يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ١
Commentary
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، أتِمُّوا عهود الله الموثقة، من الإيمان بشرائع الدين، والانقياد لها، وأَدُّوا العهود لبعضكم على بعض من الأمانات، والبيوع وغيرها، مما لم يخالف كتاب الله، وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. وقد أحَلَّ الله لكم البهيمة من الأنعام، وهي الإبلُ والبقر والغنم، إلا ما بيَّنه لكم من تحريم الميتة والدم وغير ذلك، ومن تحريم الصيد وأنتم محرمون. إن الله يحكم ما يشاء وَفْق حكمته وعدله.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ يخوفهم يقول اخشوا ربكم الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعنى آدم وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها يعني من نفس آدم من ضلعه حواء، وإنما سميت حواء لأنها خلقت من حي آدم. قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً يَقُولُ وخلق من آدم وحواء رجالا كثيرًا ونساء، هُمْ ألف أمة وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ يَقُولُ تسألون بِاللَّه بعضكم ببعض الحقوق والحوائج واتقوا الأرحام أن تقطعوها وصلوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ١- يعنى حفيظا لأعمالكم وَآتُوا الْيَتامى يعني الأوصياء يعني أعطوا اليتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ يَقُولُ وَلا تتبدلوا الحرام من أموال اليتامى بالحلال من أموالكم، ولا تذرو الحلال وتأكلوا الحرام وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ يعني مع أموالكم، كقوله- سُبْحَانَهُ-: فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ يعني معي هَارُون إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً ٢- يعني إثما كبيرا بلغة الحبش، وَقَدْ كان أَهْل الْجَاهِلِيَّة يسمون الحوب الإثم. Muqatil ibn Sulayman 1/355Muqatil ibn Sulayman 1/355
نزلت فِي رَجُل من غطفان، يُقَالُ لَهُ المنذر بن رِفَاعة، كان معه مال كبير ليتيم وَهُوَ ابْن أَخِيهِ، فَلَمَّا بلغ طلب ماله، فمنعه فخاصمه إلى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فأمر، أن يرد عَلَيْه ماله، وقرأ عَلَيْه الآية. فَلَمَّا سمعها قَالَ: أطعنا اللَّه وأطعنا الرَّسُول، ونعوذ بِاللَّه من الحوب الكبير. فدفع إِلَيْهِ ماله فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «هكذا من يطع ربه- عَزَّ وَجَلّ- ويوق شح نفسه فَإنَّهُ يحل داره» يعني جنته. فلما قبض الفتن ماله أنفقه فى سبيل الله [٧٠ أ] قَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «ثبت الأجر وبقي الوزر» .
فقالوا للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «قَدْ عرفنا ثبت الأجر فكيف بقي الوزر، وَهُوَ ينفق فِي سبيل اللَّه؟ فَقَالَ: الأجر للغلام والوزر عَلَى والده
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى نزلت فِي خميصة بن الشمردل وذلك أن اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-:
أنزل إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً يعني بغير حق إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً فخاف المؤمنون الحرج فعزلوا كُلّ شيء لليتيم من طعام أَوْ لبن أَوْ خادم أَوْ ركوب فلم يخالطوهم فِي شيء منه فشق ذَلِكَ عليهم وعلى اليتامى فرخص اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- من أموالهم فِي الخلطة ، فَقَالَ: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فنسخ من ذَلِكَ الخلطة فسألوا النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عما لَيْسَ به بأس وتركوا أن يسألوه عما هُوَ أعظم منه، وذلك أنه كان يكون عند الرَّجُل سبع نسوة أو ثمان أَوْ عشر حرائر لا يعدل بينهن، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ- وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى يَقُولُ ألا تعدلوا فِي أمر اليتامى فخافوا الإثم فِي أمر النّساء، واعدلوا بينهن فذلك قوله- عَزَّ وَجَلّ-: فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ يعني ما يحل لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ وَلَم يطب فوق الأربع. ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: فَإِنْ خِفْتُمْ الإثم أَلَّا تَعْدِلُوا فى الاثنتين والثلاث والأربع فِي القسمة والنفقة فَواحِدَةً يَقُولُ فتزوج واحدة، وَلا تأثم فَإِن خفت أن لا تحسن إلى تِلْكَ الواحدة أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من الولائد فاتخذ منهن ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا- ٣- يَقُولُ ذَلِكَ أجدر ألا تميلوا عن الحق فِي الواحدة وَفِي إتيان الولائد بعضهم عَلَى بعض، ولما نزلت مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ Muqatil ibn Sulayman 1/356Muqatil ibn Sulayman 1/356
كان يومئذ تحت قَيْس بن الْحَارِث ثمان نسوة، فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: خل سبيل أربعة منهن، وأمسك أربعة. فَقَالَ للتي يريد إمساكها: أقبلي. وللتي لا يريد إمساكها: أدبري فأمسك أربعة وطلق أربعة
وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً وذلك أن الرَّجُل كان يتزوج بغير مهر. فيقول: أرثك وترثيني وتقول المرأة: نعم فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وَآتُوا النِّساءَ يعني أعطوا الأزواج النّساء صَدُقاتِهِنَّ يعني مهورهن نِحلة يعني فريضة فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ يعني أحللن لَكُمْ يعني الأزواج عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ [٧٠ ب] يعنى المهر نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً- ٤- يعني حلالا مريئا يعني طيبا وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ يعني الجهال بموضع الحق فِي الأموال يعني لا تعطوا نساءكم وأولادكم أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً يعني قواما لمعاشكم فإنهن سفهاء يعني جهالا بالحق نظيرها فى البقرة سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً وَلا يدري الصغير ما عَلَيْه من الحق فِي ماله وَلَكِن وَارْزُقُوهُمْ فِيها يَقُولُ أعطوهم منها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً- ٥- يعني العدة الحسنة أني سأفعل، وكنت أَنْت القائم على مالك . وَابْتَلُوا الْيَتامى يَقُولُ اختبروا عقولهم حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ يعنى الحلم فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً معشر الأولياء والأوصياء صلاحا فِي دينهم وحفظا لأموالهم فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ التي معكم وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً يعني بغير حق وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا يَقُولُ يبادر أكلها خشية أن يبلغ اليتيم الحلم فيأخذ منه ماله، ثُمّ رخص للذي معه مال اليتيم، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ عن أموالهم وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ يعنى بالفرض فَإِن أيسر رد عَلَيْه، وإلا فلا إثم عَلَيْه فَإِذا دَفَعْتُمْ يعني الأولياء والأوصياء إِلَيْهِمْ يعني إلى اليتامى أَمْوالَهُمْ إذا احتلموا فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ بالدفع إليهم وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً- ٦- يعني شهيدا فلا شاهد أفضل من اللَّه بينكم وبينهم، نزلت فِي ثَابِت بن رِفَاعة وعمه وذلك أن رِفَاعة تُوُفّي وترك ابنه ثَابِت فولي ميراثه، فنزلت فيه وَابْتَلُوا الْيَتامى يقول واختبروا يعني به عم ثابت بن رفاعة «اليتامى» يعني ثَابِت بن رِفَاعة. الآية كلها حَتَّى قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً وقوله- سُبْحَانَهُ-: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ نزلت فِي أوس بن مَالِك الْأَنْصَارِيّ وذلك أن أوس بن مالك الأنصاري تُوُفّي وترك امرأته أم كحة الأنصارية، وترك ابنتين إحداهن صفية وترك ابني عمّه عرفطة وسويد ابني الحارث «فلم يعطياها وَلا ولداها شيئًا » من الميراث. وكان أهل الْجَاهِلِيَّة لا يورثون النّساء وَلا الولدان الصغار شيئًا ويجعلون الميراث لذوي الأسنان منهم، فانطلقت أم كحة وبناتها إلى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقالت: إن أباهن تُوُفّي، وإن سُوَيْد بن الْحَارِث، وعرفطة منعاهن حقهن من الميراث. فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فِي أم كحة وبناتها لِلرِّجالِ نَصِيبٌ يعنى حظا [٧١ أ] وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ يعنى حظا مِمَّا قَلَّ مِنْهُ يعني من الميراث أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً- ٧- يعني حظا مفروضا يعني معلوما فأخذت أم كحة الثمن وبناتها الثلثين وبقيته لسويد وعرفطة وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ يعني قسمة المواريث فيها تقديم . Muqatil ibn Sulayman 1/357Muqatil ibn Sulayman 1/357
وإذا حضر أُولُوا الْقُرْبى يعني قرابة الميت وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ قسمة المواريث فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ يعني فأعطوهم من الميراث وإن قل وليس بموقت هَذِهِ قبل قسمة المواريث وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً- ٨- يَقُولُ- سُبْحَانَهُ- إن كَانَت الورثة صغارا فليقل أولياء الورثة لأهل هَذِهِ القسمة: إن بلغوا أمرناهم أن يدفعوا حقكم ويتبعوا وصية ربهم- عز وجل- وإن ماتوا وورثناهم وأعطيناكم حقكم فهذا القول المعروف يعني العدة الحسنة، ثُمّ قَالَ- عَزَّ وَجَلّ-:
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً فهو الرَّجُل يحضر الميت فيقول لَهُ قدِم لنفسك أوص لفلان وفلان حَتَّى يوصي بعامة ماله فيزيد عَلَى الثلث فنهى اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- عن ذَلِكَ فَقَالَ: وليخش الَّذِين يأمرون الميت بالوصية بأكثر من الثلث، فليخش عَلَى ورثة الميت الفاقة والضيعة، كَمَا يخشى عَلَى ذريته الضعيفة من بعده، فكذلك لا يأمر الميت بما يؤثمه فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً يعني عجزة لا حيلة لهم نظيرها فِي البقرة . Muqatil ibn Sulayman 1/359Muqatil ibn Sulayman 1/359
خافُوا عَلَيْهِمْ الضيعة فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا إذا جلسوا إلى الميت قَوْلًا سَدِيداً- ٩- يعني عدلا فليأمره بالعدل فِي الوصية فلا يحرفها وَلا يجر فيها إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً بغير حق إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً- ١٠- وذلك أن خازن النار يأخذ شفتيه وهما أطول من مشفري البعير وطول شفتيه أربعون ذراعا إحداهما بالغة عَلَى منخره، والأخرى عَلَى بطنه فيلقمه جمر جَهَنَّم ثُمّ يقول كُل بأكلك أموال اليتامى ظلما. فنسخت هَذِهِ الآية وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
، وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فرخص فِي المخالطة وَلَم يرخص فِي أكل أموال اليتامى ظلما. ثُمّ بين قسمة المواريث بين الورثة. فَقَالَ- عَزَّ وَجَلّ- يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ يعني بنات أم كحة فَلَهُنَّ ثُلُثا مَا تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ ابنة واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ [٧١ ب] الميت إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ وبقية المال للأب فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ وما بقي فللأب مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ يعني إلى الثلث أَوْ دين عَلَيْه فَإنَّهُ يبدأ بالدين من ميراث الميت بعد الكفن ثُمّ الوصية بعد ذَلِكَ ثُمّ الميراث. Muqatil ibn Sulayman 1/360Muqatil ibn Sulayman 1/360
آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً يعني فِي الآخرة فيكون معه فِي درجته، وذلك أن الرَّجُل يَكُون عمله دون عمل ولده أَوْ يَكُون عمله دون عمل والده، فيرفعه اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فِي درجته لتقر أعينهم. ثُمّ قَالَ فِي التقديم لهذه القسمة فَرِيضَةً ثابتة مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً- ١١- فِي الميراث «حَكِيماً» حكم قسمته. وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إذا متن إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ عليهم. ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ بعد الموت من الميراث إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ من المال مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ ثُمّ قَالَ- عَزَّ وَجَلّ-: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ فيها تقديم يُورَثُ كَلالَةً والكلالة الميت يموت، وليس لَهُ وَلَد وَلا والد وَلا جد وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ فهم الإخوة لأم والذكر والأنثى فِي الثلث سواء وَلا يوصي لوارث وَلا يقر بحق لَيْسَ عَلَيْه مضارة للورثة فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ يعني هَذِهِ القسمة فريضة من اللَّه وَاللَّهُ عَلِيمٌ بالضرار يعني من يضار فِي أمر الميراث حَلِيمٌ- ١٢- حين لا يعجل عليهم بالعقوبة تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يعني هَذِهِ القسمة فريضة من اللَّه وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فى قسمة المواريث يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها لا يموتون وَذلِكَ الثواب الْفَوْزُ الْعَظِيمُ- ١٣- وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِي قسمة المواريث فلم يقسمها وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يعني يخالف أمره وقسمته إلى غيرها يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ- ١٤- يعني الهوان. فَلَمَّا فرض اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- لأم كحة وبناتها انطلق سُوَيْد وعرفطة وعيينة بن حصن إلى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم [٧٢ أ] ، فقالوا: إن المرأة لا تركب فرسا وَلا تجاهد، وليس عِنْد الصبيان الصغار منفعة فِي شيء. فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فِي ذَلِكَ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ يعني ما بين فِي قسمة المواريث فِي أول السورة ويفتيكم فِي بنات أم كحة فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ (مَا كُتِبَ لَهُنَّ) وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ... إلى قوله- سُبْحَانَهُ-: فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً . Muqatil ibn Sulayman 1/361Muqatil ibn Sulayman 1/361
قوله- سُبْحَانَهُ-: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ يعني المعصية وهي الزنا وهي المرأة الثيب تزني ولها زوج فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ عدولا فَإِنْ شَهِدُوا عليهن بالزنا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ وإن كان لها زوج وَقَدْ زنت أَخَذَ الزوج المهر منها من غَيْر طلاق وَلا حد وَلا جماع وتحبس فِي السجن حَتَّى تموت أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا- ١٥- يعني مخرجا من الحبس وَهُوَ الرجم يعني الحد فنسخ الحد فى سورة النور الحبس فِي البيوت. ثُمّ ذكر البكرين اللذين لَمْ يحصنا فقال- عز وجل-: Muqatil ibn Sulayman 1/362Muqatil ibn Sulayman 1/362
وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ يعني الفاحشة وَهُوَ الزنا منكم فَآذُوهُما باللسان يعني بالتعيير والكلام القبيح، بما عملا وَلا حبس عليهما لأنهما بكران فيعيران ليندما ويتوبا يَقُولُ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: فَإِنْ تابا من الفاحشة وَأَصْلَحا العمل فيما بقي فَأَعْرِضُوا عَنْهُما يعني فلا تسمعوهما الأذى بعد التوبة إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً- ١٦- ثُمّ أنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فِي البكرين فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ فنسخت هَذِهِ الآية التي فِي النور الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
فَلَمَّا أمر اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- بالجلد قَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: اللَّه أكبر، جاء اللَّه بالسبيل البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، فأخرجوا من البيوت فجلدوا مائة، وحدوا فلم يحبسوا .
فذلك قوله- عَزَّ وَجَلّ- أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا يعنى مخرجا من الحبس «يجلد البكر ورجم المحصن» إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ يعني التجاوز عَلَى اللَّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ فكل ذنب يعمله الْمُؤْمِن فهو جهل منه ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ يعني قبل الموت فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعني يتجاوز عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً- ١٧- وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ يعني الشرك حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ فلا توبة له عند الموت وَلَا توبة الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً- ١٨- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [٧٢ ب] Muqatil ibn Sulayman 1/363Muqatil ibn Sulayman 1/363
نزلت في محصن بن أبي قيس بن الأسلت الْأَنْصَارِيّ من بني الْحَارِث بن الخزرج، وَفِي امرأته هند بِنْت صبرة، وَفِي الأسود ابن خلف الجزاعى، وَفِي امرأته حبيبة بِنْت أَبِي طَلْحَة، وَفِي منظور بن يسار الفزاري وفى امرأته ملكة بِنْت خَارِجَة بن يَسَار المري، تزوجوا نساء آبائهم بعد الموت وكان الرَّجُل من الأَنْصَار «إذا مات لَهُ حميم» عمد الَّذِي يرث الميت وألقى عَلَى امرأة الميت ثوبا فيرث تزويجها رضيت أَوْ كرهت عَلَى مثل مهر الميت فأن ذهب المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عَلَيْهَا ثوبا فهي أحق بنفسها فأتين النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقلن: يا رَسُول اللَّهِ، ما يدخل بنا، وَلا ينفق علينا، لا نترك أن نتزوج. فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فِي هَؤُلاءِ النفر لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً
يعنى وهن كارهات، ولكن تزوجوهن برضى منهن، وكان أحدهم يَقُولُ: أنا أرثك لأني ولي زوجك، فأنا أحق بك. ثُمّ انقطع الكلام.
ثُمّ قَالَ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ كان الرَّجُل يفر بامرأته لتفتدى منه، وَلا حاجة لَهُ فيها يَقُولُ لا تحبسوهن لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ يَقُولُ ببعض ما أعطيتموهن من المهر ثُمّ رخص واستثنى إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يعني العصيان البين وَهُوَ النشوز فقد حلت الفدية إذا جاء العصيان من قبل المرأة. ثُمّ قَالَ- تبارك وتعالى-: وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ يَقُولُ صاحبوهن بإحسان فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ وأردتم فراقهن فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً- ١٩- يعنى فى الكره خيرا كثيرا يَقُولُ عسى الرَّجُل يكره المرأة فيمسكها عَلَى كراهية فلعل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- يرزقه منها ولدا ويعطفه عَلَيْهَا، وعسى أن يكرهها فيطلقها فيتزوجها غيره فيجعل اللَّه للذي يتزوجها فيها خيرا كثيرا، فيرزقه منها لطفا وولدا. ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: Muqatil ibn Sulayman 1/364Muqatil ibn Sulayman 1/364
وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ يَقُولُ وإن أراد الرَّجُل طلاق امرأته ويتزوج أخرى غيرها وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً يَقُولُ وآتيتم إحداهن من المهر قنطارا من ذهب، والقنطار ألف ومائتا دينار فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً إذا أردتم طلاقها يَقُولُ فَلَيْس لَهُ أن يضربها حَتَّى تفتدى منه يَقُولُ:
أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً- ٢٠- يعنى بينا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ تعظيما له [٧٣ أ] يعني المهر وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ يعني به الجماع وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً- ٢١- يعني بالميثاق الغليظ ما أمروا به من قوله- تبارك وتعالى- فيهن: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ والغلظ يعني الشديد وكل غليظ فِي القرآن يعني به الشديد.
وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ نزلت في محصن بن أبي قيس ابن الأسلت بن الأفلح الْأَنْصَارِيّ. وَفِي امرأته كبشة بنت معن بن معبد ابن عَدِيّ بن عَاصِم الأنصاري من الأوس من بنى خطمة ابن الأوس إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ لأن العرب كَانَتْ تفعل ذَلِكَ قبل التحريم، وذلك أن مِحْصَن مات أبوه فشد عَلَى امرأته فتزوجها، وَهُوَ مِحْصَن بن أبي قَيْس بن الأسلت الْأَنْصَارِيّ من بني الْحَارِث بن الخزرج وكبشة بِنْت معن بن مَعْبَد، وَفِي شريك وفى امرأته كحة إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً يعني معصية وَمَقْتاً يعني وبغضا وَساءَ سَبِيلًا- ٢٢- يعني وبئس المسلك وقَالَ- سُبْحَانَهُ-: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ لأن العرب كانوا ينكحون نساء الآباء، ثُمّ حرم النسب والصهر وَلَم يقل إِلا مَا قد سلف لأن العرب كَانَتْ لا تنكح النسب والصهر. وقال- عَزَّ وَجَلّ- فِي الأختين: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ لأنهم كانوا يجمعون بينهما ثُمّ بين ما حرم فَقَالَ- تَعَالَى ذكره- حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ فهذا النسب، ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: Muqatil ibn Sulayman 1/365Muqatil ibn Sulayman 1/365
وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ يعني جامعتم أمهاتهن فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ يَقُولُ إن لَمْ تكونوا جامعتم أمهاتهن فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ يقول فلا حرج عليكم فى تزويج البنات وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ يَقُولُ وحرم ما تزوج الابن الَّذِي خرج من صلب الرَّجُل- وَلَم يتبناه - فهذا الصهر وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فحرم جمعهما إِلَّا أن يَكُون إحداهما بملك فزوجها غيره فلا بأس إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ قبل التحريم إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً- ٢٣- لما كان من جماع الأختين قبل التحريم وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ يعني وكل امرأة أيضا فنكاحها حرام مَعَ ما حرم من النسب والصهر ثُمّ استثنى من المحصنات. فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من الحرائر مثنى وثلاث ورباع كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يعني فريضة اللَّه لَكُمْ بتحليل أربع وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ يعني ما وراء الأربع أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ لفروجهن غَيْرَ مُسافِحِينَ بالزنا علانية ثُمّ ذكر المتعة فقال: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجل مسمى [٧٣ ب] فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً يعني أعطوهن مهورهن وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ يَقُولُ لا حرج عليكم فيما زدتم من المهر وازددتم فِي الأجل بعد الأمر الأول إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً- ٢٤- فِي أمره نسختها آية الطلاق وآية المواريث ثُمّ إن رَسُول اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نهى عن المتعة بعد نزول هَذِهِ الآية مرارا، واللَّه- تَعَالَى- يَقُولُ: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: Muqatil ibn Sulayman 1/366Muqatil ibn Sulayman 1/366
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا يَقُولُ من لَمْ يجد منكم سعة من المال أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ يعني الحرائر فليتزوج من الإماء فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعنى الولائد فتزوجوا مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ يعني الولائد . ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ من غيره فيكره للعبد المسلم أن يتزوج وليدة من أَهْل الكتاب لأن ولده يصير عبدا فَإِن تزوجها وولدت لَهُ فَإنَّهُ يشتري من سيده رَضِيَ أَوْ كره، ويسعى فِي ثمنه بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ يتزوج هَذَا وليدة هَذَا، وهذا وليدة هَذَا. ثم قال- سبحانه-: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ يَقُولُ تزوجوا الولائد بإذن أربابهن وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ يَقُولُ وأعطوهن مهورهن بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ عفائف لفروجهن غَيْرَ مُسافِحاتٍ غَيْر معلنات بالزنا وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ يعني أخلاء فِي السر فيزني بها سرا فَإِذا أُحْصِنَّ يعني أسلمن فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ يَقُولُ فَإِن جئن بالزنا فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ يعنى خمسين جلدة نصف ما عَلَى الحرة إذا زنت ذلِكَ التزويج للولائد لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ يعني الإثم فِي دينه وَهُوَ الزنا وَأَنْ يعني ولئن تَصْبِرُوا عن تزويج الأمة خَيْرٌ لَكُمْ من تزويجهن وَاللَّهُ غَفُورٌ لتزويجه الأمة رَحِيمٌ- ٢٥- به حين رخص لَهُ فِي تزويجها إذا لَمْ يجد طولا يعني سعة فِي تزويج الحرة يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ يعني أن يبين لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ Muqatil ibn Sulayman 1/367Muqatil ibn Sulayman 1/367
يعني شرائع هدى من كان قبلكم من الْمُؤْمِنِين من تحريم النسب والصهر وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ يعنى ويتجاوز عنكم من نكاحكم يعنى من تزويجكم إياهن من قبل التحريم. وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ- ٢٦- وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ يعني به الزنا وذلك أن اليهود زعموا أن نكاح ابنة الأخت من الأب حلال فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: أَنْ تَمِيلُوا عن الحق مَيْلًا عَظِيماً- ٢٧- فِي استحلال نكاح ابنة الأخت من الأب يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ إذ رخص فى تزويج [٧٤ أ] الأمة لمن لَمْ يجد طولا لحرة، وذلك قوله- سبحانه-: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً- ٢٨- لا يصبر عن النكاح ويضعف عن تركه فلذلك أحل لهم تزويج الولائد لئلا يزنوا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ يَقُولُ لا تأكلوها إلا بحقها وَهُوَ الرَّجُل يجحد حق أَخِيهِ المسلم أَوْ يقتطعه بيمينه ثُمّ استثنى ما استفضل الرَّجُل من مال أَخِيهِ من التجارة فلا بأس. فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-:
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ يَقُولُ لا يقتل بعضكم بعضا لأنكم أَهْل دين واحد إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً- ٢٩- إذ نهى عن ذلك وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يعني الدماء والأموال جميعًا عُدْواناً وَظُلْماً يعني اعتداء بغير حق وظلما لأخيه فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً- ٣٠- يقول كان عذابه على الله هينا. ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ من أول هذه السورة إلى هذه الآية نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ يعني ذنوب ما بين الحدين وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً- ٣١- يعني حسنا وهي الجنة لما نزلت لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ قالت النساء: لَم هَذَا؟ نَحْنُ أحق أن يَكُون لنا سهمان ولهم سهم لأنا ضعاف الكسب والرجال أقوى عَلَى التجارة والطلب والمعيشة مِنَّا، فإذا لَمْ يفعل اللَّه ذَلِكَ بنا فإنا نرجو أن يَكُون الوزر عَلَى نحو ذَلِكَ علينا وعليهم فأنزل اللَّه فِي قولهم كنا نحن أحوج إلى سهمين، قول- سُبْحَانَهُ-: Muqatil ibn Sulayman 1/368Muqatil ibn Sulayman 1/368
وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ يَقُولُ فضل الرجال عَلَى النّساء فِي الميراث، ونزل فِي قولهن نرجو أن يَكُون الوزر عَلَى نحو ذَلِكَ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ يعني حظا مِمَّا اكْتَسَبُوا من الإثم وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ يعني حظا مِمَّا اكْتَسَبْنَ من الإثم وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ يعني الرجال والنساء إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ من قسمة الميراث عَلِيماً- ٣٢- به وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ يعني العصبة:
بني العم والقربى مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ كان الرَّجُل يرغب فِي الرَّجُل فيحالفه ويعاقده عَلَى أن يَكُون معه وَلَهُ من ميراثه كبعض ولده. فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية آية المواريث وَلَم يذكر أَهْل العقد فأنزل اللَّه- عز وجل- وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ يقول أعطوهم الَّذِي سميتم لهم من الميراث إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من أعمالكم شَهِيداً- ٣٣- إن أعطيتم نصيبهم أَوْ لَمْ تعطوهم فلم يأخذ هَذَا الرَّجُل شيئًا حتى نزلت وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فنسخت هذه الآية وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ قوله- عَزَّ وَجَلّ-: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ [٧٤ ب] Muqatil ibn Sulayman 1/369Muqatil ibn Sulayman 1/369
نزلت فِي سعد بن الرَّبِيع بن عمرو من النقباء وَفِي امرأته حبيبة بِنْت زَيْد بن أَبِي زهير وهما من الأَنْصَار من بني الْحَارِث بن الخزرج وذلك أَنَّهُ لطم امرأته فأتت أهلها فانطلق أبوها معها إلى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ:
أنكحته وأفرشته كريمتي فلطمها. فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لتقتص من زوجها فأتت مَعَ زوجها لتقتص منه. ثُمّ قَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
ارجعوا هَذَا جبريل- عَلَيْه السَّلام- قَدْ أتاني
وَقَدْ أنزل اللَّه- عَزَّ وجل-:
الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ. يَقُولُ مسلطون عَلَى النّساء بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وذلك أن الرَّجُل لَهُ الْفَضْل عَلَى امرأته فى الحق وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ يعني وفضلوا بما ساق إليها من المهر فهم مسلطون فِي الأدب والأخذ عَلَى أيديهن فَلَيْس بين الرَّجُل وَبَيْنَ امرأته قصاص إِلَّا فِي النَّفْس والجراحة.
فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِنْد ذَلِكَ: أردنا أمرا وأراد اللَّه أمرا وَالَّذِي أراد اللَّه خيرًا.
ثُمّ نعتهن فقال- سبحانه-: فَالصَّالِحاتُ فِي الدّين قانِتاتٌ يعني مطيعات لَهُ ولأزواجهن حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ لغيبة أزواجهن فِي فروجهن وأموالهم بِما حَفِظَ اللَّهُ يعني بحفظ اللَّه لهن، ثُمّ قَالَ: وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ يعني تعلمون عصيانهن من نسائكم يعني سعدا . يَقُولُ تعلمون معصيتهن لأزواجهن فَعِظُوهُنَّ بِاللَّه فَإِن لم يقبلن العظة وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ يَقُولُ لا تقربها للجماع، فَإِن رجعت إلى طاعة زوجها بالعظة والهجران وإلا وَاضْرِبُوهُنَّ ضربا غَيْر مبرح يعني غَيْر شائن فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا يعنى عللا . يقول لا تكلفها من الحب لك ما لا تطيق إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا يعني رفيعا فوق خلقه كَبِيراً- ٣٤- وَإِنْ خِفْتُمْ يعني علمتم شِقاقَ بَيْنِهِما يعني خلاف بَيْنَهُمَا بين سعد وامرأته، وَلَم يتفقا، وَلَم يدر من قبل من منهما النشوز من قبل الرَّجُل أَوْ من قبل المرأة؟ Muqatil ibn Sulayman 1/370Muqatil ibn Sulayman 1/370
فَابْعَثُوا يعني الحاكم يَقُولُ للحاكم فابعثوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها فينظرون فِي أمرهما فِي النصيحة لهما. إن كان من قبل النفقة أَوْ إضرار وعظا الرَّجُل. وإن كان من قبلها وعظاها لعل اللَّه أن يصلح عَلَى أيديهما فذلك قوله- عز وجل-: إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يعنى الحكمين يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما للصلح فَإِن لَمْ يتفقا وظنا أن الفرقة خير لهما فِي دينهما فرق الحكمان بَيْنَهُمَا برضاهما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بحكمهما خَبِيراً- ٣٥- بنصيحتهما فِي دينهما وَاعْبُدُوا اللَّهَ يعني وحدوا اللَّه وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً لأن أهل الكتاب [٧٥ أ] يعبدون اللَّه فِي غَيْر إخلاص فلذلك قَالَ الله: وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً من خلقه وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً يعني برا بهما وَبِذِي الْقُرْبى والإحسان إلى ذِي القربى: يعني صلته (و) الإحسان إلى الْيَتامى وَالْمَساكِينِ أن تتصدقوا عليهم والإحسان إلى وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى يعني جارا بينك وبينه قرابة وَالْجارِ الْجُنُبِ يعني من قوم آخرين وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ يَقُولُ الرفيق فِي السَّفَر والحضر وَابْنِ السَّبِيلِ يعني الضيف ينزل عليك أن تحسن إليه (و) إلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من الخدم وغيره وعن علي وعبد الله قالا: الصاحب بالجنب المرأة. فأمر اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- بالإحسان إلى هَؤُلاءِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا يعني بطرا مرحا فَخُوراً- ٣٦- فِي نعم اللَّه لا يأخذ ما أعطاه اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فيشكر الَّذِينَ يَبْخَلُونَ يعني رءوس اليهود وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وذلك أن رءوس اليهود كَعْب بن الأشرف وغيره كانوا يأمرون سفلة اليهود بكتمان أمر محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خشية «أن يظهروه ويبينوه. ومحوه من التوراة» وَيَكْتُمُونَ مَا آتاهُمُ اللَّهُ- عَزَّ وَجَلّ- يعني ما أعطاهم مِنْ فَضْلِهِ فِي التوراة من أمرُ محمدٍ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ونعتُه ثُمّ أخبر عما لهم فِي الآخرة. Muqatil ibn Sulayman 1/371Muqatil ibn Sulayman 1/371
فَقَالَ : وَأَعْتَدْنا يا محمد لِلْكافِرِينَ يعني لليهود عَذاباً مُهِيناً- ٣٧- يعني الهوان. ثُمّ أخبر عَنْهُمْ، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ يعني اليهود وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ يَقُولُ لا يصدقون بِاللَّه أَنَّهُ واحد لا شريك لَهُ، وَلا يصدقون بالبعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال، بأنه كائن وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً يعني صاحبا فَساءَ قَرِيناً- ٣٨- يعني فبئس الصاحب. ثُمّ قَالَ- عَزَّ وَجَلّ-: وَماذا عَلَيْهِمْ يعني وما كان عليهم لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعنى بالبعث وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ من الأموال فِي الْإِيمَان ومعرفته وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً- ٣٩- أنهم لن يؤمنوا إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ يعني لا ينقص وزن أصغر من الذرة من أموالهم وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً واحدة يُضاعِفْها حسنات كثيرة فلا أحد أشكر من اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً- ٤٠- يَقُولُ ويعطي من عنده فِي الآخرة جزاء كثيرًا وهي الجنة ثُمّ خوفهم، فَقَالَ- تَعَالَى-: فَكَيْفَ بهم إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ يعني نبيهم وَهُوَ شاهد عليهم بتبليغ الرسالة إليهم من ربهم وَجِئْنا بِكَ يا محمد عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً- ٤١- يعني كفار أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- بتبليغ الرسالة، ثُمّ أخبر عن كفار أمة محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وذلك بأنهم قَالُوا فِي الآخرة: وَاللَّهِ رَبِّنَا [٧٥ ب] ما كنا مشركين، فشهدت عليهم الجوارح بما كتمت ألسنتهم من الشرك، فودوا عِنْد ذَلِكَ أن الأرض انشقت فدخلوا فيها فاستوت عليهم وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً- ٤٢- يعنى الجوارح حين شهدت عليهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى Muqatil ibn Sulayman 1/372Muqatil ibn Sulayman 1/372
لما نزلت هَذِهِ الآية قَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: قَدْ قَدَّم اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- تحريم الخمر إلينا. وذلك أن عَبْد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ صنع طعاما، فدعا أبا بكر وعمر وعثمان وعلى وسعد بن أبى وقاص - رحمهم اللَّه جميعًا- فأكلوا وسقاهم خمرا فحضرت صلاة المغرب فأمهم عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب- رضي الله عنه- فقرأ: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ . فَقَالَ فِي قراءته نَحْنُ عابدون ما عبدتم فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فِي عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- وأصحابه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى Muqatil ibn Sulayman 1/373Muqatil ibn Sulayman 1/373
حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ فِي صلاتكم. فتركوا شربها إِلَّا من بعد صلاة الفجر إلى الضحى الأكبر فيصلون الأولى وهم أصحياء ثُمّ إن رَجُلا من الأنصار يسمى عتبان ابن مَالِك دعا سعد بن أبي وَقَّاص إِلَى رأس بعير مشوي فأكلا ثُمّ شربا فسكرا فغضب الْأَنْصَارِيّ فرفع لحي البعير فكسر أنف سعد، فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- تحريم الخمر فِي المائدة بعد غزوة الأحزاب ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ثُمّ استثنى المسافر الَّذِي لا يجد الماء فقال- سبحانه-: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ نزلت فِي عَبْد الرَّحْمَن بن عَوْف أصابته جنابة وَهُوَ جريح فشق عَلَيْه الغسل وخاف منه شرًا. أو يَكُون به قرح أَوْ جدري فهو بهذه المنزلة «فذاك قوله» سبحانه: «وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى» يعني به جرحا فوجدتم الماء فعليكم التيمم وإن كنتم عَلى سَفَرٍ وأنتم أصحاء نزلت فِي عَائِشَة أم الْمُؤْمِنِين - رَضِيَ اللَّه عَنْهَا- أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ يعنى الخلاء أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ يعني جامعتم فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا يَقُولُ الصحيح الَّذِي لا يجد الماء والمريض الَّذِي يجد الماء يتيمموا صَعِيداً طَيِّباً يعني حلالا طيبا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إلى الكرسوع إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا عنكم غَفُوراً- ٤٣- لما كان منكم قبل النهي عن السكر والصلاة والتيمم «بغير وضوء» وَقَدْ نزلت آية التيمم فِي أمر عَائِشَة- رَضِيَ اللَّه عَنْهَا- بين الصلاتين أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً يعني حظا ألم تر إِلَى فعل الَّذِين أعطوا نصيبا يعني حظا مِنَ الْكِتابِ يعني التوراة يَشْتَرُونَ [٧٦ أ] يعنى يختارون وهم اليهود منهم إصبع ، ورافع ابنا حريملة، وهما من أحبار اليهود يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ يعني باعوا إيمانا بمحمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قبل أن يبعث، بتكذيب بمحمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد بعثته وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ- ٤٤- يعني أن تخطئوا قصد طريق الهدى كَمَا أخطأوا الهدى نزلت فِي عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ، ومالك بن دخشم حين دعوهما إلى دين اليهودية وعيروهما بالإسلام وزهدوهما فِيهِ وفيهما نزلت وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ يعني بعداوتهم إياكم يعني اليهود وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا فلا ولي أفضل من اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً- ٤٥- فلا ناصر أفضل من اللَّه- جلَّ ذكره- وفيهما نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ ... إلى آخر الآيتين - نزلت فى عبد الله ابن أُبَيٍّ ومالك بن دخشم وَفِي بني حريملة مِنَ الَّذِينَ هادُوا يعنى اليهود يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ يعنى بالتحريف: نعت محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن مواضعه: عن بيانه فِي التوراة، ليا بألسنتهم- وَيَقُولُونَ للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَمِعْنا قولك وَعَصَيْنا أمرك فلا نطيعك وَاسْمَعْ مِنَّا يا محمد نحدثك غَيْرَ مُسْمَعٍ منك قولك يا محمد. غَيْر مقبول ما تقول وَراعِنا يعني ارعنا سمعك لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ يعني دين الْإِسْلام يقولون إن دين محمد لَيْسَ بشيء وَلَكِن الَّذِي نَحْنُ عَلَيْه هُوَ الدين. يقول الله- عز وجل-: Muqatil ibn Sulayman 1/374Muqatil ibn Sulayman 1/374
وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا قولك وَأَطَعْنا أمرك وَاسْمَعْ مِنَّا وَانْظُرْنا حَتَّى نحدثك يا محمد لَكانَ خَيْراً لَهُمْ من التحريف والطعن فِي الدّين ومن راعنا وَأَقْوَمَ يعني وأصوب من قولهم الَّذِي قَالُوا: وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا- ٤٦- والقليل الَّذِي آمنوا به: إذ يعلمون أن اللَّه ربهم، وَهُوَ خالقهم ورازقهم، ويكفرون بمحمد- صلى الله عليه وسلم- وبما جاء به نزلت فِي رفاعة بن زَيْد بن السّائب، ومالك بن الضيف، وكعب بن أُسَيْد، كلهم يهود مثلها فى آخر السورة. ثم خوفهم فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني كَعْب بن الأشرف يعني الَّذِين أعطوا التوراة آمِنُوا بِما نَزَّلْنا يعني بما أنزل اللَّه من القرآن عَلَى محمد مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ يَقُولُ تصديق محمد معكم فِي التوراة أَنَّهُ نَبِيّ رسول مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً يَقُولُ نحول الملة عن الهدى والبصيرة التي- كانوا عَلَيْهَا من إيمان بمحمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قبل أن يبعث فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها بعد الهدى الَّذِي كانوا عَلَيْه كفارا ضلالا أَوْ نَلْعَنَهُمْ يعني نعذبهم كَما لَعَنَّا يعني كما عذبنا أَصْحابَ السَّبْتِ يقول فنمسخهم [٧٦ ب] قردة كَمَا فعلنا بأوائلهم وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا- ٤٧- يَقُولُ أمره كائن لا بد. هَذَا وعيد إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ فيموت عَلَيْه يعني اليهود وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ الشرك لِمَنْ يَشاءُ لمن مات موحدا فمشيئته- تبارك وتعالى- لأهل التوحيد.
قَالَ: حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بن ثَابِت، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي «عن» الهذيل عن مقاتل ابن سُلَيْمَان عن رَجُل عن مُجَاهِد أن الاستثناء لأهل التوحيد وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ معه غيره فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً - ٤٨- يَقُولُ فقد قَالَ ذنبا عظيما أَلَمْ تَرَ يعني ألم تنظر إِلَى يعني فعل الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ يعنى اليهود Muqatil ibn Sulayman 1/377Muqatil ibn Sulayman 1/377
منهم بحرى ابن عمرو، ومرحب بن زَيْد دخلوا بأولادهم إلى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقالوا: أَهْل لهؤلاء ذنوب؟ فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لا. فقالوا:
وَالَّذِي تحلف به ما نَحْنُ إِلَّا كهيئتهم نَحْنُ أبناء اللَّه وأحباؤه، وما من ذنب نعمله بالنهار إِلَّا غفر لنا بالليل، وما من ذنب نعمله بالليل إِلَّا غفر لنا بالنهار، فزكوا أنفسهم،
يَقُولُ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ يعني يصلح من يشاء من عباده وَلا يُظْلَمُونَ يعني وَلا ينقصون من أعمالهم»
فَتِيلًا- ٤٩- يعني الأبيض الَّذِي يَكُون فِي شق النواة من الفتيل يَقُولُ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: يا محمد انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لقولهم نَحْنُ أبناء اللَّه وأحباؤه، وَكَفى بِهِ يعني بما قَالُوا إِثْماً مُبِيناً- ٥٠- يعني بينا أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ وذلك أن كَعْب بن الأشرف اليهودي وكان عربيا من طيئ، وحيى ابن أخطب انطلقا فِي ثلاثين من اليهود إلى مكة بعد قتال أحد، فَقَالَ أَبُو سُفْيَان ابن حرب: إن أحبّ الناس إلينا من يعيننا عَلَى قتال هَذَا الرَّجُل حَتَّى نفنى أَوْ يفنوا، فنزل كَعْب عَلَى أَبِي سُفْيَان فأحسن مثواه، ونزلت اليهود فِي دور قريش. فَقَالَ كعب لأبى سفيان: ليجيء منكم ثلاثون رَجُلا ومنا ثلاثون رَجُلا، فنلصق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب هَذَا البيت لنجتهدن عَلَى قتال محمد، ففعلوا ذلك. قَالَ أَبُو سفيان لكعب بن الأشرف: أَنْت امرؤ من أَهْل الكتاب تقرأ الكتاب فنحن أهدى أم ما عَلَيْه محمد. فَقَالَ: إلى ما يدعوكم محمد؟ قَالَ: إِلَى أن نعبد اللَّه وَلا نشرك به شيئًا. قَالَ: فأخبروني ما أمركم؟ وَهُوَ يعلم ما أمرهم. قَالُوا: ننحر الكوماء ، ونقري الضيف، ونفك العاني- يعني الأسير، ونسقي الحجيج الماء، ونعمر بيت ربنا، ونصل أرحامنا، ونعبد إلهنا ونحن أهل الحرم. فقال كعب: أنتم واللَّه أهدى مما عَلَيْه محمد فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَقُولُ أعطوا حظا من التوراة يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ يعنى حيى بن أخطب القرظي وَالطَّاغُوتِ [٧٧ أ] وكعب بن الأشرف وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا من أَهْل مكة هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا- ٥١- يعنى طريقا. يقول الله أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ يعني كعبا وأصحابه وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً- ٥٢- فَلَمَّا رجع كَعْب إلى المدينة بعث النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى نفر من أصحابه بقتله فقتله محمد بن مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيّ من بنى حارثة بن الحاراث تِلْكَ الليلة فَلَمَّا أصبح النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سار فِي الْمُسْلِمِين فحاصر أَهْل النضير حَتَّى أجلاهم من المدينة إلى أذرعات وأريحا من أرض الشام أَمْ لَهُمْ تَقُولُ ألهم والميم هاهنا صلة فلو كان لهم- يعنى اليهود- نَصِيبٌ يعنى حظ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً- ٥٣- يعني لا يعطون الناس من بخلهم وحسدهم وقلة خيرهم نقيرا يعني بالنقير النقرة التي فِي ظهر النواة التي ينبت منها النخلة أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ يعني النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وحده عَلى مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعني ما أعطاهم من فضله، وذلك أن اليهود قَالُوا انظروا إلى هَذَا الَّذِي لا يشبع من الطعام ماله هم إلا النساء يعنون النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فحسدوه عَلَى النُّبُوَّة وعلى كثرة النّساء، ولو كان نبيا ما رغب فِي النّساء يَقُولُ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ يعنى النبوة وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً- ٥٤- وكان يُوسُف منهم عَلَى مصر وداود وسليمان منهم، وكان لداود تسعة وتسعون امرأة وكان لسليمان ثلاثمائة امرأة حرة وسبعمائة سرية فكيف تذكرون محمدا فِي تسع نسوة وَلا تذكرون دَاوُد وسليمان- عليهما السَّلام- فكان هَؤُلاءِ أكثر نساء، وأكثر ملكا من محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ومُحَمَّد أيضا من آل إبراهيم وكان إبراهيم ولوطا، وإسحاق، وإسماعيل، ويعقوب- عليهم السَّلام- يعملون بما فِي صحف إِبْرَاهِيم فَمِنْهُمْ يعني من آل إبراهيم مَنْ آمَنَ بِهِ يَقُولُ صدق بالكتاب الَّذِي جاء به وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ يعني أعرض عن الْإِيمَان بالكتاب وَلَم يصدق به وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً- ٥٥- يَقُولُ وكفى بوقودها وعذابها وقودا لمن كفر بكتاب إِبْرَاهِيم فلا وقود أحر من جَهَنَّم لأهل الكفر ثُمّ أخبر بمستقر الكفار. فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني اليهود بِآياتِنا يعني القرآن سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ يعنى احترقت جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها جددنا لهم جلودا غيرها وذلك أن النار إذا أكلت جلودهم بدلت كُلّ يوم سبع مرات عَلَى مقدار كُلّ يوم من أيام الدُّنْيَا (لِيَذُوقُوا الْعَذابَ) عذاب النار جديدا إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً [٧٧ ب] فى نقمته حَكِيماً- ٥٦- حكم لهم النار ثم أخبر بمستقر الْمُؤْمِنِين، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ يعني البساتين تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يموتون، لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ يعني النّساء مُطَهَّرَةٌ يعني المطهرات من الحيض والغائط والبول والقذر كله وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا يعني أكنان القصور ظَلِيلًا- ٥٧- يعني لا خلل فيها إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها نزلت فى عثمان ابن طَلْحَة بن عَبْد اللَّه الْقُرَشِيّ ، صاحب الكعبة فِي أمر مفاتيح الكعبة وذلك Muqatil ibn Sulayman 1/378Muqatil ibn Sulayman 1/378
أن الْعَبَّاس بن عَبْد الْمُطَّلِب- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- قَالَ للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
اجعل فينا السقاية والحجابة، لنسود بها الناس، وَقَدْ كان أَخَذَ المفتاح من عُثْمَان حين افتتح مكة. فَقَالَ عُثْمَان بن طَلْحَة للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إن كُنْت تؤمن بِاللَّه واليوم الآخر فادفع إليّ المفتاح» . فدفع النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المفتاح ثُمّ أخذه ثلاث مرات ثُمّ إن النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- طاف بالبيت فأنزل اللَّه- تبارك وتعالى- إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لعثمان: خذه بأمانة اللَّه حين دفع إِلَيْهِ المفتاح.
فَقَالَ الْعَبَّاس- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: جعلت السقاية فينا والحجابة لغيرنا. فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أما ترضون أني جعلت لَكُمْ ما تدرون، ونحيت عنكم ما لا تدرون، ولكم أجر ذَلِكَ. قَالَ الْعَبَّاس: بلى. قَالَ: بشرفهم بذَلِكَ أَيّ تفضلون عَلَى الناس، وَلا يفضل الناس عليكم. Muqatil ibn Sulayman 1/381Muqatil ibn Sulayman 1/381
ثُمّ قَالَ- عَزَّ وَجَلّ-: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً- ٥٨- فلا أحد أسمع منه «بصيرا» فلا أحد أبصر منه فكان من العدل أن دفع السقاية إلى الْعَبَّاس بن عَبْد الْمُطَّلِب والحجابة إلى عُثْمَان بن طَلْحَة لأنهما كانا أهلها فى الجاهلية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وذلك
أن النبي- صلى الله عليه وسلم- بعث خَالِد بن الْوَلِيد عَلَى سرية فيهم عمار بن ياسر فساروا حَتَّى دنوا من الماء فعرسوا قريبا وبلغ العدو أمرهم فهربوا، وبقي منهم رَجُل فجمع متاعه، وجاء ليلا فلقي عمارا، فَقَالَ: يا أبا اليقظان، إن القوم سمعوا بكم، فهربوا وَلَم يبق غيري، وَقَدْ أسلمت، وشهدت ألا إله إِلَّا اللَّه وأن محمدا عبده ورسوله فهل الْإِسْلام نافعي.
فَقَالَ عمار: ينفعك فأقم فَلَمَّا أصبح خَالِد غار بخيله، فلم يجد إلا هذا الرجل وما له.
فَقَالَ عمار: خل عن هَذَا الرَّجُل وماله فقد أسلم وَهُوَ فِي أماني. قَالَ خَالِد: فيم أَنْت تجير دوني وأنا أمير عليك . فاستبا فلما رجعا إلى المدينة أجاز [٧٨ أ] النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية عَلَى أمير، فَقَالَ خَالِد:
يا نَبِيّ اللَّه يسبني هَذَا العبد الأجدع وشتم خَالِد عمارا. فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لخالد لا تسب عمارا فَمنْ سب عمارا سب اللَّه، ومن أبغض عمارا أبغضه اللَّه، ومن لعن عمارا لعنه اللَّه، فغضب عمار، فقام فذهب. فَقَالَ النبي- صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لخالد: قم فاعتذر إِلَيْهِ. فأتاه خَالِد فأخذ بثوبه، فاعتذر إِلَيْهِ، فأعرض عَنْهُ، فأنزل الله- عز وجل- فى عمار يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ يعني خَالِد بن الْوَلِيد Muqatil ibn Sulayman 1/382Muqatil ibn Sulayman 1/382
لأن النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان ولاه أمرهم فأمر اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- بطاعة أمراء سرايا رَسُول اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ من الحلال والحرام يعني خالدا وعمارا فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ يعنى إلى القرآن وإلى الرَّسُولَ يعني سنة النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: نظيرها فِي النور ثُمّ قَالَ: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ يعني تصدقون بِاللَّه بأنه واحد لا شريك لَهُ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني باليوم الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال فليفعل ما أمر اللَّه ذلِكَ الرد إليهما خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا- ٥٩- يعني وأحسن عاقبة أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا يعني صدقوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من القرآن وَصدقوا ب ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ من الكتاب على الأنبياء وذلك
أن بشر المنافق إلى كَعْب، ثُمّ إنهما اختصما إلى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقضى لليهودي عَلَى المنافق . فَقَالَ المنافق لليهودي: انطلق أخاصمك إلى عُمَر بن الخَطَّاب- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. فَقَالَ اليهودي لعمر- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: إني خاصمته إلى محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقضى لي فلم يرض بقضائه فزعم أَنَّهُ مخاصمني إليك. فَقَالَ عُمَر- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- للمنافق: أكذلك. قَالَ: نعم أحببت أن أفترق عن حكمك. فَقَالَ عُمَر- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ-: مكانك حَتَّى أخرج إليكما. فدخل عُمَر- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- فأخذ السيف، واشتمل عَلَيْه، ثُمّ خرج إلى المنافق فضربه حَتَّى برد. فَقَالَ عُمَر- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ-: هكذا أقضي عَلَى من لَمْ يرض بقضاء اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وقضاء رسوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأتى جبريل- عَلَيْه السَّلام- إلى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يا محمد قَدْ قتل عمر الرجل وفرق اللَّه بين الحق والباطل فسمي عُمَر- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- الفاروق فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فِي بشر المنافق أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ Muqatil ibn Sulayman 1/383Muqatil ibn Sulayman 1/383
يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ يعني كَعْب بن الأشرف وكان يتكهن وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ [٧٨ ب] يعنى أن يتبرأوا من الكهنة وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ عن الهدى ضَلالًا بَعِيداً- ٦٠- يعني طويلا وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فى كتابه وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يعنى بشرا يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً- ٦١- يعني يعرضون عنك يا محمد إعراضا إلى غيرك مخافة أن تحيف عليهم فَكَيْفَ بهم يعنى المنافقين: إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ فى أنفسهم بالقتل بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من المعاصي فِي التقديم، ثُمّ انقطع الكلام، ثُمّ ذكر الكلام، فَقَالَ- عَزَّ ذكره-: ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ نظيرها فى سورة براءة. إِنْ أَرَدْنا ببناء مسجد القرار إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً- ٦٢- يعني إِلَّا الخير والصواب وفيهم نزلت وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى يعني إِلَّا الخير وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فِي قولهم الَّذِي حلفوا به أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ من النفاق فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ بلسانك وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً- ٦٣- نسختها آية السيف وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ يعني إِلَّا لكي يطاع بِإِذْنِ اللَّهِ يَقُولُ لا يطيعه أحد حَتَّى يأذن اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- لَهُ فِي طاعة رسوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ بالذنوب يعني حين لَمْ يرضوا بقضائك جاءوك فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ من ذنوبهم وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً- ٦٤- فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وذلك Muqatil ibn Sulayman 1/385Muqatil ibn Sulayman 1/385
أن الزُّبَير بن الْعَوَّام- رَضِيَ اللَّه عنه- «وهو» من بنى أسد ابن عَبْد العزى، وحاطب بن أَبِي بلتعة العنسي من مذحج وهو حليف لبنى أسد ابن عَبْد الْعُزَّى، اختصما إلى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الماء وكانت أرض الزُّبَير فوق أرض حاطب، وجاء السيل. فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- للزبير: «اسق، ثُمّ أرسل الماء إلى جارك» . فغضب حاطب وقَالَ للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أما إنَّه ابْن عمتك. فتغير وجه النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ومر حاطب عَلَى المقداد بن الأسود الكِنْديّ، فَقَالَ: يا أبا بلتعة لمن كان القضاء، فَقَالَ: قضى لِابْن عمته، ولوي شدقه فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فأقسم «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ» حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ يعني اختلفوا بينهم يَقُولُ لا يستحقون الْإِيمَان حَتَّى يرضوا بحكمك فيما اختلفوا فِيهِ من شيء ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ يَقُولُ لا يجدون فِي قلوبهم شكا مما قضيت أَنَّهُ الحق وَيُسَلِّمُوا لقضائك لهم وعليهم تَسْلِيماً- ٦٥-.
فقالت اليهود: قاتل اللَّه هَؤُلاءِ، ما أسفههم! يشهدون أن محمدا رسول اللَّه ويبذلون لَهُ دماءهم وأموالهم، ووطئوا عقبه، ثُمّ يتهمونه فى القضاء، فوالله لقد أمرنا موسى- عليه السلام- [٧٩ أ] فِي ذنب واحد أتيناه فقتل بعضنا بعضا فبلغت القتلى سبعين ألفا حَتَّى رضي اللَّه عنا، وما كان يفعل ذَلِكَ غيرنا، فَقَالَ: Muqatil ibn Sulayman 1/386Muqatil ibn Sulayman 1/386
عِنْد ذَلِكَ ثَابِت بن قَيْس بن شَمَّاس الْأَنْصَارِيّ: فوالله، إن اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- ليعلم أَنَّهُ لو أمرنا أن نقتل أنفسنا لقتلناها. فانزل الله- عز وجل- في قول ثابت:
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا يَقُولُ لو أَنَا فرضنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ فكان من ذَلِكَ القليل عمار بن ياسر وعبد اللَّه بن مَسْعُود وثابت بن قَيْس، فقال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: واللَّه لو فعل ربنا لفعلنا.
فالحمد للَّه الذيّ لَمْ يفعل بنا ذَلِكَ.
فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَالَّذِي نفسي بيده للإيمان أثبت فِي قلوب الْمُؤْمِنِين من الجبال الرواسي.
ثُمّ قال: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ من القرآن لَكانَ خَيْراً لَهُمْ فِي دينهم وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً- ٦٦- يعني تصديقا فِي أمر اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا يعني من عندنا أَجْراً عَظِيماً- ٦٧- يعني الجنة وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً- ٦٨-
فَلَمَّا نزلت «إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ» قَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ-: «لعمار بن ياسر، وعبد اللَّه بن مَسْعُود، وثابت بن الشماس من أولئك القليل» وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ نزلت فِي رَجُل من الأَنْصَار يسمى عَبْد اللَّه بن زَيْد بن عَبْد ربه الْأَنْصَارِيّ قَالَ للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَهُوَ الَّذِي رَأَى الأذان فِي المنام مَعَ عُمَر بن الخَطَّاب- رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا» : إذا خَرَجْنَا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك فلم ينفعنا شيء حَتَّى نرجع إليك، فَذَكَرَتْ درجاتك فِي الجنة، فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة . فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ بالنبوة وَالصِّدِّيقِينَ بالتصديق وهم أول من صدق بالأنبياء- عليهم السَّلام- حين عاينوهم وَالشُّهَداءِ يعني القتلى فِي سبيل اللَّه بالشهادة وَالصَّالِحِينَ يعني المؤمنين أهل الجنة وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً- ٦٩- ذلِكَ يعني هَذَا الثواب هُوَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً- ٧٠- فَلَمَّا تُوُفّي النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أتاه ابنه وَهُوَ فِي حديقة لَهُ فَأَخْبَرَه بموت النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ عِنْد ذَلِكَ: اللَّهُمَّ اعمني فلا أرى شيئًا بعد حبيبي أبدا. فعمي مكانه وكان يحب النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حبا شديدا فجعله اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- مَعَ النَّبِيّ- صَلَّى الله عليه وسلم- فى الجنة . Muqatil ibn Sulayman 1/387Muqatil ibn Sulayman 1/387
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ يعني عدتكم من السلاح فَانْفِرُوا ثُباتٍ عصبا سرايا «جماعة» إلى عدوكم أَوِ انْفِرُوا إليهم جَمِيعاً- ٧١- مَعَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إذا نفر [٧٩ ب] وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ يعني ليتخلفن النفر. نزلت فِي عَبْد اللَّه بن أُبَيّ بن ملك بن أَبِي عَوْف بن الخزرج رأس المنافقين فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ يعني بلاء من العدو أَوْ شدة من العيش قالَ المنافق قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً- ٧٢- يعني شاهدا فيصيبني من البلاء ما أصابهم. وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ يعني رزق مِنَ اللَّهِ- عَزَّ وَجَلّ- يعني الغنيمة لَيَقُولَنَّ ندامة فِي التخلف كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ فى الدين والولاية يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً- ٧٣- فألحق من الغنيمة نصيبا وافرا. فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فيقتل فِي سبيله أَوْ يغلب عدوه فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً- ٧٤- فِي الجنة Muqatil ibn Sulayman 1/388Muqatil ibn Sulayman 1/388
لقولهم للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إن نقاتل فنقتل وَلا نقتل؟
فنزلت هَذِهِ الآية
فأشركهم جميعًا فِي الأجر وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وتقاتلون عن وَالْمُسْتَضْعَفِينَ يعني المقهورين مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ المقهورين بمكة حَتَّى يتسع الأمر ويأتي إِلَى الْإِسْلام من أراد منهم ثُمّ أخبر عَنْهُمْ فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ يعني مكة الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يعني من عندك وليا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً- ٧٥- عَلَى أَهْل مكة والمستضعفين من الرجال يعني الْمُؤْمِنِين قَالَ ابْن عَبَّاس- رحِمَه اللَّه: كُنْت أنا وأمي من المستضعفين من النّساء والولدان.
ثُمّ قَالَ: الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني طاعة اللَّه وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ يعني فِي طاعة الشَّيْطَان ثُمّ حرض اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- الْمُؤْمِنِين فَقَالَ: فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ يعني المشركين بمكة إِنَّ كَيْدَ يعني إن مكر الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً- ٧٦- يعني واهنا كقوله- سُبْحَانَهُ-:
مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ يعني مضعف كيد الكافرين. فسار النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى مكة ففتحها وَجَعَل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- للمستضعفين مخرجا أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ عن القتال. نزلت فِي عَبْد الرَّحْمَن بن عَوْف وسعد بن أَبِي وَقَّاص- رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا- وهما من بني زهرة وقدامة بن مظعون الْجُمَحِيّ والمقداد بن الأسود الكِنْديّ- رَضِيَ اللَّه عَنْهُم- وذلك Muqatil ibn Sulayman 1/389Muqatil ibn Sulayman 1/389
أنهم استأذنوا فِي قتال كفار مكة سرا، مما كانوا يلقون منهم من الأذى فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مهلا كفوا أيديكم عن قتالهم
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَإِنِّي لَمْ أومر بقتالهم، فَلَمَّا [٨٠ أ] هاجر النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى المدينة أمر اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- بالقتال فكره بعضهم فذلك قوله- عَزَّ وَجَلّ-: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ يعني فرض القتال بالمدينة إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ نزلت فِي طَلْحَة بن عُبَيْدُ اللَّهِ- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- يَخْشَوْنَ النَّاسَ يعني كفار مكة كَخَشْيَةِ اللَّهِ فلا يقاتلونهم أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا وَهُوَ الَّذِي قَالَ: رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ يعني لَم فرضت علينا القتال لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ هلا تركتنا حَتَّى نموت موتا وعافيتنا من القتل قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ تتمتعون فيها يسيرا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ من الدُّنْيَا يعني الجنة أفضل من الدُّنْيَا لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ من أعمالكم الحسنة فَتِيلًا- ٧٧- يعني الأبيض الَّذِي يَكُون فِي وسط النواة حَتَّى يجازوا بها ثُمّ أخبر عن كراهيتهم للقتال ذاكرا لهم أن الموت فِي أعناقكم، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: أَيْنَما تَكُونُوا من الأرض يُدْرِكْكُمُ يعني يأتيكم الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ يعني القصور الطوال المشيدة إلى السماء فِي الحصانة حين»
لا يخلص إِلَيْهِ ابْن آدم يخلص إليه الموت حين يفر منه. وقَالَ عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ- لما قتلت الأَنْصَار يوم أحد- قَالَ : لو أطاعونا ما قتلوا. فنزلت أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ يعني القصور ثُمّ أخبر- سُبْحَانَهُ- عن المنافقين- عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ وأصحابه- فَقَالَ: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ببدر يعني نعمة وهي الفتح والغنيمة يَقُولُ هَذِهِ الحسنة من عِنْد اللَّه وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يعني بلية وهي القتل والهزيمة يوم أحد يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ يا محمد أَنْت حملتنا عَلَى هَذَا، وَفِي سببك كان هَذَا. فَقَالَ- عَزَّ وَجَلّ- لنبيه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قُلْ كُلٌّ يعني الرخاء والشدة مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ يعنى المنافقين لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً- ٧٨- أن الشدة والرخاء والسيئة والحسنة من اللَّه ألا يسمعون ما يحذرهم ربهم فِي القرآن؟ يعنى عبد الله بن أبى. فقال الله- عز وجل- لنبيه- صلى الله عليه وسلم-: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ يعني الفتح والغنيمة يوم بدر فَمِنَ اللَّهِ كان وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ يعني البلاء من العدو، والشدة من العيش يوم أحد فَمِنْ نَفْسِكَ يعني فبذنبك، يعني ترك المركز، وَفِي مصحف عَبْد اللَّه بن مَسْعُود وأبي بن كَعْب «فبذنبك وأنا كتبتها عليك» وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً- ٧٩- يعني فلا شاهد أفضل من اللَّه بأنك رسوله مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وذلك Muqatil ibn Sulayman 1/390Muqatil ibn Sulayman 1/390
أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال [٨٠ ب] فِي المدينة «من أحبني فقد أحبّ اللَّه، ومن أطاعنى فقد أطاع اللَّه» . فَقَالَ المنافقون: ألا تسمعون إلى هَذَا الرَّجُل وما يقُولُ؟ لقَدْ قارب الشرك وَهُوَ ينهي ألا يعبد إِلَّا اللَّه، فَمَا حمله عَلَى الَّذِي قَالَ إِلَّا أن نتخذه حنانا- يعنون ربا- كَمَا اتخذت النَّصارى عِيسَى ابْن مريم حنانا. فأنزل اللَّه- عَزَّ وجل- تصديقا لقوله نبيه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- Muqatil ibn Sulayman 1/391Muqatil ibn Sulayman 1/391
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى عرض عن طاعتهما فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً- ٨٠- يعني رقيبا ثُمّ أخبر عن المنافقين فَقَالَ- سُبْحَانَهُ- وَيَقُولُونَ طاعَةٌ للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حين أمرهم بالجهاد، وذلك أنهم دخلوا على النبي- صلى الله عليه وسلم- فقالوا: مرنا بما شئت، فأمرك طاعة. فإذا خرجوا من عنده خالفوا. وقالوا غَيْر الَّذِي قال لهم النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وَيَقُولُونَ طاعَةٌ للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ يعني خرجوا من عندك يا محمد بَيَّتَ طائِفَةٌ يَقُولُ ألفت طائفة مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ يعني الحفظة فيكتبون ما يقولون من الكذب فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ يعني الجلاس بن سُوَيْد، وعَمْرو بن زَيْد فلا تعاتبهم وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ يعني وثق بِاللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا- ٨١- يعني وكفى به منيعا فلا أحد أمنع من اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- ويُقَالُ وكيلا يعني شهيدا لما يكتمون، ثُمّ وعظهم فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ يعني أفلا يسمعون الْقُرْآنَ فيعلمون أَنَّهُ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً- ٨٢- يعني كذبا كبيرا لأن الِاخْتِلاف فِي قول الناس، وقول اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- لا اخْتِلاف فِيهِ وَإِذا جاءَهُمْ يعني المنافقين أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ يعنى شيئا من الأمر يسر الْمُؤْمِنِين من الفتح والخير، قصروا عما جاءهم من الخير . ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: أَوِ الْخَوْفِ يعني فَإِن جاءهم بلاء أو شدة نزلت بالمؤمنين أَذاعُوا بِهِ يعني أفشوه فإذا سَمِع ذَلِكَ المسلمون كاد أن يدخلهم الشك وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ حَتَّى يخبر الرَّسُول- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بما كان من الأمر أوردوه وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ يَقُولُ أمراء السرايا فيكونون هُم الَّذِين يخبرون ويكتبون به لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ يعنى الذين يتبينونه منهم يعني الخير عَلَى وجهه ويحبوا أن يعلموا ذَلِكَ فيعلمونه. ثُمّ قَالَ- سبحانه- وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ يعني ونعمته فعصمكم من قول المنافقين لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا- ٨٣- [٨١ أ] نزلت فِي أناس كانوا يحدثون أنفسهم بالشرك ثُمّ قَالَ- عَزَّ وَجَلّ-: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ Muqatil ibn Sulayman 1/392Muqatil ibn Sulayman 1/392
فأمره أن يقاتل بنفسه لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ يعني لَيْسَ عليك ذنب غيرك وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ يعنى وحضض عَلَى القتال يعني عَلَى قتال العدو عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ يعني قتال الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً يعني أخذا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا- ٨٤- يعني نكالا يعني عقوبة من الكفار ولو لَمْ يطع النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أحدا من الكفار لكفاه اللَّه- عَزَّ وَجَلّ. Muqatil ibn Sulayman 1/393Muqatil ibn Sulayman 1/393
وقوله- سبحانه-: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً لأخيه المسلم بخير يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها يعني حظا من الأجر من أجل شفاعته وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً وَهُوَ الرَّجُل يذكر أخاه بسوء عِنْد رَجُل فيصيبه عنت منه، فيأثم المبلغ فذلك قوله- سبحانه-:
يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها يعني إثما من شفاعته وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً- ٨٥- من الحيوان، عَلَيْه قوت كُلّ دابة لمدة رزقها وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها نزلت فِي نفر بخلوا بالسلام . فحيوا بأحسن منها أَوْ رُدُّوها يَقُولُ فردوا عَلَيْه أحسن مما قَالَ، قَالَ: فيقول وعليك ورحمة اللَّه وبركاته، أو يرد عَلَيْه مثل ما سلم عَلَيْه . إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من أمر التحية إن رددت عَلَيْهَا أحسن منها أَوْ مثلها حَسِيباً- ٨٦- يعني شهيدا. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ نزلت في قوم شكوا في البعث فأقسم اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- بنفسه ليبعثهم إلى يوم القيامة لا رَيْبَ فِيهِ يعني لا شك فِي البعث وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً- ٨٧- يَقُولُ فلا أحد أصدق من اللَّه حديثًا إذا حدَّث يعني فِي أمر البعث فَما لَكُمْ صرتم فِي الْمُنافِقِينَ نزلت فِي تسعة نفر- منهم- مَخْرَمَة بن زَيْد الْقُرَشِيّ- هاجروا من مكة إلى المدينة فقدموا وأرادوا الرجعة، فَقَالَ بعضهم: نخرج كهيئة البداة فإذا غفل عنا مضينا إلى مكة فجعلوا يتحولون منقلة منقلة حَتَّى تباعدوا من المدينة ثُمّ إنهم أدلجوا حَتَّى أصبحوا قَدْ قطعوا أرضا بعيدة فلحقوا بمكة فكتبوا إلى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم- إنا على ما فرقناك عليه، ولكنا اشتقنا إلى بلادنا وإخواننا بمكة، ثُمّ إنهم خرجوا تجارا إلى الشام واستبضعهم أَهْل مكة بضائعهم، فقالوا لهم: أنتم عَلَى دين محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأصحابه فلا بأس عليكم فساروا وبلغ الْمُسْلِمِين «أمرهم» ، فَقَالَ بعضهم لبعض: اخرجوا إلى هَؤُلاءِ فنقاتلهم، ونأخذ ما معهم فإنهم تركوا دار الهجرة وظاهروا عدونا. وقال آخرون [٨١ ب] : Muqatil ibn Sulayman 1/394Muqatil ibn Sulayman 1/394
ما حلت دماؤهم وَلا أموالهم ولكنهم فتنوا، ولعلهم يرجعوا للتوبة والنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ساكت، فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- يخبر عن التسعة رهط ويعظ الْمُؤْمِنِين ليكون أمرهم جميعًا عليهم. فَقَالَ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: «فَما لَكُمْ» صرتم «فِي الْمُنافِقِينَ» فِئَتَيْنِ تختصمون وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ يعني أضلهم فردهم إلى الكفر بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن الهدى فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا- ٨٨- ثُمّ أخبر عن التسعة فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-:
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً أنتم وهم عَلَى الكفر فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني حَتَّى يهاجروا إلى دار الهجرة بالمدينة فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِن أبوا الهجرة فَخُذُوهُمْ يعني فأسروهم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ يعني أَيْنَ وَجَدْتُمُوهُمْ من الأرض فِي الحل والحرم وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً- ٨٩- يعني وَلا ناصرا. ثُمّ استثنى فَقَالَ: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ يعني التسعة المرتدين إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ يعني عهد خزاعة وبني خُزَيْمة وفيهم نزلت إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إن وصل هَؤُلاءِ التسعة إلى أهل عهدكم وهم خزاعة منهم: هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك بن جشم وبنو مدلج وبنو جذيمة وهما حيان من كنانة. فلا تقتلوا التسعة لأن النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَالَح هَؤُلاءِ عَلَى أن من يأتيهم من الْمُسْلِمِين فهو آمن. يَقُولُ: Muqatil ibn Sulayman 1/395Muqatil ibn Sulayman 1/395
إن وصل هَؤُلاءِ وغيرهم إلى أهل عهدكم فإن لهم مثل الَّذِي لحلفائهم. ثُمّ قَالَ- عَزَّ وَجَلّ- أَوْ جاؤُكُمْ يعني بني جذيمة حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ يعني ضيقة قلوبهم أَنْ يُقاتِلُوكُمْ يعني ضاقت قلوبهم أن يقاتلوكم أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ من التسعة ثُمّ قَالَ: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ يخوف الْمُؤْمِنِين ثُمّ قَالَ:
فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ يعني الصلح يعني هلالا وقومه خزاعة فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا- ٩٠- فِي قتالهم سَتَجِدُونَ آخَرِينَ
منهم أسد غطفان أتوا النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ لهم النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أجئتم مهاجرين؟ قَالُوا: بل جئنا مسلمين- فإذا رجعوا إلى قومهم قَالُوا آمنا بالعقرب والخنفساء إذ تعود، فَقَالَ: «سَتَجِدُونَ آخَرِينَ» يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ
يعني يأمنوا فيكم مَعْشَر الْمُؤْمِنِين بأنهم مقرون بالتوحيد وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ المشركين لأنهم عَلَى دينهم كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ يعني كلما دعوا إلى الشرك أُرْكِسُوا فِيها يَقُولُ عادوا فِي الشرك فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ فى القتال وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ يعني الصلح وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ عن قتالكم فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ [٨٢ أ] يعنى: أأسروهم واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ يعني أدركتموهم من الأرض فِي الحل والحرم وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً- ٩١- يعنى حجة بيّنة ثم صارت منسوخة وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ يعني عَيَّاش بن أَبِي رَبِيعَة بن المغيرة المخزومي يقول ما كان ينبغي لمؤمن أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً يعني الْحَارِث بن يزيد بن أَبِي أنيسة من بنى عامر ابن لؤي إِلَّا خَطَأً وذلك أن الْحَارِث أسلم فِي موادعة أَهْل مكة فقتله عَيَّاش خطأ وكان عَيَّاش قَدْ حلف عَلَى الْحَارِث بن يَزِيد ليقتلنه وكان الْحَارِث يومئذ مشرك فأسلم الْحَارِث وَلَم يعلم به عَيَّاش فقتله بالمدينة وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أي التي قَدْ صلت للَّه ووحدت اللَّه وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ أى المقتول إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا يَقُولُ إِلَّا أن يصدق أولياء المقتول بالدية عَلَى القاتل فهو خير لَهمْ فَإِنْ كانَ هذا المقتول مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ من أَهْل الحرب وَهُوَ يعني المقتول مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ نزلت فى مرداس بن عُمَر القَيْسيّ وَلا دية لَهُ [وَإِنْ كانَ هَذَا المقتول وكان ورثته مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ يعنى عهد فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ ] أَيّ إلى أهل المقتول يعني إلى ورثته بمكة وكان بين النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبَيْنَ أَهْل مكة يومئذ عهد. وَعليه تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الدية فعليه فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ تِلْكَ الكفارة تجاوز من اللَّه فِي قتل الخطأ لهذه الأمة لأن الْمُؤْمِن كان يقتل بالخطأ فِي التوراة عَلَى عهد مُوسَى- عَلَيْه السلام- وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً- ٩٢- حكم الكفارة والرقبة وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً نزلت فِي مقيس بن ضبابة الكناني، ثُمّ الليثي قتل رَجُلا من قريش يُقَالُ لَهُ عمر ومكان أَخِيهِ هِشَام بن ضبابة، وذلك Muqatil ibn Sulayman 1/396Muqatil ibn Sulayman 1/396
أن مقيس بن ضبابة وجد أخاه قتيلا فِي الأَنْصَار فِي بني النَّجّار، فانطلق إلى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَخْبَرَه بِذَلِك فأرسل النَّبِيّ- صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى الأنصار رَجُلا من بني فهر مَعَ مقيس فَقَالَ: ادفعوا إلى مقيس قاتل أَخِيهِ، إن علمتم ذَلِكَ، وإلا فادفعوا إِلَيْهِ ديته. فَلَمَّا جاءهم الرَّسُول، قَالُوا: Muqatil ibn Sulayman 1/397Muqatil ibn Sulayman 1/397
السمع والطاعة للَّه ولرسوله واللَّه ما نعلم لَهُ قاتلا، ولكنا نؤدي ديته، ودفعوا إلى مقيس مائة من الإبل دية أخيه، فَلَمَّا انصرف مقيس عمد إلى رسول رَسُول اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقتله وفر وارتد عن الْإِسْلام «ورحل من المدينة»
وساق معه الدية ورجع إلى مكة كافرا، وَهُوَ يَقُولُ فِي شعره [٨٢ ب] :
قتلت به فهرا وحملت عقله ... سراة بني النَّجّار أرباب فارع
وأدركت ثأري واضطجعت موسدا ... وكنت إلى الأوثان أوّل راجع
فنزلت فِيهِ بعد ما قتل النَّفْس وارتد عن الْإِسْلام وساق معه الدية إلى مكة نزلت فِيهِ الآية وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً يعني الفهري مُتَعَمِّداً لقتله فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً- ٩٣- وافر الانقطاع لَهُ بقتله النَّفْس، وبأخذه الدية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- بعث سرية، وبعث عَلَيْهَا غالب بن عَبْد اللَّه الليثي أخا ثميلة بن عَبْد اللَّه. فَلَمَّا أصبحوا رأوا رَجُلا يسمى مِرْداس بن عمرو بن نهيك العنسي من بني تيم بن مرة من أَهْل فدك معه غنيمة لَهُ، فَلَمَّا رَأَى الخيل ساق غنيمته حَتَّى أحرزها فِي الجبل- وكان قَدْ أسلم من الليل وأخبر أهله بِذَلِك- فَلَمَّا دنوا منه كبروا فسمع التكبير فعرفهم فنزل إليهم. فَقَالَ: سلام عليكم، إنى مؤمن. Muqatil ibn Sulayman 1/398Muqatil ibn Sulayman 1/398
فحمل عَلَيْه أُسَامَة بن زَيْد بن حارثة الكلبي من بنى عبدود، فَقَالَ مِرْداس: إني منكم أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله.
فطعنه أُسَامَة برمحه فقتله وسلبه وساق غنمه.
فَلَمَّا قدِم المدينة أخبر أُسَامَة النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فلامه النَّبِيّ ملامة شديدة. فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى الله عليه وسلم- قتلته وَهُوَ يَقُولُ لا إله إِلَّا اللَّه؟ قَالَ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ أراد أن يحرز نفسه وغنمه؟ فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أفلا شققت عن قلبه فتنظر صدق أم لا؟ قال يا رسول الله: كيف يتبين لي؟ وإنما قلبه بضعة من جسده فَقَالَ: فلا صدقته بلسانه وَلا أنت شققت عن قلبه فيبين لك. فَقَالَ: استغفر لي يا رسول الله. قَالَ: فكيف لك بلا إله إِلَّا اللَّه يَقُولُ ذَلِكَ ثلاث مرات.
فاستغفر لَهُ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الرابعة.
قَالَ أُسَامَة فِي نفسه: وددت أني لَمْ أسلم حَتَّى كان يومئذ فأمره النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سلم- أن يعتق رقبة. قَالَ مُقَاتِلٌ- رحِمَه اللَّه-: فعاش أُسَامَة زمن أَبِي بَكْر وعمر وعثمان- رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ- حَتَّى أدرك عَلِيّ بْن أبي طَالِب- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- فدعاه علي- رحِمَه اللَّه- إلى القتال. فَقَالَ أُسَامَة: ما أحد أعز علي منك، وَلَكِن لا أقاتل مسلما بعد قول النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
كيف لك بلا إله إِلَّا اللَّه؟
«فَإِن أتيت بسيف إذا ضربت به مسلما، قَالَ السيف: هَذَا مُسْلِم. وإن ضربت به كافرا، قَالَ لي: هَذَا كافر، قاتلت معك. فَقَالَ لَهُ علي» : اذهب حيث شئت. فانزل الله- عز وجل-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ : يعني سرتم غزاة فِي سبيل اللَّه. فَتَبَيَّنُوا من تقتلوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ يعني مِرْداس وذلك أَنَّهُ قَالَ لهم: السَّلام عليكم إني مؤمن لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا يعني غَنْم مِرْداس فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ فِي الآخرة والجنة كَذلِكَ يعني هكذا كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ الهجرة بمنزلة مِرْداس تأمنون فِي قومكم بالتوحيد من أصحاب النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إذا لقوكم. Muqatil ibn Sulayman 1/399Muqatil ibn Sulayman 1/399
فلا تخيفون أحدا بأمر كان فيكم تأمنون بِمِثْلِهِ قبل هجرتكم فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بالهجرة فهاجرتم فَتَبَيَّنُوا إذا خرجتم فلا تقتلوا مسلما إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً- ٩٤- فَقَالَ أسامة واللَّه لا أقتل رَجُلا بعد هذا يقول لا إله إلّا الله. وقوله- سبحانه-: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ عن الغزو مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ يعني عَبْد اللَّه بن جحش الأَسَديّ، وابن أم مَكْتُوم من أَهْل العذر .
قَالَ أَبُو محمد : هُمْ ثلاثة منهم عَبْد اللَّه بن جحش، عقد لَهُ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وعُبَيْدُ اللَّهِ مات نصرانيا، وعبد اللَّه بن جحش هُوَ الضرير الَّذِي نزل فِيهِ قوله- عز وجل-: «غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ» . Muqatil ibn Sulayman 1/400Muqatil ibn Sulayman 1/400
يَقُولُ -: عَزَّ وَجَلّ-: لا يَسْتَوِي فِي الْفَضْل القاعد الَّذِي لا عذر لَهُ، والمجاهد بنفسه وماله فِي سبيل اللَّه. وهي غزوة تبوك قَالَ-: عَزَّ وَجَلّ-:
فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ من أَهْل العذر دَرَجَةً يعني فضيلة عَلَى القاعدين وَكُلًّا يعني المجاهد والقاعد المعذور وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى يعني الجنة، ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ الَّذِين لا عذر لهم أَجْراً عَظِيماً- ٩٥- دَرَجاتٍ مِنْهُ يعني فضائل من اللَّه فِي الجنة سبعين درجة بين كُلّ درجتين مسيرة سبعين سنة وَمَغْفِرَةً لذنوبهم وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً- ٩٦- يعني أبا لبابة، وأوس بن حزام، ووداعة بن ثعلب، وكعب بن مَالِك، وهلال بن أُمَيَّة، ومرارة بن رَبِيعَة من بني عمرو ابن عَوْف كلهم من الأَنْصَار إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ يعني ملك الموت وحده ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ وذلك أنه كان نفر أسلموا بمكة مَعَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- منهم الوليد بن الوليد بن المغيرة، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والوليد بن عُقْبة بن رَبِيعَة بن عبد شمس، وعمرو بن أمية ابن سُفْيَان بن أُمَيَّة بن عَبْد شمس، والعلاء بن أُمَيَّة بن خلف الْجُمَحِيّ ثُمّ إنهم أقاموا عن الهجرة وخرجوا مَعَ المشركين إلى قتال بدر، فَلَمَّا رأوا قلة الْمُؤْمِنِين شكوا فى النبي- صلى الله عليه وسلم- [٨٣ ب] وقالوا: غر هَؤُلاءِ دينهم، وكان بعضهم نافق بمكة فَلَمَّا قُتِل هَؤُلاءِ ببدر قالُوا أَي قَالَت الملائكة لهم وَهُوَ ملك الموت وحده: فِيمَ كُنْتُمْ؟ يَقُولُ فِي أَيّ شيء كنتم قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ يعني كُنَّا مقهورين بأرض مكة لا نطيق أن نظهر الإيمان، قالُوا أَي قَالَت الملائكة لهم: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً من الضيق يعني أرض اللَّه المدينة فَتُهاجِرُوا فِيها؟ يعني إليها ثُمّ انقطع الكلام فَقَالَ- عَزَّ وَجَلّ-: فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً- ٩٧- يعني وبئس المصير صاروا، ثُمّ استثنى أَهْل العذر فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ فليس مأواهم جهنم لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً يَقُولُ لَيْسَ لهم سعة للخروج إلى المدينة وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا- ٩٨- يعني وَلا يعرفون طريقا إلى المدينة فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ والعسى من اللَّه واجب وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا عَنْهُمْ غَفُوراً- ٩٩- فلا يعاقبهم لإقامتهم عن الهجرة فِي عذر. فَقَالَ ابْن عَبَّاس- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: أَنَا يومئذ من الولدان، وأمي من النّساء. Muqatil ibn Sulayman 1/401Muqatil ibn Sulayman 1/401
فبعث النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بهذه الآية إلى مسلمي مكة. فَقَالَ جُنْدُب ابن حمزة الليثي ثُمّ الجندعي لبنيه: احملوني فَإِنِّي لست من المستضعفين وإني لهاد بالطريق ولو مت لنزلت فِي الآية . وكان شيخا كبيرا فحمله بنوه عَلَى سريره متوجها إلى المدينة فمات بالتنعيم فبلغ أصحاب النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- موته، فقالوا: لو لحق بنا لأتم اللَّه أجره فأراد اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- أن يعلمهم أَنَّهُ لا يخيب من التمس رضاه فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني في طاعة الله إِلَى المدينة يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً يعنى متحولا عن الكفر وَسَعَةً فِي الرزق وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً- ١٠٠- ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَإِذا ضَرَبْتُمْ يعني سرتم فِي الْأَرْضِ يعني غزوة بني أنمار ببطن مكة فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني أن يقتلكم. كقوله: عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ يعني أن يقتلكم الَّذِين كفروا من أَهْل مكة فيصيبوا منكم طائفة إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً- ١٠١- وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ يعني النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حذرهم من عدوهم وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ [٨٤ أ] يعنى تذرون عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ يعني فيحملون عَلَيْكُمْ جميعًا مَيْلَةً واحِدَةً يعني حملة واحدة يعني كرجل واحد عِنْد غفلتكم ثُمّ رخص لهم فِي وضع السلاح عِنْد المطر أَو المرض فَقَالَ: وَلا جُناحَ يعني لا حرج عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ Muqatil ibn Sulayman 1/402Muqatil ibn Sulayman 1/402
من عدوكم عِنْد وضع السلاح إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً- ١٠٢- يعنى الهوان. وكان تقصير الصَّلاة بعسفان - بين مكة والمدينة- والنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بإزاء الَّذِين خافوه وهم غطفان فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ يعني صلاة الخوف فَاذْكُرُوا اللَّهَ باللسان قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إذا أقمتم فِي بلادكم فأقيموا الصَّلاة يعني فأتموا الصَّلاة كاملة وَلا تقصروا إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً- ١٠٣- يعني فريضة معلومة كقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ يعني فرض عليكم القتال. Muqatil ibn Sulayman 1/403Muqatil ibn Sulayman 1/403
وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ يَقُولُ وَلا تعجزوا: كقوله: فَما وَهَنُوا يعني فَمَا عجزوا فِي طلب أَبِي سُفْيَان وأصحابه يوم أحد بعد القتل بأيام فاشتكوا إلى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الجراحات فأنزل الله- عز وجل- إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ يعنى تتوجعون فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ يعني يتوجعون كَمَا تتوجعون وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ من الثواب والأجر ما لا يَرْجُونَ يعني أبا سُفْيَان وأصحابه وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً- ١٠٤- فِي أمره. إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وذلك أن يهوديا يسمى زَيْد بن السمين، كان استودع طعمة بن أبيرق الْأَنْصَارِيّ- من الأوس من بني ظفر بن الْحَارِث- درعا من حديد ثُمّ إن زَيْدا اليهودي طلب درعه فجحده طعمة، فَقَالَ زَيْد لقومه:
قَدْ ذكر لي أن الدرع عنده فانطلقوا حَتَّى نلتمس داره فاجتمعوا ليلا فأتوا داره، فَلَمَّا سَمِع جلبة القوم أحس قلبه أن القوم إِنَّمَا جاءوا من أجل الدرع فرمى به فِي دار أَبِي مليك فدخل القوم داره فلم يجدوا الدرع فاجتمع الناس، ثُمّ إن طعمة اطلع فِي دار أَبِي مليك ، فَقَالَ: هَذَا درع فِي دار أَبِي مليك، فلا أدري: هِيَ لَكُمْ أم لا؟ فأخذوا الدرع ثُمّ إن قوم طعمة- قَتَادَة بن النُّعْمَان وأصحابه- قَالُوا:
انطلقوا بنا إلى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فلنبرئ صاحبنا، ونقول إنهم أتونا ليلا ففضحونا، وَلَم يَكُنْ معهم رسول من قبلك ونأمرهم [٨٤ ب] أن يبرءوا صاحبنا لتنقطع ألسنة الناس عنا بما قذفونا به، ونخبره أنها وجدت فِي دار أبي مليك. Muqatil ibn Sulayman 1/404Muqatil ibn Sulayman 1/404
فأتوا النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فأخبروه فصدق النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- طعمة وأبرأه من ذَلِكَ، وَهُوَ يرى أنهم قَدْ صدقوا فأنزل الله- تعالى- إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ يعني القرآن «بِالْحَقِّ» لَمْ ننزله باطلا عبثا لغير شيء لِتَحْكُمَ يعني لكي تحكم بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ يعني بما علمك اللَّه فِي كتابه كقوله- سبحانه-: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً- ١٠٥- يعني طعمة، ثُمّ قَالَ: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ يا محمد عن جدالك عن طعمة حين كذبت عَنْهُ فأبرأته من السرقة إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً- ١٠٦- فاستغفر النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِنْد ذَلِكَ وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ
يعني طعمة إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً
- ١٠٧- فِي دينه أثيما بربه يَسْتَخْفُونَ
يعني يستترون بالخيانة مِنَ النَّاسِ
يعني طعمة وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ
وَلا يستترون بالخيانة من اللَّه وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ
يعني إذ يؤلفون مَا لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ
لقولهم إنا نأتي النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فنقول لَهُ كذا وكذا، فألقوا قولهم بينهم يعني قَتَادَة وأصحابه ليدفعوا عن صاحبهم ما لا يرضي اللَّه من القول وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً
- ١٠٨- يعني أحاط علمه بأعمالهم يعني قوم الخائن قَتَادَة بن النُّعْمَان وأصحابه ثُمّ قَالَ يعنيهم: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ
قوم الخائن جادَلْتُمْ عَنْهُمْ
نبيكم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
عن طعمة فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
- ١٠٩- يعني به قومه يَقُولُ أم من يَكُون لطعمة مانعا فِي الآخرة، ثُمّ عرض عَلَى طعمة التوبة فقال: Muqatil ibn Sulayman 1/405Muqatil ibn Sulayman 1/405
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً
يعنى إثما أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ
يعني قذف البريء أبا مليك ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
- ١١٠- وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً
يعني طعمة فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
- ١١١- فِي أمره وَمَنْ يَكْسِبْ
لنفسه خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً
يعني قذف البريء ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً
يعني أَنَّهُ رمى به فِي دار أَبِي مليك الأنصارى فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً
يعني قذفه البريء بما لَمْ يَكُنْ وَإِثْماً مُبِيناً
- ١١٢- يعني بينا، ثُمّ قَالَ لنبيه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ
يعني ونعمته بالقرآن حين بين لك أمر طعمة فحولك عن تصديق الخائنين بالقرآن لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ
يقول لكادت طائفة من قوم الخائنين [٨٥ أ] أن يستنزلوك عن الحق وَما يُضِلُّونَ
يعني وما يستنزلون إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ
يعنى وما ينقصونك من شيء لَيْسَ ذَلِكَ بأيديهم، إِنَّمَا ينقصون أنفسهم، ثُمّ قَالَ:
وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
يعني الحلال والحرام وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
من أمر الكتاب وأمر الدّين وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
- ١١٣- يعنى النبوة والكتاب ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ يعني قوم طعمة قَيْس بن زَيْد، وكنانة بن أبي الحقيق، وأبو رافع، وكُلُّهُمْ يهود حين تناجوا فِي أمر طعمة. ثُمّ استثنى فَقَالَ: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ يعني القرض أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً- ١١٤- يعني جزاء عظيما فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فى قولهم: Muqatil ibn Sulayman 1/406Muqatil ibn Sulayman 1/406
وَمَنْ يُشاقِقِ يعني يخالف الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ يعني غَيْر دين الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى من الآلهة وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً- ١١٥- يعني وبئس المصير فَلَمَّا قدِم طعمة مكة نزل عَلَى الحَجَّاج بن علاط السُّلَمِيّ فأحسن نزله فبلغه أن فِي بيته ذهبا فَلَمَّا كان من الليل خرج فنقب حائط البيت وأراد أن يأخذ الذهب وَفِي البيت مسوك يابسة مسوك الشاء قَدْ أصابها حر الشمس وَلَم تدبغ فَلَمَّا دخل البيت من النقب وطئ المسوك، فسمعوا قعقعة المسوك فِي صدره عِنْد النقب، وأحاطوا بالبيت، ونادوه اخرج فإنا قَدْ أحطنا بالبيت، فَلَمَّا خرج إذا هُمْ بضيفهم طعمة، فأراد أَهْل مكة أن يرجموه فاستحيا الحَجَّاج لضيفه، وكانوا يكرمون الضيف فأهزوه وشتموه، فخرج من مكة فلحق بحرة بني سُلَيْم يعبد صنمهم، ويصنع ما يصنعون حَتَّى مات عَلَى الشرك فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ يعني يعدل به فيموت عَلَيْه وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ يعني مادون الشرك لمن يشاء فمشيئته لأهل التوحيد وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ عن الهدى ضَلالًا بَعِيداً- ١١٦- ثُمّ إن أبا مليك عاش حَتَّى استخلف عُمَر بن الخَطَّاب- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- فحلف بِاللَّه لعمر- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- لا يولي راجعا، فَلَمَّا كان يوم القادسية انهزم المشركون إلى الفرات وجاءت أساورة كسرى فهزموا الْمُسْلِمِين إلى قريب من الجيش فثبت أَبُو مليك حَتَّى قُتِل فبلغ ذَلِكَ عُمَر بن الخَطَّاب- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- فَقَالَ أَبُو مليك:
صدق اللَّه وعده إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً يعنى أوثانا يعنى أمواتا: اللات [٨٥ ب] والعزى وهي الأوثان لا تحرك وَلا تضر وَلا تنفع فهي ميتة وَإِنْ يَدْعُونَ يعني وما يعبدون من دونه إِلَّا شَيْطاناً يعني إبليس، زين لهم إبليس طاعته فِي عبادة الأوثان مَرِيداً- ١١٧- يعني عاتيا تمرد عَلَى ربه- عَزَّ وَجَلّ- فِي المعصية لَعَنَهُ اللَّهُ حين كره السجود لآدم- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقالَ إبليس لربه- جلَّ جلاله- لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً- ١١٨- يعني حظا معلوما من كُلّ ألف إنسان، واحد فِي الجنة وسائرهم فِي النار فهذا النصيب المفروض وَقال إبليس لَأُضِلَّنَّهُمْ عن الهدى وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ بالباطل ولأخبرنهم ألّا بعث وَلا جنة وَلا نار وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ يعني ليقطعن آذانَ الْأَنْعامِ وهي البحيرة للأوثان وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ يعني ليبدلن دين اللَّه وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ يعني إبليس وَلِيًّا يعني ربا مِنْ دُونِ اللَّهِ- عَزَّ وَجَلّ- فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً- ١١٩- يَقُولُ فقد ضل ضلالا بينا يَعِدُهُمْ إبليس الغرور: ألا بعث وَيُمَنِّيهِمْ إبليس الباطل وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً- ١٢٠- يعني إِلَّا باطلا: الَّذِي لَيْسَ بشيء، وقَالَ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً- ١٢١- يعنى مقرا يلجئون إليه يعنى القرار ثُمّ أخبر بمستقر من لا يتولى الشَّيْطَان فَقَالَ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا Muqatil ibn Sulayman 1/407Muqatil ibn Sulayman 1/407
يعني صدقا أَنَّهُ منجز لهم ما وعدهم وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا- ١٢٢- فَلَيْس أحد أصدق قولا منه- عَزَّ وَجَلّ- فى أمر الجنة والنار والبعث وغيره لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ نزلت فى المؤمنين واليهود والنصارى، قَالَت اليهود: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فنحن أهدى وأولى بِاللَّه منكم. Muqatil ibn Sulayman 1/408Muqatil ibn Sulayman 1/408
وقالت النَّصارى: نبينا كلمة اللَّه وروح اللَّه، وكلمته، وكان يحيى الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، وَفِي كتابنا العفو وليس فِيه قصاص، فنحن أولى بِاللَّه منكم مَعْشَر اليهود ومعشر الْمُسْلِمِين.
فَقَالَ المسلمون: كذبتم كتابنا نسخ كُلّ كتاب، ونبينا- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خاتم الأنبياء، وآمنا بنبيكم وكتابكم، وكذبتم نبينا وكتابنا وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم، ونعمل بكتابنا، فنحن أهدى منكم وأولى بِاللَّه منكم. فأنزل- عَزَّ وَجَلّ- لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ مَعْشَر الْمُؤْمِنِين وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً- ١٢٣- وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً- ١٢٤- مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ نزلت فِي الْمُؤْمِنِين مجازات الدُّنْيَا تصيبهم فِي النكبة بحجر، والضربة واختلاج عرق أَوْ خدش عود «أو عثرة قدم فيديمه» أَوْ غيره فبذنب قدم وما يعفو اللَّه عَنْهُ أكبر، فذلك قوله سُبْحَانَهُ وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ثُمّ قَالَ: وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا يعني قريبا ينفعه «وَلا نَصِيراً» يعني وَلا مانعا يمنعه من اللَّه- عَزَّ وَجَلّ. فَلَمَّا افتخرت اليهود على المؤمنين بالمدنية بين اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- أمر الْمُؤْمِنِين- فَقَالَ سُبْحَانَهُ-: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ بتوحيد اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً يعني وَلا ينقصون من أعمالهم الحسنة نقيرا حَتَّى يجازوا بها يعني النقير الَّذِي فِي ظهر النواة التي تنبت منه النخلة . Muqatil ibn Sulayman 1/409Muqatil ibn Sulayman 1/409
ثُمّ اختار من الأديان دين الْإِسْلام- فَقَالَ عَزَّ وَجَلّ-: وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ يعني أخلص دينه للَّه وَهُوَ مُحْسِنٌ فِي عمله وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [٨٦ أ] يعنى مخلصا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا- ١٢٥- يعني محبا وأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلّ- فيهم «هذانِ خَصْمانِ» يعني كفار أَهْل الكتاب.
«اخْتَصَمُوا» يعني ثلاثتهم: الْمُسْلِمِين واليهود والنصارى «فِي رَبِّهِمْ» أنهُمْ أولياء اللَّه ثُمّ أخبر بمستقر الكافر فَقَالَ: «فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ» يعني جعلت لهم ثياب من نار إلى آخر الآية . ثُمّ أخبر- سُبْحَانَهُ- بمستقر الْمُؤْمِنِين فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ... إلى آخر الآية .
قوله «وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا» والخليل «الحبيب» لأن اللَّه أحبه فِي كسره الأصنام، وجداله قومه، واتخذ اللَّه إِبْرَاهِيم خليلا قبل ذبح ابنه فَلَمَّا رأته الملائكة حين أمر بذبح ابنه أراد المضي عَلَى ذَلِكَ- قَالَت الملائكة: لو أن اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- اتخذ عبدا خليلا لاتخذ هَذَا خليلا محبا، وَلا يعلمون أن اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- اتخذه خليلا. وذلك
أن النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لأصحابه- رَضِيَ اللَّه عَنْهُم-: إن صاحبكم خليل الرَّحْمَن. يعني نفسه. فَقَالَ المنافقون لليهود: ألا تنظرون إلى محمد يزعم أَنَّهُ خليل الله لقد اجتزأ. فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: «وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا»
وإنما إِبْرَاهِيم عَبْد من عباده مثل محمد واتخذ إِبْرَاهِيم خليلا: حين ألقي فِي النار فذهب حر النيران يومئذ من الأرض كلها . Muqatil ibn Sulayman 1/410Muqatil ibn Sulayman 1/410
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق [٨٦ ب] عبيده وَفِي ملكه وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً- ١٢٦- يعنى أحاط علمه وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ نزلت فِي سُوَيْد وعرفطة ابني الْحَارِث وعيينة بن حصن الفزاري ذلك أَنَّهُ لما فرض اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- لأم كحة وبناتها الميراث انطلق سُوَيْد وعرفطة وعيينة بن حصن الفَزَاريّ إلى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالوا للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إن المرأة لا تركب فرسا وَلا تجاهد وليس عِنْد الولدان الصغار منفعة فِي شيء- فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فيهم «وَيَسْتَفْتُونَكَ» يعني يسألونك عن النّساء يعني سويدا وصاحبيه قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ يعني ما بين من القسمة فِي أوّل هذه السورة قال: ويفتيكم فِي يَتامَى النِّساءِ يعني بنات أمَّ كحة اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ يعني ما فرض لهن من أنصبائهن من الميراث فى أول السورة . ثُمّ قَالَ- عَزَّ وَجَلّ-: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ يعني بنات أم كحة وكان الرَّجُل يَكُون فِي حجره اليتيمة ولها مال، ويكون فيها موق فيرغب عن تزويجها، ويمنعها من الأزواج من أجل مالها رجاء أن تموت، فيرثها، فذلك قوله- عَزَّ وَجَلّ-: «وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ» Muqatil ibn Sulayman 1/411Muqatil ibn Sulayman 1/411
لدمامتهن وَيفتيكم فى الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ أن تعطوهم حقوقهم وكانوا لا يورثونهم وَيفتيكم أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى فِي الميراث بِالْقِسْطِ يعني بالعدل وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ مما أمرتم به من قسمة المواريث فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً- ١٢٧- فيجزيكم به وَإِنِ امْرَأَةٌ واسمها خويلة بِنْت محمد بن مَسْلَمَةَ خافَتْ يعني علمت مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً يعني زوجها أَوْ إِعْراضاً عَنْهَا لما بها من؟؟؟
إلى الأخرى نزلت فِي رافع بن خَدِيج الْأَنْصَارِيّ وَفِي امرأته خويلة بِنْت محمد بن مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيّ وذلك أن رافعا طلقها ثُمّ راجعها وتزوج عَلَيْهَا أشب منها، وكان يأتي الشابة ما لا يأتي الكبيرة يقول فَلا جُناحَ عَلَيْهِما الزوج والمرأة الكبيرة أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً أن ترضى المرأة الكبيرة بِمَالِهِ، عَلَى أن يأتي الشابة ما لا يأتي الكبيرة، يقول فلا بأس بِذَلِك فِي القسمة فذلك قوله- عَزَّ وَجَلّ-: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ من المفارقة وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ يعني الحرص على المال: يعني الكبيرة، يرضيها الزوج من بعض ماله، فتحرص عَلَى المال، وتدع نصيبها من زوجها وَإِنْ تُحْسِنُوا الفعل فلا تفارقها وَتَتَّقُوا الميل والجور فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً- ١٢٨- فِي أمرهن من الإحسان والجور، ثُمّ قَالَ- عز وجل-: [٨٧ أ] . وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ فِي الحب: أن يستوي حبهن فِي قلوبكم وَلَوْ حَرَصْتُمْ فلا تقدرون عَلَى ذَلِكَ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ إلى التي تحب وهي الشابة فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ أى فتأتيها وتذر الأخرى يعني الكبيرة كالمعلقة لا أيم وَلا ذات بعل وَلَكِن اعدلوا فِي القسمة وَإِنْ تُصْلِحُوا أمرهن وَتَتَّقُوا الميل والجور فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً حين ملت إِلَى الشابة برضى الكبيرة رَحِيماً- ١٢٩- بك حين رخص لك فِي الصلح فَإِن أبت الكبيرة الصلح إِلَّا أن تسوي بينها وبين الشابة أَوْ تطلقها كان ذَلِكَ لها. ثُمّ إنَّه طلقها فنزلت وَإِنْ يَتَفَرَّقا يعني رافع وخويلة المرأة الكبيرة يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا يعني الزوج والكبيرة مِنْ سَعَتِهِ يعني من فضله الواسع وَكانَ اللَّهُ واسِعاً لهما فِي الرزق جميعًا حَكِيماً- ١٣٠- حين حكم فرقتهما وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق عبيده وَفِي ملكه «وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ» وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا عن عباده وخلقه حَمِيداً- ١٣١- عِنْد خلقه فِي سلطانه وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا- ١٣٢- يعني شهيدا فلا شاهد أفضل من اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- أن من فيهما عباده وَفِي ملكه ثُمّ قَالَ- عَزَّ وَجَلّ- إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ بالموت أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ يعني بخلق غيركم أطوع منكم وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً- ١٣٣- أن يذهبكم ويأت بغيركم إذا عصيتموه مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا بعمله فليعمل لآخرته فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا يعني الرزق فِي الدُّنْيَا وثواب وَالْآخِرَةِ يعني الجنة وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً- ١٣٤- بأعمالكم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ يعنى قوالين بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ يَقُولُ- سُبْحَانَهُ- أقيموا الشهادة للَّه بالعدل وَلَوْ كانت الشهادة عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ على الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ أَحَدهمَا غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما بالغني والفقير من غيره فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى فِي الشهادة والقرابة واتقوا أَنْ تَعْدِلُوا عن الحق إلى الهوى ثُمّ قَالَ: Muqatil ibn Sulayman 1/412Muqatil ibn Sulayman 1/412
وَإِنْ تَلْوُوا يعني التحريف بالشهادة: يلجلج بها لسانه فلا يقيمها ليبطل بها شهادته أَوْ تُعْرِضُوا عَنْهَا فلا تشهدوا بها فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ من كتمان الشهادة وإقامتها خَبِيراً- ١٣٥- نزلت فِي رجل كانت عنده شهادته عَلَى أَبِيهِ فأمره اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- أن يقيمها لله [٨٧ ب] - عَزَّ وَجَلّ- وَلا يَقُولُ إني إن شهدت عَلَيْه أجحفت بماله، وإن كان فقيرا هلك وازداد فقره، ويُقَالُ إنَّه أَبُو بكر الصِّدِّيق- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- الشاهد عَلَى أَبِيهِ أَبِي قحافة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا نزلت فِي مؤمني أَهْل الكتاب كان بينهم وبَيْنَ اليهود كلام لَما أسلموا قَالُوا نؤمن بكتاب محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ونكفر بما سواه فَقَالَ- تَعَالَى-: آمِنُوا بِاللَّهِ وصدقوا بتوحيد اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وَرَسُولِهِ أَيّ وصدقوا برسوله محمدا- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ يعني محمدا- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ نزول كتاب محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمّ ذكر كفار أَهْل الكتاب فحذرهم الآخرة يعني البعث فَقَالَ اللَّه- تَعَالَى ذكره-: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ يعني بتوحيد اللَّه وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني البعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال فَقَدْ ضَلَّ عن الهدى ضَلالًا بَعِيداً- ١٣٦- وبما أعد الله- عز وجل- من الثواب والعقاب. ثُمّ ذكر أَهْل الكتاب فَقَالَ:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالتوراة وبموسى ثُمَّ كَفَرُوا من بعد مُوسَى ثُمَّ آمَنُوا بعيسى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبالإنجيل ثُمَّ كَفَرُوا من بعده ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بمحمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبالقرآن لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ على ذلك وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا- ١٣٧- إلى الهدى منهم عمرو بن زَيْد وأوس بن قَيْس، وقيس بن زَيْد. Muqatil ibn Sulayman 1/414Muqatil ibn Sulayman 1/414
ولما نزلت المغفرة للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وللمؤمنين فى سورة الفتح قَالَ عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ ونفر معه، فَمَا لنا؟ فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ يعني عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ، ومالك بن دخشم، وجد بن قَيْس بِأَنَّ لَهُمْ فِي الآخرة عَذاباً أَلِيماً- ١٣٨- يعني وجيعا، ثم نعتهم فقال:
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ من اليهود أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ. وذلك أن المنافقين قَالُوا لا يتم أمر محمد، فتابعوا اليهود وتولوهم فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-:
أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ يعني المنعة، وذلك أن اليهود أعانوا مشركي العرب عَلَى قتال النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ليتعززوا بِذَلِك فَقَالَ- سُبْحَانَهُ- «أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ» يَقُولُ أيبتغي المنافقون عِنْد اليهود المنعة فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً- ١٣٩- يَقُولُ جميع من يتعزز فَإِنَّمَا هُوَ بإذن الله وكان المنافقون يستهزءون بالقرآن فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- بالمدينة وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ يعنى فى سورة الأنعام بمكة أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ يقول حتى يكون حديثهم يعنى المنافقين [٨٨ أ] فِي غَيْر ذكر اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فنهى اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- عن مجالسة كفار مكة ومنافقي المدينة عِنْد الاستهزاء بالقرآن ثُمّ خوفهم: إن جالستموهم ورضيتم باستهزائهم إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ فى الكفر إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ يعني عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ، ومالك بن دخشم، وجد بن قَيْس من أَهْل المدينة وَالْكافِرِينَ من أهل مكة فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً- ١٤٠- ثُمّ أخبر- سُبْحَانَهُ- عن المنافقين فَقَالَ- عَزَّ وجل-: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ الدوائر فَإِنْ كانَ لَكُمْ معشر المؤمنين فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ يعني النصر عَلَى العدو يوم بدر قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ عَلَى عدوكم فأعطونا من الغنيمة فلستم أحق بها، فذلك قوله- سُبْحَانَهُ- فِي العنكبوت وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ على عدوكم وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ يعني دولة عَلَى الْمُؤْمِنِين يوم أحد قالُوا أى المنافقون للكفار أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ يعني ألم نحط بكم من ورائكم وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ونجادل الْمُؤْمِنِين عنكم فنحبسهم عنكم ونخبرهم أَنَّا معكم، قَالُوا ذَلِكَ جبنا وفرقا منهم. قَالَ اللَّه- تَعَالَى-: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا- ١٤١- يعني حجة أبدا نزلت فِي عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ وأصحابه إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ Muqatil ibn Sulayman 1/415Muqatil ibn Sulayman 1/415
حين أظهروا الْإِيمَان وأسروا التكذيب وَهُوَ خادعهم عَلَى الصراط فِي الآخرة حين يُقَالُ لهم:
ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فبقوا فِي الظلمة فهذه خدعة اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- لهم فِي الآخرة ثُمّ أخبر عن المنافقين فَقَالَ- سُبْحَانَهُ- وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى
يعني المنافقين متثاقلين لا يروا أنها حق عليهم نظيرها فى براءة . Muqatil ibn Sulayman 1/416Muqatil ibn Sulayman 1/416
يُراؤُنَ النَّاسَ
بالقيام بالنهار وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ
يعني فِي الصَّلاة إِلَّا قَلِيلًا
- ١٤٢- يعني بالقليل، الرياء وَلا يصلون فِي السر مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ يَقُولُ إن المنافقين ليسوا مَعَ اليهود فيظهرون ولايتهم وَلا مَعَ الْمُؤْمِنِين فِي الولاية لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن الهدى فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا- ١٤٣- إليه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يرغبهم، نزلت فِي المنافقين منهم عَبْد اللَّه ابن أُبَيٍّ، ومالك بن دخشم وذلك أن مواليهما من اليهود: أصبع ورافع عيروهما بالإسلام وزينوا لهما ترك دينهما وتوليهما اليهود فصانعا اليهود. فَقَالَ اللَّه:
لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ من اليهود أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً [٨٨ ب] - ١٤٤- يعني حجة بينة يحتج بها عليكم حين توليتم اليهود ونصحتموهم إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ يعنى الهاوية وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً- ١٤٥- يعني مانعا من العذاب ولما أخبر بمستقر المنافقين قَالَ ناس للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: فقد كان فُلان وفلان منافقين فتابوا منه، فكيف يفعل اللَّه بهم؟ فأنزل اللَّه- جل ذكره- إِلَّا الَّذِينَ تابُوا من المنافقين وَأَصْلَحُوا العمل وَاعْتَصَمُوا يعني احترزوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ الإسلام بِاللَّهِ- عَزَّ وَجَلّ- وَلَم يخلطوا بشرك فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الولاية وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً- ١٤٦- يعني جزاء وافرا مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ نعمته وَآمَنْتُمْ يعني صدقتم فَإنَّهُ لا يعذب شاكرا وَلا مؤمنا وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً- ١٤٧- بهم لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ لأحد من الناس إِلَّا مَنْ ظُلِمَ يعني اعتدى عَلَيْه فينتصر من القول مثل ما ظلم وَلا حرج عَلَيْه أن ينتصر بمثل مقالته Muqatil ibn Sulayman 1/417Muqatil ibn Sulayman 1/417
نزلت فِي أَبِي بَكْر- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- شتمه رَجُل والنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جالس فسكت عَنْهُ مرارا ثُمّ رد عَلَيْه أَبُو بَكْر- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- فقام النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِنْد ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو بكر- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ-: يا رَسُول الله، شتمني وأنا ساكت، فلم تقل لَهُ شيئًا حَتَّى إذا رددت عَلَيْه قمت. قَالَ: إن ملكا كان يجيب عنك، فَلَمَّا أن رددت عَلَيْه ذهب الملك وجاء الشَّيْطَان، فلم أكن لأجلس عِنْد مجيء الشَّيْطَان
وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بجهر السوء عَلِيماً- ١٤٨- به ثُمّ أخبر أن العفو والتجاوز خير عِنْد اللَّه من الانتصار فقال- سبحانه-: إِنْ تُبْدُوا خَيْراً يعني تعلنوه أَوْ تُخْفُوهُ يعني تسروه أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فعل بك فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً- ١٤٩- يَقُولُ فَإِن اللَّه أقدر عَلَى عفو ذنوبك منك عَلَى العفو عن صاحبك .
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني اليهود منهم عامر بن مَخْلَد، ويزيد ابن زَيْد كفروا بعيسى وبمحمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ الرسل يعني مُوسَى وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ الرسل يعني عِيسَى ومحمدا- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا- ١٥٠- يعنى دينا يعنى إيمانا ببعض الرسل وكفرا ببعض الرسل أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا حين كفروا ببعض الرسل لا ينفعهم إيمان ببعض وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ فِي الآخرة عَذاباً مُهِيناً- ١٥١- يعنى الهوان ثُمّ ذكر الْمُؤْمِنِين فَقَالَ- سُبْحَانَهُ- وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ يعني بين الرسل وصدقوا بالرسل جميعًا أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ [٨٩ أ] يعني جزاء أعمالهم وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً - ١٥٢- يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ نزلت فِي اليهود وذلك أن كَعْب بن الأشرف، وفنحاص اليهودي قَالُوا للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إن كُنْت صادقا بأنك رسول فأتنا بكتاب غَيْر هَذَا، مكتوب فِي السماء جملة واحدة كَمَا جاء به مُوسَى، فذلك قوله: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ ... إلى قوله- سُبْحَانَهُ -: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً يعني معاينة فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ يعني الموت بِظُلْمِهِمْ لقولهم أرنا اللَّه جهرة: معاينة ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ يعنى الآيات التسع فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ فلم نستأصلهم جميعًا عقوبة باتخاذهم العجل وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً- ١٥٣- يعني حجة بينة يعني اليد والعصى وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ يعني الجبل فوق رءوسهم رفعه جبريل- عَلَيْه السَّلام- وكانوا فِي أصل الجبل فرفع الطور فوق رءوسهم بِمِيثاقِهِمْ لأن يقروا بما فِي التوراة وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً يعني باب حطة وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ أَيّ لا تعدوا فِي أَخَذَ الحيتان يوم السبت وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً- ١٥٤- يعني شديدا والميثاق إقرارهم بما عهد اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فِي التوراة فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ يعني فبنقضهم إقرارهم بما فِي التوراة وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ يعني الإنجيل والقرآن وهم اليهود وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ وذلك حين سمعوا من النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ عرفوا أن الَّذِي قال لهم النبي- صلى الله عليه وسلم- حق وقالوا قُلُوبُنا غُلْفٌ يعني فِي أكنة عَلَيْهَا الغطاء فلا تَفْقَه وَلا تفهم ما تَقُولُ يا محمد، كراهية ما سمعوا من النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من كفرهم بالإنجيل والفرقان يَقُولُ اللَّه- تَعَالَى-: Muqatil ibn Sulayman 1/418Muqatil ibn Sulayman 1/418
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ يعني ختم عَلَى قلوبهم فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا- ١٥٥- يَقُولُ ما أقل ما يؤمنون فإنهم لا يؤمنون البتة وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً- ١٥٦- وذلك أن اليهود قذفوا مريم- عَلَيْهَا السَّلام- بيوسف بن ماثان بالزنا وكان ابْن عمها وكان قَدْ خطبها، ومريم ابنة عِمْرَانَ بن ماثان وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَلَم يقولوا رَسُول اللَّه وَلَكِن اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- قَالَ:
رَسُولَ اللَّهِ ثُمّ قَالَ- تَعَالَى-: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ بصاحبهم الذي قتلوه [٨٩ ب] . وكان اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- قَدْ جعله عَلَى صورة عِيسَى فقتلوه، وكان المقتول لطم عِيسَى، وقَالَ لعيسى حين لطمه: أتكذب عَلَى اللَّه حين تزعم أنك رسوله. فَلَمَّا أخذه اليهود ليقتلوه قَالَ لليهود: لست بعيسى أنا فُلان، واسمه يهوذا فكذبوه، وقالوا لَهُ: أَنْت عِيسَى، وكانت اليهود جعلت المقتول رقيبا عَلَى عِيسَى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فألقى اللَّه- تَعَالَى ذكره- شبهه عَلَى الرقيب فقتلوه، ثُمّ قَالَ سبحانه: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ يعني فِي عِيسَى وهم النَّصارى، فَقَالَ بعضهم قتله اليهود، وقَالَ بعضهم لَمْ يقتل لَفِي شَكٍّ مِنْهُ فِي شك من قتله مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً- ١٥٧- يَقُولُ وما قتلوا ظنهم يقينا يَقُولُ لَمْ يستيقنوا قتله كقول الرَّجُل قتلته علما ، فأكذب الله- عز وجل- اليهود في قتل عِيسَى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ- عَزَّ وَجَلّ- بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ إلى السماء حيا فِي شهر رمضان فِي ليلة القدر «وَهُوَ ابْن ثلاث وثلاثين سنة رفع إلى السماء من جبل بيت المَقْدِس» فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً- ١٥٨- يعني عزيزا منيعا حين منع عِيسَى من القتل، حكيما حين حكم رفعه. قَالَ وترك عِيسَى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد رفعه خفين ومدرعة وحذافة يحذف بها الطير. وقالت عَائِشَة- رَضِيَ اللَّه عَنْهَا-: Muqatil ibn Sulayman 1/420Muqatil ibn Sulayman 1/420
وترك رَسُول اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد موته إزارا غليظا وكساء ووسادة أدم حشوها ليف وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ يعني وما من أَهْل الكتاب يعني اليهود إِلَّا ليؤمنن بِهِ يعني بعيسى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَبْلَ مَوْتِهِ أَنَّهُ نَبِيّ رسول قبل موت اليهودي يعني عِنْد موته لأن الملائكة تضرب وجوههم وأدبارهم وتقول: يا عدو اللَّه إن المسيح الَّذِي كذبتم به هُوَ عَبْد اللَّه ورسوله حقا، فيؤمن به وَلا ينفعه، ويؤمن به من كان منهم حيا إذا نزل عِيسَى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فينزل عِيسَى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى ثنية يُقَالُ لها أفيق دهين الرأس عَلَيْه ممصرتان ومعه حربة يقتل بها الدجال. فَقِيل لِابْن عَبَّاس- رحِمَه اللَّه-: فَمنْ غرق من اليهود أَوْ أحرق بالنار أَوْ أكله السبع. قَالَ: لا تخرج روحه حَتَّى يؤمن بعيسى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمّ قَالَ- تَعَالَى-: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً- ١٥٩- أنه قد بلغهم الرسالة. قوله- سبحانه-: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا يعني اليهود حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ يعني فِي الأنعام: يعني اللحوم والشحوم وكل ذِي ظفر لهم حلال فحرمها اللَّه- عَزَّ وجل- عليهم بعد موسى. Muqatil ibn Sulayman 1/421Muqatil ibn Sulayman 1/421
وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً- ١٦٠- فيها إضمار يقول [٩٠ أ] وبصدهم عن سبيل الله كثيرا يعني دين الْإِسْلام وعن محمد- صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم- وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَهُوَ محرم بغير حق وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ يعني اليهود عَذاباً أَلِيماً- ١٦١- يعني وجيعا فهذا الظلم الَّذِي ذكره فِي هَذِهِ الآية. ثُمّ ذكر مؤمني أَهْل التوراة، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-:
لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وذلك أن عَبْد اللَّه بن سلام وأصحابه قالوا للنبي- صلى الله عليه وسلم-: إن اليهود لتعلم أن الَّذِي جئت به حق، وإنك لمكتوب عندهم فِي التوراة. فقالت اليهود: لَيْسَ كَمَا تقولون: وإنهم لا يعلمون شيئًا وإنهم ليغرونك ويحدثونك بالباطل .
فَقَالَ اللَّه- عَزَّ وجل-: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ يعني المتدارسين علم التوراة يعني ابْن سلام وأصحابه «مِنْهُمْ» يعني من اليهود وَالْمُؤْمِنُونَ يعني أصحاب محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من غَيْر أَهْل الكتاب يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من القرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ من الكتاب عَلَى الْأَنْبِيَاء: التوراة والإنجيل. ثُمّ نعتهم فَقَالَ- سبحانه- وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ يعني المعطون الزكاة وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنَّهُ واحد لا شريك لَهُ والبعث الَّذِي فيه جزاء الأعمال أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً يعنى جزاء عَظِيماً- ١٦٢- إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وذلك أن عَدِيّ بن زَيْد وصاحبيه اليهود قَالُوا للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- واللَّه ما أوحى اللَّه إليك، وَلا إلى أحد من بعد موسى فكذبهم الله - عَزَّ وَجَلّ- فَقَالَ: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ يعني من بعد نوح هود وصالح وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ يعني بني يَعْقُوب يُوسُف وإخوته وأوحينا إليهم فِي صحف إِبْرَاهِيم ثُمّ قَالَ وَأوحينا إلى عِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً- ١٦٣- لَيْسَ فِيهِ حد وَلا حكم وَلا فريضة ولا حلال ولا حرام خمسين ومائة سورة فَأَخْبَرَه اللَّه بهن ليعلموا أنه نَبِيّ فقالت اليهود: ذكر محمد النبيين وَلَم يبين لنا أمر مُوسَى أكلمه اللَّه أم لَمْ يكلمه؟ فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فِي قول اليهود وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ هَؤُلاءِ بمكة فِي الأنعام وَفِي غيرها لأن هَذِهِ مدنية وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً- ١٦٤- يعني مشافهة وَهُوَ ابن أربعين سنة ليلة النار ومرة أخرى حين أعطي التوراة رُسُلًا مُبَشِّرِينَ بالجنة وَمُنْذِرِينَ من النار [٩٠ ب] لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ فيقولوا : يوم الْقِيَامَة لَمْ يَأتِنا لك رسول وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً- ١٦٥- حكم إرسال الْأَنْبِيَاء إلى الناس Muqatil ibn Sulayman 1/422Muqatil ibn Sulayman 1/422
فَقَالَ لهم النبي- صلى الله عليه وسلم-: إنكم لتعلمون حق ما أقول، وإنه لفي التوراة فَإِن تتوبوا وترجعوا يغفر لَكُمْ ذنوبكم. قَالُوا: لو كان ما تقول فى التوراة لتابعناك. فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: واللَّه إنكم لتشهدون بما أقول.
قَالُوا: ما عندنا بِذَلِك شهادة قَالَ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فَإِن لم يشهد لك أحد منهم فَإِن اللَّه وملائكته يشهدون بِذَلِك فذلك قوله- عَزَّ وَجَلّ- لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ من القرآن أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ بذلك وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً- ١٦٦- يَقُولُ فلا شاهد أفضل من اللَّه بأنه أنزل عليك القرآن «ثُمّ قَالَ يعنيهم» إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني اليهود كفروا بمحمد والقرآن وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني عن دين الْإِسْلام قَدْ ضَلُّوا عن الهدى ضَلالًا بَعِيداً- ١٦٧- يعني طويلا ثُمّ قَالَ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني اليهود كفروا بمحمد والقرآن وَظَلَمُوا يعني وأشركوا بِاللَّه لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً- ١٦٨- إلى الهدى ثُمّ استثنى إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها يعني طريق الكفر، فهو يقود إلى جَهَنَّم خالدين فيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً Muqatil ibn Sulayman 1/423Muqatil ibn Sulayman 1/423
- ١٦٩- يعنى عذابهم على الله هينا يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ يعنى محمدا بِالْحَقِّ يعنى بالقرآن مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ يعني صدقوا بالقرآن فهو خير لَكُمْ من الكفر وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الخلق وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً- ١٧٠- يا أَهْلَ الْكِتابِ يعني النَّصارى لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ يعني الْإِسْلام فالغلو فِي الدّين أن تقولوا عَلَى اللَّه غَيْر الحق فِي أمر عِيسَى ابْن مريم- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وليس للَّه- تبارك وتعالى- ولدا وَكَلِمَتُهُ يعني بالكلمة قَالَ كن فكان أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ يعني بالروح أَنَّهُ كان من غَيْر بشر نزلت فِي نصارى نجران فِي السيد والعاقب ومن معهما ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: فَآمِنُوا يعني صدقوا بِاللَّهِ- عَزَّ وَجَلّ- بأنه واحد لا شريك لَهُ وَرُسُلِهِ يعني محمدا- صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ- بأنه نَبِيّ ورسول وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ يعني لا تقولوا إن اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- ثالث ثلاثة انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ يعني عِيسَى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق عبيده وَفِي ملكه عِيسَى وغيره وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا- ١٧١- يعنى شهيدا بذلك ثم قال- عز وجل-: نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ Muqatil ibn Sulayman 1/424Muqatil ibn Sulayman 1/424
يعنى لن يأنف نْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا
[٩١ أ] يستنكفْ مَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
أن يكونوا عَبِيدا للَّه ليعتبروا بكون الملائكة أقرب إلى- اللَّه عَزَّ وَجَلّ- منزلة من عِيسَى ابْن مريم وغيره فَإِن عِيسَى عَبْد من عباده ثُمّ أوعد النَّصارى فَقَالَ: مَنْ يَسْتَنْكِفْ
يعنى ومن يأنف نْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ
يعني ومن يأنف عن عبادة اللَّه يعني التوحيد ويستكبر يعنى ويتكبر عن العبادةسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً
- ١٧٢- فلم يستنكف ويستكبر غير إبليس وأخبر الْمُؤْمِنِين بمنزلتهم فِي الآخرة ومنزلة المستنكفين فَقَالَ: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ يعني فيوفي لهم جزاءهم وَيَزِيدُهُمْ عَلَى أعمالهم مِنْ فَضْلِهِ الجنة.
وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا يعنى أنفوا وَاسْتَكْبَرُوا عن عبادة اللَّه بالتوحيد فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً يعني وجيعًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا يعني قريبا ينفعهم وَلا نَصِيراً- ١٧٣- يعني مانعا يمنعهم من الله- عز وجل- يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعني بيان وَهُوَ القرآن وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً- ١٧٤- يعني ضياء بينا من العمى وَهُوَ القرآن فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ يعني صدقوا بِاللَّه- عَزَّ وَجَلّ- بأنه واحد لا شريك لَهُ وَاعْتَصَمُوا بِهِ يعني احترزوا به يعني بالله- عز وجل- فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ يعني الجنة وَفَضْلٍ يعني الرزق فِي الجنة وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً- ١٧٥- يَسْتَفْتُونَكَ نزلت فِي جَابِر بن عَبْد اللَّه الأنصاري من بني سلمة بن جشم بن سعد ابن عَلِيّ بن شاردة بن يَزِيد بن جشم بن الخزرج وَفِي أخواته قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ يعني به الميت الَّذِي يموت وليس لَهُ وَلَد وَلا والد فهو الكلالة، وذلك أن جَابِر بن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ- رحِمَه اللَّه- مرض بالمدينة فعاده رَسُول اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يا رَسُول اللَّهِ، إني كلالة لا أب لي وَلا وَلَد فكيف أصنع فِي مالي فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ يعني مات لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ الميت من الميراث وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ إذا ماتت قبله فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ يعني أختين فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا يَقُولُ لئلا تخطئوا قسمة المواريث وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ من قسمة المواريث عَلِيمٌ- ١٧٦- نظيرها فِي الأنفال. Muqatil ibn Sulayman 1/425Muqatil ibn Sulayman 1/425
سورة المائدة Muqatil ibn Sulayman 1/427Muqatil ibn Sulayman 1/427
Muqatil ibn Sulayman 1/429Muqatil ibn Sulayman 1/429
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ ... الآية) .
قال وقد نزلت فِي عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا حين أسقطت قلادتها وهي مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غزاة بني أنمار، وهم حي من قَيْس عيلان .
وهناك حوادث فردية نادرة الحدوث كانت سببا فى نزول آيات من القرآن الكريم، حلالها وبيانا لامثالها. مثل قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ... سورة المائدة: ١٠٦.
قال مقاتل : نزلت فِي بديل بن أَبِي مارية مَوْلَى العاص بن وائل السهمي كان خرج مسافرا فِي البحر إلى أرض النجاشي ومعه رجلان نصرانيان أَحَدهمَا يسمى تميم بن أَوْس الداري وكان من لحم وعدي بن بندا، فمات بديل وَهُمْ فِي البحر فرمى به فى البحر. وكان بديل قد كتب وصيته ثُمّ جعلها فِي متاعه ثُمّ دفعه إلى تميم وصاحبه وقَالَ لهما أبلغا هَذَا المتاع إلى أهلي فجاءا ببعض المتاع وحبسا جاما من فضة مموها بالذهب، فنزلت الآية . Muqatil ibn Sulayman 5/131Muqatil ibn Sulayman 5/131
- ٤- نماذج تطبيقية من هدى القرآن
وكثيرا ما تنزل آيات لتهذيب النفوس وتأديب المسلمين بأدب الإسلام فتكون الحادثة سببا فى إبراز أخلاق الإسلام العالية ودعوة المسلمين إليها بلا محاباة ولا مجاملة فى الحق.
كان لأحد المسلمين شهادة على أبيه فنزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً سورة النساء: ١٣٥.
ان الأخلاق السامية التي دعا إليها القرآن كانت نموذجا رائعا للخلق الكريم المتسامى على النفعية والانانية.
«هذا يهودي يسمى زيد بن السمين يستودع طعمة بن أبيرق الأنصاري من الأوس درعا من حديد، ثم يطلب اليهودي درعه من طعمة فيجحده طعمة، ويذهب قوم طعمة الى النبي صلى الله عليه وسلم فيبرئوا صاحبهم ويجادلوا عنه بالباطل، وقد صدقهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو يرى انهم صدقوا. ولكن القرآن نزل يدافع عن اليهودي ويتهم الأنصاري» رغم حرب اليهود للمسلمين وحملتهم المضلة على الإسلام، وذلك فى قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ، وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً. وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً. وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً. يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ، وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً. ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا، وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً. وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً. وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ، وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
. Muqatil ibn Sulayman 5/132Muqatil ibn Sulayman 5/132
- ٥- القرآن والحرب
وإذا كانت الدعوة الاسلامية قد اضطرت الى الحرب تامينا للدعاة، وحماية للحق، وتحطيما لطواغيت الكفر، فان القرآن ينظم هذه الحرب، ويدعو المسلمين الى اعداد العدة للقاء أعدائهم، والى الجهاد فى سبيل الله نصرا لدينه، وطلبا لمرضاته، وابتغاء للثواب من عنده.
وفى أول معركة بين المسلمين والكفار انتصر المسلمون، وغنموا، وبدا ان كل فئة ترى انها أحق بالغنائم من الاخرى، فينزل الوحى مجيبا على سؤالهم ومؤدبا لهم.
يقول تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قال مقاتل : لما هزم العدو يوم بدر، واتبعتهم طائفة يقتلونهم، وأحدقت طائفة برسول الله عليه الصلاة والسلام، واستولت طائفة على العسكر والنهب- قالت كل طائفة نحن أحق بالانفال، فانزل الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ... الآية. فقسمه رسول الله عليه الصلاة والسلام بالسوية.
وقد انزل الله ملائكة السماء تؤيد المؤمنين وتلقى الرعب فى قلوب الكافرين.
ويذهب مقاتل الى ان الملائكة قاتلت يوم بدر مع المؤمنين ولم يقاتلوا يوم الأحزاب ولا يوم خيبر، فى تفسير قوله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ.
قال مقاتل وذلك
أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نظر الى المشركين وهم الف وأصحابه ثلثمائة واربعة عشر رجلا. استقبل القبلة ثم مد يديه وجعل يهتف بربه اللهم أنجز ما وعدتني اللهم ان تهلك هذه العصابة من اهل الإسلام لا نعبد فى الأرض.. فأمدهم الله بالملائكة، ونزل جبريل عليه السلام في ألف من الملائكة، فقام جبريل فى خمسمائة ملك عن ميمنة الناس معهم أبو بكر، ونزل ميكائيل عليه السلام فى خمسمائة على ميسرة الناس معهم عمر، في صور الرجال عليهم البياض، وعمائم بيض قد ارخوا أطرافها بين أكتافهم. والظاهرة الملاحظة هنا هي إسراف مقاتل فى التجسيم، سواء فى حديثه عن صفات الله او عن اعمال الملائكة. Muqatil ibn Sulayman 5/133Muqatil ibn Sulayman 5/133
وقد ذهب استاذنا الدكتور مصطفى زيد فى تفسيره لسورة الأنفال الى ان نزول الملائكة فى غزوة بدر كان لتثبيت المؤمنين، واستبعد ان يكونوا قد اشتركوا مع المؤمنين فى قتال المشركين .
وفى تأييد الله للمؤمنين بانزال المطر لهم وتغشية النعاس إياهم يقول مقاتل تفسيرا للآية ١١ فى السورة:
القى الشيطان الرعب فى قلوب المؤمنين، فألقى الله عليهم النعاس أمنة من الله ليذهب همهم، وأرسل السماء عليهم ليلا فمطرت مطرا جوادا حتى سالت الأودية، وملئوا الأسقية، وسقوا الإبل، واتخذوا الحياض، واشتدت الرملة، وكانت تأخذ الى كعبي الرجال .. فانزل الله الآية.
- ٦- العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب
اولع مقاتل ببيان اسباب نزول وقد أعاب قوم عليه العناية بأسباب النزول ، لأنها توهم ان لكل آية فى القرآن سبب نزول ولأنها تقطع الآية الواحدة الى اجزاء متناثرة لكل جزء سبب نزول خاص.
ونحن لا نوافقهم على ذلك فالعناية بأسباب النزول ضرورية لمن أراد تفسير القرآن حتى قال الواحدي:
لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان سبب نزولها.
وقال ابن دقيق العيد: Muqatil ibn Sulayman 5/134Muqatil ibn Sulayman 5/134
بيان سبب النزول طريق قوى فى فهم معاني القرآن، وقال ابن تيمية:
معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فان العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب.
وقال السيوطي: لمعرفة اسباب النزول فوائد. وأخطأ من قال لا فائدة له لجريانه مجرى التاريخ.
على ان العناية بأسباب النزول لا تعنى قصر الحكم على من نزل بشأنه فقد انزل الله الكتاب هدى ونورا وتبيانا لكل شيء وتكفل الله بحفظه، ومن حفظ الكتاب حفظ علومه وتاريخ نزوله واسباب نزوله ومعرفة «ان ورود العام على سبب خاص لا يسقط عمومه» .
ان القول بتعدية الآيات الى غير أسبابها جعل جمهور الأصوليين يذهبون الى ان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» .
فالنص القرآنى العام الذي نزل بسبب خاص معين يشمل بنفسه افراد السبب وغير افراد السبب، لان عموميات القرآن لا يعقل ان توجه الى شخص معين.
قال ابن تيمية: «والناس وان تنازعوا فى اللفظ العام الوارد على سبب: هل يختص بسببه؟ فلم يقل احد ان عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وانما غاية ما يقال: انها تختص بنوع ذلك الشخص فتعم ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ والآية التي لها سبب معين ان كانت امرا او نهيا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته. وان كانت خبرا بمدح او ذم فهي متناولة لذلك الشخص ولمن كان بمنزلته ايضا فان العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب ولهذا كان أصح قولي الفقهاء: انه إذا لم يعرف ما نواه الحالف رجع الى سبب يمينه وما هيجها وأثارها .
- ٧- مثال بحركة النفاق المدينة
هذه مثلا حركة النفاق التي تفاقم أمرها بالمدينة، وكان لزاما ان يثير القرآن فى كثير من سوره وآياته حملة عنيفة عليها، وعلى دسائس المنافقين واراجيفهم، حتى نزلت فيهم سورة تخمل اسمهم الخاص، وترسم لهم اخزى صورة، ثم ترميهم بالبلادة والجمود، حتى لتشبههم بالتماثيل الصامتة والخشب المسندة، وتصفهم بالتوجس والجبن والفزع كلما هجس صوت، او علت صيحة، او تحرك شيء، بالرغم من ظاهرهم الخداع، وأجسامهم الطوال العراض، التي تسر الناظرين. قال تعالى: Muqatil ibn Sulayman 5/135Muqatil ibn Sulayman 5/135
وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ، وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ، قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ .
وقد قال مقاتل فى بيان سبب نزولها : نزلت فى عبد الله بن ابى ابن سلول، وكان رجلا جسيما صبيحا فصيحا زلق اللسان، فإذا قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم لقوله (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) يقول كان أجسامهم خشب لا تسمع ولا تعقل، لأنها خشب ليست فيها أرواح، فكذلك المنافقون لا يسمعون الايمان ولا يعقلون «إذ» ليس فى أجوافهم ايمان فشبه أجسامهم بالخشب.
يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ يقول إذا نادى مناد في العسكر او أفلتت دابة او أنشدت ضالة ظنوا أنما يرادون بذلك مما في قلوبهم من الرعب.
فهل يعقل ان يكون المقصود بهذا الوصف نفرا من منافقي الأوس والخزرج كانوا فى عصر التنزيل ثم لم يلبثوا ان انقرضوا؟ .
وإذا تناول القرآن أولئك النفر تناولا اوليا ووصف أخلاقهم وصفا مطابقا، فهل من مانع عقلي يحجر هذه الآيات ونظائرها عن ان تكون عبرة عامة شاملة، ونموذجا خالدا، شاخصا لمن مضى ولمن يجيء من هذا الصنف الى يوم القيامة، فى كل طائفة تدعى انها على دين .
- ٨- وصف المنافقين فى سورة التوبة
ولعل أوضح وادل منال على عموم الآيات النازلة فى المنافقين ما ورد من صفاتهم فى سورة التوبة.
فقد وصفتهم السورة ابلغ وصف وأظهرت خيانتهم وكشفت نفاقهم وكذبهم حتى يتقى المسلمون شرهم وغدرهم وحتى يظلوا عبرة للاجيال القادمة فى كل زمان ومكان، فنحذرهم أينما وجدوا ونتقي شرهم أينما حلوا. Muqatil ibn Sulayman 5/136Muqatil ibn Sulayman 5/136
وهناك هدف آخر من وصف المنافقين وهو تحذير الناس ان يأمنوا جانبهم ويركنوا إليهم او ينخرطوا فى جماعتهم بسبب الغرور او الغفلة.
فمن كذبهم وسوء قصدهم اتخاذ المساجد مكانا للخيانة والغدر ومكر السوء بالمسلمين. وقد عناهم الله بقوله: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ سورة التوبة: ١٠٧.
قال مقاتل : نزلت في اثني عشر رجلا من المنافقين وكلهم من الأنصار، قالوا نبنى مسجدا نتحدث فيه ونخلوا فيه فإذا رجع ابو عامر الراهب من الشام قلنا بنيناه لتكون امامنا فيه.
فلما فرغوا من بنائه أتوا رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا انا قد بنينا مسجدا وما أردنا الا الحسنى، ونحب ان تصلى فيه فانزل الله الآية.
ومن اسلحة المنافقين السخرية والاستهزاء وتوهين العزائم وعيب المجاهدين كما وصفهم الله بقوله: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
قال مقاتل : نزلت فى مصعب بن قيس وحكيم بن زيد، كانوا يطعنون المتصدقين. فجاء عبد الرحمن بن عوف بشيء كثير فقالوا مراء وجاء عاصم بن عدى الأنصاري بسبعين وسقا من تمر وهو حمل بعير فنثره فى الصدقة، وجاء ابو عقيل ابن قيس الأنصاري بصاع، ونفر من المنافقين جلوس فمن تصدق بشيء كثير قالوا مراء ومن جاء بقليل قالوا كان هذا أفقر إلى ماله. وقالوا لعبد الرحمن بن عوف ما أنفقت الا رياء وقالوا لأبي عقيل لقد كان الله ورسوله غنيين عن صاع أبي عقيل فسخروا وضحكوا منهم فانزل الله الآية.
وقد حاول المنافقون قتل النبي وبيتوا أمرهم على الكيد للإسلام والمسلمين فلما كشف الله أمرهم واخبر نبيه بمكرهم اقسموا بالله كذبا كعادتهم قال تعالى:
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ سورة التوبة: ٧٤. Muqatil ibn Sulayman 5/137Muqatil ibn Sulayman 5/137
وقد تعددت الأقوال فى اسباب نزول هذه الآية. فذهب مقاتل الى انها نزلت فى الجلاس بن سويد الصامت وكان ممن تخلف عن غزوة تبوك. فلما سمع ما أنزله الله فى المنافقين قال لئن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير فرفع عامر بن قيس ذلك إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحلف الجلاس بالله ما قلت فانزل الله الآية.
واخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا فى ظل شجرة فقال انه سيأتيكم انسان ينظر بعيني شيطان، فطلع رجل أزرق فدعاه النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم فانزل الله تعالى «يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ... » الآية .
واخرج الحاكم هذا الحديث بهذا اللفظ وقال: فانزل الله يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ.. الآيتين .
وتعدد الأقوال فى اسباب نزول الآية الواحدة يدعونا الى توضيح لهذا الموضوع.
- ٩- التعبير عن سبب النزول
تختلف عبارات الرواة فى التعبير عن سبب النزول. فتارة يصرح فيها بلفظ السبب فيقال: (سبب نزول الآية كذا) وهذه العبارة نص فى السببية لا تحتمل غيرها، وتارة لا يصرح بلفظ السبب، ولكن يؤتى بفاء داخلة على مادة نزول الآية عقب سرد حادثة، او ذكر سؤال طرح على رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل (حدث كذا فنزلت آية كذا- او سئل عليه السلام عن كذا فنزلت آية كذا) .
وهذا نص واضح فى السببية ايضا، كرواية ابن مسعود عند ما سئل النبي عن الروح فانزل الله (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ... ) الآية.
ومرة اخرى لا يصرح بلفظ السبب، ولا يؤتى بتلك الفاء، ولا بذلك الجواب المبنى على السؤال. بل يقال: نزلت هذه الآية فى كذا (مثلا) . وهذه العبارة ليست نصا فى السببية بل نحتملها ونحتمل امرا آخر هو بيان ما تضمنته الآية من الأحكام. Muqatil ibn Sulayman 5/138Muqatil ibn Sulayman 5/138
والقرائن وحدها هي التي تعين احد هذين الاحتمالين او ترجحه.
قال ابن تيمية : قولهم (نزلت هذه الآية فى كذا) يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة ان ذلك داخل فى الآية وان لم يكن السبب كما تقول عنى بهذه الآية كذا.
وقال الزركشي فى «البرهان» قد عرف من عادة الصحابة والتابعين ان أحدهم إذا قال: (نزلت هذه الآية فى كذا) فانه يريد بذلك ان هذه الآية تتضمن هذا الحكم لا ان هذا كان السبب فى نزولها.
«وكثيرا ما نجد المفسرين وغيرهم يقولون نزلت فى كذا وكذا، وهم يريدون ان من الأحوال التي تشير إليها تلك الآية تلك الحالة الخاصة، فكأنهم يريدون التمثيل» .
ففي كتاب الايمان من صحيح البخاري فى باب قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا،
ان عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقى الله وهو عليه غضبان.
فانزل الله تصديق ذلك إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا الآية .
فدخل الأشعث بن قيس فقال ما حدثكم ابو عبد الرحمن قالوا كذا وكذا قال فى أنزلت، كانت لي بئر فى ارض ابن عم لي ... إلخ.
فابن مسعود جعل الآية عامة لأنه جعلها تصديقا لحديث عام والأشعث جعلها خاصة بحادثة معينة هي نص فى سبب نزول الآية.
فالمعتمد فى سبب نزول هذه الآية رواية الأشعث بن قيس لأنها نص فى سبب النزول. اما رواية ابن مسعود فاستنباط منه وتفسير لا ذكر لسبب النزول.
ومن هنا نعلم انه إذا وردت عبارتان فى موضوع واحد: أحدهما نص فى السببية لنزول آية او آيات، والثانية ليست نصا فى السببية لنزول تلك الآية او الآيات.
هنالك نأخذ فى السببية بما هو نص ونحمل الاخرى على انها بيان لمدلول الآية، لان النص أقوى فى الدلالة من المحتمل. Muqatil ibn Sulayman 5/139Muqatil ibn Sulayman 5/139
مثال ذلك: ما أورده مقاتل - وهو موافق لما أخرجه مسلم عن جابر- فى سبب نزول قوله تعالى نِساؤُكُمْ حَرْثٌ ... سورة البقرة: ٢٢٣.
قال مقاتل: وذلك أن حيي بن أخطب ونفرا من اليهود قَالُوا للمسلمين إنَّه لا يحل لَكُمْ جماع النّساء إِلَّا مستلقيات وإنا نجد فِي كتاب اللَّه عَزَّ وَجَلّ أن جماع المرأة غير مستلقية ذنب عند الله، فقال المسلمون «لرسول الله» إنا كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِي الْإِسْلام نأتي النّساء عَلَى كُلّ حال فزعمت اليهود أَنَّهُ ذنب عِنْد اللَّه عَزَّ وَجَلّ إِلَّا مستلقيات. فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) يعني مزرعة للولد (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) فى الفروج.
وما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال: أنزلت «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ» فى إتيان النساء فى أدبارهن يقصد انها رخصة فى إتيان الدبر، فالمعول عليه ما أورده مقاتل وهو الموافق لما أخرجه مسلم عن جابر «لأنه صريح فى الدلالة على السبب، وقول ابن عمر استنباط منه وقد وهمه فيه ابن عباس وذكر مثل حديث جابر كما أخرجه ابو داود والحاكم» .
نحن اذن امام روايتين فى اسباب نزول آية نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ، الرواية الاولى تذكر ان سبب نزولها ان العرب كانوا يجامعون المراة مقبلة ومدبرة وعلى جنبها وعلى قفاها. فلما هاجروا الى المدينة وجدوا ان اليهود يحرمون إتيان المراة غير مستلقية وان الأنصار تقتدى بهم فى ذلك. فتزوج رجل من قريش امراة من الأنصار فذهب يصنع بها ما يشاء فأنكرته وقالت انما كنا نؤتى على حرف فسرى أمرهما فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فانزل الله نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ اى مقبلات ومدبرات ومستلقيات ما دام فى صمام واحد.
وهذه الرواية هي التي ذكر مضمونها مقاتل فى تفسيره.
وقد رواها الشيخان وابو داود والترمذي واحمد والحاكم . Muqatil ibn Sulayman 5/140Muqatil ibn Sulayman 5/140
والرواية الثانية. رواية البخاري عن ابن عمر ان الآية نزلت فى إتيان المراة فى دبرها.
الرواية الاولى هي التي نعتمد عليها فى اسباب النزول لما يأتي:
١- لأنها صرحت بذكر السبب، اما الثانية فلم تصرح بل قال ابن عمر أنزلت (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ... ) فى إتيان النساء فى أدبارهن.
٢- الاولى اتفق عليها البخاري ومسلم وابو داود والترمذي واحمد والحاكم والثانية تفرد بها البخاري والطبراني فى الأوسط .
وقد ذكر علماء الحديث ان أعلى درجات الحديث ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، فالاولى اولى لاتفاق البخاري ومسلم على روايتها، بينما الثانية تفرد بها البخاري.
٣- الرواية الاولى موافقة لسياق الآية ولضمونها وفحواها، فان معنى قوله تعالى نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ترشيح لان المراد إتيان المراة فى مكان الحرث، وقوله بعد ذلك وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ قيل هو تقديم الولد الصغير يموت قبل أبيه. وهذا ايضا تقوية، لان المراد بقوله فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ اى كيف شئتم وعلى اى حالة رغبتم ما دام فى مكان الحرث.
٤- يبدو ان ابن عمر لم يبلغه حديث جابر الذي صرح بان سبب نزول الآية ادعاء اليهود تحريم جماع الزوجة الا مستلقية، ولهذا استنبط ان الآية تبيح إتيان المراة فى دبرها وقد وهم ابن عمر فى ذلك.
اخرج ابو داود والحاكم عن ابن عباس قال: ان ابن عمر- والله يغفر له- وهم.
انما كان اهل هذا الحي من الأنصار وهم اهل وثن مع هذا الحي من يهود، وهم اهل كتاب كانوا يرون لهم فضلا عليهم فى العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم. وكان من امر اهل الكتاب انهم لا يأتون النساء الا على حرف، وذلك استر ما تكون المراة، وكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك.
وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحا ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امراة من الأنصار. فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه، وقالت انما كنا نؤتى على حرف، فسرى أمرهما، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانزل الله نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ اى مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعنى بذلك موضع الولد.
وإزاء ما تقدم نعتمد فى اسباب النزول هنا على رواية الشيخين، دون رواية البخاري وحده. Muqatil ibn Sulayman 5/141Muqatil ibn Sulayman 5/141
- ١٠- تعدد الأسباب والمنزل واحد
قد ترد روايات متعددة فى اسباب نزول الآية وتذكر كل رواية سببا صريحا غير ما تذكره الاخرى.
فللمحققين مقاييس دقيقة فى تعدد اسباب النزول تتلخص فيما يأتي:
١- إذا كانت احدى الروايتين صحيحة والاخرى غير صحيحة- اعتمدنا على الصحيحة، وردت غير الصحيحة.
٢- إذا كانت كلتاهما صحيحتين ولإحداهما مرجح- اعتمدنا فى بيان السبب على الراجحة دون المرجوحة.
٣- إذا استوت الروايتان فى الصحة، ولا مرجح لإحداهما على الاخرى، وأمكن الأخذ بهما معا لتقارب زمنيهما- أخذنا بهما معا، وحكمنا بنزول الآية عقب حصول السببين كليهما.
٤- إذا استوت الروايتان فى الصحة ولا مرجح، ولا يمكن الأخذ بهما معا حكمنا بنزول الآية عقب كل سبب منهما. اى بتكرار نزولها.
وإليك امثلة ذلك:
اما الصورة الاولى، فمثالها ما أورده مقاتل فى سبب نزول وَالضُّحى، وَاللَّيْلِ إِذا سَجى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى سورة الضحى/ ١- ٣.
قال: وذلك أن جبريل عليه السلام لم ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم أربعين يوما، ويقال ثلاثة ايام، فقال مشركو العرب من أهل مكة لو كان من الله لتتابع الوحى- كما كان يفعل «مع» من كان قبله من الأنبياء. فقد ودعه الله وتركه صاحبه فيما يأتيه، فانزل الله قوله: وَالضُّحى، وَاللَّيْلِ إِذا سَجى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى سورة الضحى/ ١- ٣.
وما
أورده مقاتل موافق فى المعنى لما أخرجه الشيخان وغيرهما عن جندب قال: اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقم ليلة او ليلتين، فاتته امراة فقالت:
يا محمد ما ارى شيطانك الا قد تركك، فانزل الله: وَالضُّحى، وَاللَّيْلِ إِذا سَجى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى.
وهناك رواية اخرى فى سبب نزول الآيات من أول سورة الضحى: هي ما
أخرجه الطبراني وابن ابى شيبة عن حفص بن ميسرة عن امه عن أمها وكانت خادم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن جروا دخل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل تحت السرير فمات، فمكث النبي صلى الله عليه وسلم اربعة ايام لا ينزل عليه الوحى فقال: يا خولة ما حدث فى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ جبريل لا يأتيني. فقلت فى نفسي: لو هيأت البيت وكنسته. فأهويت بالمكنسة تحت السرير فأخرجت الجرو، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ترعد لحيته، وكان إذا نزل عليه أخذته الرعدة» فانزل الله: والضحى الى قوله «فترضى» . Muqatil ibn Sulayman 5/142Muqatil ibn Sulayman 5/142
فنحن بين هاتين الروايتين تقدم الرواية الاولى فى بيان السبب لصحتها. دون الثانية. لان فى اسنادها من لا يعرف، ورائحة الوضع ظاهرة فيها.
قال ابن حجر فى شرح البخاري: (قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة لكن كونها سبب نزول الآية غريب، وفى اسناده من لا يعرف، فالمعتمد ما فى الصحيح) .
واما الصورة الثانية، وهي صحة الروايتين كلتيهما- ولإحداهما مرجح- فحكمها ان نأخذ فى بيان السبب بالراجحة دون المرجوحة.
والمرجح ان تكون إحداهما أصح من الاخرى، او ان يكون راوي إحداهما مشاهدا للقصة دون راوي الاخرى. مثال ذلك، ما أخرجه البخاري عن ابن مسعود قال: «كنت امشى مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو يتوكأ على عسيب، فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم: لو سألتموه. فقالوا: حدثنا عن الروح فقام ورفع رأسه فعرفت انه يوحى اليه حتى صعد الوحى، ثم قال: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا سورة الاسراء/ ٨٥.
وما أورده مقاتل من انها نزلت فى ابى جهل وأصحابه وهو موافق لما أخرجه الترمذي وصححه عن ابن عباس قال: «قالت قريش لليهود، أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل عنه فقالوا اسالوه عن الروح فسألوه فانزل الله وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ الآية» .
فهذا الخبر الثاني يدل على انها نزلت بمكة، وان سبب نزولها سؤال قريش إياه.
اما الاول فصريح فى انها نزلت بالمدينة بسبب سؤال اليهود إياه وهو أرجح من وجهين: أحدهما انه رواية البخاري. اما الثاني فانه رواية الترمذي، ومن المقرر ان ما رواه البخاري أصح مما رواه غيره. ثانيهما ان راوي الخبر الاول وهو ابن مسعود كان مشاهد القصة من أولها الى آخرها كما تدل على ذلك الرواية الاولى، بخلاف الخبر الثاني فان راوية لم يشهد نزول الوحى وما راء كمن سمع . Muqatil ibn Sulayman 5/143Muqatil ibn Sulayman 5/143
واما الصورة الثالثة- وهي ما استوت فيه الروايتان فى الصحة ولا مرجح لإحداهما، لكن يمكن الجمع بينهما، بان كلا من السببين حصل ونزلت الآية عقب حصولهما معا لتقارب زمنيهما.
فحكم هذه الصورة ان نحمل الأمر على تعدد السبب لأنه الظاهر ولا مانع يمنعه. قال ابن حجر: «لا مانع من تعدد الأسباب» .
مثال ذلك: ما
أخرجه البخاري من طريق عكرمة عن ابن عباس ان هلال ابن امية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «البينة او حد فى ظهرك» ، فقال يا رسول الله، إذا وجد أحدنا مع امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة. وفى رواية انه قال: والذي بعثك بالحق انى لصادق، ولينزلن الله تعالى ما يبرئ ظهري من الحد فنزل جبريل عليه السلام وانزل عليه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ حتى بلغ إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ
ةا هـ. سورة النور: ٦- ٩.
وقال مقاتل - وهو موافق لما أخرجه الشيخان عن سهل بن سعد- لما انزل الله تعالى، وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً.. وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم هاتين الآيتين في خطبة يوم الجمعة، فقال عاصم ابن عدى الأنصاري للنبي صلى الله عليه وسلم: جعلني الله فداك، لو أن رجلا منا وجد على بطن امرأته رجلا فتكلم- جلد ثمانين جلدة، ولا تقبل له شهادة في المسلمين أبدا، ويسميه المسلمون فاسقا، فكيف لأحدنا عند ذلك بأربعة شهداء؟ إلى أن يلتمس أحدنا أربعة شهداء فقد فرغ الرجل من حاجته، فأنزل الله عز وجل فى قوله:
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ بالزنا وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ يعني الزوج أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ الى ثلاث آيات. Muqatil ibn Sulayman 5/144Muqatil ibn Sulayman 5/144
فابتلى الله عز وجل عاصما بذلك في يوم الجمعة الأخرى، فأتاه ابن عمه عويمر الأنصاري من بني العجلان بن عمرو بن عوف، وتحته ابنة عمه أخي أبيه، فرماها بابن عمه شريك بن السحماء والخليل والزوج والمرأة كلهم من بني عمرو بن عوف وكلهم بنو عم عاصم. فقال «عويمر» يا عاصم لقد رأيت شريكا على بطن امرأتي فاسترجع عاصم فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أرأيت سؤالي عن هذه وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ؟ فقد ابتليت بها في أهل بيتي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما ذاك يا عاصم؟ فقال: أتاني ابن عمي فأخبرني أنه وجد ابن عم لنا على بطن امرأته، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الزوج والخليل والمراة، فاتوه فقضى بينهم .
فهاتان الروايتان صحيحتان، ولا مرجح لإحداهما على الاخرى. ومن السهل ان نأخذ بكلتيهما لقرب زمانيهما، على اعتبار ان أول من سال هو هلال بن امية، ثم قفاه عويمر قبل اجابته، فسال بواسطة عاصم مرة، وبنفسه مرة اخرى .
فانزل الله الآية اجابة للحادثين معا. ولا ريب ان اعمال الروايتين بهذا الجمع، اولى من اعمال إحداهما وإهمال الاخرى، إذ لا مانع يمنع الأخذ بهما على ذلك الوجه.
ثم لا جائز ان نردهما معا لأنهما صحيحتان ولا تعارض بينهما، ولا جائز ايضا ان نأخذ بواحدة ونرد الاخرى لان ذلك ترجيح بلا مرجح. فتعين المصير الى ان نأخذ بهما معا. واليه جنح النووي وسبقه اليه الخطيب فقال: (لعلهما اتفق لهما ذلك فى وقت واحد اهـ.
واما الصورة الرابعة- وهي استواء الروايتين او الروايات فى الصحة دون مرجح لإحداهما، ودون إمكان الأخذ بهما معا او بها جميعا، لبعد الزمان بين الأسباب- فحكمها هو تكرار نزول الآية بعدد اسباب النزول التي تحدثت عنها الروايتان، لأنه اعمال لكل رواية ولا مانع منه. Muqatil ibn Sulayman 5/145Muqatil ibn Sulayman 5/145
قال الزركشي فى البرهان: «وقد ينزل الشيء مرتين تعظيما لشأنه، وتذكيرا به عند حدوث سببه خوف نسيانه» .
مثال ذلك ما أورده مقاتل فى سبب نزول قوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ... الى آخر سورة النحل: ١٢٦- ١٢٨.
قال مقاتل: «وذلك أن كفار مكة قتلوا يوم أحد طائفة من المؤمنين ومثلوا بهم، منهم حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقروا بطنه، وقطعوا مذاكيره، وأدخلوها في فيه. وحنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة. فحلف المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم لئن دالنا الله عز وجل «منهم» لنمثلن بهم أحياء، فأنزل الله عز وجل الآيات» .
وما أورده مقاتل قريب مما
أخرجه البيهقي والبزار عن ابى هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على قبر حمزة حين استشهد وقد مثل به، فقال: لأمثلن بسبعين منهم مكانك، فنزل جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بخواتيم سورة النحل، وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ الى آخر السورة.
وقد اخرج الترمذي والحاكم عن ابى بن كعب قال: (لما كان يوم احد أصيب من الأنصار اربعة وستون، ومن المهاجرين ستة، منهم حمزة فمثلوا به، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربين (اى لنزيدن) عليهم، فلما كان يوم فتح مكة انزل الله (وان عاقبتم) الآية..
فالرواية الاولى تفيد ان الآية نزلت فى غزوة احد، والثانية تفيد انها نزلت يوم فتح مكة، على حين ان بين غزوة احد وغزوة الفتح الأعظم بضع سنين، فبعد ان يكون نزول الآية مرة واحدة عقبيهما معا.
فلا بد لنا من القول بتعدد نزول الآيات. أول الأمر فى غزوة احد، وبعد ذلك عقب فتح مكة.
أقول. وقد لاحظنا ان مقاتلا كان يورد روايات صحيحة فى اسباب نزول الآية فى الصور الأربع التي ذكرها السيوطي فى الإتقان.
ففي الصورة الاولى- وهي الاعتماد على الرواية الصحيحة ورفض غير الصحيحة- كانت رواية مقاتل لسبب نزول وَالضُّحى، وَاللَّيْلِ إِذا سَجى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى موافقة لما فى الصحيح.
وفى الصورة الثانية- كانت رواية مقاتل مرجوحة لا راجحة عند السيوطي.
فى حين ذهب الزركشي فى البرهان، الى ان وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ مما تكرر نزوله، وكذلك قال عنها ابن كثير فى تفسيره. وبذلك صار ما ذهب اليه مقاتل راجحا فى نظرهما، وهما أوثق من السيوطي. Muqatil ibn Sulayman 5/146Muqatil ibn Sulayman 5/146
وفى الصورة الثالثة- وهي الحكم بتعدد الأسباب والنازل واحد- كان ما رواه مقاتل موافقا لما رواه الشيخان البخاري ومسلم فى سبب نزول آية وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ فروايته هنا صحيحة كذلك.
وفى الصورة الرابعة- وهي تكرر نزول الآية او الآيات- كما فى خواتيم سورة النحل- كان ما رواه مقاتل موافقا لما أخرجه البيهقي والبزار عن ابى هريرة انها نزلت فى استشهاد حمزة، وقد اجتمعت الروايات على هذه الحقيقة.
وهذا يؤيد ما ذكرته فى صدر الموضوع. من ان الرأي السائد بضعف الأحاديث التي اعتمد عليها مقاتل فى اسباب النزول او كذبها، تكذبه مقارنة هذه الأحاديث والآثار بما فى كتب السنن، فهذه المقارنة تظهر ان أكثرها غير ضعيف. وان فيها عددا وافرا موافقا لما فى الصحيح، لكن هذا لا يمنع من ان فى تفسير مقاتل آثارا ضعيفة، لكن ضعف بعضها انما هو فى الاسناد، اما المتن فصحيح مؤيد بطرق اخرى تقويه. وضعف بعضها الآخر- بل وضعه- ظاهر ليس فى حاجة الى بيان..
- ١١- تعدد النازل والسبب واحد
ذكر مقاتل انه قد يكون امر واحد سببا لنزول آيتين او آيات متعددة من القرآن. مثال ذلك ما رواه مقاتل - وهو موافق لما أخرجه الحاكم والترمذي ان أم سَلَمَة أم الْمُؤْمِنِين رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ: ما لنا مَعْشَر النساء عِنْد اللَّه خبر، وما يذكرنا فى الهجرة بشيء، فانزل الله تعالى: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى، بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ، وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ
.
وانزل ايضا فى قول ام سلمة: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ فى الأحزاب، الى آخر الآية . قال مقاتل. فأشرك الله النساء مع الرجال فِي الثواب، كَمَا شاركن الرجال فِي الأعمال الصالحة فى الدنيا . Muqatil ibn Sulayman 5/147Muqatil ibn Sulayman 5/147
واخرج الحاكم ايضا ان ام سلمة رضى الله عنها قالت: تغزو الرجال ولا تغزو النساء وانما لنا نصف الميراث. فانزل الله: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ ... وانزل: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ ... .
فظهر لنا ان كلام ام سلمة كان سببا فى نزول آيات ثلاث:
١- إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ ... سورة الأحزاب: ٣٥.
٢- فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى ...
سورة آل عمران: ١٩٥.
٣- وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ ... سورة النساء: ٣٢.
وهذا هو ما يعبر عنه بتعدد النازل والسبب واحد .
- ١٢- فوائد معرفة اسباب النزول
معرفة اسباب النزول تعين على فهم الآية. وتوضح ما خفى منها. وقد زعم بعض الناس انه لا فائدة للإلمام بأسباب النزول، فانها لا تعدو ان تكون تاريخا او جارية مجرى التاريخ . Muqatil ibn Sulayman 5/148Muqatil ibn Sulayman 5/148
واستهان الشيخ محمد عبده بأسباب النزول ، ولم يعول عليها كثيرا، بسبب اشتمالها على الصحيح والعليل، واختراع بعض الناس أسبابا لنزول الآيات.
والحق انه لا طريق لمعرفة اسباب النزول الا النقل عن الصحابة الذين عاصروا الوحى والنزول ووقفوا على الأحوال والملابسات التي أحاطت بنزول الآيات، وسمعوا من الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يسمعه غيرهم، فعنهم وحدهم يؤخذ هذا العلم.
والى هذا أشار الواحدي بقوله: (ولا يحل القول فى اسباب نزول الكتاب الا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل، ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها، وجدوا فى الطلاب) .
ان اسباب النزول آثار واردة وأحاديث مأثورة ينطبق عليها ما ذكره علماء الحديث ونقدته.
فلا تقبل جملة ولا ترفض جملة، فما كان صحيحا قبلناه، وما كان موضوعا رفضناه.
ويقول الواحدي ايضا: (لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها) .
(وان التعبير عن سبب النزول بالقصة ليوحى بالحكمة البالغة فى معرفة الأسباب التي دعت الى تنزيل الوحى، ويجعل آيات القرآن تتلى فى كل زمان ومكان بشغف وولوع، وتطرد السآمة عن جميع القارئين بما توالى عرضه من حكايات أمثالهم، وأقاصيص أسلافهم، كأنها حكاياتهم هم إذ يرتلون آيات الله، او أقاصيصهم هم ساعة يطربون لوحى السماء) .
من اجل هذا كان جهل الناس بأسباب النزول كثيرا مما يوقعهم فى اللبس والإبهام فيفهمون الآيات على غير وجهها ولا يصيبون الحكمة الالهية من تنزيلها، كما حدث لمروان بن الحكم حين توهم ان قوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ ينطبق عليه، فقال لبوابه: اذهب يا رافع الى ابن عباس فقل له: لئن كان كل امرئ فرج بما اوتى وأحب ان يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون! Muqatil ibn Sulayman 5/149Muqatil ibn Sulayman 5/149
فقال ابن عباس: وما لكم ولهذه! انما دعا النبي صلى الله عليه وسلم يهود، فسألهم عن شيء فكتموه إياه، واخبروه بغيره، فاروه ان قد استحمدوا اليه بما اخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم، ثم قرا ابن عباس: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ حتى قوله: (يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا) فلم يزل الاشكال الا بمعرفة سبب النزول.
ولولا بيان اسباب النزول لأباح الناس لأنفسهم التوجه فى الصلاة الى الناحية التي يرغبون فيها، عملا بالمتبادر من قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ .
فإذا قرانا تفسير مقاتل رأينا انها نزلت فى ناس من الْمُؤْمِنِين كانوا فِي سفر، فحضرت الصَّلاة فى يوم غيم، فتحيروا، فمنهم من صلى قبل المشرق، ومنهم من صلى قبل المغرب، وذلك قبل أن تحول القبلة إلى الكعبة، فَلَمَّا طلعت الشمس عرفوا أنهم قَدْ صلوا لغير القبلة، فقدموا المدينة، فأخبروا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِك، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ.
قال مقاتل: وأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ... الى آخر الآية .
ولولا بيان اسباب النزول لظل الناس الى يومنا هذا يبيحون تناول المسكرات وشرب الخمور، أخذا بظاهر قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا .. فقد «حكى عن عثمان بن مطعون وعمرو بن معد يكرب انهما كانا يقولان: الخمر مباحة، ويحتجان بهذه الآية. وخفى عليهما سبب نزولها فانه يمنع من ذلك، وهو ما ذكره مقاتل وغيره: من انه لما نزل تحريم الخمر قال المسلمون: إن إخواننا ماتوا وقتلوا وَقَدْ كانوا يشربونها، فانزل الله تعالى: Muqatil ibn Sulayman 5/150Muqatil ibn Sulayman 5/150
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ ... الآية.
فنزلت الآية عذرا للماضين وحجة على الباقين.
نخلص من كل ما تقدم الى ان لاسباب النزول فوائد عديدة أهمها:
١- دفع الاشكال عن الآية:
كما روى ان عروة بن الزبير أشكل عليه ان يفهم فرضية السعى بين الصفا والمروة من قوله سبحانه: (إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما) . واشكاله نشا من ان الآية الكريمة نفت الجناح، ونفى الجناح لا يتفق والفرضية فى رأيه. وبقي فى اشكاله حتى سال خالته عائشة ام المؤمنين رضى الله عنها، فأفهمته ان نفى الجناح هنا ليس نفيا للفرضية، انما هو نفى لما وقر فى أذهان المسلمين يومئذ من ان السعى بين الصفا والمروة من عمل الجاهلية، نظرا الى ان الصفا كان عليه صنم يقال له (إساف) ، وكان على المروة صنم يقال له (نائلة) ، وكان المشركون إذا سعوا بينهما تمسحوا بهما، فلما ظهر الإسلام وكسر الأصنام تحرج المسلمون ان يطوفوا بينهما لذلك، فنزلت الآية. كما رواه مقاتل .
٢- دفع توهم الحصر، عما يفيد بظاهر الحصر:
نحو قوله سبحانه فى سورة الأنعام: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ، أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ..
قال مقاتل : ان الكفار لما حرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرم الله قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: من اين أتيتم بهذا التحريم؟ فسكتوا فلم يجيبوه إِلَّا أنهم قَالُوا حرمه آباؤنا، فقال النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمنْ أَيْنَ حرمه آباؤكم؟
قَالُوا: اللَّه أمرهم بتحريمه ... فأنزل الله الآية: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ ... إلخ الآية.
وقد ذهب الشافعي الى ان الحصر فى هذه الآية غير مقصود، وقال انها نزلت بسبب أولئك الكفار الذين أبوا الا ان يحرموا ما أحل الله ويحلوا ما حرم الله، فنزلت الآية بهذا الحصر الصوري مشادة لهم، لا قصدا الى حقيقة الحصر. يؤيد هذا ما نقله عنه السبكى من قوله: (ان الكفار لما حرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرم الله، وكانوا على المضادة والمحادة، جاءت الآية مناقضة لغرضهم، فكأنه قال: لا حلال الا ما حرمتموه، ولا حرام الا ما أحللتموه. نازلا منزلة من يقول لك: لا تأكل اليوم حلاوة فتقول لا آكل اليوم الا حلاوة والغرض المضادة لا النفي والإثبات على الحقيقة. فكأنه تعالى قال: لا حرام الا ما أحللتموه من الميتة، والدم، ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، ولم يقصد حل ما وراءه، إذ القصد اثبات التحريم لا اثبات الحل. قال امام الحرمين: وهذا فى غاية الحسن، ولولا سبق الشافعي الى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك فى حصر المحرمات فيما ذكرته الآية . Muqatil ibn Sulayman 5/151Muqatil ibn Sulayman 5/151
٣- معرفة من نزلت فيهم الآية على التعيين حتى لا يشتبه بغيره فيتهم البريء ويبرأ المريب: ولهذا ردت عائشة على مروان حين اتهم أخاها عبد الرحمن بن ابى بكر بانه الذي نزلت فيه آية وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما سورة الأحقاف/ ١٦ وقالت: والله ما هو به. ولو شئت ان أسميه لسميته .
وقد ذهب مقاتل الى ان هذه الآية نزلت فى عبد الرحمن بن أبي بكر وأمه رومان بنت عمرو بن عامر الكندي، دعاه أبواه إلى الإسلام وأخبراه بالبعث بعد الموت، فقال لوالديه (أف لكما) . وما رواه مقاتل موافق لما أخرجه ابن جرير من طريق العوفى عن ابن عباس، ولما أخرجه ابن ابى حاتم عن السدى. لكن الرواية الاولى- وهي رد عائشة على مروان- وردت فى البخاري من طريق يوسف بن ماهان.
كما اخرج عبد الرزاق من طريق مكي انه سمع عائشة تنكر ان تكون الآية نزلت فى عبد الرحمن بن ابى بكر، وقالت انما نزلت فى فلان سمت رجلا.
والمقاييس الدقيقة التي ذكرت فى اسباب النزول- وهي التي تقضى بقبول الصحيح ورفض ما عداه- تلزمنا هنا بقبول رواية البخاري ورفض ما رآه مقاتل.
قال الحافظ ابن حجر: ونفى عائشة أصح اسنادا واولى بالقبول .
٤- وأخيرا فان من فوائد معرفة اسباب النزول تيسير حفظ القرآن، وتسهيل فهمه، وتثبيت الوحى فى ذهن كل من يسمع الآية إذا عرف سببها. وذلك لان ربط الأسباب بالمسببات، والأحكام بالحوادث، والحوادث بالاشخاص والازمنة والامكنة- كل أولئك من دواعي تقرير الأشياء ورسوخها فى الذهن، وسهولة استذكارها عند استذكار مقارناتها فى الفكر، بسبب تداعى المعاني كما ذكر فى علم النفس. Muqatil ibn Sulayman 5/152Muqatil ibn Sulayman 5/152
وأخيرا لقد ترك لنا مقاتل فى تفسيره ذخيرة كبيرة من اسباب نزول الآيات، وقد كانت هذه الذخيرة فى حاجة الى دراسة فاحصة لتمييز الصحيح من العليل، فبذلت جهدي فى ذلك أثناء تحقيقي لهذا التفسير، وانى لأرجو ان يكون الله قد وفقني فيما قمت به، واساله ان يعينني على تدارك ما فاتنى، انه ولى التوفيق؟ Muqatil ibn Sulayman 5/153Muqatil ibn Sulayman 5/153
[الباب الثاني النسخ عند مقاتل]
١- النسخ عند مقاتل.
٢- الآيات المنسوخة عند مقاتل.
جدول لجميع الآيات المنسوخة عند مقاتل.
٣- مناقشة نسخ هذه الآيات.
٤- مناقشة المنسوخ بآية السيف.
٥- راى أستاذي الدكتور مصطفى زيد فى المراد بآية السيف.
٦- تعقيب على المناقشة.
٧- تقسيم الآيات المنسوخة عند مقاتل الى ستة اقسام.
٨- جدول بالآيات المنسوخة بآية السيف.
بيان تفصيلي بالآيات المنسوخة بآية السيف.
٩- جدول بآيات ليس فيها الا التخصيص.
بيان تفصيلي بهذه الآيات والآيات الناسخة لها.
١٠- جدول بآيات ليس فيها الا تفسير المبهم.
بيان تفصيلي بهذه الآيات.
١١- جدول بآيات لا تعارض فيها بين الناسخ والمنسوخ.
بيان تفصيلي بهذه الآيات.
١٢- جدول بآيات منسوخة عند مقاتل وهي اخبار لا تقبل النسخ.
بيان تفصيلي بهذه الآيات.
١٣- جدول بآيات منسوخة عند مقاتل وفيها حقيقة النسخ.
بيان تفصيلي بهذه الآيات.
١٤- آيات ينطبق عليها النسخ ولم يعتبرها مقاتل منسوخة. Muqatil ibn Sulayman 5/155Muqatil ibn Sulayman 5/155
- ١- النسخ عند مقاتل
[تمهيد:]
كان الصحابة والتابعون وتابعوهم يستعملون النسخ بإزاء المعنى اللغوي- الذي هو ازالة شيء بشيء- لا بإزاء مصطلح الأصوليين .
«فيطلقون النسخ على تقييد المطلق وعلى تخصيص العام وعلى بيان المبهم والمجمل، كما يطلقونه على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر عنه» .
فلما جاء الامام الشافعي (١٥٠- ٣٠٥ هـ) حرر معنى النسخ وميزه عن تقييد المطلق وتخصيص العام واعتبرهما من انواع البيان .
ومضى الاصوليون والمؤلفون فى الناسخ والمنسوخ على نهج الشافعي، فعنى معظمهم ببيان الفروق بين النسخ وكل من التخصيص والتقييد والتفسير والتفصيل.
هذا ابو جعفر محمد بن جرير الطبري (٢٢٤- ٣١٠ هـ) يشير فى تفسيره (الى انه لا ناسخ من آي القرآن واخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ما نفى حكما ثابتا الزم العباد فرضه، غير محتمل بظاهره وباطنه غير ذلك. فاما إذا احتمل غير ذلك- من ان يكون بمعنى الاستثناء او الخصوص والعموم، او المجمل والمفسر- فمن الناسخ والمنسوخ بمعزل ... ولا منسوخ الا الحكم الذي قد كان ثبت حكمه وفرضه) .
وقد ظل بعض المؤلفين فى النسخ يتبعون الإطلاق الاول له فيطلقونه على التخصيص والتقييد والتفسير، مما ادى الى الاضطراب فى الموضوع. وكان من فضل الله توفيق استاذنا الدكتور مصطفى زيد الى إخراج كتابه «النسخ فى القرآن» .
ففي هذا الكتاب عالج المشكلة علاجا حاسما، مما حملني على اعتباره مرجعي الاول فى الموضوع لأنه آخر انتاج استفاد مما سبقه، ويسر الطريق لمن جاء بعده. Muqatil ibn Sulayman 5/157Muqatil ibn Sulayman 5/157
- ٢- الآيات المنسوخة عند مقاتل
عدد الآيات المنسوخة عند مقاتل اربع وأربعون آية، منها ست عشرة آية منسوخة بآية السيف- او فى حكمها- وثمان وعشرون آية منسوخة بآيات اخرى.
وعند تفسير هذه الآيات يتضح ان تعريف النسخ لا ينطبق الا على ثلاث آيات منها، اما الباقي فليس فيه الا تخصيص العام او تفسير المبهم، وما إليهما ومنه آيات هي فى حقيقتها اخبار، والاخبار لا تقبل النسخ، ومنه آيات لا تعارض بينها وبين ناسخها. Muqatil ibn Sulayman 5/158Muqatil ibn Sulayman 5/158
السورة/ رقم الآية/ جزء من الآية/ رقم الورقة فى تفسير مقاتل/ رقم المجلد والصفحة فى النسخة المحققة/ رقم الفقرة التي عالجتها فى كتاب النسخ فى القرآن الأنفال ٢/ ٦١ ٧٥/ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ والذين آمنوا من بعد وهاجروا/ ١/ ١٤٨ ا ١/ ١٤٩ ب/ ٢/ ١٢٣ ٢/ ١٣١/ ٧٨٥- ٧٨٩ التوبة ١/ ٨٠/ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً/ ١/ ١٥٨ ا/ ٢/ ١٨٦- ١٨٧/ ١٠٩٤- ١٠٩٧ يونس/ ٩٩ ١٠٨/ وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ وما انا عليكم بوكيل/ ١/ ١٦٩ ب ١/ ١٦٩ ب/ ٢/ ٢٥٠ ٢/ ٢٥٢/ ٥٨٦- ٥٨٧ ٥٨٦- ٥٨٧ الاسراء/ ٢/ ٢٤ ٣٤/ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما ولا تقربوا مال اليتيم/ ١/ ٢١٤ ب ١/ ٢١٥ ا/ ٢/؟ / ٢/؟ / ٨٤٣ ١١٠٤- ١١٠٥ الحج ١/ ٦٩/ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ/ ١/ ٢٨ ا/ ٣/ ١٣٧/ ٦٢٧ العنكبوت ١/ ٤٦/ وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ/ ٢/ ٧٤ ا/ ٣/ ٣٨٥/ ٧٦٧- ٧٦٨ السجدة ١/ ٣٠/ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ/ ٢/ ٨٦ ا/ ٣/ ٤٥٤/ ٧٣٨- ٧٣٩ الأحزاب ١/ ٦/ وَأُولُوا الْأَرْحامِ/ ٢/ ٨٨ ا/ ٣/ ٤٧٤- ٤٧٥ الشورى ٣/ ٥ ١٥ ٢٠/ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ لنا اعمالنا ولكم اعمالكم ومن كان يريد حرث الدنيا/ ٢/ ١٣٧ ب ٢/ ١٣٨ ب ٢/ ١٣٩ ا/ ٣/ ٧٦٣- ٧٦٤ ٣/ ٧٦٧ ٣/ ٧٦٨/ ٦٣٤ ٦٣٥- ٦٣٦ ٦٣٧ [جدول لجميع الآيات المنسوخة عند مقاتل] Muqatil ibn Sulayman 5/159Muqatil ibn Sulayman 5/159
السورة/ ارقام الآيات المنسوخة/ جزء من الآية/ رقم الورقة فى تفسير مقاتل/ رقم المجلد والصفحة فى النسخة المحققة/ رقم الصفحة التي عالجتها فى كتاب النسخ فى القرآن البقرة ٨/ ١٧٨/ الْحُرُّ بِالْحُرِّ/ ١/ ٢٧ ب/ ١/ ١٥٨/ ٨٦٩- ٨٧٢ ١٨٠/ الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ/ ١/ ٢٨ ا/ ١/ ١٥٩/ ٨٢٠- ٨٢٤ ١٨٤/ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ/ ١/ ٢٨ ب/ ١٦٠١- ١٦١/ ٨٨٣- ٨٨٨ ١٩١ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ/ ١/ ٣٠ ب/ ١/ ١٦٨/ ٨٨٩- ٨٩٥ ٢١٥/ يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ/ ١/ ٣٤ ب ١/ ١٨٣/ ٩١٢- ٩١٩ ٢٢٨/ وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ/ ١/ ٣٧ ب/ ١/ ١٩٤/ ٨٣٤- ٨٣٥ ٢٤٠/ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ/ ١/ ٤٠ ا/ ١/ ٢٠١/ ١١٥٥- ١١٦٥ ٢٨٤/ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ/ ١/ ٤٩ ا/ ١/ ٢٣١/ ٨٣٦- ٨٣٩ آل عمران ١/ ١٠٢ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ/ ١/ ٥٩ ا/ ١/ ٢٩٢- ٢٩٣/ ٨٤٧ النساء ٥/ ١٠/ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى / ا ٧٠ ا/ ١/ ٣٦٠/ ٨٤٩ ١٥/ وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ/ ١/ ٧٢ ا/ ١/ ٣٦٢- ٣٦٣- ١٢٥٠/ ١٢٦٢ ١٦/ وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ/ ١/ ٧٢ ا/ ١/ ٣٦٣/ ١٢٥٠/ ١٢٦٢ ٦٣/ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ/ ١/ ٧٨ ا/ ١/ ٣٨٥- ٣٨٦/ ٧٣١ ٩١/ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ/ ١/ ٨٢ ا/ ١/ ٣٩٦/ ١١٦٦/ ١١٧٢ المائدة ٣/ ٢/ لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ/ ١/ ٩٢ ب/ ١/ ٤٤٨- ٤٥١/ ١١٧٣/ ١١٨٤ ١٣/ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ/ ١/ ٩٥ ب/ ١/ ٤٦٢/ ٧٤٥- ٧٤٩ ٤٢/ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ/ ١/ ١٠٠ ب/ ١/ ٤٧٨/ ١٠١٩/ ١٠٢٦ الانعام ٥/ ١٥/ قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي/ ١/ ١١٤ ب/ ١/ ٥٥٢- ٥٥٣/ ٥٩٩- ٦٠٠ ٦٦/ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ/ ١/ ١١٨ ب/ ٥٦٦/ ٥٨٤- ٥٨٧ ٦٩/ وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ/ ١/ ١١٨ ب/ ١- ٥٦٧/ ٦٠١- ٦٠٢ ١٠٧/ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ/ ١/ ١٢٢ ب/ ١/ ٥٨٣/ ٥٨٤- ٥٨٧ ١٥٩/ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ/ ١/ ١٢٧ ا/ ١/ ٥٩٩/ ٦٠٣- ٦٠٥ الأعراف ١/ ١٩٩/ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ/ ١/ ١٤١ ا/ ٢/ ٨١/ ١٠٥٧/ ١٠٦٤ السورة/ رقم الآية/ جزء من الآية/ رقم الورقة فى تفسير مقاتل/ رقم المجلد والصفحة فى النسخة المحققة/ رقم الفقرة التي عالجتها فى كتاب النسخ فى القرآن الزخرف ١/ ٨٩/ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ/ ٢/ ١٤٦ ب/ ٣/ ٨٠٧/ ٧٥٢ الجاثية ١/ ١٤/ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا/ ٢/ ١٤٩ ب/ ٣/ ٨٣٧/ ٧٧٢- ٧٧٥ الأحقاف ١/ ٩/ قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ/ ٢/ ١٥٢ ا/ ٤/ ١٧ الذاريات ١/ ١٩/ وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ/ ٢/ ١٧٠ ا/ ٤/ ١٢٩/ ٦٤٦ المجادلة ١/ ١٢/ إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ/ ٢/ ١٨٨ ا/ ٤/ ٢٦٤/ ١٢٣١- ١٢٣٥ الممتحنة ١/ ١١/ وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ/ ٢/ ١٩٤ ب/ ٤/ ٣٠٥- ٣٠٦/ ١١٩٧- ١٢٠٣ المزمل ١/ ١٠/ وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ/ ٢/ ٢١٣ ب/ ٤/ ٤٧٦/ ٧١٥ المجموع/ ٤٤ آية - ٣- مناقشة نسخ هذه الآيات Muqatil ibn Sulayman 5/160Muqatil ibn Sulayman 5/160
وإذا امعنا النظر فى الآيات التي ادعى مقاتل انها منسوخة وجدنا كثيرا منها لا ينطبق عليه تعريف النسخ عند الأصوليين، وعذر مقاتل واضح فى ذلك، فقد جاء فى عصر مبكر كان النسخ يطلق فيه على التخصيص والتقييد وبيان المبهم وتفصيل المجمل.
(فقد كان الصحابة والتابعون يرون ان النسخ هو مطلق التغيير الذي يطرأ على بعض الأحكام فيرفعها ليحل غيرها محلها او يخصص ما فيها من عموم او يقيد ما فيها من اطلاق) .
- ٤- مناقشة المنسوخ بآية السيف
ويكفى ان تعرف ان ست عشرة آية منسوخة عنده بآية السيف وليس فى هذه الآيات نسخ. بل هي مما امر به لسبب ثم زال سببه.
فالله امر المسلمين بالصبر وعدم القتال، فى ايام ضعفهم وقلة عددهم، لعلة الضعف والقلة، ثم أمرهم بالجهاد فى ايام قوتهم وكثرتهم، لعلة القوة والكثرة.
وأنت خبير بان الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، وان انتفاء الحكم لانتفاء علته لا يعد نسخا، بدليل ان وجوب الصبر والتحمل عند الضعف والقلة لا يزال قائما الى اليوم، وان وجوب الجهاد والدفاع عند القوة والكثرة لا يزال قائما كذلك الى اليوم.
وما احكم الزركشي فى تعليقه على هذا الموضوع بقوله: (وبهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين فى الآيات الآمرة بالتخفيف انها منسوخة بآية السيف، وليست كذلك بل هي من المنسأ، بمعنى ان كل امر ورد يجب امتثاله فى وقت ما، لعلة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة الى حكم آخر، وليس بنسخ انما النسخ الازالة حتى لا يجوز امتثاله ابدا) .
- ٥- راى أستاذي الدكتور مصطفى زيد فى المراد بآية السيف
وقد جاء فى كتاب (النسخ فى القرآن) ان آية السيف تامر بقتل المشركين حيث وجدوا، وباسر من لم يقتل منهم، وبحصارهم وتضييق الخناق عليهم. لكن من هم هؤلاء المشركون؟. Muqatil ibn Sulayman 5/162Muqatil ibn Sulayman 5/162
(ان الآية السابقة واللاحقة تحدد انهم فريق خاص من المشركين. كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوه، وظاهروا عليه أعداءه. وقد برىء الله ورسوله منهم، وآذنهم بالحرب ان لم يتوبوا عن كفرهم، ويؤمنوا بالله ربا واحدا، وبمحمد نبيا ورسولا.
(وهؤلاء المشركون اعداء الإسلام ونبيه ليسوا هم كل المشركين، بدليل قوله جل ثناؤه قبل آية السيف: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً، فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ .
(فليس قتال المشركين غاية فى ذاته، بل هو وسيلة لتأديب أئمة الكفر الذين طعنوا فى دين الله، وصدوا الناس عن سبيله، ونقضوا عهودهم مع رسول الله، وظاهروا عليه أعداءه، ونكثوا ايمانهم، وهموا بإخراج الرسول، وبداوا المؤمنين بالقتال فى بدر) .
فقتالهم مقصود به كسر شوكتهم، وازالة جبروتهم وطغيانهم من طريق الدعوة الاسلامية، حتى تستطيع ان تصل الى آذان العرب جميعا.
(وانما شرع القتال فى الإسلام لتأمين الدعاة اليه، ولضمان الحرية التي تكفل لهم إبلاغ دعوته، ودرء الشبه عن عقيدته، بالمنطق السليم والحجة المقنعة. ومن اجل هذا خص أئمة الكفر بالأمر بقتالهم، لأنهم يحولون بالقوة بين الدعاة والشعوب التي يجب ان تدعى.
فإذا ما هيئت للدعاة وسائل الدعوة فى امن وحرية فلا حرب ولا قتال) ؟
- ٦- تعقيب على المناقشة
وهكذا يتضح ان الآيات التي ادعى مقاتل انها منسوخة بآية السيف ليست من النسخ فى شيء، بل هي من (المنسأ) الذي دار مع سببه وجودا وعدما. Muqatil ibn Sulayman 5/163Muqatil ibn Sulayman 5/163
ويلحق بهذا القسم كل ما أمر به لسبب، ثم زال حكمه لزوال علته. كالامر بالمغفرة للذين لا يرجون لقاء الله. ثم نسخه بإيجاب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . وكالنهى عن ادخار لحوم الأضاحي من اجل الدافة ، ثم ورود الاذن فيه فلم يعد منسوخا، بل من باب زوال الحكم لزوال علته. حتى لو فجا اهل ناحية جماعة مضرورون تعلق باهلها النهى) .
- ٧- تقسيم الآيات المنسوخة عند مقاتل الى ستة اقسام
لقد قلنا ان عدد الآيات المنسوخة عند مقاتل اربع وأربعون آية. ويمكننا الآن ان نقسم هذه الآيات الى ستة اقسام:
١- القسم الاول آيات منسوخة بآية السيف وعددها ست عشرة آية.
٢- القسم الثاني ليس فيها الا تخصيص العام وعددها خمس آيات.
٣- القسم الثالث آيات ليس فيها الا تفسير المبهم وعددها آيتان.
٤- القسم الرابع آيات لا تعارض بينها وبين ناسخها وعددها ثلاث عشرة آية.
٥- القسم الخامس آيات هي فى حقيقتها اخبار وعددها خمس آيات.
٦- القسم السادس آيات هي المنسوخ حقيقة وعددها ثلاث آيات.
وسنخصص جدولا لآيات كل قسم، مع الاشارة الى جزء من الآية، ثم نورد كل آية منسوخة على حدة. ونتبعها بالآية الناسخة لها عند مقاتل، وتعقيبنا على دعوى النسخ. وجل هذا التعقيب مستخرج من كتاب (النسخ فى القرآن الكريم) لاستاذى الدكتور مصطفى زيد. Muqatil ibn Sulayman 5/164Muqatil ibn Sulayman 5/164
- ٨- جدول بالآيات المنسوخة بآية السيف عند مقاتل
اسم السورة/ الآيات التي فيها/ رقم الآية/ من نص الآية/ رقم الجزء والورقة فى تفسير مقاتل/ رقم المجلد والصفحة فى تحقيقي له النساء/ ٢/ ٦٣/ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ/ ١/ ٧٨ ا/ ١/ ٣٨٥- ٣٨٦ ٩١/ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ/ ١/ ٨٢ ا/ ١/ ٣٩٦ المائدة/ ١/ ١٣/ فَاعْفُ عَنْهُمْ/ ١/ ٩٥ ب/ ١/ ٤٦٢ الانعام/ ٢/ ٦٦/ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ/ ١/ ١١٨ ب/ ١/ ٥٦٦ ١٠٧/ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ
/ ١/ ١٢٢ ب/ ١/ ٥٨٣ الأعراف/ ١/ ١٠٩/ خُذِ الْعَفْوَ/ ١/ ١٤١ ا/ ١/ ٨١ الأنفال/ ١/ ٧٥/ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ/ ١/ ١٤٩ ب/ ٣/ ١٣١ يونس/ ٢/ ٩٩/ وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ/ ١/ ١٦٩ ب/ ٢/ ٢٥٠ ١٠٨/ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ/ ١/ ١٦٩ ب/ ٢/ ٢٥٢ الحج/ ١/ ٦٩/ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ/ ٢/ ٢٨ ا/ ٣/ ١٣٧ العنكبوت/ ١/ ٤٦/ وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ/ ٢/ ٤٧ ا/ ٣/ ٣٨٥ الم السجدة/ ١/ ٣٠/ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ/ ٢/ ٨٦ ا/ ٣/ ٤٥٤ الأحزاب/ ١/ ٦/ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ/ ٢/ ٨٨ ا/ ٣/ ٤٧٤- ٤٧٥ الزخرف/ ١/ ٨٩/ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ/ ٢/ ١٤٦ ب/ ٣/ ٨٠٧ الجاثية/ ١/ ١٤/ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا/ ٢/ ١٤٩ ب/ ٣/ ٨٣٧ المزمل/ ١/ ١٠/ وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ/ ٢/ ٢١٣ ب/ ٤/ ٤٧٦ المجموع/ ١٦ آية [وهذا هو نص الآيات:] Muqatil ibn Sulayman 5/165Muqatil ibn Sulayman 5/165
١- الآية ٦٣ من سورة النساء هي قوله تعالى:
أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً.
والحديث فيها عن المنافقين، والمنافق لا يقتل وانما يوعظ ويخوف.
٢- والآية ٩١ من سورة النساء هي قوله تعالى:
سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها، فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً.
والآية نزلت فى قوم مخصوصين اسلموا قبل ان تنزل آية السيف، كما ان آية السيف نزلت- هي ايضا- فى قوم مخصوصين .
٣- والآية ١٣ من سورة المائدة هي قوله تعالى:
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
والآية تتحدث عن بنى إسرائيل: او عن بنى النضير الذين هموا بقتل رسول الله وأصحابه حين أتاهم يستعين بهم فى دية العامريين- كما قال الطبري-، فلا وجه لنسخها بآية السيف التي نزلت فى فئة من المشركين .
٤- والآية ٦٦ من سورة الانعام هي:
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ.
وهي توضيح ان وظيفة الرسول هي التبليغ عن الله، وانه ليس وكيلا على الكفار ولا حفيظا عليهم، ما دام قد بلغهم دعوة الله. فلا منافاة بينها وبين قتالهم، إذا تعين هذا القتال وسيلة للدعوة .
ومن جهة اخرى سبق ان ذكرنا ان هذا من المنسأ لا من المنسوخ.
٥- والآية ١٠٧ من سورة الانعام هي:
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ.
وهي كسابقتها. Muqatil ibn Sulayman 5/166Muqatil ibn Sulayman 5/166
٦- والآية ١٩٩ من سورة الأعراف هي.
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ. وهي كسابقتيها.
٧- والآية ٧٥ من سورة الأنفال هي:
وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ.
قال مقاتل فَأُولئِكَ مِنْكُمْ فى الميراث، وهي منسوخة بالجزء الأخير منها وهو:
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
قال مقاتل بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ في الميراث. فورث المسلمون بعضهم بعضا من هاجر ومن لم يهاجر في الرحم والقرابة .
وليس هذا من المنسوخ، ولكنه مما امر به لسبب ثم زال الحكم لزوال علته، فقد كان الميراث على الهجرة عند الحاجة إليها. ثم صار الى القرابة حين أعز الله الإسلام، وأغناه عن الهجرة.
٨- والآية ٩٩ من سورة يونس هي:
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ.
وفيها ما تقدم.
٩- والآية ١٠٨ من سورة يونس هي:
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ.
وفيها ما تقدم ايضا.
١٠- والآية ٦٩ من سورة الحج هي:
اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.
وهي ايضا خبرية، والاخبار لا تقبل النسخ، بل ان ادعاء النسخ فيها إساءة ادب مع الله فهو سبحانه الحكم العدل يوم القيامة.
١- والآية ٤٦ من سورة العنكبوت هي:
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
والآية فى مجادلة اهل الكتاب، وآية السيف فى قتال فئة من المشركين، فلا تعارض ولا نسخ.
وقد ذهب الطبري وابو جعفر النحاس الى انها محكمة . Muqatil ibn Sulayman 5/167Muqatil ibn Sulayman 5/167
١٢- والآية ٣٠ من سورة السجدة هي:
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ.
وفيها ما تقدم.
١٣- والآية ٦ من سورة الأحزاب هي:
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً.
وقال مقاتل نسختها الآية فى آخر الأنفال. يقصد الجزء الأخير منها وهو وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وقد سبق بيان ان هذا من باب المنسأ، وليس بنسخ.
١٤- والآية ٨٩ من سورة الزخرف هي:
فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.
وقد سبق بيان انها ليست منسوخة.
١٥- والآية ١٤ من سورة الجاثية هي: Muqatil ibn Sulayman 5/168Muqatil ibn Sulayman 5/168
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نُعَيْم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مِسْعَر، حدثني مَعْن وعَوْف - أو: أحدهما-أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود [ رضي الله عنه ] فقال: اعهد إليَّ. فقال: إذا سمعت الله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فارْعِها سَمْعَك، فإنه خَيْر يأمر به، أو شَر ينهى عنه.
وقال: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم -دُحيم-حدثنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، عن الزهري قال: إذا قال الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) افعلوا، فالنبي ﷺ منهم.
وحدثنا أحمد بن سنَان، حدثنا محمد بن عُبيد حدثنا الأعمش، عن خَيْثَمَة قال: كل شيء في القرآن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فهو في التوراة: "يأ يها المساكين" .
فأما ما رواه عن زيد بن إسماعيل الصائغ البغدادي، حدثنا معاوية - يعني: ابن هشام-عن عيسى بن راشد، عن علي بن بُذَيْمَة، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) إلا أن عليًا سيدها وشريفها وأميرها، وما من أصحاب النبي ﷺ أحد إلا قد عوتب في القرآن إلا علي بن أبي طالب، فإنه لم يعاتبْ في شيء منه. فهو أثر غريب ولفظه فيه نكارة، وفي إسناده نظر.
قال البخاري: عيسى بن راشد هذا مجهول، وخبره منكر. قلت: وعلي بن بذيمة -وإن كان ثقة-إلا أنه شيعي غالٍ، وخبره في مثل هذا فيه تُهمة فلا يقبل. وقوله: "ولم يبق أحد من الصحابة إلا عوتب في القرآن إلا عليًا " إنما يشير به إلى الآية الآمرة بالصدقة بين يدي النجوي، فإنه قد ذَكَر غير واحد أنه لم يعمل بها أحد إلا عليٌّ، ونزل قوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ﴾ الآية [سورة المجادلة: ١٣] وفي كون هذا عتابًا نظر؛ فإنه قد قيل: إن الأمر كان ندبا لا إيجابا، ثم قد نسخ ذلك عنهم قبل الفعل، فلم ير من أحد منهم خلافه. وقوله عن علي: " إنه لم يعاتب في شيء من القرآن " فيه نظر أيضًا؛ فإن الآية التي في الأنفال التي فيها المعاتبة على أخذ الفِداء عَمَّت جميع من أشار بأخذه، ولم يسلم منها إلا عُمر بن الخطاب، رضي الله عنه ، فعلم بهذا، وبما تقدم ضَعفُ هذا الأثر، والله أعلم. Ibn Kathir 4/6Ibn Kathir 4/6
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا اللَّيْث، حدثني يونس قال: قال محمد بن مسلم: قرأت كتاب رسول الله ﷺ الذي كُتب لعمرو بن حَزْم حين بعثه إلى نَجْران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، فيه: هذا بيان من الله ورسوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) فكتب الآيات منها حتى بلغ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا يونس بن بُكَيْر، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه قال: هذا كتابُ رسول الله ﷺ عندنا، الذي كتبه لعمرو بن حَزْم، حين بعثه إلى اليمن يُفَقه أهلها ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم. فكتب له كتابا وعهدا، وأمره فيه بأمره، فكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله ورسوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) عَهْدٌ من محمد رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون" .
قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود: العهود. وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك قال: والعهود ما كانوا يتعاهدون عليه من الحلف وغيره. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) يعني بالعهود: يعني ما أحل الله وما حرم، وما فرض وما حَد في القرآن كله، فلا تغدروا ولا تنكثوا، ثم شدد في ذلك فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ إلى قوله: ﴿سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] .
وقال الضحاك: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) قال: ما أحل الله وما حرم وما أخذ الله من الميثاق على من أقر بالإيمان بالنبي [ ﷺ ] والكتاب أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام. Ibn Kathir 4/7Ibn Kathir 4/7
وقال زيد بن أسلم: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) قال: هي ستة: عهد الله، وعقد الحلف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين.
وقال محمد بن كعب: هي خمسة منها: حلف الجاهلية، وشركة المفاوضة.
وقد استدل بعض من ذهب إلى أنه لا خيار في مجلس البيع بهذه الآية: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) قال: فهذا يدل على لزوم العقد وثبوته، فيقتضي نفي خيار المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة، ومالك. وخالفهما الشافعي وأحمد بن حنبل والجمهور، والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيحين، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "البَيِّعان بالخيار ما لم يَتَفرَّقا" وفي لفْظ للبخاري: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا" وهذا صريح في إثبات خيار المجلس المتعقب لعقد البيع، وليس هذا منافيًا للزوم العقد، بل هو من مقتضياته شرعا، فالتزامه من تمام الوفاء بالعقد.
وقوله تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ) هي: الإبل والبقر، والغنم. قاله الحسن وقتادة وغير واحد. قال ابن جرير: وكذلك هو عند العرب. وقد استدل ابن عمر، وابن عباس، وغير واحد بهذه الآية على إباحة الجنين إذا وجد ميتا في بطن أمه إذا ذبحت، وقد ورد في ذلك حديث في السنن، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، من طريق مُجالد، عن أبي الودَّاك جبر بن نَوْف، عن أبي سعيد، قال: قلنا: يا رسول الله، ننحر الناقة، ونذبح البقرة أو الشاة في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: "كلوه إن شئتم؛ فإن ذكاته ذكاة أمه" . وقال الترمذي: حديث حسن .
[و] قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عَتَّاب بن بشير، حدثنا عبيد الله بن أبي زياد القداح المكي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال: " ذكاة الجنين ذكاة أمه" . تفرد به أبو داود .
وقوله: (إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني بذلك: الميتة، والدم، ولحم الخنزير.
وقال قتادة: يعني بذلك الميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه.
والظاهر -والله أعلم- أن المراد بذلك قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ فإن هذه وإن كانت من الأنعام إلا أنها تحرم بهذه العوارض؛ ولهذا قال: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ يعني: منها. فإنه حرام لا يمكن استدراكه، وتلاحقُه؛ ولهذا قال تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) أي: إلا ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال. Ibn Kathir 4/8Ibn Kathir 4/8
وقوله: (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) قال بعضهم: هذا منصوب على الحال. والمراد من الأنعام: ما يعم الإنسي من الإبل والبقر والغنم، وما يعم الوحشي كالظباء والبقر والحمر، فاستثنى من الإنسي ما تقدم، واستثنى من الوحشي الصيد في حال الإحرام.
وقيل: المراد [أحللنا لكم الأنعام إلا ما استثني لمن التزم تحريم الصيد وهو حرام، كقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ أي: أبحنا تناول الميتة للمضطر بشرط أن يكون غير باغ ولا عاد، أي: كما] أحللنا الأنعام لكم في جميع الأحوال، فحرموا الصيد في حال الإحرام، فإن الله قد حكم بهذا وهو الحكيم في جميع ما يأمر به وينهى عنه؛ ولهذا قال: (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ)
ثم قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ) قال ابن عباس: يعني بذلك مناسك الحج.
وقال مجاهد: الصفا والمروة والهدي والبُدن من شعائر الله.
وقيل: شعائر الله محارمه [التي حرمها] أي: لا تحلوا محارم الله التي حرمها تعالى؛ ولهذا قال [تعالى] (وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ) يعني بذلك تحريمه والاعتراف بتعظيمه، وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه من الابتداء بالقتال وتأكيد اجتناب المحارم، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. [التوبة: ٣٦] .
وفي صحيح البخاري: عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حُرُم، ثلاث متواليات: ذو القَعْدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مُضَر الذي بين جُمادى وشعبان" .
وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت، كما هو مذهب طائفة من السلف.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ) يعني: لا تستحلوا قتالا فيه. وكذا قال مُقَاتل بن حَيَّان، وعبد الكريم بن مالك الجزَريُّ، واختاره ابن جرير أيضًا، وقد ذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ، وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم، واحتجوا بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] قالوا: والمراد أشهر التسيير الأربعة، ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ قالوا: فلم يستثن شهرا حراما من غيره.
وقد حكى الإمام أبو جعفر [ رحمه الله ] الإجماع على أن الله قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم، وغيرها من شهور السنة، قال: وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه أو ذراعيه بلحاء جميع أشجار الحرم، لم يكن ذلك له أمانا من القتل، إذا لم يكن تقدم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان ولهذه المسألة بحث آخر، له موضع أبسط من هذا. Ibn Kathir 4/9Ibn Kathir 4/9
[و] قوله: (وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ) يعني: لا تتركوا الإهداء إلى البيت؛ فإن فيه تعظيمًا لشعائر الله، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام، وليعلم أنها هدي إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها، فإن من دعا إلى هدْيٍ كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا؛ ولهذا لما حَج رسول الله ﷺ بات بذي الحُلَيْفة، وهو وادي العَقيق، فلما أصبح طاف على نسائه، وكن تسعا، ثم اغتسل وتَطيَّب وصلَّى ركعتين، ثم أشعر هَدْيَه وقلَّدَه، وأهَلَّ بالحج والعمرة وكان هديه إبلا كثيرة تنيفُ على الستين، من أحسن الأشكال والألوان، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] .
قال بعض السلف: إعظامها: استحسانها واستسمانها.
وقال علي بن أبي طالب: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن. رواه أهل السنن
وقال مُقاتل بن حَيَّان: (وَلا الْقَلائِدَ) فلا تستحلوا وكان أهل الجاهلية إذا خرجوا من أوطانهم في غير الأشهر الحرم قلَّدوا أنفسهم بالشَّعْر والوَبَر، وتقلد مشركو الحرم من لَحاء شجر الحرم، فيأمنون به.
رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: حدثنا محمد بن عَمَّار، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عَبَّاد بن العَوَّام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: نسخ من هذه السورة آيتان: آية القلائد، وقوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] .
وحدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا زكريا بن عَدِيّ، حدثنا محمد بن أبي عَدِيّ، عن ابن عَوْن قال: قلت للحسن: نسخ من المائدة شيء؟ قال: لا.
وقال عطاء: كانوا يتقلدون من شجر الحرم، فيأمنون، فنهى الله عن قطع شجره. وكذا قال مُطرِّف بن عبد الله.
وقوله: (وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا) أي: ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام، الذي من دخله كان آمنا، وكذا من قصده طالبا فضل الله وراغبا في رضوانه، فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه.
قال مجاهد، وعطاء، وأبو العالية، ومُطَرِّف بن عبد الله، وعبد الله بن عُبَيد بن عُمير، والربيع بن أنس، وقتادة، ومُقاتل بن حَيَّان في قوله: (يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ) يعني بذلك: التجارة. Ibn Kathir 4/10Ibn Kathir 4/10
وهذا كما تقدم في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]
وقوله: (وَرِضْوَانَا) قال ابن عباس: يترضَّون الله بحجهم.
وقد ذكر عِكْرِمة، والسُّدِّي، وابن جُرَيْجٍ: أن هذه الآية نزلت في الحُطم بن هند البكري، كان قد أغار على سَرْح المدينة، فلما كان من العام المقبل اعتمر إلى البيت، فأراد بعض الصحابة أن يعترضوا في طريقه إلى البيت، فأنزل الله عز وجل (وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا) .
وقد حكى ابن جرير الإجماع على أن المشرك يجوز قتله، إذا لم يكن له أمان، وإن أمَّ البيت الحرام أو بيت المقدس؛ فإن هذا الحكم منسوخ في حقهم، والله أعلم. فأما من قصده بالإلحاد فيه والشرك عنده والكفر به، فهذا يمنع كما قال [تعالى] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] ولهذا بعث رسول الله ﷺ عام تسع -لما أمَّر الصديق على الحجيج-علِيّا، وأمره أن ينادي على سبيل النيابة عن رسول الله ﷺ ببراءة، وألا يحج بعد العام مُشْرِك، ولا يطوفن بالبيت عُرْيان .
وقال [على] بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) يعني من توجه قِبَل البيت الحرام، فكان المؤمنون والمشركون يحجون البيت الحرام، فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدا يحج البيت أو يعرضوا له من مؤمن أو كافر، ثم أنزل الله بعدها: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧] وقال [تعالى] : ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] فنفى المشركين من المسجد الحرام.
وقال عبد الرزاق: حدثنا مَعْمَر، عن قتادة في قوله: (وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) قال: منسوخ، كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تَقلَّد من الشجر، فلم يعرض له أحد، وإذا رجع تقلد قلادة من شَعرٍ فلم يعرض له أحد. وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت، فأمروا ألا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت، فنسخها قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . .
وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: (وَلا الْقَلائِدَ) يعني: إن تقلدوا قلادة من الحرم فأمنوه، قال: ولم تزل العرب تعير من أخفر ذلك، قال الشاعر : Ibn Kathir 4/11Ibn Kathir 4/11
ألَمْ تَقْتُلا الحرْجَين إذ أعورا لكم … يمرَّان الأيدي اللَّحاء المُضَفَّرا
وقوله: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) أي: إذا فرغتم من إحرامكم وأحللتم منه، فقد أبحنا لكم ما كان محرما عليكم في حال الإحرام من الصيد. وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت على السَّبْر: أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجبًا رده واجبًا، وإن كان مستحبًا فمستحب، أو مباحًا فمباح. ومن قال: إنه على الوجوب، ينتقض عليه بآيات كثيرة، ومن قال: إنه للإباحة، يرد عليه آيات أخر، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه، كما اختاره بعض علماء الأصول، والله أعلم.
وقوله: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا) ومن القراء من قرأ: "أن صدوكم" بفتح الألف من "أن" ومعناها ظاهر، أي: لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك عام الحديبية، على أن تعتدوا [في] حكم الله فيكم فتقتصوا منهم ظلمًا وعدوانًا، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في كل أحد. وهذه الآية كما سيأتي من قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] أي: لا يحملنكم بغض أقوام على ترك العدل، فإن العدل واجب على كل أحد، في كل أحد في كل حال.
وقال بعض السلف: ما عاملتَ من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، والعدل به قامت السموات والأرض.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سَهْل بن عثمان حدثنا عبد الله بن جعفر، عن زيد بن أسلم قال: كان رسول الله ﷺ بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق، يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي ﷺ : نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم. فأنزل الله هذه الآية .
والشنآن هو: البغض. قاله ابن عباس وغيره، وهو مصدر من شنَأته أشنؤه شنآنا، بالتحريك، مثل قولهم: جَمَزَان، ودَرَجَان ورَفَلان، من جمز، ودرج، ورفل. قال ابن جرير: من العرب من يسقط التحريك في شنآن، فيقول: شنان. قال: ولم أعلم أحدًا قرأ بها، ومنه قول الشاعر :
ومَا العيشُ إلا ما تُحبُّ وتَشْتَهي … وَإنْ لامَ فيه ذو الشنَّان وفَنَّدَا
وقوله: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ) يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات، وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل. Ibn Kathir 4/12Ibn Kathir 4/12
والتعاون على المآثم والمحارم.
قال ابن جرير: الإثم: ترك ما أمر الله بفعله، والعدوان: مجاوزة ما حد الله في دينكم، ومجاوزة ما فرض عليكم في أنفسكم وفي غيركم .
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا هُشَيْم، حدثنا عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن جده أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "انْصُرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا" . قيل: يا رسول الله، هذا نَصَرْتُه مظلوما، فكيف أنصره إذا كان ظالما؟ قال: "تحجزه تمنعه فإن ذلك نصره" .
انفرد به البخاري من حديث هُشَيْم به نحوه وأخرجاه من طريق ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" . قيل: يا رسول الله، هذا نصرته مظلوما، فكيف أنصره ظالما؟ قال: "تمنعه من الظلم، فذاك نصرك إياه" .
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا سفيان بن سعيد، عن يحيى بن وَثَّاب، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أعظم أجرا من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" .
وقد رواه أحمد أيضا في مسند عبد الله بن عمر: حدثنا حجاج، حدثنا شعبة عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن شيخ من أصحاب النبي ﷺ ، [قال الأعمش: هو ابن عمر، عن النبي ﷺ ] أنه قال: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم" .
وهكذا رواه الترمذي من حديث شعبة، وابن ماجه من طريق إسحاق بن يوسف، كلاهما عن الأعمش، به .
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد أبو شيبة الكوفي، حدثنا بكر بن عبد الرحمن، حدثنا عيسى بن المختار، عن ابن أبي ليلى، عن فُضَيْل بن عمرو، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "الدَّالُّ على الخير كفاعله" . ثم قال: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد . Ibn Kathir 4/13Ibn Kathir 4/13
قلت: وله شاهد في الصحيح: "من دعا إلى هدي كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا" .
وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن زبريق الحمصي، حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، قال عباس بن يونس: إن أبا الحسن نِمْرَان بن مخُمر حدثه أن رسول الله ﷺ قال: "من مشى مع ظالم ليعينه، وهو يعلم أنه ظالم، فقد خرج من الإسلام" . Ibn Kathir 4/14Ibn Kathir 4/14
Choose one book or more.