يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ١
Language and grammar
١- {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} أي بالعهود. يقال: عَقَد لي عقدًا أي جعل لي عهدا؛ قال الحُطَيْئَةُ:
قَوْمٌ إذا عَقَدُوا عَقْدًا لِجَارِهِمُ ... شَدُّوا العِنَاجَ وشَدُّوا فَوقَه الكَرَبَا
ويقال: هي الفرائض التي أُلْزِمُوها.
{بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} الإبل والبقر والغنم والوحوش كلها.
{إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} مما حُرِّم.
{غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} واحدهم حرام. والحَرَام والمُحَرَّمُ سواء.
ثم تلا ما حرم عليهم وهو الذي استثناه فقال: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} .
٢- وكذا {شَعَائِرَ اللَّهِ} ما جعله عَلَمًا لطاعته. واحدها شَعِيرة مثل الحرم. يقول: لا تحلِّوه فتصطادوا فيه، وأشباه ذلك. Ibn Qutayba 1/138Ibn Qutayba 1/138
قوله جلَّ وعزَّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ
خاطب اللَّه جلَّ وعزَّ جميع المؤْمنين بالوفاءِ بالعقود التي عقدها اللَّه
عليهم، والعقود التي يعقدها بعضهم على بعضٍ على ما يوجبه الدين، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي يا أيها الذين صدقوا النبي - صلى الله عليه وسلم - أوْفوا بالعُقود، والعقود العهود، يقال: وفيت بالعهْدِ وأوفيتُ.
والعقود واحذها عَقْد، وهي - أوكد العهودِ
يقال: عهدت إلى فلان في كذا وكذا، تأويله ألزَمتُه ذلك.
فإنما قلت عاقدته أو عَقَدت عليه، فتأويله أنك ألْزمْته ذلك باستيثاق.
وقال بعضهم أوفوا بالعقودِ أي كان عقد بعضُكم على بعض في
الجاهلية، نحو الموالاة، ونحو قوله: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) والمواريث تنسخ العقودَ في باب المواريث.
يقال عقدت الحبلَ والعهد فهو معْقود.
قال الحطيئة:
قَوْمٌ إِذا عَقَدوا عَقْداً لجارِهمُ. . . شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فَوْقَه الكَرَبَا تأويله أنهم يوفون عهودَهم بالوفاءِ بها، ويقال أعقَدْتُ العسَل ونحوه فهو al-Zajjaj 2/139al-Zajjaj 2/139
مُعقدَ وعَقِيدٌ، وروى بعضهم: عقدت العسل والكلام أعقَدْت.
قال الشاعِر:
وكأَنَّ رُبّاً أَو كحِيلاً مُعْقَداً حَشَّ القيانُ به جوانِبَ قُمْقُمِ
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ) .
قال بعضهم: بهيمة الأنعام: الظباءُ والبقر الوحْشِيةُ والحُمْرُ الوحشيةُ.
والأنعام في اللغة تشتمل على الِإبل والبقر والغنم.
فالتأويل - واللَّه أعلم - أحلت لكم بهيمة الأنعام، أي أحلت لكم الِإبل
والبقرُ والغنمُ والوحْشُ. والدليل على أن الأنعام مشتملة على ما وصفنا
قوله عز وجلَّ: (وَمِنَ الأنْعَامِ حَمُولَةً وفَرْشاً) فالحمولة الإِبل التي تُحَمَّلُ
والفرْشُ صغار الِإبل، قال (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ)
ثم قال: (وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ) وهذا مردود على قوله: al-Zajjaj 2/140al-Zajjaj 2/140
(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ) ، وأنشأ (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا) .
ثم ذكر ثمانية أزواج بدلاً من قوله: (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا) .
والسورَة تدعَى سورة الأنعام، فبهيمة الأنعام هذه، وإِنما قيل لها بهيمة الأَنعام لأن كل حي لا يميز فهو بهيمة، وإِنما قيل له بهيمة لأنه أبهم عن أي يميز، فأعلم اللَّه عز وجلَّ أن الذي أحِل لنا مما أبهِم هذه الأشياءُ.
وقوله: (إِلَّا مَا يُتْلَى عَليْكُم) .
موضع ما نصب بـ (إِلَّا) ، وتأويله أُحلَّت لكم بهيمة الأنعام (إِلا ما يتلى
عليكم) من الميتةِ والدم والموقُوذَةِ والمُتَرَديَةِ والنطِيحَة
(غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) أي أُحلَّتْ لكم هذه لا مُحِلينَ الصيْدَ (وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) .
وقال أبو الحسن الأخفش: انتصب (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) على قوله:
(يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) ، كأنَّه قيل: أوفوا بالعُقودِ غير مُحِلَى الصيْدِ.
وقال بعضهم يجوز أن تكون " ما " في موضع رفع على أَنه يذهب إِلى أنه يجوز جاءَ إخوتك إِلَّا زيدٌ، وهذا عند البصريين باطل لأَن المعنى عند هذا القائل:
جاءَ إخوتك وزيد. كأنَّه يعطف بها كما يعطف بلا، ويجوز عند البصريين
جاءَ الرجال إلا زيد على معنى جاءَ الرجال غَيرُ زيد، على أن تكون صفة
للنكرة أو مَا قَاربَ النكرةَ من الأجناسِ.
وقوله: (وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) .
أي مُحرمونَ. وأَحَدُ الخرُم حرام، - يقال رجل حَرامٌ وقوم حُرُم.
قال الشاعر: al-Zajjaj 2/141al-Zajjaj 2/141
فقلتُ لها فِيئي إِلَيكِ فإِنَّني. . . حَرامٌ وإِني بعد ذاكَ لَبِيبُ
أي ملبٍّ.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) .
أي الخلق له عزَّ وجلَّ، يُحِل منه ما يشاءُ لمنْ يشاءُ، وُيحُرَمُ مَا يُرِيدُ.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (يا) للنداء وحروف النداء عند سيبويه خمسة وهي: يا وأيا وهيّا وأي والألف. و «ها» للتنبيه و (أيّ) نداء مفرد والنعت لازم له ليبيّنه الَّذِينَ نعت لأيّ ويقال: «الّذون» . آمَنُوا صلة الذين والأصل «أأمنوا» فخفّفت الهمزة الثانية ولا يجوز الجمع بينهما في حرف واحد إلّا في فعّال. أَوْفُوا مجزوم عند الكوفيين وأضمروا اللام، وغير معرب عند البصريين لأنه لا يضارع. بِالْعُقُودِ خفض بالباء وهو جمع عقد يقال: عقدت الحبل والعهد وأعقدت العسل ووجب بهذا أن يوفى بكل يمين وأمان وبيع واجارة إذا لم يكن حراما. أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ اسم ما لم يسمّ فاعله أي أحل لكم أكلها والانتفاع بها. وبنو تميم يقولون: «بهيمة» .
إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ في موضع نصب بالاستثناء، وهو عند سيبويه بمنزلة المفعول، وعند أبي العباس بمعنى استثنيت. قال أبو إسحاق : لا يجوز إلا ما قاله سيبويه والذي قال أبو العباس لا يصحّ، وزعم الفراء : أنه يجوز الرفع بجعلها «إلا» العاطفة والنصب عنده بإن. غَيْرَ مُحِلِّي نصب على الحال مما في أوفوا. قال الأخفش:
أي يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود غير محلي الصيد، وقال غيره: حال من الكاف والميم، والتقدير: أحلّت لكم بهيمة الأنعام غير محلى الصيد، والأصل محلّين حذفت النون استخفافا وحذفت الياء في الوصل لالتقاء الساكنين. وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ابتداء وخبر. al-Nahhas 1/255al-Nahhas 1/255
إِنَّ اللَّهَ اسم «إنّ» يَحْكُمُ في موضع الخبر أي بين عباده. al-Nahhas 1/256al-Nahhas 1/256
Choose one book or more.