كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةًۭ ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ٣٥
Commentary
كل نفس ذائقة الموت لا محالة مهما عُمِّرت في الدنيا. وما وجودها في الحياة إلا ابتلاء بالتكاليف أمرًا ونهيًا، وبتقلب الأحوال خيرًا وشرًا، ثم المآل والمرجع بعد ذلك إلى الله - وحده - للحساب والجزاء.
يقول تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ) أي: يا محمد، (الْخُلْدَ) أي: في الدنيا بل ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧] .
وقد استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الخضر، عليه السلام ، مات وليس بحي إلى الآن؛ لأنه بشر، سواء كان وليًا أو نبيًا أو رسولا وقد قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ) . Ibn Kathir 6/341Ibn Kathir 6/341
وقوله: (أَفَإِنْ مِتَّ) أي: يا محمد، (فَهُمُ الْخَالِدُونَ) ؟ ! أي: يؤملون أن يعيشوا بعدك، لا يكون هذا، بل كل إلى فناء؛ ولهذا قال: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) ، وقد روي عن الشافعي، رحمه الله ، أنه أنشد واستشهد بهذين البيتين:
تمنى رجال أن أموت وإن أمت … فَتلْكَ سَبيل لَسْت فيهَا بأوْحد
فقُلْ للَّذي يَبْغي خلاف الذي مضى: … تَهَيَّأ لأخْرى مثْلها فكَأن قد
وقوله: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) أي: نختبركم بالمصائب تارة، وبالنعم أخرى، لننظر من يشكر ومن يكفر، ومن يصبر ومن يقنط، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (ونبلوكم) ، يقول: نبتليكم بالشر والخير فتنة، بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية والهدى والضلال ..
وقوله: (وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) أي: فنجازيكم بأعمالكم. Ibn Kathir 6/342Ibn Kathir 6/342
قوله تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)
حدثنا مُسدَّدٌ، ثنا يحيى، عن الأعمشِ، حدَّثني شقيقٌ، حدَّثني حذيفةُ.
قال: كنَّا جُلُوسًا عند عُمرَ، فقال: أيكُم يحفظُ قولَ رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - في الفتْنَةِ؟
قلتُ: أنا كما قاله. قال: إنَّك عليهِ - أو عليها - لجريءٌ.
قلتُ: "فتنةُ الرَّجل في أهلِه ومالِه وولده وجارِه، تُكفِّرُها الصلاةُ والصومُ والصدقةُ والأمرُ والنهْيُ.
قال: ليس هذا أُرِيدُ، ولكن الفتْنةَ التي تمُوجُ كما يمُوجُ البحرُ، قال: ليس
عليك منها بأسٌ يا أمير المؤمنين، إنَّ بينك وبينها بابا مُغْلقًا، قال: يُكْسَرُ أمْ
يُفْتحُ؟
قال: يُكْسرُ. قال: إذن لا يُغْلقُ أبدًا.
قُلنا: أكان عُمرُ يعلَمُ البابَ؟
قال: نعمْ، كما أنَّ دونَ غدٍ الليلةَ، إنِّي حدَّثتُهُ حديثًا ليس بالأغاليطِ، فَهِبْنَا أن نسْأل حذيفةَ، فأمرْنا مسروقًا فسألَهُ، فقال: البابُ عمرُ.
أصلُ الفتنةِ: الابتلاءُ والامتحانُ والاختبارُ، ويكون تارةً بما يسوء، وتارةً بما
يَسرُّ، كما قال تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) .
وقال: (وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) . Ibn Rajab 1/698Ibn Rajab 1/698
وغلبَ في العُرفِ استعمالُ الفتنةِ في الوقوع فيما يسوءُ.
والفتنةُ نوعانِ: أحدُهما: خاصة، تختص بالرجلِ في نفسِهِ، والثاني: عامَّة.
تعمُ الناسَ.
فالفتنة الخاصة: ابتلاءُ الرجلِ في خاصةِ نفسِهِ بأهلِه ومالهِ وولدِهِ وجاره.
وقد قال تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) ، فإنَّ ذلك غالبًا
يُلهي عن طلبِ الآخرةِ، والاستعدادِ لها، ويشغل عن ذلك.
ولمَّا كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يخطبُ على المنبرِ، ورأى الحسنَ والحسينَ يمشيانِ ويعثُرانِ وهما صغيرانِ، نزلَ فحملَهُمَا، ثمَّ قال: "صدق اللَّه ورسولُهُ: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكمْ فِتْنَةٌ) ، إني رأيتُ هذين الغُلامين يمشيان ويعْثران فلم أصبر" . ً
وقد ذمَّ اللَّهُ تعالى منْ ألهاهُ مالُهُ وولدُهُ عن ذكر، فقال: (لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ .
فظهرَ بهذا: أنَّ الإنسانَ يُبتلَى بمالِهِ وولدِهِ وأهلِهِ وبجاور المجاورِ له، ويُفتتن
بذلك، فتارةً يُلهيه الاشتغالُ به عمَّا ينفعه في آخرتِهِ، وتارةً تحملُهُ محبتُه على
أنْ يفعلَ لأجله بعضَ ما لا يحبُه اللَّه، وتارةً يقصِّر في حقِّه الواجبِ عليه.
وتارةً يظلمه ويأتي إليه ما يكرهُه اللَهُ من قولٍ أو فعلِ، فيسألُ عنه ويطالب
فإذا حصل للإنسانِ شيء من هذه الفتن الخاصة، ثم صلَّى أو صامَ أو
تصدَّقَ أو أمرَ بمعروفٍ أو نهى عن منكرٍ كان ذلك كفَّارة له، وإذا كان الإنسانُ تسوؤه سيئتُه، ويعمل لأجلها عملاً صالحًا، كان ذلك دليلاً على إيمانِهِ. Ibn Rajab 1/699Ibn Rajab 1/699
وفي "مسندِ بَقِيِّ بنِ مَخْلدٍ" عن رجلٍ سأل النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: ما الإيمانُ يا رسولَ اللَّه؟
قال: "أن تؤمنَ باللهِ ورسولِهِ " ، فأعادَهَا ثلاثًا، فقالَ له في الثالثةِ:
"أتحبُّ أن أخبرَك ما صريحُ الإيمانِ؟ "
فقالَ: ذلك الذي أردتُ، فقالَ:
"إن صريحَ الإيمانِ إذا أسأت أو ظلمتَ أحدًا، عبْدَك أو أَمَتَكَ، أو واحدًا من الناسِ، صُمْتَ أو تصدَّقتَ وإذا أحسنتَ استبشرتَ " .
وأمَّا الفتن العامةُ: فهي التي تموجُ موجَ البحر، وتضطربُ، ويتبع بعضُها
بعضًا كأمواج البحرِ، فكانَ أوَّلُها فتنةَ قتلِ عثمانَ - رضي الله عنه - وما نشأ منها من افتراقِ قلوبِ المسلمينَ، وتشعبِّ أهوائِهم وتكفيرِ بعضِهم بعضًا، وسفكِ بعضِهم دماءَ بعضٍ، وكانَ البابَ المغلقَ الذي بين الناسِ وبين الفتن عُمَرُ - رضي الله عنه - وكان قتلُ عُمَرَ كسْرًا لذلكَ البابِ، فلذلكَ لم يُغْلَق ذلكَ البابُ بعدَه أبدًا.
وكان حذيفةُ أكثرَ الناسِ سؤالا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن الفتنِ، وأكثرَ الناسِ علمًا بها، فكانَ عندَهُ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمٌ بالفتنِ العامةِ والخاصةِ، وهو حدَّث عُمَرَ تفاصيلَ الفتن العامَّة، وبالبابِ الذي بينَ الناسِ وبينَها، وأنه هو عمرُ، ولهذا قالَ: إنِّي حدثتُهُ حديثًا ليس بالأغاليطِ، والأغاليطُ: جمع أغْلُوطة، وهي التي يُغَالطُ بها.
واحدها: "أُغْلُوطةٌ" و "مَغْلَطَةٌ" ، والمعنى: أنه حدَّثه حديثًا حقًّا.
ليس فيه مرْية، ولا إيْهَام.
وهذا مما يُستدل به على أنَّ روايةَ مثلِ حذيفةَ يحصلُ بها لِمَنْ سمعَها العلمُ
اليقينيُّ الذي لا شكَّ فيه، فإنَّ حذيفةَ ذكرَ أن عُمرَ علِمَ ذلك وتيقنه كما تيقنَ أنَّ دونَ غدٍ الليلةَ لما حذَثه به من الحديثِ الذي لا يحتملُ غيرَ الحقِّ والصدقِ. Ibn Rajab 1/700Ibn Rajab 1/700
وقد كانتِ الصحابةُ تعرفُ في زمانِ عُمَرَ أنَّ بقاءَ عُمَرَ أمانٌ للناسِ من
الفتن.
وفي "مسندِ الإمامِ أحمدَ" أنَّ خالدَ بنَ الوليدِ لمَّا عزَلَه عُمَرُ، قالَ لهُ
رجل: اصبرْ أيها الأميرُ، فإنَّ الفتن قد ظهرتْ، فقال خالدٌ: وابن الخطَّابِ
حيٌّ، إنَّما يكون بعدَهُ ".
وقد رُويَ من حديث عثمانَ بن مَظْعونٍ، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سمَّى عمر: غلق الفتنة وقال: "لا يزال بينكم وبينَ الفتنةِ باب شديدُ الغلقِ ما عاشَ هذا بين أظهركم ".
خرَّجه البزار.
ورُوي نحوه من حديثِ أبي ذرٍّ.
ورَوَى كعبٌ، أنه قال لعمرَ: أجدُكَ مصْراعَ الفتنة، فإذا فُتحَ لم يغلق
أبدًا.
Choose one book or more.