حمٓ ١
Commentary
{حم} سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.
قوله تعالى: (حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ. فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ .
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ قال أهل التأويل: إنا أنزلنا الكتاب - أي: القرآن- في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم أنزل على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالتفاريق.
ويحتمل أن تكون الهاء راجعة إلى قوله: (حم) أي: قضى ما هو كائن على ما قال بعض أهل التأويل: إن ما قضى في كل سنة من الموت والحياة والرزق ونحو ذلك ينزل في ليلة القدر نسخها الملائكة الذين وكلوا على ذلك، فهذا يحتمل.
ويحتمل أن تكون الهاء راجعة إلى ما ضمن في قوله: (حم) على ما أراد به، والله أعلم.
ويحتمل أنه أراد بهذا إنزال شيء وأمر في ليلة القدر، عرفه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه، فيخبر أنه أنزل ذلك ولم يبينوا لنا ذلك؛ لما لا حاجة لنا إلى معرفته.
وقالت الروافض في قوله - تعالى - (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ) : إن اللَّه - تعالى - أنزل شيئًا على رسوله، يكون ذلك الشيء على رأسه وعلى رءوس الأئمة الذين يكونون بعده بحيث يروا ذلك دون غيرهم، إذا استقبلهم أمر أو بدا لهم شيء، نظروا في ذلك الشيء، وعرفوا ما احتاجوا، وما يكون لهم من الصلاح، أو كلام نحو هذا.
وأما عند أهل التأويل هو ما ذكرنا راجع إلى ذلك الكتاب المنزل على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أو إلى ما ذكرنا من تضمين ما ضمن في قوله: (حم) ، وكذلك قالوا - أيضًا - في قوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) ، وقوله: (فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) هي ليلة القدر، سماها: مباركة، وقد سمى المطر والماء المنزل من السماء مباركا؛ كقوله - تعالى -: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا) ، وكذلك الأرزاق المنزلة من السماء والمستخرجة من الأرض مباركة بقوله: (بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) ، والمبارك هو الذي عنده يدرك كل الخيرات، والبركة: هي اسم كل خير يكون أبدًا على الزيادة والنماء، فسمى تلك الليلة: مباركة؛ لما جعل فيها من الخيرات والبركات. al-Maturidi 9/196al-Maturidi 9/196
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) .
يحتمل (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) للخلق إذا أنشئوا وبلغوا المبلغ الذي يستوجبون الإنذار.
ويحتمل (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) الخلق بالرسل؛ هذا هو الظاهر؛ أن هذا القول من الله تعالى - واللَّه أعلم - قال: (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) بالقرآن بما أنزل علي.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ .
يحتمل: أي: يفصل ويبين كل أمر هو كائن في ليلة القدر.
ويحتمل: أي: يبين في ليلة القدر كل ما يكون في تلك السنة.
ثم قوله: (كلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) يحتمل أي: كل أمر فيه حكمة.
ويحتمل. كل أمر محكم متقن (أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا ... .
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) الأمر الذي ذكر بقوله: (كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا) ، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .
يحتمل قوله: (رَحْمَةً) أي: ما أنزل من الكتاب هو رحمة من ربك.
ويحتمل: ليلة القدر؛ أي: جعلها رحمة منه.
ويحتمل ما ذكر من أمر حكيم هو رحمة منه.
ويحتمل: أي: الرسول المبعوث إليهم رحمة منه لهم، وهو كقوله - تعالى -: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) .
وقوله: (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) يحتمل قوله: (السَّمِيعُ) بأقوالهم التي أسروها، (الْعَلِيمُ) بأفعالهم وأعمالهم التي أخفوها وأضمروها.
ويحتمل (السَّمِيعُ) : المجيب لمن دعا، (الْعَلِيمُ) بما يرجع إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم.
وقوله: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ .
قَالَ بَعْضُهُمْ: رب الشيء هو مصلحه؛ معناه: مصلح السماوات والأرض وما فيهما،
وحافظ ذلك كله.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي: مالكهما ومالك ما فيهما.
ويحتمل: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: خالقهما، وخالق ما فيهما، ومنشئ ذلك كله. al-Maturidi 9/197al-Maturidi 9/197
وقوله: (إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا على إتمام الآية، ومراعاة المقاطع على وجهها، هذا وأمثاله يخرج على هذا، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يكون قوله: (إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) على إثر قوله: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: هو رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم تعلمون: أنه رب ما ذكر، فكيف تصرفون العبادة واسم الألوهية إلى من ليس برب؟! لما ذكر أن الإيقان هو العلم بالشيء حقيقة.
ثم نعت الربّ فقال: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ... فكأنه يقول: لا معبود يستحق العبادة سواه؛ لأن الإله هو المعبود عند العرب؛ يقول: لا تستحق الأشياء التي يعبدون العبادة إنما المستحق لها هو الذي لا إله غيره.
ويحتمل أن يقول: لا يستحق اسم الألوهية إلا هو، لا الأشياء التي سميتموها: آلهة، ثم نعته فقال: (يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) أي: هو يحيي ويميت، وهو ربكم ورب آبائكم الأولين.
إن من عادة العرب أنهم كانوا يعبدون ويخدمون شيئًا دون اللَّه - تعالى - رجاء أن تشفع لهم وتقربهم تلك العبادة إلى اللَّه - تعالى - فيقول: إن الذين تعبدون دونه لا يقع لهم العلم بعبادتكم إياها، فاصرفوا العبادة إلى الذي يعلم بعبادتكم على كل حال، وأخلصوا له ذلك، ولا تشركوا غيره.
يقول تعالى مخبرا عن القرآن العظيم: إنه أنزله في ليلة مباركة، وهي ليلة القدر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] وكان ذلك في شهر رمضان، كما قال: تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] Ibn Kathir 8/245Ibn Kathir 8/245
وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك في "سورة البقرة" بما أغنى عن إعادته.
ومن قال: إنها ليلة النصف من شعبان -كما روي عن عكرمة-فقد أبعد النَّجْعَة فإن نص القرآن أنها في رمضان. والحديث الذي رواه عبد الله بن صالح، عن الليث، عن عقيل عن الزهري: أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس أن رسول الله ﷺ قال: "تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح ويولد له، وقد أخرج اسمه في الموتى" فهو حديث مرسل، ومثله لا يعارض به النصوص.
وقوله: (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) أي: معلمين الناس ما ينفعهم ويضرهم شرعًا، لتقوم حجة الله على عباده.
وقوله: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) أي: في ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها. وهكذا روي عن ابن عمر، وأبي مالك، ومجاهد، والضحاك، وغير واحد من السلف.
وقوله: (حكيم) أي: محكم لا يبدل ولا يغير؛ ولهذا قال: (أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا) أي: جميع ما يكون ويقدره الله تعالى وما يوحيه فبأمره وإذنه وعلمه، (إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) أي: إلى الناس رسولا يتلو عليهم آيات الله مبينات، فإن الحاجة كانت ماسة إليه؛ ولهذا قال: (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) أي: الذي أنزل هذا القرآن هو رب السموات والأرض وخالقهما ومالكهما وما فيهما، (إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) أي: إن كنتم متحققين.
ثم قال: (لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ) وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ [فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ] ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٨] . Ibn Kathir 8/246Ibn Kathir 8/246
Choose one book or more.