سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ١
Commentary
نزَّه الله عن السوء كلُّ ما في السموات والأرض من جميع مخلوفاته، وهو العزيز على خلقه، الحكيم في تدبير أمورهم.
{سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} قوله تعالى {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ} في هذا التسبيح ثلاثة أوجه: أحدها: يعني أن خلق ما في السموات والأرض يوجب تنزيهه عن الأمثال والأشباه. الثاني: تنزيه الله قولاً مما أضاف إليه الملحدون , وهو قول الجمهور. الثالث: أنه الصلاة , سميت تسبيحاً لما تتضمنه من التسبيح , قاله سفيان , والضحاك. فقوله: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ} يعني الملائكة وما فيهن من غيرهم وما في الأرض يعني في الحيوان والجماد , وقد ذكرنا في تسبيح الجماد وسجوده ما أغنى عن الإعادة. {وَهُوَ الْعَزِيزُ} في انتصاره , {الْحَكِيمُ} في تدبيره. al-Mawardi 5/468al-Mawardi 5/468
{هُوَ الأَوَّلُ وِالأخِرُ} يريد بالأول أنه قبل كل شيء لقدمه , وبالآخر لأنه بعد كل شيء لبقائه. {وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: الظاهر فوق كل شيء لعلوه , والباطن إحاطته بكل شيء لقربه , قاله ابن حيان. الثاني: أنه القاهر لما ظهر وبطن كما قال تعالى: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَءَامَنُوا عَلَى عَدُوِّهِم فََأصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ} . الثالث: العالم بما ظهر وما بطن. {وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٍ} يعني بالأول والآخر والظاهر والباطن. ولأصحاب الخواطر في ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: الأول في ابتدائه بالنعم , والآخر في ختامه بالإحسان , والظاهر في إظهار حججه للعقول , والباطن في علمه ببواطن الامور. الثاني: الأول بكشف أحوال الآخرة حين ترغبون فيها , والآخر بكشف أحوال الدنيا حين تزهدون فيها , والظاهر على قلوب أوليائه حين يعرفونه , والباطن على قلوب أعدائه حين ينكرونه. الثالث: الأول قبل كل معلوم , والآخر بعد كل مختوم , والظاهر فوق كل مرسوم , والباطن محيط بكل مكتوم. al-Mawardi 5/469al-Mawardi 5/469
يخبر تعالى أنه يسبح له ما في السموات والأرض أي: من الحيوانات والنباتات، كما قال في الآية الأخرى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] .
وقوله: (وَهُوَ الْعَزِيزُ) أي: الذي قد خضع له كل شيء (الحكيم) في خلقه وأمره وشرعه
(لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ) أي: هو المالك المتصرف في خلقه فيحيي ويميت، ويعطي من يشاء ما يشاء، (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي: ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
وقوله: (هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) وهذه الآية هي المشار إليها في حديث العرباض بن سارية: أنها أفضل من ألف آية. Ibn Kathir 9/5Ibn Kathir 9/5
وقال أبو داود حدثنا عباس بن عبد العظيم حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة-يعنى بن عمار- حدثنا أبو زُمَيْل قال: سألت بن عباس فقلت: ما شيء أجده في صدري؟ قال ما هو؟ قلت والله لا أتكلم به قال: فقال لي أشيء من شك؟ قال -وضحك - قال: ما نجا من ذلك أحد قال حتى أنزل الله ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ [لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ] ﴾ الآية [يونس: ٩٤] قال: وقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئاً فقل: (هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
وقد اختلفت عبارات المفسرين في هذه الآية وأقوالهم على نحو من بضعة عشر قولا.
وقال البخاري: قال يحيى: الظاهر على كل شيء علمًا والباطن على كل شيء علمًا
قال شيخنا الحافظ المزيّ: يحيى هذا هو بن زياد الفراء، له كتاب سماه: "معاني القرآن" .
وقد ورد في ذلك أحاديث، فمن ذلك ما قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يدعو عند النوم: "اللهم، رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى، لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول ليس قبلك شيء وأنت الآخر ليس بعدك شيء، وأنت الظاهر ليس فوقك شيء وأنت الباطن ليس دونك شيء. اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر"
ورواه مسلم في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير عن سُهَيل قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام: أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: اللهم، ربّ السموات وربّ الأرض وربّ العرش العظيم، رَبَّنَا وربّ كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، اللهم، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر.
وكان يروي ذلك، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ
وقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن عائشة أم المؤمنين نحو هذا، فقال حدثنا عقبة، حدثنا يونس، حدثنا السري بن إسماعيل، عن الشعبى، عن مسروق، عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يأمر بفراشه فيفرش له مستقبل القبلة، فإذا أوى إليه توسد كفه اليمنى، ثم همس-ما يدرى ما يقول- فإذا كان في آخر الليل رفع صوته فقال: "اللهم، رب السموات السبع ورب العرش العظيم، إله كل شيء، ورب كل شيء، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته اللهم، أنت الأول الذي ليس قبلك شيء، وأنت الآخر الذي ليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر " Ibn Kathir 9/6Ibn Kathir 9/6
السري بن إسماعيل هذا ابن عم الشعبي، وهو ضعيف جداً والله أعلم.
وقال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية: حدثنا عبدُ بن حميد وغير واحد-المعنى واحد- قالوا: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة قال: حدث الحسن، عن أبي هريرة قال: بينما رسول الله ﷺ جالس وأصحابه، إذ أتى عليهم سَحَاب فقال نبي الله ﷺ : "هل تدرون ما هذا؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " هذا العَنَان، هذه رَوَايا الأرض تسوقه إلى قوم لا يشكرونه ولا يَدْعُونه ". ثم قال: " هل تدرون ما فوقكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال " فإنها الرقيع، سقف محفوظ، وموج مكفوف" . ثم قال: "هل تدرون كم بينكم وبينها" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "بينكم وبينها خمسمائة سنة" . ثم قال: "هل تدرون ما فوق ذلك؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم قال: " فإن فوق ذلك سماء بُعدُ ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة-حتى عدَّ سبع سموات-ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض" . ثم قال: "هل تدرون ما فوق ذلك؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " فإن فوق ذلك العرش، وبينه وبين السماء بُعدُ ما بين السماءين" . ثم قال: "هل تدرون ما الذي تحتكم؟ " . قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها الأرض" . ثم قال: "هل تدرون ما الذي تحت ذلك؟ " . قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن تحتها أرضاً أخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة-حتى عدَّ سبع أرضين-بين كل أَرْضَيْن مسيرة خمسمائة سنة" . ثم قال: "والذي نفس محمد بيده، لو أنكم دَليتم بحبل إلى الأرض السفلي لهبط على الله" ، ثم قرأ: (هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، ويُروى عن أيوب ويونس-يعني بن عبيد- وعلي بن زيد قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة. وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنما هَبَط على علْم الله وقدرته وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش، كما وصف في كتابه. انتهى كلامه
وقد روى الإمام أحمد هذا الحديث عن سريج، عن الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، فذكره، وعنده بُعدُ ما بين الأرْضين مسيرة سبعمائة عام، وقال: "لو دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السفلي السابعة لهبط على الله" ، ثم قرأ: (هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) Ibn Kathir 9/7Ibn Kathir 9/7
ورواه بن أبي حاتم والبزار من حديث أبي جعفر الرازي، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة … فذكر الحديث، ولم يذكر بن أبي حاتم آخره وهو قوله: "لو دليتم بحبل" ، وإنما قال: "حتى عَدّ سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام" ، ثم تلا (هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
وقال البزار: لم يروه عن النبي ﷺ إلا أبو هريرة.
ورواه بن جرير، عن بشر، عن يزيد، عن سعيد، عن قتادة: (هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) ذكر لنا أن نبي الله ﷺ بينما هو جالس في أصحابه إذ ثار عليهم سحاب، فقال: "هل تدرون ما هذا؟ " وذكر الحديث مثل سياق الترمذي سواء، إلا أنه مرسل من هذا الوجه، ولعل هذا هو المحفوظ، والله أعلم. وقد روي من حديث أبي ذر الغفاري، رضي الله عنه وأرضاه، رواه البزار في مسنده، والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات ولكن في إسناده نظر، وفي متنه غرابة ونكارة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقال ابن جرير عند قوله تعالى ﴿وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق، ١٢] حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن مَعْمَر، عن قتادة قال: التقى أربعة من الملائكة بين السماء والأرض، فقال بعضهم لبعض: من أين جئت؟ قال أحدهم: أرسلني ربي، عز وجل ، من السماء السابعة وتركته ثَمّ، قال الآخر: أرسلني ربي، عز وجل من الأرض السابعة وتركته ثَمّ، قال الآخر: أرسلني ربي من المشرق وتركته ثَمّ، قال الآخر: أرسلني ربي من المغرب وتركته ثَمّ
وهذا [حديث] غريب جداً، وقد يكون الحديث الأول موقوفًا على قتادة كما روي هاهنا من قوله، والله أعلم. Ibn Kathir 9/8Ibn Kathir 9/8
Choose one book or more.