إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١
Commentary
إنا بعثنا نوحاً إلى قومه، وقلنا له: حذِّر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب موجع. قال نوح: يا قومي إني نذير لكم بيِّن الإنذار من عذاب الله إن عصيتموه، وإني رسول الله إليكم فاعبدوه وحده، وخافوا عقابه، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه، فإن أطعتموني واستجبتم لي يصفح الله عن ذنوبكم ويغفر لكم، ويُمدد في أعماركم إلى وقت مقدر في علم الله تعالى، إن الموت إذا جاء لا يؤخر أبدًا، لو كنتم تعلمون ذلك لسارعتم إلى الإيمان والطاعة.
أخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن عبد الله بن الزبير قَالَ: نزلت سُورَة {إِنَّا أرسلنَا نوحًا} بِمَكَّة
وَأخرج الْحَاكِم عَن ابْن عَبَّاس رفع الحَدِيث إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِن الله يَدْعُو نوحًا وَقَومه يَوْم الْقِيَامَة أول النَّاس فَيَقُول: مَاذَا أجبتم نوحًا فَيَقُولُونَ: مَا دَعَانَا وَمَا بلغنَا وَمَا نصحنا وَلَا أمرنَا وَلَا نَهَانَا فَيَقُول نوح: دعوتهم يَا رب دُعَاء فاشياً فِي الْأَوَّلين والآخرين أمة بعد أمة حَتَّى انْتهى إِلَى خَاتم النَّبِيين أَحْمد فانتسخه وقرأه وآمن بِهِ وَصدقه فَيَقُول للْمَلَائكَة: ادعوا أَحْمد وَأمته فَيَأْتِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأمته يسْعَى نورهم بَين أَيْديهم فَيَقُول نوح لمُحَمد وَأمته: هَل تعلمُونَ أَنِّي بلغت قومِي الرسَالَة وَاجْتَهَدت لَهُم بِالنَّصِيحَةِ وجهدت أَن استنقذهم من النَّار سرا وجهراً فَلم يزدهم دعائي إِلَّا فِرَارًا فَيَقُول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأمته: فَإنَّا نشْهد بِمَا نَشَدتنَا أَنَّك فِي جَمِيع مَا قلت من الصَّادِقين فَيَقُول نوح: وأنى علمت هَذَا أَنْت وَأمتك وَنحن أول الْأُمَم وَأَنْتُم آخر الْأُمَم فَيَقُول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم {إِنَّا أرسلنَا نوحًا إِلَى قومه} حَتَّى خم السُّورَة فَإِذا خَتمهَا قَالَت أمته: نشْهد أَن هَذَا لَهو الْقَصَص الْحق وَمَا من إِلَه إِلَّا الله وَإِن الله لَهو الْعَزِيز الْحَكِيم فَيَقُول الله عِنْد ذَلِك: (وامتازوا الْيَوْم أَيهَا المجرمون) (سُورَة يس الْآيَة ٥٩) al-Suyuti 8/288al-Suyuti 8/288
وَأخرج عبد بن حميد عَن قَتَادَة فِي قَوْله: {إِن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} قَالَ: بهَا أرسل الله الْمُرْسلين أَن يعبد الله وَحده وَأَن تتقى مَحَارمه وَأَن يطاع أمره
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن الْمُنْذر عَن ابْن جريج فِي قَوْله: {يغْفر لكم من ذنوبكم} قَالَ: الشّرك {ويؤخركم إِلَى أجل مُسَمّى} قَالَ: بِغَيْر عُقُوبَة {إِن أجل الله إِذا جَاءَ لَا يُؤَخر} قَالَ: الْمَوْت
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {ويؤخركم إِلَى أجل مُسَمّى} قَالَ: مَا قد خطّ من الْأَجَل فَإِذا جَاءَ أجل الله لم يُؤَخر
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة فِي قَوْله: {فَلم يزدهم دعائي إِلَّا فِرَارًا} قَالَ: بَلغنِي أَنه كَانَ يذهب الرجل بِابْنِهِ إِلَى نوح فَيَقُول لِابْنِهِ: احذر هَذَا لَا يغرنك فَإِن أبي قد ذهب بِي وَأَنا مثلك فحذرني كَمَا حذرتك
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {جعلُوا أَصَابِعهم فِي آذانهم} قَالَ: لِئَلَّا يسمعوا مَا يَقُول {واستغشوا ثِيَابهمْ} قَالَ: لِأَن يتنكروا لَهُ فَلَا يعرفهُمْ {واستكبروا استكباراً} قَالَ: تركُوا التَّوْبَة
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {واستغشوا ثِيَابهمْ} قَالَ: غطوا بهَا وُجُوههم لكَي لَا يرَوا نوحًا وَلَا يسمعوا كَلَامه
وَأخرج عبد بن حميد عَن سعيد بن جُبَير فِي قَوْله: {واستغشوا ثِيَابهمْ} قَالَ: تسجوا بهَا وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {ثمَّ إِنِّي دعوتهم جهاراً} قَالَ: الْكَلَام الْمُعْلن بِهِ وَفِي قَوْله: {ثمَّ إِنِّي أعلنت لَهُم} قَالَ: صحت {وأسررت لَهُم إسراراً} قَالَ: النَّجَاء نجاء لرجل al-Suyuti 8/289al-Suyuti 8/289
يقول تعالى مخبرا عن نوح، عليه السلام ، أنه أرسله إلى قومه آمرا له أن ينذرهم بأس الله قبل حلوله بهم، فإن تابوا وأنابوا رفع عنهم؛ ولهذا قال: (أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) أي: بين النذارة، ظاهر الأمر واضحه.
(أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ) أي: اتركوا محارمه واجتنبوا مآثمه (وَأَطِيعُونِ) فيما آمركم به وأنهاكم عنه.
(يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) أي: إذا فعلتم ما آمرتكم به وصدقتم ما أرسلت به إليكم، غفر الله لكم ذنوبكم.
و " من " هاهنا قيل: إنها زائدة. ولكن القول بزيادتها في الإثبات قليل. ومنه قول بعض العرب: "قد كان من مطر" . وقيل: إنها بمعنى "عن" تقديره: يصفح لكم عن ذنوبكم واختاره ابن جرير وقيل: إنها للتبعيض، أي يغفر لكم الذنوب العظام التي وعدكم على ارتكابكم إياها الانتقام.
(وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي: يمد في أعماركم ويدرأ عنكم العذاب الذي إن لم تنزجروا عما نهاكم عنه، أوقعه بكم.
وقد يستدل بهذه الآية من يقول: إن الطاعة والبر وصلة الرحم، يزاد بها في العمر حقيقة؛ كما ورد به الحديث: "صلة الرحم تزيد في العمر" .
وقوله: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي: بادروا بالطاعة قبل حلول النقمة، فإنه إذا أمر [الله] تعالى بكون ذلك لا يرد ولا يمانع، فإنه العظيم الذي قهر كل شيء، العزيز الذي دانت لعزته جميع المخلوقات. Ibn Kathir 9/231Ibn Kathir 9/231
Choose one book or more.