ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُۥ عِوَجَا ۜ ١
Commentary
الثناء على الله بصفاته التي كلُّها أوصاف كمال، وبنعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، الذي تفضَّل فأنزل على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم القرآن، ولم يجعل فيه شيئًا من الميل عن الحق.
١ - {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا}.
ذكرنا معنى العَوج والفرق بينه وبين العِوج في قوله: {تَبْغُونَهَا عِوَجًا} [آل عمران: ٩٩] . روى الوالبي عن ابن عباس في قوله: {وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} قال: (ملتبسًا) . ومعناه: التباس، أي: لم يجعل ملتبسًا لا يُفهم، ومعوجًا لا يستقيم.
وقال أبو إسحاق: (لم يجعل فيه اختلافًا) . كما قال: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: ٨٢] . يدل على هذا قوله: {قَيِّمًا} قال ابن عباس: (يريد مستقيمًا عدلاً) . وذكرنا الكلام في القيِّم عند قوله: {دِينًا قِيَمًا} [الأنعام: ١٦١] , وجميع أهل اللغة والتفسير قالوا: (هذا من التقديم والتأخير، وتقديره: أنزل على عبده الكتاب قيمًا ولم يجعل له عوجًا) . al-Wahidi 13/519al-Wahidi 13/519
٢ - وقوله تعالى: {لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا} قال ابن عباس: (يريد: لينذر عذابًا شديدًا) [قال الفراء: (مع البأس أسماء مضمرة يقع عليها الفعل قبل أن يقع على البأس) .
يعني أن] المفعول الأول للإنذار محذوف على تقدير: لينذر الكافرين بأسًا، كما قال في ضده: {وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ} ، فأظهر . وفسر الزجاج فقال: (أي لينذرهم بالعذاب البئيس) .
وقوله تعالى: {مِنْ لَدُنْهُ} قال ابن عباس: (يريد من عنده) .
وقال الزجاج: - (من قِبَلِهِ) . قال: (وفي لدن لغات يقال: لدُ، ولَدُنْ، ولَدَى، والمعنى واحد. قال: وهي لا تتمكَّن تمكُّن عند؛ لأنك تقول: هذا القول عندي صواب، ولا تقول: هو لدني صواب ، وتقول : عندي مال عظيم، والمال غائب عنك، ولدن لما يليك لا غير) . al-Wahidi 13/520al-Wahidi 13/520
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: (من لَدُنِهِ) ، بشم الدال الضمة وبكسر النون والهاء . وهي لغة الكلابيين .
روى أبو زيد عنهم أجمعين: (هذا من لدُنِه، فتحوا اللام وضموا الدال وكسروا النون) .
قال أبو علي الفارسي: (في لدُنْ لغات: لدن مثل سبعٍ، وتخفف الدال، فإذا خففت على ضربين أحدهما: أن تحذف الضمَّة من الدال فيقال: لدن. والآخر: أن تحذف الضمة من الدال وتنقل إلى اللام، فيقال: لدن، مثل: عضد، وفي كلا الوجهين يجتمع في الكلمة ساكنان: الدال المنقول عنها الحركة، والمحذوفة منها مع النون. فأما قراءة عاصم: (من لَدْنِهِ) فالكسرة في النون ليست بجر، إنما هي كسرة للتقاء الساكنين، وذلك أن الدال أسكنت كما أسكنت في سبُعٍ، والنون ساكنة، فلما التقى ساكنان كسر الثاني منهما وأشمت الدال الضمة، لتدل على أنها كانت متحركة بها، كما قالوا: أنت تَغْزُين. وقولهم: قُيل، أشمت الكسرةُ فيهما الضمة، لتدل على أن الأصل فيهما التحريك بالضم، وإن كان إشمام عاصم ليس بحركة خرجت إلى اللفظ، وإنما هو تهيئة العضو لإخراج الضمة، ولو كانت حركة لم يلتق ساكنان ولم تكسر النون لاجتماعهما) . وليس يحتمل هذا الموضع من الكلام في لدن أكثر مما ذكرنا، وما بقي نذكره عند قوله: {قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا} [الكهف: ٧٦] ، إن شاء الله. al-Wahidi 13/521al-Wahidi 13/521
والجار في قوله: "من لدنه" يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون صفة النكرة التي هي قوله: "بأسًا" ، وفيها ذكر الموصوف. والآخر: يكون متعلقًا بشديد .
وقوله تعالى: {أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} قال الزجاج: (المعنى بأن لهم أجرًا حسنًا) .
قال ابن عباس: (يريد ثوابًا عظيمًا) .
وقال السدي: (هو الجنة) . al-Wahidi 13/523al-Wahidi 13/523
قد تقدم في أول التفسير أنه تعالى يحمد نفسه المقدسة عند فواتح الأمور وخواتيمها، فإنه المحمود على كل حال، وله الحمد في الأولى والآخرة؛ ولهذا حمد نفسه على إنزاله كتابه العزيز على رسوله الكريم محمد، صلوات الله وسلامه عليه؛ فإنه أعظم نعمة أنعمها الله على أهل الأرض؛ إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور، حيث جعله كتابًا مستقيما لا اعوجاج فيه ولا زيغ، بل يهدي إلى صراط مستقيم، بينا واضحا جليًا نذيرًا للكافرين وبشيرًا للمؤمنين؛ ولهذا قال: (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا) أي: لم يجعل فيه اعوجاجًا ولا زيغًا ولا ميلا بل جعله معتدلا مستقيمًا؛ ولهذا قال: (قَيِّمًا) أي: مستقيمًا.
(لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ) أي: لمن خالفه وكذبه ولم يؤمن به، ينذره بأسًا شديدًا، عقوبة عاجلة في الدنيا وآجلة في الآخرة (مِنْ لَدُنْهُ) أي: من عند الله الذي لا يُعَذّب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد.
(وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ) أي: بهذا القرآن الذين صدقوا إيمانهم بالعمل الصالح (أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا) أي: مثوبة عند الله جميلة
(مَاكِثِينَ فِيهِ) في ثوابهم عند الله، وهو الجنة، خالدين فيه (أَبَدًا) دائمًا لا زوال له ولا انقضاء.
(وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) قال ابن إسحاق: وهم مشركو العرب في قولهم: نحن نعبد الملائكة، وهم بنات الله. Ibn Kathir 6/135Ibn Kathir 6/135
Choose one book or more.