وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًۭا شَرْقِيًّۭا ١٦
Commentary
واذكر - أيها الرسول - في هذا القرآن خبر مريم إذ تباعدت عن أهلها، فاتخذت لها مكانًا مما يلي الشرق عنهم.
لما ذكر تعالى قصة زكريا، عليه السلام ، وأنه أوجد منه، في حال كبره وعقم زوجته، ولدًا زكيًّا طاهرًا مباركًا -عطف بذكر قصة مريم في إيجاده ولدها عيسى، عليهما السلام، منها من غير أب، فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة ؛ ولهذا ذكرهما في آل عمران وهاهنا وفي سورة الأنبياء، يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه، وأنه على ما يشاء قادر ، فقال: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ) وهي مريم بنت عمران، من سلالة داود، عليه السلام ، وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل. وقد ذكر الله تعالى قصة ولادة أمّها لها في "آل عمران" ، وأنها نذرتها محررة، أي: تخدم مسجد بيت المقدس، وكانوا يتقربون بذلك، ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧] ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة، فكانت إحدى العابدات الناسكات المشهورات بالعبادة العظيمة والتبتل والدءوب، وكانت في كفالة زوج أختها - وقيل: خالتها-زكريا نبي بني إسرائيل إذ ذاك وعظيمهم، الذي يرجعون إليه في دينهم. ورأى لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بهره ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] فذكر أنه كان يجد عندها ثمر الشتاء في الصيف وثمر الصيف في الشتاء، كما تقدم بيانه في "آل عمران" . فلما أراد الله تعالى -وله الحكمة والحجة البالغة-أن يُوجد منها عبده ورسوله عيسى عليه السلام ، أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام، (انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) أي: اعتزلتهم وتنحت عنهم، وذهبت إلى شرق المسجد المقدس. Ibn Kathir 6/218Ibn Kathir 6/218
قال السدي: لحيض أصابها. وقيل لغير ذلك. قال أبو كُدَيْنَة، عن قابوس بن أبي ظِبْيان، عن أبيه عن ابن عباس قال: إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت والحج إليه، وما صرفهم عنه إلا قيل ربك: (انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) قال: خرجت مريم مكانًا شرقيًّا، فصلوا قبل مطلع الشمس. رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، عن ابن عباس قال: إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة؛ لقول الله تعالى (انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) واتخذوا ميلاد عيسى قبلة
وقال قتادة: (مَكَانًا شَرْقِيًّا) شاسعًا متنحيًّا.
وقال محمد بن إسحاق: ذهبت بقلتها تستقي [من] الماء.
وقال نَوْف البِكَالي: اتخذت لها منزلا تتعبد فيه. فالله أعلم.
وقوله: (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا) أي: استترت منهم وتوارت، فأرسل الله تعالى إليها جبريل عليه السلام (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) أي: على صورة إنسان تام كامل.
قال مجاهد، والضحاك، وقتادة، وابن جُرَيْج ووهب بن مُنَبِّه، والسُّدِّي، في قوله: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا) يعني: جبريل، عليه السلام . Ibn Kathir 6/219Ibn Kathir 6/219
وهذا الذي قالوه هو ظاهر القرآن فإنه تعالى قد قال في الآية الأخرى: ﴿نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] .
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: إن روح عيسى، عليه السلام ، من جملة الأرواح التي أخذ عليها العهد في زمان آدم، وهو الذي تمثل لها بشرا سويًّا، أي: روح عيسى، فحملت الذي خاطبها وحل في فيها.
وهذا في غاية الغرابة والنكارة، وكأنه إسرائيلي.
(قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) أي: لما تَبَدى لها الملك في صورة بشر، وهي في مكان منفرد وبينها وبين قومها حجاب، خافته وظنت أنه يريدها على نفسها، فقالت: (إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) أي: إن كنت تخاف الله. تذكير له بالله، وهذا هو المشروع في الدفع أن يكون بالأسهل فالأسهل، فخوفته أولا بالله، عز وجل .
قال ابن جرير: حدثني أبو كُرَيْب، حدثنا أبو بكر، عن عاصم قال: قال أبو وائل -وذكر قصة مريم- فقال: قد علمت أن التقي ذو نُهْيَة حين قالت: (إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ) أي: فقال لها الملك مجيبًا لها ومزيلا ما حصل عندها من الخوف على نفسها: لست مما تظنين، ولكني رسول ربك، أي: بعثني إليك، ويقال: إنها لما ذكرت الرحمن انتفض جبريل فرقا وعاد إلى هيئته وقال: "إنما أنا رسول ربك ليهب لك غلامًا زكيا" .
[هكذا قرأ أبو عمرو بن العلاء أحد مشهوري القراء. وقرأ الآخرون: (لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا) ] وكلا القراءتين له وجه حسن، ومعنى صحيح، وكل تستلزم الأخرى.
(قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَم أَكُ بَغِيًّا) أي: فتعجبت مريم من هذا وقالت: كيف يكون لي غلام؟ أي: على أي صفة يوجد هذا الغلام مني، ولست بذات زوج، ولا يتصور مني الفجور؛ ولهذا قالت: (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) والبغي: هي الزانية؛ ولهذا جاء في الحديث نهي عن مهر البغي.
(قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) أي: فقال لها الملك مجيبًا لها عما سألت: إن الله قد قال: إنه سيوجد منك غلامًا، وإن لم يكن لك بعل ولا توجد منك فاحشة، فإنه على ما يشاء قادر ؛ ولهذا قال: (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ) أي: دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم، الذي نوع في خلقهم، فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى، إلا عيسى فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر، فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه فلا إله غيره ولا رب سواه.
وقوله: (وَرَحْمَةً مِنَّا) أي ونجعل هذا الغلام رحمة من الله نبيًّا من الأنبياء يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥، ٤٦] أي: يدعو إلى عبادة الله ربه في مهده وكهولته. Ibn Kathir 6/220Ibn Kathir 6/220
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحيم بن إبراهيم -دُحَيْم-حدثنا مروان، حدثنا العلاء بن الحارث الكوفي، عن مجاهد قال: قالت مريم، عليها السلام : كنت إذا خلوت حدثني عيسى وكلمني وهو في بطني وإذا كنت مع الناس سبح في بطني وكبر.
وقوله: (وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا) يحتمل أن هذا من تمام كلام جبريل لمريم، يخبرها أن هذا أمر مقدر في علم الله تعالى وقدره ومشيئته. ويحتمل أن يكون من خبر الله تعالى لرسوله محمد ﷺ وأنه كنى بهذا عن النفخ في فرجها، كما قال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢] وقال ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١]
قال محمد بن إسحاق: (وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا) أي: أن الله قد عزم على هذا، فليس منه بد، واختار هذا أيضًا ابن جرير في تفسيره، ولم يحك غيره، والله أعلم. Ibn Kathir 6/221Ibn Kathir 6/221
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ) : أي القرآن (مَريمَ) أي: قصتها (إِذ انتَبَذَتْ) اعتزلت، بدل اشتمال من مريم أو ظرف لقصتها المقدرة (مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) أي: شرقي مسجد الأقصى لحيض أصابها، أو لفراغها للعبادة وهو ظرف أو مفعول فإن انتبذت متضمن معنى أتت (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا) أي: استترت منهم وتوارت قيل استترت في مقابل شروق الشمس للاغتسال عن الحيض (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا) : جبريل (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) أي: على شكل إنسان تام كامل (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ) : يا أيها البشر (إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) تتقي الله، وجواب الشرط محذوف أي: فستنتهي مني بتعوذي، أو فلا تتعرض لي، قيل هو للمبالغة أي: إن كنت تقيًّا فأعوذ منك، فكيف إذا لم تكن تقيًّا متورعًا؟! (قَالَ) جبريل (إِنَّمَا أَنَا
رَسُولُ ربِّكِ): لم تصابي مني بسوء، قاله وهو كان في صورة بشر أو عاد إلى هيئته الملكية (لأهَبَ لَكِ غُلامًا) : لأكون سببًا في هبته، (زَكِيًّا) : طاهرًا، (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي) : لم يباشرني (بَشَرٌ) : من الحلال (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) : لست بزانية، وهو فعول قلبت الواو وأدغمت ثم كسرت الغين للمناسبة (قالَ كَذَلِكِ) أي: الأمر كذلك صدقها فيما قالت، ثم ابتدأ وجاز أن يتعلق كذلك بـ " قال ربك " وقوله " هو على هين " مفسر ذلك المبهم (قَالَ رَبُّكِ هُوَ) أي: وهب غلام من غير أب (عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ) ، تقديره: ونفعل ذلك لنجعله أو لنبين قدرتنا ولنجعله (آيَةً لِلنَّاسِ) : على كمال قدرتنا (وَرَحْمَةً مِنَّا) : على عبادنا لأنه يهديهم (وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا) : في علم الله الأزلي الذي لا يتغير (فَحَمَلَتْهُ) بأن نفخ في جيبها، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج فحملت ومدة حمله تسعة أشهر أو ثمانية، ولهذا لا يعيش ولد لثمانية فيكون آية أخرى أو ساعة (فانتَبَذَتْ بِهِ) أي اعتزلت حال كونها متلبسة بالحمل (مَكَانًا قَصِيًّا) بعيدًا عن الخلق لخوف التهمة عنهم (فأَجَاءهَا) ألجأها: واضطرها (الْمَخَاضُ) : وجع الولادة (إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ) : لتعتمد عليه عند الولادة، والتعريف إما للجنس أو للعهد إذ لم يكن ثم غيرها متعالم عند الناس، (قَالَتْ) : استحياء من الناس (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا) الأمر (وَكُنْتُ نَسْيًا) ما من حقه أن يطرح وينسى كالذبح اسم لما من شأنه أن يذبح وبفتح النون لغة فيه (مَنْسِيًّا) ؛ بحيث لا يخطر ببال أحد، (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) فاعل نادى ضمير جبريل، قيل هو كالقابلة لها أو المراد أسفل من مكانها أي: آخر الوادي أو ضمير عيسى قيل أي: من تحت النخلة (أَلَّا تَحْزَنِي) أن مصدرية أي: بأن أو بمعنى أي (قَدْ جَعَلَ ربُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) نهرًا أو سيدًا أو هو عيسى من السرو (وَهُزِّي) أميلي، (إِلَيْكِ بجِذْع النَّخْلَةِ) الباء زائدة للتأكيد أو بمعنى افعلي الهز به (تُسَاقِطْ) تتساقط النخلة (عَلَيْكِ رُطَبًا) تمييز إن كان تساقط من باب التفاعل ومفعول إن كان من المفاعلة (جَنِيًّا) : غضًا وكانت تلك النخلة يابسة، فأورقت لتكون آية أخرى يطمئن بها قلبها أو مثمرة لكن لم تكن في حين ثمرها، (فَكُلِي) : من الرطب (وَاشْرَبِي) : من النهر أو عصير الرطب (وَقَرِّي عَيْنًا) : طيبي نفسك وهو من القرأى: البرودة فإن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة، أو من القرار فإن العين إذا رأت ما يسر النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره، (فإِمَّا تَرَيِنَّ) : فإن تري (مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) : صمتًا وكان شريعتهم ترك الطعام والكلام في الصيام (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) : بعد أن أخبركم بنذري بل لا أكلم إلا ملائكة الله وأناجي ربي، أو كان الإخبار بالنذر أيضًا بالإشارة، وعن بعضهم لما قال عيسى لأمه: لا تحزني، قالت: كيف لا أحزن وأنت معي لا ذات زوج، ولا مملوكة! فأي شيء عذري يا ليتني مت قبل هذا، قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام قولي إني نذرت للرحمن صومًا (فَأَتَتْ بِهِ) ، الباء للتعدية، والضمير للولد (قَوْمَها) ، مفعوله الثاني (تَحْمِلُهُ) حال (قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا) : منكرًا عظيما (يَا أُخْتَ هَارُونَ) أي: شبيهه في الزهد والتقوى أو كانت من نسله كما يقال للتميمي والمضري يا أخا تميم، ويا أخا مضر، أو نسبت إلى رجل صالح فيهم اسمه هارون، أو رجل فاجر فيهم يقال له هارون (مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) : زانية حتى نقول إنك تابعت في تلك الفاحشة أحد أبويك (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ) : إلى عيسى أن كلموه (قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صبِيًّا) كان تامة وصبيًا حال أو زائدة والظرف صلة من (قَالَ) عيسى: (إِنِّي عَبْدُ اللهِ) أقرَّ أولاً بالعبودية (آتَانِيَ الْكِتَابَ) : الإنجيل جعل ما يأتي بعد في حكم الآتي، أو أنه درس الإنجيل وأحكامه في بطن أمه وقيل: المراد علمني التوراة (وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) : في سابق علمه أو هو نبي حينئذ (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا) : معلمًا للخير (أَيْنَ مَا كُنْتُ) : حيث كنت (وَأَوْصَانِي) : أمرني (بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ) : زكاة المال، أو تطهير النفس (مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا) عطف على مباركًا أي: بارًّا أو منصوب بفعل بمعنى أوصاني وهو كلفني، (بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) : مستكبرًا عن عبادة الله وبر والدتي (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ) : فلا ينالني شيطان، (وَيَوْمَ أَمُوتُ) فأنجاني من سوء الخاتمة (وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) : فليس لي هول (ذَلِكَ) : الذي وصفناه هو (عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) : لا ما تصفه النصارى (قَولَ الْحَقِّ) أي: هو قول الحق الذي لا ريب فيه، فالإضافة بيانية أو الحق هو الله تعالى أو خبر ثاني لذلك، ومن قرأ بنصب قول جعله مصدرًا مؤكدًا (الذِي فِيهِ يَمْتَرُون) فبعضهم يقولون إنه لزنية ساحر وبعضهم إنه ابن الله (مَا كَانَ لله أَن يَتَّخِد مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانهُ) تكذيب للنصارى وتنزيه لجناب قدسه (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) فلا يناسبه خلقه ولا يحتاج إلى ولد يعضده (وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ) عطف على إني عبد الله وهو من مقول عيسى ومن قرأ أن بالفتح فتقديره ولأن أو عطف على الصلاة (هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) : طريق مشهود له بالاستقامة (فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ) : أهل الكتاب، أو النصارى فإن فيهم ثلاث فرق (مِنْ بَيْنِهِمْ) من بين الناس، (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) أي: من شهود هول يوم عظيم، أي: يوم القيامة أو من وقت الشهود، أو مكان الشهود فيه وهو الموقف (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا) أي: ما أسمعَهم وأبصرَهم في ذلك اليوم لكن لا ينفعهم سمعهم حينئذ ولا بصرهم وحاصله أن كمال بصارتهم واستماعهم في ذلك اليوم جدير بأن يتعجب منهما بعد ما كانوا صمًا عميًا (لَكِنِ الظَّالِمُونَ) أوقع المظهر موقع المضمر لأن يسميهم ظالمًا (الْيَوْمَ) : في الدنيا (الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) فيقولون إنه ابن الله، أو الله هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء (وَأَنذرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ) يتحسر المسيء على الإساءة، والمحسن على قلة الإحسان (إذ قُضِىَ الأمْرُ) : فرغ من الحساب، وذبح الموت بدل من اليوم أو ظرف للحسرة (وهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنونَ) أي: أنذرتهم حال كونهم غافلين [غير مؤمنين] (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا) : يبقى له الملكية وتزول [ملكية] غيره (وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) للجزاء. al-Iji 2/475al-Iji 2/475
Choose one book or more.