إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ ٦
In the sections:Dala’il
Commentary
إنَّا زينَّا السماء الدنيا بزينة هي النجوم.
بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وقرأ نافع وغيره بإضافة الزينة إلى الكواكب، والزينة تكون مصدرا واسما لما يزان به، فإن كان مصدرا فهو مضاف إلى الفاعل تقديره: بأن زينة الكواكب اسما أو مضاف إلى المفعول تقديره: بأن زينا الكواكب، وإن كانت اسما فالإضافة بيان للزينة، وقرأ حفص وحمزة بتنوين زينة وخفض الكواكب على البدل، ونصب الكواكب على أنها مفعول بزينة أو بدل من موضع زينة وَحِفْظاً منصوب على المصدر تقديره: وحفظناها حفظا، أو مفعول من أجله، والواو زائدة أو محمول على المعنى، لأن المعنى إنا جعلنا الكواكب زينة للسماء وحفظا مارِدٍ أي شديد الشر لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى الضمير في يسمعون للشياطين، والملأ الأعلى هم الملائكة الذين يسكنون في السماء، والمعنى أن الشياطين منعت من سماع أحاديث الملائكة. وقرأ حفص وعاصم وحمزة يسمعون بتشديد السين والميم، ووزنه يتفعلون والسمع طلب السماع، فنفى السماع على القراءة الأولى، ونفى طلبه على القراءة بالتشديد، والأول أرجح لقوله إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء: ٢١٢] ولأن ظاهر الأحاديث أنهم يستمعون، لكنهم لا يسمعون شيئا، منذ بعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنهم يرجمون بالكواكب وَيُقْذَفُونَ أي يرجمون يعني بالكواكب وهي التي يراها الناس تنقضّ، قال النقاش ومكي: ليست الكواكب الراجمة للشياطين بالكواكب الجارية في السماء لأن تلك لا ترى حركتها وهذه الراجمة ترى حركتها لقربها منا. قال ابن عطية: وفي هذا نظر Ibn Juzayy 2/188Ibn Juzayy 2/188
يخبر تعالى أنه زين السماء الدنيا للناظرين إليها من أهل الأرض (بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ) ، قرئ بالإضافة وبالبدل، وكلاهما بمعنى واحد، فالكواكب السيارة والثوابت يثقب ضوءها جرم السماء الشفاف، فتضيء لأهل الأرض، كما قال تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] ، وقال: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦ - ١٨] .
وقوله ها هنا: (وَحِفْظًا) تقديره: وحفظناها حفظًا، (مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ) يعني: المتمرد العاتي إذا أراد أن يسترق السمع، أتاه شهاب ثاقب فأحرقه، ولهذا قال: (لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإ الأعْلَى) أي: لئلا يصلوا إلى الملأ الأعلى، وهي السماوات ومن فيها من الملائكة، إذا تكلموا بما يوحيه الله مما يقوله من شرعه وقدره، كما تقدم بيان ذلك في الأحاديث التي أوردناها عند قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] ولهذا قال (وَيُقْذَفُون) أي: يرمون (مِنْ كُلِّ جَانِبٍ) أي: من كل جهة يقصدون السماء منها، (دُحُورًا) أي: رجما يدحرون به ويزجرون، ويمنعون من الوصول إلى ذلك، (وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ) أي: في الدار الآخرة لهم عذاب دائم موجع مستمر، كما قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] .
وقوله: (إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ) أي: إلا من اختطف من الشياطين الخطفة، وهي الكلمة يسمعها من السماء فيلقيها إلى الذي تحته، ويلقيها الآخر إلى الذي تحته، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها بقدر الله قبل أن يأتيه الشهاب فيحرقه، فيذهب بها الآخر إلى الكاهن، كما تقدم في الحديث، ولهذا قال: (إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ) أي: مستنير. Ibn Kathir 8/6Ibn Kathir 8/6
قال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا وَكِيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: كان للشياطين مقاعد في السماء فكانوا يستمعون الوحي. قال: وكانت النجوم لا تجري، وكانت الشياطين لا تُرْمى قال: فإذا سمعوا الوحي نزلوا إلى الأرض، فزادوا في الكلمة تسعًا. قال: فلما بعث رسول الله ﷺ ، جعل الشيطان إذا قعد مقعده جاء شهاب فلم يُخْطئه حتى يُحرقَه. قال: فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هو إلا من أمْر حدث. قال: فَبَثّ جنوده، فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي بين جبلي نخلة - قال وكيع: يعني بطن نخلة- قال: فرجعوا إلى إبليس فأخبروه، فقال: هذا الذي حدث.
وستأتي الأحاديث الواردة مع الآثار في هذا المعنى عند قوله تعالى إخبارا عن الجن أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا * وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ٨ - ١٠] . Ibn Kathir 8/7Ibn Kathir 8/7
Choose one book or more.