى الوجهين فِي الاتصال. وَكَانَ ينبغي لِمَن نصب أن يقول: هُوَ الضارب إياه، ولم أسمع ذَلِكَ.

وقوله: صَوافَّ [٣٦] : معقولة وهي فِي قراءة عبد الله (صَوافِنَ) وهي القائمات. وقرأ الْحَسَن (صوافِيَ) يقول: خوالصَ لله.

وقوله: (الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) القانع: الَّذِي يَسْألك (فما أعطيته من شيء ) قبله. والمعتر: ساكت يتعرض لك عند الذبيحة، ولا يسألك. al-Farra’ 2/226al-Farra’ 2/226

وقوله: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها [٣٧] اجتمعوا عَلَى الياء. ولو قيل (تنال) كَانَ صوابًا. ومعنى ذَلِكَ أن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروها نضحوا الدماء حول البيت. فلما حَجّ المسلمونَ أرادوا مثل ذَلِكَ فأنزلَ الله عَزَّ وَجَلَّ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم:

الإخلاص إليه.

وقوله: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ [٣٨] و (يدفع ) وأكثر القراء عَلَى (يُدافِعُ) وبه أقرأُ. وقرأ أَبُو عبد الرحمن السلمي (يدافع) ، (وَلَوْلا دِفَاعُ الله) وكلّ صواب.

وقوله: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ [٣٩] (يُقاتَلُونَ ) ومعناهُ: أذِنَ الله للذين يقاتلون أن يقاتلوا. هذا إذا أنزلت (فَاقْتُلُوا»

الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) وقرئت (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) والمعنى أذن لَهُم أن يقاتلوا وكلٌّ صواب.

وقوله: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ [٤٠] يقول لَمْ يخرجوا إلا بقولهم: لا إله إلا الله.

فإن شئت جعلت قوله: (إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) فِي موضع خَفض تَردَّه عَلَى الباء فِي (بِغَيْرِ حَقٍّ) وإن شئت جَعلت (أنْ) مستثناةً كما قَالَ (إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى) .

وقوله: لهدّمت صوامع وبيع وهي مُصَلّى النصارى والصوامع للرهبان وأما الصلوات فهي كنائس اليهود والمساجد (مساجد الإسلام) ومعنى التهديم أن الله قَالَ قبل ذَلِكَ (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) يدفع بأمره وأتباعه عَن دين كل نبيّ إلى أن بعث الله محمدًا صَلَّى اللهُ عليه وسلم. al-Farra’ 2/227al-Farra’ 2/227

وقوله: فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [٤٥] البئر والقصر يخفضان عَلَى العطف عَلَى العروش وإذا نظرت فِي معناها وجدتها ليست تحسن فيها (عَلَى) لأن العروش أعالي البيوت، والبئر فِي الأرض وكذلك القصر، لأن القرية لَمْ تَخْوِ عَلَى القصر. ولكنه أتبع بعضه بعضًا، كما قَالَ (وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ) ولو خفضت البئر ١٢٢ ب والقصر- إذا نويت أنهما ليسا من القرية- بِمن كأنك قلت: كم من قرية أهلكت، وكم من بئر ومن قصر. والأول أحُبّ إليّ.

وقوله: وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [٤٧] . ويُقال يوم من أيام عذابِهم فِي الآخرة كألف سنة مما تَعدون فِي الدُّنْيَا.

وقوله: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ [٤٦] الْهَاء (هاء عماد ) تُوَفَّى (بِهَا) إنّ. يَجوز مكانها (إنّه) وكذلك هي قراءة عبد الله (فإنه لا تعمى الأبصَار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصّدور) والقلبُ لا يكون إلا فِي الصدر، وهو توكيد مما تزيده العرب عَلَى المعنى المعلوم كما قيل (فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ) والثلاثة والسبعة معلوم أنهما عشرة. ومثل ذَلِكَ نظرت إليك بعيني. ومثله قول الله (يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) وَفِي قراءة عبد الله (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ أنثى) فهذا أيضا من التوكيد وإن قَالَ قائل. كيف انصرفَ من العذاب إلى أن قال: (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ) فالجواب فِي ذَلِكَ أنهم استعجلوا العذاب فِي الدُّنْيَا فأنزل الله عَلَى نبيه (وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ) أي فِي أن ينزل بِهم العذاب فِي الدنيا. فقوله (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ) من عذابِهم أيضًا. فهو متّفق: أنهم يعذَّبون فِي الدُّنْيَا والآخرة أشدّ. al-Farra’ 2/228al-Farra’ 2/228

وقوله: مُعاجِزِينَ [٥١] قراءة العوامّ (معاجزين) ومعنى معاجزين معاندين ودخول (فِي) كما تَقُولُ: سعيت فِي أمرك وأنت تريد: أردت بك خَيْرًا أو شرًا. وقرأ مجاهد وعبد الله بن الزبير (مُعجِّزِينَ) يقول: مثبِّطينَ.

وقوله: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا [٥٢] فالرسول النَّبِيّ المرسل، والنبي:

المحدث الَّذِي لَمْ يرسل.

وقوله (إِلَّا إِذا تَمَنَّى) التمني: التلاوة، وحديث النفس أيضًا.

وقوله: فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً [٦٣] رفعت (فَتُصْبِحُ) لأن المعنى فِي (أَلَمْ تَرَ) معناهُ خبر كأنك قلت فِي الكلام: اعلم أن الله يُنزل من السماء ماء فتصبح الأرض. وهو مثل قول الشاعر :

ألم تسأل الربع القديم فينطقُ ... فهل تُخبرنك اليوم بَيْداء سَمْلَق

أي قد سألته فنطق. ولو جعلته استفهامًا وجعلت الفاء شرطًا لنصبت: كما قَالَ الآخر:

ألم تسأل فتخبرك الديارا ... عَن الحي المضلل حَيْثُ سارا

والجزم فِي هَذَا البيت جائز كما قَالَ:

فقلت لَهُ صَوِّب ولا تجهدنّه ... فيذرك من أخرى العطاة فتزلق فجعل الجواب بالفاء كالمنسوق عَلَى ما قبله. al-Farra’ 2/229al-Farra’ 2/229

وقوله (مَنْسَكاً) و (مَنْسِكًا) [٦٧] قد قرئ بِهما جَميعًا. والمنسك لأهل الحجاز والمنسك لبني أسد، والمنسَك فِي كلام العرب: الموضع الَّذِي تعتاده وتألفه ويقال: إن لفلان مَنْسِكًا يعتاده فِي خير كَانَ أو غيره. والمناسك بذلك سميت- والله أعلم- لترداد الناس عليها بالحج والعمرة.

وقوله: يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا [٧٢] يعني مشركي أهل مكة، كانوا إِذَا سَمِعوا الرجل ٢١٣ امن المسلمين يتلو القرآن كادوا يبطشون بِهِ.

وقوله (النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ) ترفعها لأنها معرفة فسرت الشر وهو نكرة. كما تَقُولُ: مررتُ برجلين أبوك وأخوكَ. ولو نصبتها بما عاد من ذكرها ونويت بِهَا الاتصال بما قبلها كَانَ وجهًا. ولو خفضتها على الباء (فأنبئكم) بشرّ من ذلكم بالنار كَانَ صوابًا. والوجه الرفع.

وقوله: الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [٧٣] الطالب الآلهة والمطلوب الذباب. وَفِيهِ معنى المثل.

وقوله: ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [٧٤] أي ما عظَّموا الله حقّ تعظيمه. وهو كما تَقُولُ فِي الكلام: ما عرفت لفلان قَدْره أي عظمته وقصَّر بِهِ صاحبه.

وقوله: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [٧٥] اصطفى منهم جبريل وميكائيل وملك الموت وأشباههم. ويصطفى من الناس الأنبياء. al-Farra’ 2/230al-Farra’ 2/230

وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [٧٧] كَانَ الناس يسجدون بلا ركوع، فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع قبل السجود.

وقوله: فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [٧٨] من ضيق.

وقوله: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ) نصبتها عَلَى: وسَّع عَليكم كملَّة أبيكم إِبْرَاهِيم لأن قوله (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) يقول: وسّعه وسمَّحه كملة إِبْرَاهِيم، فإذا ألقيت الكاف نصبت. وقد تنصب (مِلَّة إِبْرَاهِيمَ) عَلَى الأمر بِهَا لأن أول الكلام أمر كأنه قَالَ: اركعوا والزموا مِلّة إِبْرَاهِيم.

وقوله: (مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا) يعنى القرآن.

[ومن سورة المؤمنين]

قوله: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ [٥] إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ [٦] المعنى: إِلَّا من أزواجهم اللاتي أَحَلَّ الله لهم من الأربع لا تجاوز .

وقوله: (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) (ما) فِي موضع خفض. يقول: لَيْسَ عليهم فِي الإماء وقت ، ينكحون ما شاءوا. فذلك قوله: حفظوا فروجهم إلا من هذين (فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) فيه. يقول: غير مذنبين.

وقوله: الْفِرْدَوْسَ [١١] قَالَ الكلبي: هُوَ البستان بلغة الروم. قَالَ الفراء: وهو عربي أيضًا.

العرب تسمي البستان الفردوس. وقوله: [من سلالة] [١٢] والسّلالة التي تسلّ من كلّ تربة. al-Farra’ 2/231al-Farra’ 2/231

وقوله: فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً [١٤] و (العظم ) وهي فِي قراءة عبد الله (ثُمَّ جعلنا النطفة عظمًا وعَصَبًا فكسوناهُ لَحمًا) فهذه حُجّة لِمَن قَالَ: عَظْمًا وقد قرأها بعضهم (عظمًا) .

وقوله: (ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ) يذهب إلى الْإِنْسَان وإن شئت: إلى العظم والنطفة»

والعصب، تجعله كالشيء الواحد.

وقوله: بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ [١٥] تقرأ (لَمَيِّتُونَ) و (لمائتون ) وميّتون أكثر، والعرب تَقُولُ لمن لم يَمت: إنك ميّت عَن قليل ومائت. ولا يقولونَ للميت الَّذِي قد مات، هَذَا مائت إنما يقال فِي الاستقبال، ولا يجاوز بِهِ الاستقبال. وكذلك يُقال: هَذَا سيد قومه اليوم، فإذا أخبرت أَنَّهُ يكون سيدهم عَن قليل قلت: هَذَا سائد قومه عَن قليل وسيد. وكذلك الطمع، تَقُولُ: هُوَ طامع فيما قِبلك غدًا. فإذا ١٢٣ ب وصفته بالطمع قلت: هُوَ طمع. وكذلك الشريف تقول: إنه لشريف قومه ، وهو شارف عن قليل. وهذا الباب كله فِي العربية عَلَى ما وصفت لك .

وقوله: وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ [١٧] يعني السموات كل سماء طريقة (وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ) عما خلقنا (غافِلِينَ) يقول: كنا لَهُ حافظين.

وقوله: وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ [٢٠] وهى شجرة الزيتون (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) وقرأ الْحَسَن (تُنْبِتُ بالدهنِ) وهما لغتانِ يُقال نبتت وأنبتت كقول زهير: al-Farra’ 2/232al-Farra’ 2/232

رأيتُ ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قَطِينًا لَهم حَتَّى إِذَا أنبت البقلُ

(ونبت) وهو كقولك: مَطَرت السماء وأمطرت. وقد قرأ أهلُ الحجاز. (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) موصولة من سريت. وقراءتُنا (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) (من أسريت) وقال الله (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا)

(وهو أجود) وَفِي قراءة عبد الله (تُخْرجُ الدهن) .

وقوله: (وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ) يقول: (الآكلون يصطبغون بالزيت. ولو كَانَ (وصِبْغًا) عَلَى (وَصِبْغًا أنبتناه) فيكون. بِمنزلة قوله (إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظاً ) . وَذَلِكَ أن الصبغ هُوَ الزيت بعينه. ولو كَانَ خلافه لكان خفضًا لا يجوز غيره. فمن ذَلِكَ أن تَقُولَ: مررت بعبد الله ورجلًا ما شئت من رجل، إِذَا جعلت الرجل من صفة عبد الله نصبته. وإن كَانَ خلافه خفضته لأنك تريد: مررت بعبد الله وآخر.

وقرأ أهلُ الحجاز (سِيناء) بكسر السّين والمدّ، وقرأ عاصم وغيره (سيناء) ممدودة مفتوحة السِّين. والشجرة منصوبة بالرد عَلَى الجنات، ولو كانت مرفوعة إذ لَمْ يصحبها الفعل كَانَ صَوَابًا، كمن قرأ (وَحُورٌ عِينٌ ) أنشدنى بعضهم: al-Farra’ 2/233al-Farra’ 2/233

ومن يأت مَمْشَانا يصادِف غنيمةً ... سِوَارًا وخَلخالا وبُرْدً مُفَوَّفِ

كأنه قَالَ: ومع ذَلِكَ برد مفوف. وأنشدني آخر:

هزئت حُمَيدة أن رأت بي رُتّة ... وفمًا بِهِ قَصَم وجلدٌ أسودُ

كأنه قَالَ: ومع ذَلِكَ جلد أسود.

وقوله: جِنَّةٌ [٢٥] هُوَ الجنون. وقد يقال للجن الْجِنَّة، فيتفق الاسم والمصدر.

وقوله (فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ) لَمْ يُرَد بالحين حين موَقّت. وهو فِي المعنى كقولك. دعه إلى يوم ولم ترد: إلى يوم معلوم واحدٍ من ذي قَبل: ولا إلى مقدار يوم معلوم. إنما هُوَ كقولك إلى يوم ما.

وقوله: وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ [٣٣] المعنى مما تشربون منه. وجاز حذف (منه) لأنك تَقُولُ: شربت من مائك . فصارت (ما تشربون) بمنزلة شرابكم. ولو حذفت (من ) (تأكلون) «منه» كَانَ صوابًا.

وقوله: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ [٣٥] أعيدت (أنكم) مرتين ومعناهما واحد. إلا أن ذَلِكَ حَسن لَمَّا فرقت بين (أنكم) وبين خبرها بإذا. وهي فِي قراءة عبد الله (أيعدكم إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) وكذلك تفعل بكل اسم أوقعت عَلَيْهِ (أنّ) بالظن وأخوات الظن، ثُمَّ اعترض عَلَيْهِ الجزاء دون خبره. فإن شئت كرّرت اسمه، وإن شئت حذفته/ ١٢٤ اأوّلا وآخِرًا. فتقول: أظنّ أنك إن خرجت أنك نادم. فإن حذفت (أنك) الأولى أو الثانية صلح. وإن ثبتتا صلح. وإن لَمْ تعرض بينهما بشىء لم يجز. فحطأ أن تقول أظن أنك أنك نادم إلا أن تُكرِّرَ كالتوكيد. al-Farra’ 2/234al-Farra’ 2/234

وقوله: هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ [٣٦] لو لَمْ تكن فِي (ما) اللام كَانَ صوابًا. ودخول اللام عربي. ومثله فِي الكلام هَيْهَات لك، وهيهات أنت مِنّا، وهيهات لأرضك.

قَالَ الشاعر :

فأيْهات أيهات العقِيقُ ومَن بِهِ ... وأيهات وصل بالعقيق نُواصله

فمن لَمْ يدخل اللام رَفع الاسم. ومعنى هيهات بعيد كأنه قال: بعيد (لِما تُوعَدُونَ) وبعيد العقيق وأهله. ومن أدخل اللام قَالَ هيهات أداة ليست بِمأخوذة من فعل بمنزلة بعيد وقريب، فأدخلت لَهَا اللام كما يقال: هَلُمّ لك إذ لَمْ تكن مأخوذة من فعل. فإذا قَالوا: أقبِل لَمْ يقولوا: أقْبِل لك لأنه يحتمل ضَمير الاسم.

فإذا وقفت عَلَى هيهات وقفت بالتاء فِي كلتيهما لأن من العرب من يخفض التاء، فدل ذَلِكَ عَلَى أنها ليست بِهَاء التأنيث فصارت بمنزلة دراك ونظار. ومنهم من يقف عَلَى الْهَاء لأن من شأنه نصبها فيجعلها كالهاء. والنصب الَّذِي فيهما أنهما أداتان جُمِعتا فصارتا بمنزلة خمسة عشر. وإن قلت إن كل واحدة مستغنية بنفسها يجوز الوقوف عليها فإن نصبها كنصب قوله : قمت ثمّت جلست، وبمنزلة قول الشاعر : al-Farra’ 2/235al-Farra’ 2/235

ماويّ بَلْ رُبَّتما غارةٍ ... شَعْوَاءَ كاللذْعة بالميِسَم

فنصب هَيْهَات بمنزلة هَذِه الْهَاء التي فِي رُبَّت لأنها دخلت عَلَى رُبّ وَعَلَى ثُمَّ، وكانا أداتين، فلم يغيرهما عَن أداتهما فنُصبا . قَالَ الفراء: واختار الْكِسَائي الْهَاء، وأنا أقف عَلَى التاء.

وقوله: فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً [٤١] كغُثَاء الوادي يُبَّسًا بالعذاب.

وقوله: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا [٤٤] أكثر العرب عَلَى ترك التنوين، تنزل بمنزلة تقوى ومنهم من نون فيها وجعلها ألفًا كألف الإعراب، فصارت فِي تغير واوها بمنزلة التراث والتُجاه. وإن شئت جعلت بالياء منها كأنها أصلية فتكون بمنزلة المعزَى تنون ولا تنون .

ويكون الوقوف عليها حينئذ بالياء وإشارة إلى الكسر. وإن جعلتها ألف إعراب لَمْ تُشر لأنك لا تشير إلى ألفات الإعراب بالكسر، ولا تَقُولُ رأيت زيدي ولا عمري.

وقوله: وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ [٥٠] الربوة: ما ارتفع من الأرض. وقوله: (ذاتِ قَرارٍ) al-Farra’ 2/236al-Farra’ 2/236

منبسطة وقوله (وَمَعِينٍ) : الماء الظاهر والجاري. ولك أن تَجعل المعين مفعولًا من العيون، وأن تجعله فَعيلًا من الماعون ويكون أصله المعن. قَالَ الفراء: (المعنُ الاستقامة) ، وقال عُبَيْد بن الأبرص:

واهية أو معين مَعْنٍ ... أو هضبة دونَها لُهُوب

وقوله: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [٥١] أراد النَّبِيّ فجمع كما يُقال فِي الكلام للرجل الواحد: أيّها ١٢٤ ب القوم كفوا عنا أذاكم. ومثله (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ) الناس واحد (معروف كَانَ رجلًا من أشجع يقال له نعيم ابن مسعود) .

وقوله: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ [٥٢] قرأها عَاصِم والأعمش بالكسر عَلَى الائتناف .

وقرأها أهل الحجاز والحسن (وأنّ هَذِه أمتكم) والفتحُ على قوله (إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وعليم بأن هَذِه أمتكم. فموضعها خفض لأنها مردودة عَلَى (مَا) وإن شئت كانت منصوبة بفعل مضمر كأنك قلت: واعلم هَذَا.

وقوله: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ [٥٣] : فرَّقوه. تفرقوا يهود ونصارى. ومن قَالَ (زُبُراً) al-Farra’ 2/237al-Farra’ 2/237

أراد: قطعًا مثل قوله (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ) والمعنى فِي زُبُر وزُبَر واحدٌ . والله أعلم. وقوله (كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) يقول: معجبون بدينهم. يرون أنهم عَلَى الحق.

وقوله: فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حتّى حين) : فِي جهالتهم.

وقوله: أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ [٥٥] (ما) فِي موضع الَّذِي، وليست بحرف واحد.

وقوله: نُسارِعُ لَهُمْ [٥٦] يقول: أيحسبون أن ما نعطيهم فى هَذِه الدُّنْيَا من الأموال والبنين أنا جعلناهُ لَهُم ثوابًا. ثُمَّ قَالَ (بَلْ لا يَشْعُرُونَ) أنما هُوَ استدراج منا لهم:

وقوله: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا [٦٠] الفراء عَلَى رفع الياء ومد الألف فِي (آتَوْا) حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي مِنْدَلٌ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَرَأَتْ أَوْ قَالَتْ مَا كُنَّا نَقْرَأُ إِلا (يَأْتُونَ مَا أَتَوْا) وَكَانُوا أَعْلَمَ بِاللَّهِ مِنْ أَنْ تَوْجَلَ قُلُوبُهُمْ.

قَالَ الْفَرَّاءُ يَعْنِي بِهِ الزَّكَاةَ تَقُولُ: فَكَانُوا أَتْقَى لِلَّهِ مِنْ أَنْ يُؤْتُوا زَكَاتَهُمْ وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ.

وقوله (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ) : وَجِلَةٌ من أنهم. فإذا ألقيت (مِن) نصبت. وكل شيء فِي القرآن حذفت منه خافضًا فإن الْكِسَائي كَانَ يقول: هُوَ خفض عَلَى حَالِهِ. وقد فسرنا أَنَّهُ نصب إِذَا فُقِدَ الخافض.

وقوله: أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ [٦١] يبادرون بالأعمال (وَهُمْ لَها سابِقُونَ) يقول:

إليها سابقون. وقد يقال (وَهُمْ لَها سابِقُونَ) أي سبقت لهم السّعادة. al-Farra’ 2/238al-Farra’ 2/238

وقوله: وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ [٦٣] يقول: أعمال منتظرة مما سيعملونَها، فقال (مِنْ دُونِ ذلِكَ) .

وقوله: يَجْأَرُونَ [٦٤] : يضجّون. وهو الْجُؤار.

وقوله: عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ [٦٦] وَفِي قراءة عبد الله (عَلَى أدباركم تنكصُون) يقول:

ترجعون وهو النكوص.

وقوله: مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ [٦٧] (الْهَاء للبيت العتيق) تقولون: نحن أهله، وإذا كَانَ الليل وسمرتم هجرتم القرآن والنبي فهذا من الْهِجران، أي تتركونه وترفضونه. وقرأ ابن عباس (تَهْجُرُونَ) من أهجرت. والهُجْر أنهم كانوا يسبّون النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَلَوا حول البيت ليلًا. وإن قرأ قارئ (تَهْجُرُونَ) يجعله كالهَذَيان، يقال: قد هَجَرَ الرجل فِي منامه إِذَا هذى، أي إنكم تقولون فِيهِ ما لَيْسَ فِيهِ ولا يضره فهو كالهذيان.

وقوله: أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ [٦٩] أي نسب رسولهم.

وقوله: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ [٧١] يقال: إن الحق هُوَ الله. ويُقال: إنه التنزيل، لو نزل بما يريدون (لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) قال الكلبىّ (وَمَنْ فِيهِنَّ) من خَلْق. وَفِي قراءة عبد الله (لفسدت السّماوات والأرض وما بينهما) وقد يجوز فِي العربية أن يكون ما فيهما ما بينهما ١٢٥ الآن السماء كالسقف عَلَى الأرض، وأنت قائل: فِي البيت كذا وكذا، وبين أرضه وسمائه كذا وكذا، فلذلك جازَ أن تُجعل الأرض والسماء كالبيت.

وقوله (بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ) : بشرفهم. al-Farra’ 2/239al-Farra’ 2/239

وقوله: أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً [٧٢] يقول: عَلَى ما جئت بِهِ، يريد: أجرًا، فأجر ربّك خير.

وقوله: لَناكِبُونَ [٧٤] يقول: لَمُعْرِضُون عَن الدين. والصراط هاهنا الدين.

وقوله: وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [٨٠] يقول: هُوَ الَّذِي جعلهما مختلفين، كما تَقُولُ فِي الكلام:

لك الأجر والصلة أي إنك تؤجَر وتصل.

وقوله: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [٨٤] (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [٨٥] هَذِه لا مسألة فيها لأنه قد استفهم بلام فرجعت فِي خبر المستفهم. وأما الأخريان فإن أهل المدينة وعامة أهل الكوفة يقرءونها (لِلَّهِ) ، (لله) وهما فِي قراءة أبي كذلك (لِله) (لِلَّهِ) (لله) ثلاثهنَّ. وأهل البصرة يقرءونَ الأخريين (اللهُ) (اللهُ) وهو فِي العربية أبين لأنه مردود مرفوع ألا ترى

[أن] قوله: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ) مرفوع لا خفض فِيهِ، فجرى جوابه عَلَى مبتدأ بِهِ.

وكذلك هي فِي قراءة عبد الله (لِلَّهِ) (الله) . والعلة فِي إدخال اللام فِي الأخريين فِي قول أبيّ وأصحابه أنك لو قلت لرجل: من مولاك؟ فقال: أنا لفلان، كفاك من أن يقول: مولاي فلان. فلما كَانَ المعنيان واحدًا أُجري ذَلِكَ فِي كلامهم. أنشدني بعض بني عَامِر:

وأعلمُ أنني سأكون رمسًا ... إِذَا سار النواجع لا يسير

(يعني»

الرمس)

فقال السائلونَ لمن حفرتم ... فقال المخبرون لهم: وزير فرفع أراد: الميت وزير. al-Farra’ 2/240al-Farra’ 2/240

وقوله: فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [٨٩] : تصرفون. ومثله تؤفكون. أُفِك وسُحر وصُرف سَوَاء.

وقوله: وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ [٩١] إِذًا جواب لكلام مضمر. أي لو كانت معه آلهة (إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ) يقول: لاعتزل كل إله بخلقه، (وَلَعَلا بَعْضُهُمْ) يقول:

لبغى بعضهم عَلَى بعض ولغلب بعضهم بعضا.

وقوله: عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [٩٢] وجه الكلام الرفع عَلَى الاستئناف. الدليل عَلَى ذَلِكَ دخول الفاء فِي قوله (فَتَعالى) ولو خفضت لكان وجه الكلام أن يكون (وتَعالى) بالواو لأنه إِذَا خفض فإنما أراد: سُبْحان الله عالم الغيب والشهادة وتعالى. فدلّ دخول الفاء أَنَّهُ أراد: هُوَ عالم الغيب والشهادة فتعالى ألا ترى أنك تَقُولُ: مررتُ بعبد الله المحسن وأحسنت إِلَيْهِ. ولو رفعت (المحسن) لَمْ يكن بالواو لأنك تريد: هُوَ المحسن فأحسنت إِلَيْهِ. وقد يكون الخفض فِي (عالم) تُتبعه ما قبله وإن كَانَ بالفاء لأن العرب قد تستأنف بالفاء كما يستأنفونَ بالواو.

وقوله: رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي [٩٤] هَذِه الفاء جواب للجزاء لقوله (إِمَّا تُرِيَنِّي) اعترض النداء بينهما كما: تَقُولُ إن تأتني يا زيد فعجِّل. ولو لَمْ يكن قبله جزاء لَمْ يجز أن تَقُولَ: يا زيد فقم، ولا أن تَقُولُ يا رب فاغفر لي لأن النداء مستأنف، وكذلك الأمرُ بعده مستأنف لا تدخله الفاء ولا الواو.

لا تَقُولُ: يا قوم فقوموا، إلا أن يكون جوابًا لكلام قبله، كقول قائل: قد أقيمت الصلاة، فتقول: يا هَؤُلَاءِ فقوموا. فهذا جَوازه.

وقوله: قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ [٩٩] فجعل الفعل كأنه لجميع وإنما دعا ربه. فهذا ممّا جرى على ما وصف الله بِهِ نفسه من قوله (وقد خلقناكَ من قبل) فِي غير مكان من القرآن. فجرى هَذَا عَلَى ذَلِكَ. al-Farra’ 2/241al-Farra’ 2/241

وقوله: وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ [١٠٠] البرزخ من يوم يَموت إلى يوم يبعث. وقوله (وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً) يقول حاجزًا. والحاجز والمهلة متقاربان فِي المعنى، وَذَلِكَ أنك تَقُولُ: بينهما حاجز أن يتزاورا، فتنوي بالحاجز المسافة البعيدة، وتنوي الأمر المانع، مثل اليمين والعداوة. فصار المانع فِي المسافة كالمانع فِي الحوادث، فوقع عليهما البرزخ.

وقوله: قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شقاوتُنا [١٠٦] حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي شَرِيكٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ (وَقَيْسٌ ) عن أبى إسحاق، وزهير ابن مُعَاوِيَةَ أَبُو خَيْثَمَةَ الْجُعْفِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ (شَقَاوَتِنَا ) بِأَلِفٍ وَفَتْحِ الشِّينِ. قيل للفراء أأخبرك زهير؟ فقال:

يا هَؤُلَاءِ إني لَمْ أسمع من زهير شيئًا. وقرأ أهل المدينة وَعَاصِم (شِقْوَتُنا) وهي كثيرة.

أنشدني أَبُو ثرْوان:

كُلِّف من عَنائه وشِقْوته ... بنتَ ثمانِي عَشْرَةٍ من حِجَّتِه

قَالَ الفراء: لولا عبد الله ما قرأتُها إلا (شِقْوَتُنا) . al-Farra’ 2/242al-Farra’ 2/242

وقوله: سِخْرِيًّا و (سخريّا) . وقد قرىء بِهما جَميعًا. والضم أجود. قَالَ الَّذِينَ كسروا ما كَانَ من السُّخرة فهو مرفوع، وما كَانَ من الْهُزُؤ فهو مكسور.

وقال الْكِسَائي: سمعت العرب تقول: بحر لجّى ولجّى، ودُريّ ودِريٌّ منسوب إلى الدُّرّ، والكُرْسِيّ والكِرْسِيّ. وهو كَثِير. وهو فِي مذهبه بمنزلة قولهم الْعُصِيّ والعِصيّ والأُسوة والإسوة. al-Farra’ 2/243al-Farra’ 2/243

I‘rab al-Qur’anal-Nahhas · d. 338 AH
وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَal-Nahhas 2/247al-Nahhas 2/247

وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ أي وجعل لكم، وقال الفراء : هي ردّ على خلق.

قال: وإن شئت كانت بمعنى وسخّر. قال: ويجوز الرفع من وجهين: أحدهما أنه لم يكن معها فعل رفعت، والآخر أنه لمّا كان يجوز والأنعام بالرفع توهّمت أنه مرفوع رفعت. وَزِينَةً قال الأخفش والفراء : أي وجعلها زينة. قال الفراء: ويجوز أن ينصبها بالفعل نفسه وتقديره بمعنى لتركبوها زينة. قال أبو حاتم: روى سعيد عن قتادة عن أبي عياض أنه قرأ لتركبوها زينة بغير واو. قال أبو إسحاق: «زينة» مفعول له أي خلقها من أجل الزينة. al-Nahhas 2/247al-Nahhas 2/247

قال أبو إسحاق: ويقال لكلّ ما ينبت على الأرض شجر، وروى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس فِيهِ تُسِيمُونَ قال ترعون. قال أبو إسحاق: هو مشتقّ من السّومة أي العلامة لأنها إذا رعت أثرت في الأرض فصارت فيها علامات. al-Nahhas 2/248al-Nahhas 2/248