وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍۢ وَلَا رِكَابٍۢ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٦
In the sections:Dala’il
Commentary
وما أفاءه الله على رسوله من أموال يهود بني النضير، فلم تركبوا لتحصيله خيلا ولا إبلا ولكن الله يسلِّط رسله على مَن يشاء مِن أعدائه، فيستسلمون لهم بلا قتال، والفيء ما أُخذ من أموال الكفار بحق من غير قتال. والله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء.
يقول تعالى مبينًا لمال الفيء وما صفته؟ وما حكمه؟ فالفيء: كلّ مال أخذ من الكفار بغير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، كأموال بني النضير هذه، فإنها مما لم يُوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، أي: لم يقاتلوا الأعداء فيها بالمبارزة والمصاولة، بل نزل أولئك من الرعب الذي ألقى الله في قلوبهم من هيبة رسول الله ﷺ ، فأفاءه الله على رسوله؛ ولهذا تصرف فيه كما شاء، فردّه على المسلمين في وجوه البر والمصالح التي ذكرها الله، عز وجل ، في هذه الآيات، فقال: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ) أي: من بني النضير (فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ) يعني: الإبل، (وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي: هو قدير لا يغالب ولا يمانع، بل هو القاهر لكل شيء.
ثم قال: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) أي: جميع البلدان التي تُفتَح هكذا، فحكمها حكم أموال بني النضير؛ ولهذا قال: (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ) إلى آخرها والتي بعدها. فهذه مصارفُ أموال الفيء ووجوهه.
قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو ومَعْمَر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، عن عمر، رضي الله عنه ، قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله إلى رسوله مما لم يُوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خالصة فكان ينفق على أهله منها نفقة سنته - وقال مَرّة: قوت سنته-وما بقي جعله في الكُرَاع والسلاح في سبيل الله، عز وجل .
هكذا أخرجه أحمد هاهنا مختصرًا، وقد أخرجه الجماعة في كتبهم -إلا ابن ماجة-من حديث سفيان، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، به وقد رويناه مطولا فقال أبو داود، رحمه الله :
حدثنا الحسن بن علي ومحمد بن يحيى بن فارس -المعنى واحد-قالا حدثنا بشرِ بن عُمَر الزهراني، حدثني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس قال: أرسل إليَّ عمر بن الخطاب، رضي الله عنه ، حين تعالى النهار، فجئته فوجدته جالسًا على سرير مُفضيًا إلى رُماله، فقال حين دخلت عليه: يا مال، إنه قد دَفّ أهل أبيات من قومك، وقد أمرت فيهم بشيء، فاقسم فيهم. قلت: لو أمرتَ غيري بذلك؟ فقال: خذه. فجاءه يرفا، فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك في عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص؟ فقال: نعم. فأذن لهم فدخلوا، ثم جاءه يرفا فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك في العباس وعلي؟ قال: نعم. فأذن لهم فدخلوا، فقال العباس: يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا - يعني: عليًا- فقال بعضهم: أجل يا أمير المؤمنين، اقض بينهما وأرحهما. قال مالك بن أوس: خُيّل إليَّ أنهما قَدّما أولئك النفر لذلك. فقال عمر، رضي الله عنه : اتئدا. ثم أقبل على أولئك الرهط فقال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "لا نُورَث، ما تركنا صدقة" . قالوا: نعم. ثم أقبل على عليّ والعباس فقال: أنشدُكُما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث، ما تركنا صدقة" . فقالا نعم. فقال: فإن الله خص رسوله بخاصة لم يخص بها أحدًا من الناس، فقال: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فكان الله أفاء إلى رسوله أموال بني النضير، فوالله ما استأثر بها عليكم ولا أحرزها دونكم، فكان رسول الله ﷺ يأخذ منها نفقة سنة - أو: نفقته ونفقة أهله سنة-ويجعل ما بقي أسوة المال. ثم أقبل على أولئك الرهط فقال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض: هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم. ثم أقبل على عليٍّ والعباس فقال: أنشدُكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض: هل تعلمان ذلك؟ قالا نعم. فلما تُوفي رسول الله ﷺ قال أبو بكر: "أنا وليّ رسول الله" ، فجئت أنتَ وهذا إلى أبي بكر، تطلب أنت ميراثك عن ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر، رضي الله عنه : قال رسول الله ﷺ : "لا نورث، ما تركنا صدقة" . والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق. فوليها أبو بكر، فلما توفي قلتُ: أنا وَلِيّ رسول الله ﷺ ووليّ أبي بكر، فَوليتها ما شاء الله أن أليها، فجئت أنت وهذا، وأنتما جَميع وأمركما واحد، فسألتمانيها، فقلت: إن شئتما فأنا أدفعها إليكما على أنّ عليكما عهد الله أن تلياها بالذي كان رسول الله ﷺ يليها، فأخذتماها مني على ذلك، ثم جئتماني لأقضي بينكما بغير ذلك. والله لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عَجَزتُما عنها فَرُدّاها إلي. Ibn Kathir 9/65Ibn Kathir 9/65
أخرجوه من حديث الزهري، به . وقال الإمام أحمد:
حدثنا عارم وعفان قالا حدثنا معتمر، سمعت أبي يقول: حدثنا أنس بن مالك، عن نبيّ الله ﷺ أن الرجل كان يجعل له من ماله النخلات، أو كما شاء الله، حتى فُتحَت عليه قريظة والنضير. قال: فجعل يَرُدّ بعد ذلك، قال: وإن أهلي أمروني أن آتي النبي ﷺ فأسأله الذي كان أهله أعطوه أو بعضه، وكان نبي الله ﷺ قد أعطاه أمّ أيمن، أو كما شاء الله، قال: فسألتُ النبي ﷺ فأعطانيهن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوبَ في عنقي وجعلت تقول: كلا والله الذي لا إله إلا هو لا يُعطيكَهُنّ وقد أعطانيهن، أو كما قالت، فقال نبي الله: "لك كذا وكذا" . قال: وتقول: Ibn Kathir 9/66Ibn Kathir 9/66
كلا والله. قال ويقول: "لك كذا وكذا" . قال: وتقول: كلا والله. قال: "ويقول: لك كذا وكذا" . قال: حتى أعطاها، حسبت أنه قال: عشرة أمثال أو قال قريبًا من عشرة أمثاله، أو كما قال.
رواه البخاري ومسلم من طُرُق عن معتمر، به .
وهذه المصارف المذكورة في هذه الآية هي المصارف المذكورة في خُمس الغَنيمة. وقد قدمنا الكلام عليها في سورة "الأنفال" بما أغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد .
وقوله: (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) أي: جعلنا هذه المصارف لمال الفيء لئلا يبقى مأكلة يتغلب عليها الأغنياء ويتصرفون فيها، بمحض الشهوات والآراء، ولا يصرفون منه شيئًا إلى الفقراء.
وقوله: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) أي: مهما أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخير وإنما ينهى عن شر.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن العوفي، عن يحيى بن الجزار، عن مسروق قال: جاءت امرأة إلى ابن مسعود فقالت: بلغني أنك تنهى عن الواشمة والواصلة، أشيء وجدته في كتاب الله أو عن رسول الله ﷺ ؟ قال: بلى، شيء وجدته في كتاب الله وعن رسول الله ﷺ . قالت: والله لقد تصفحت ما بين دفتي المصحف فما وجدت فيه الذي تقول!. قال: فما وجدت فيه: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ؟ قالت: بلى. قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن الواصلة والواشمة والنامصة. قالت: فلعله في بعض أهلك. قال: فادخلي فانظري. فدخلت فَنَظرت ثم خرجَت، قالت: ما رأيتُ بأسا. فقال لها: أما حفظت وصية العبد الصالح: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن منصور، [عن إبراهيم] عن علقمة، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمُتفَلجات للحُسْن، المغيرات خلق الله، عز وجل . قال: فبلغ امرأة في البيت يقال لها: "أم يعقوب" ، فجاءت إليه فقالت: بلغني أنك قلت كيتَ وكيتَ. قال: ما لي لا ألعن من لعن رسولُ الله ﷺ ، وفي كتاب الله. فقالت: إني لأقرأ ما بين لوحيه فما وجدته. فقال: إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه. أما قرأت: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ؟ قالت: بلى. قال: فإن النبي ﷺ نهى عنه. قالت: [إني] لأظن أهلك يفعلونه. قال: اذهبي فانظري. Ibn Kathir 9/67Ibn Kathir 9/67
فذهَبت فلم تر من حاجتها شيئا، فجاءت فقالت: ما رأيتُ شيئًا. قال: لو كانت كذلك لم تُجَامعنا.
أخرجاه في الصحيحين، من حديث سفيان الثوري .
وقد ثبت في الصحيحين أيضًا عن أبي هُرَيرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه" . .
وقال النسائي: أخبرنا أحمد بن سعيد، حدثنا يزيد، حدثنا منصور بن حيان، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عُمَر وابن عباس: أنهما شهدا على رسول الله ﷺ : أنه نهى عن الدُّباء والحَنْتَم والنَّقير والمزَفَّت، ثم تلا رسول الله ﷺ : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) .
وقوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) أي: اتقوه في امتثال أوامره وترك زواجره؛ فإنه شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره وأباه، وارتكب ما عنه زجره ونهاه. Ibn Kathir 9/68Ibn Kathir 9/68
قال الله تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
أفاء: قال المبرّد: يقال: فاء إذا رجع، ومنه قوله تعالى في الإيلاء: فَإِنْ فاؤُ [البقرة: ٢٢٦] ، وأفاءه الله ردّه، وقال الأزهري : الفيء ما ردّه الله على أهل دينه من أموال من خالف أهل دينه بلا قتال: إمّا بأن يجلوا عن أوطانهم ويخلوها للمسلمين، أو يصالحوا على جزية يؤدونها من رؤوس أموالهم، أو مال غير الجزية يفتدون به من سفك دمائهم، كما فعله بنو النضير حين صالحوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، على أنّ لكل ثلاثة منهم حمل بعير مما شاؤوا، سوى السلام، ويتركون الباقي، فهذا المال الذي تركوه هو الفيء، وهو ما أفاء الله على المسلمين، أي رده من الكفار إلى المسلمين.
ولابن العربي في تسمية أيلولة هذه الأموال فيئا معنى لطيف لا بأس أن نطلعك عليه، قال رحمه الله: ما أَفاءَ يريد ما ردّ، وحقيقة ذلك، أنّ الأموال في الأرض للمؤمنين حقا، ولعله يشير بذلك إلى معنى قوله تعالى: أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥] فيستولي عليها الكفار مع ذنوبهم عدلا، فإذا رحم الله المؤمنين ردّها عليهم من أيدي الكفار رجعت في طريقها ذلك، فكان ذلك فيئا.
والضمير في (منهم) للذين كفروا من أهل الكتاب المذكورين في أول السورة:
هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ وهم يهود بني النضير فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ يقال: وجف الفرس والبعير: يجف وجفا ووجيفا، أسرع في السير، وأوجفه صاحبه: حمله على السير السريع، والضمير في (عليه) يرجع إلى ما في قوله: ما أَفاءَ اللَّهُ والركاب: ما يركب، وهو اسم جمع، وقد خصّ في لسان العرب بما كان من الإبل خاصة، لا يكادون يطلقون اسم الراكب إلّا على راكب البعير، وإن كانت التسمية للاشتقاق من الركوب، ويوجد هذا المعنى في غير راكب البعير، لكنّ العرب كثيرا ما يقصرون اللفظ على بعض ما يوجد فيه مبدأ الاشتقاق. Muhammad ‘Ali al-Sayis 1/751Muhammad ‘Ali al-Sayis 1/751
وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ المعنى: أنّ هذه الأموال وإن كانت فيئا فإنّ الله جعلها لرسوله خاصّة، لأن رجوعها له لم يكن من طريق قتالكم لهم، بل كان عن طريق إلقاء الرعب في قلوبهم، ولم يتكلف الناس فيه سفرا، ولا تجشّموا رحلة، ولا أنفقوا مالا، وما كان من عمل الناس في حصارهم فهو عمل يسير لا يعتد به في جانب إلقاء الرعب فيهم، ومن أجل ذلك كان الفيء للرسول صلّى الله عليه وسلّم.
ولعلك من هذا استشعرت أنّ في الآية محذوفا دلّ عليه الكلام، وهو خبر (ما) في قوله: وَما أَفاءَ اللَّهُ تقديره فلا شيء لكم فيه، دلّ عليه قوله: فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يظهركم على أعدائكم من غير حاجة إلى حرب هذا هو تفسير هذه الآية.
وقد جاء الكلام فيما يؤخذ من الأعداء في ثلاثة مواضع من القرآن:
الأول: في قوله تعالى في سورة الأنفال: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ [الأنفال: ٤١] .
والموضع الثاني: هو الآية الأولى التي معنا: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ الآية.
والموضع الثالث: هو الآية التي بعدها: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ.
وقد نقلنا لك من الآيات ما يفهم منه أنّ الآيات تبدو متخالفة الحكم، فآية الأنفال تقول: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ فأسندت الغنم لهم، ثم قالت: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ إلخ فدلّ ذلك على أنّ الغنيمة توزّع أخماسا، على حسب ما فهمته في الفقه، وما عرفته في تفسير الآية في الأنفال.
والآية التي معنا تقول: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ ومعنى هذا على ما علمت: أن ما ردّه الله على رسوله من أموال الكفار لا شيء لكم فيه، لأنّكم لم توجفوا عليه، وإنما هو للرسول صلّى الله عليه وسلّم خاصة، يصرفه كيف شاء.
والآية الثالثة خالفت هذه الآية، فلم تقل منهم، بل قالت: مِنْ أَهْلِ الْقُرى ووزّعت الفيء كتوزيع الغنيمة، مع فرق واحد هو أنّ آية الأنفال وزعت فيها الغنيمة وقيل فيها: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وآية الحشر جعلت الفيء بين الذين ذكروا في الأنفال، ولم يشر فيها إلى الخمس. Muhammad ‘Ali al-Sayis 1/752Muhammad ‘Ali al-Sayis 1/752
ولقد كان ما بدا من خلاف بين الآيات مثار الخلاف بين العلماء في مدلول الآيات، فمنهم من يرجع آية الحشر الثانية إلى آية الأنفال، ويجعل آية الحشر الأولى منسوخة، ومنهم من يقول: الآيات الثلاث لثلاثة معان متباينة:
فآية الأنفال في الأموال تؤخذ عنوة.
وآية الحشر الأولى [٦] فيما يتركه الكفار فرارا ويأخذه المسلمون بعدهم من غير قتال.
وآية الحشر الثانية [٧] فيما يؤخذ صلحا من جزية وخراج، وما شابه ذلك.
والأحكام في الآيات مختلفة بحسب ذلك، فما يكون غنيمة يقسّم بين الغانمين، وما يؤخذ فرارا فهو للرسول، يأكل منه، ويصرفه بعد ذلك في مصالح المسلمين، وما يؤخذ صلحا فهو لمن ذكر الله في آية الحشر الثانية، وسنزيدك بعض الإيضاح فنقول:
إنّ من العلماء من جعل الغنيمة غير الفيء، وقال: الغنيمة: ما أخذه المسلمون من أموال الكفار في الحرب، والفيء: ما أخذ من غير حرب، وجعل آية الأنفال في الغنيمة، وقال: إن آية الحشر الأولى في الكفار من أهل الكتاب من بني النضير، لم يتكلّف المسلمون عناء في مقاتلتهم، ولم يكن للمسلمين يومئذ خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافات كثيرة، إذ لم يكن بينها وبين المدينة سوى ميلين، ولم يركب إلا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكان راكبا جملا، فلما كانت المقاتلة قليلة، ولم يكن للمسلمين فيها خيل ولا ركاب، جعل ما أخذ من الكفار كلّه للرسول صلّى الله عليه وسلّم، يعول منه أهله، وينفق الباقي في مصالح المسلمين، ثم جعل الآية الثانية من الحشر بيانا لما أفاء الله على المسلمين من أموال سائر الكفار، ويجعل الآية الثانية كأنّها جواب سؤال نشأ من الآية الأولى كأنّه قيل: قد علمنا حكم الفيء من بني النضير، فما حكم الفيء من غيرهم، فقال: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى ولذلك ترى العطف.
وقد نقل الآلوسي الفرق بين الغنيمة والفيء عن بعض الشافعية، وقال: إن الحنفية قالوا بالتفرقة أيضا، ونقولها عن «المغرب» وغيره من كتب اللغة، قالوا: الغنيمة:
ما نيل من الكفار عنوة والحرب قائمة. وحكمها أن تخمّس، وباقيها للغانمين خاصة.
والفيء: ما نيل منهم بعد وضع الحرب أوزارها، وصيرورة الدار دار الإسلام، وحكمه أن يكون لكافة المسلمين، ولا يخمّس بل يصرف جميعه في مصالح المسلمين.
ونقل هذا الحكم الإمام ابن حجر عمّن عدا الإمام الشافعي من الأئمة الأربعة:
وقال: إن الشافعي خمّس الفيء قياسا على الغنيمة التي ثبت التخميس فيها بالنص.
بجامع أنّ كلّا منهما مال الكفار، استولى عليه المسلمون، واختلاف سبب الاستيلاء بالقتال وغيره لا تأثير له.
وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه صنع بأرض العراق ما حكمت به الآية، وكان بعض الصحابة قد طلب إليه قسمته بين المسلمين كالغنيمة، فاحتجّ عليهم بالآية، ووافقه علي وعثمان وطلحة والزبير، بل إنّ المخالفين أيضا رجعوا إليه بعد ما حكّم الآية. Muhammad ‘Ali al-Sayis 1/753Muhammad ‘Ali al-Sayis 1/753
والذي يعنينا هنا هو اختلاف العلماء في الفيء يخمّس أو لا يخمّس؟ أما توزيع الخمس فليس لنا به تعلق، لأنه ليس في الآية، ولأنّه تقدّم خلاف العلماء فيه في سورة الأنفال [٢٨] فارجع إليه إن شئت، ولنأخذ في تفسير الآية الثانية. Muhammad ‘Ali al-Sayis 1/754Muhammad ‘Ali al-Sayis 1/754
Choose one book or more.