The Noble Qur’an Search the Qur’an by a word or a number like 2:282Ctrl K

وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ ١

Sura Al-Lail, ayah 1Meccan
In its sura

Commentary

Chosenal-Durr al-Manthural-Tafsir al-MuyassarTafsir al-Qur’an al-‘Azim
al-Tafsir al-Muyassara group of scholars

أقسم الله سبحانه بالليل عندما يغطي بظلامه الأرض وما عليها، وبالنهار إذا انكشف عن ظلام الليل بضيائه، وبخلق الزوجين: الذكر والأنثى. إن عملكم لمختلف بين عامل للدنيا وعامل للآخرة.

al-Durr al-Manthural-Suyuti · d. 911 AH

أخرج ابْن الضريس والنحاس وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: نزلت سُورَة {وَاللَّيْل إِذا يغشى} بِمَكَّة

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن الزبير مثله

وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن جَابر بن سَمُرَة قَالَ: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقْرَأ فِي الظّهْر وَالْعصر ب {وَاللَّيْل إِذا يغشى} وَنَحْوهَا

وَأخرج ابْن أبي حَاتِم بِسَنَد ضَعِيف عَن ابْن عَبَّاس: أَن رجلا كَانَت لَهُ نَخْلَة فرعها فِي دَار رجل فَقير ذِي عِيَال فَكَانَ الرجل إِذا جَاءَ فَدخل الدَّار فَصَعدَ إِلَى النَّخْلَة ليَأْخُذ مِنْهَا الثَّمَرَة فَرُبمَا تقع ثَمَرَة فيأخذها صبيان الْفَقِير فَينزل من نخلته فَيَأْخُذ الثَّمَرَة من أَيْديهم وَإِن وجدهَا فِي فَم أحدهم أَدخل أُصْبُعه حَتَّى يخرج الثَّمَرَة من فِيهِ فَشَكا ذَلِك الرجل إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: اذْهَبْ وَلَقي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَاحب النَّخْلَة al-Suyuti 8/532al-Suyuti 8/532

فَقَالَ لَهُ: أَعْطِنِي نخلتك المائلة الَّتِي فرعها فِي دَار فلَان وَلَك بهَا نَخْلَة فِي الْجنَّة

فَقَالَ لَهُ الرجل: لقد أَعْطَيْت وَإِن لي لنخلاً كثيرا وَمَا فِيهِ نخل أعجب إِلَيّ ثَمَرَة مِنْهَا

ثمَّ ذهب الرجل وَلَقي رجلا كَانَ يسمع الْكَلَام من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لصَاحب النَّخْلَة فَأتى رَسُول الله: فَقَالَ أَعْطِنِي مَا أَعْطَيْت الرجل إِن أَنا أَخَذتهَا

قَالَ: نعم فَذهب الرجل فلقي صَاحب النَّخْلَة ولكليهما نخل فَقَالَ لَهُ صَاحب النَّخْلَة: أشعرت أَن مُحَمَّدًا أَعْطَانِي بنخلتي المائلة إِلَى دَار فلَان نَخْلَة فِي الْجنَّة فَقلت: لقد أَعْطَيْت وَلَكِن يُعجبنِي ثَمَرهَا ولي نخل كثير مَا فِيهِ نَخْلَة أعجب إليّ ثَمَرَة مِنْهَا فَقَالَ لَهُ الآخر: أَتُرِيدُ بيعهَا فَقَالَ: لَا إِلَّا أَن أعطي بهَا مَا أُرِيد وَلَا أَظن أعْطى

قَالَ: فكم تؤمل فِيهَا قَالَ: أَرْبَعِينَ نَخْلَة فَقَالَ لَهُ الرجل: لقد جِئْت بِأَمْر عَظِيم تطلب بنخلتك المائلة أَرْبَعِينَ نَخْلَة

ثمَّ سكت عَنهُ فَقَالَ: أَنا أُعْطِيك أَرْبَعِينَ نَخْلَة فَقَالَ لَهُ: أشهد إِن كنت صَادِقا

فَأشْهد لَهُ بِأَرْبَعِينَ نَخْلَة بنخلته المائلة فَمَكثَ سَاعَة ثمَّ قَالَ: لَيْسَ بيني وَبَيْنك بيع لم نفترق

فَقَالَ لَهُ الرجل: وَلست بِأَحَق حِين أَعطيتك أَرْبَعِينَ نَخْلَة بنخلتك المائلة

فَقَالَ لَهُ: أُعْطِيك على أَن تُعْطِينِي كَمَا أُرِيد تعطينها على سَاق

فَسكت عَنهُ ثمَّ قَالَ: هِيَ لَك على سَاق

قَالَ: ثمَّ ذهب إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُول الله إِن النَّخْلَة قد صَارَت لي فَهِيَ لَك

فَذهب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى صَاحب الدَّار فَقَالَ: النَّخْلَة لَك ولعيالك

فَأنْزل الله {وَاللَّيْل إِذا يغشى} إِلَى آخر السُّورَة

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: إِنِّي لأقول هَذِه السُّورَة نزلت فِي السماحة وَالْبخل {وَاللَّيْل إِذا يغشى}

وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس {وَاللَّيْل إِذا يغشى} قَالَ: إِذا أظلم

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن سعيد بن جُبَير {وَاللَّيْل إِذا يغشى} قَالَ: إِذا أقبل فَغطّى كل شَيْء

وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَأحمد وَعبد بن حميد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه عَن عَلْقَمَة أَنه قدم الشَّام فَجَلَسَ إِلَى أبي الدَّرْدَاء فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاء مِمَّن أَنْت قَالَ: من أهل الْكُوفَة

قَالَ: كَيفَ سَمِعت عبد الله يقْرَأ {وَاللَّيْل إِذا يغشى} قَالَ: عَلْقَمَة: وَالذكر وَالْأُنْثَى فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء: أشهد أَنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقْرَأ هَكَذَا al-Suyuti 8/533al-Suyuti 8/533

وَهَؤُلَاء يريدوني على أَنِّي أقرؤها: خلق الذّكر وَالْأُنْثَى وَالله لَا أتابعهم

وَأخرج البُخَارِيّ فِي تَارِيخ بَغْدَاد من طَرِيق الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يقْرَأ الْقُرْآن على قِرَاءَة زيد بن ثَابت إِلَّا ثَمَانِيَة عشر حرفا أَخذهَا من قِرَاءَة عبد الله بن مَسْعُود وَقَالَ ابْن عَبَّاس مَا يسرني أَنِّي تركت هَذِه الْحُرُوف وَلَو ملئت لي الدُّنْيَا ذهبة حَمْرَاء مِنْهَا حرف فِي الْبَقَرَة: من بقلها وقثائها وثومها

بالثاء وَفِي الْأَعْرَاف: فلنسألن الَّذين أرسل إِلَيْهِم قبلك من رسلنَا ولنسألن الْمُرْسلين وَفِي بَرَاءَة يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَكُونُوا [] مَعَ الصَّادِقين

وَفِي إِبْرَاهِيم: وَإِن كَانَ مَكْرهمْ لتزول مِنْهُ الْجبَال وَفِي الْأَنْبِيَاء: وَكُنَّا لحكمهم شَاهِدين وفيهَا: وهم من كل جدث يَنْسلونَ وَفِي الْحَج يأْتونَ من كل فج سحيق وَفِي الشُّعَرَاء: فعلتها إِذا وَأَنا من الْجَاهِلين وَفِي النَّمْل: اعبد رب هَذِه الْبَلدة الَّتِي حرمهَا وَفِي الصافات: فَلَمَّا سلما وتله للجبين وَفِي الْفَتْح: وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بِالتَّاءِ وَفِي النَّجْم: وَلَقَد جَاءَ من ربكُم الْهدى وفيهَا: إِن تتبعون إِلَّا الظَّن وَفِي الْحَدِيد: لكَي يعلم أهل الْكتاب أَن لَا يقدرُونَ على شَيْء وَفِي ن: لَوْلَا أَن تداركته نعْمَة من ربه على التَّأْنِيث وَفِي إِذا الشَّمْس كوّرت: وَإِذا الموءودة سَأَلت بِأَيّ ذَنْب قتلت وفيهَا: وَمَا هُوَ على الْغَيْب بضنين وَفِي اللَّيْل: وَالذكر وَالْأُنْثَى قَالَ: هُوَ قسم فَلَا تقطعوه

وَأخرج ابْن جرير عَن أبي إِسْحَق قَالَ فِي قِرَاءَة عبد الله: وَاللَّيْل إِذا يغشى وَالنَّهَار إِذا تجلى وَالذكر وَالْأُنْثَى

وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن الْحسن أَنه كَانَ يقْرؤهَا {وَمَا خلق الذّكر وَالْأُنْثَى} يَقُول: وَالَّذِي خلق الذّكر وَالْأُنْثَى

وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عِكْرِمَة فِي قَوْله: {إِن سعيكم} قَالَ: السَّعْي الْعَمَل

وَأخرج ابْن جرير عَن قَتَادَة قَالَ: وَقع الْقسم هَهُنَا {إِن سعيكم لشتى} يَقُول: مُخْتَلف

وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن عَسَاكِر عَن ابْن مَسْعُود أَن أَبَا بكر الصّديق اشْترى بِلَالًا من أُميَّة بن خلف وَأبي بن خلف بِبُرْدَةٍ وَعشر أَوَاقٍ فَأعْتقهُ لله فَأنْزل الله {وَاللَّيْل إِذا يغشى} {إِن سعيكم لشتى} سعي أبي بكر وَأُميَّة وَأبي إِلَى قَوْله: {وَكذب بِالْحُسْنَى} قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله إِلَى قَوْله: {فسنيسره للعسرى} قَالَ: النَّار al-Suyuti 8/534al-Suyuti 8/534

وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن جرير وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان من طَرِيق عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {فإمَّا من أعْطى} من الْفضل {وَاتَّقَى} قَالَ: اتَّقى ربه {وَصدق بِالْحُسْنَى} قَالَ: صدق بالخلف من الله {فسنيسره لليسرى} قَالَ: الْخَيْر من الله {وَأما من بخل وَاسْتغْنى} قَالَ: بخل بِمَالِه وَاسْتغْنى عَن ربه {وَكذب بِالْحُسْنَى} قَالَ: بالخلف من الله {فسنيسره للعسرى} قَالَ: للشر من الله

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة {فَأَما من أعْطى} قَالَ: أعْطى حق الله عَلَيْهِ {وَاتَّقَى} محارم الله {وَصدق بِالْحُسْنَى} قَالَ: بموعود الله على نَفسه {وَأما من بخل} قَالَ: بِحَق الله عَلَيْهِ {وَاسْتغْنى} فِي نَفسه عَن ربه {وَكذب بِالْحُسْنَى} قَالَ: بموعود الله الَّذِي وعد

وَأخرج ابْن جرير من طرق عَن ابْن عَبَّاس {وَصدق بِالْحُسْنَى} قَالَ: أَيقَن بالخلف

وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس {وَصدق بِالْحُسْنَى} يَقُول صدق بِلَا إِلَه أَلا الله {وَأما من بخل وَاسْتغْنى} يَقُول: من أغناه الله فبخل بِالزَّكَاةِ

وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ {وَصدق بِالْحُسْنَى} قَالَ: بِلَا إِلَه إِلَّا الله

وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد {وَصدق بِالْحُسْنَى} قَالَ: بِالْجنَّةِ

وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن زيد بن أسلم {فسنيسره لليسرى} قَالَ: الْجنَّة

وَأخرج ابْن جرير وَابْن عَسَاكِر عَن عَامر بن عبد الله بن الزبير قَالَ: كَانَ أَبُو بكر يعْتق على الإِسلام بِمَكَّة فَكَانَ يعْتق عَجَائِز وَنسَاء إِذا أسلمن فَقَالَ لَهُ أَبوهُ أَي بني أَرَاك تعْتق أُنَاسًا ضعفاء فَلَو أَنَّك تعْتق رجَالًا جلدا يقومُونَ مَعَك ويمنعونك ويدفعون عَنْك

قَالَ: أَي أَبَت إِنَّمَا أُرِيد مَا عِنْد الله

قَالَ: فَحَدثني بعض أهل بَيْتِي أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِيهِ {فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى وَصدق بِالْحُسْنَى فسنيسره لليسرى} al-Suyuti 8/535al-Suyuti 8/535

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن مرْدَوَيْه وَابْن عَسَاكِر فِي طَرِيق الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى وَصدق بِالْحُسْنَى فسنيسره لليسرى} قَالَ: أَبُو بكر الصّديق {وَأما من بخل وَاسْتغْنى وَكذب بِالْحُسْنَى} قَالَ: أَبُو سُفْيَان بن حَرْب

وَأخرج أَحْمد وَعبد بن حميد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَابْن مرْدَوَيْه وَابْن جرير عَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جَنَازَة فَقَالَ: مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا وَقد كتب مَقْعَده من الْجنَّة ومقعده من النَّار فَقَالُوا يَا رَسُول الله أَفلا نَتَّكِل قَالَ: اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ أما من كَانَ من أهل السَّعَادَة فييسر لعمل أهل السَّعَادَة وَأما من كَانَ من أهل الشَّقَاء فييسر لعمل أهل الشَّقَاء ثمَّ قَرَأَ {فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى} إِلَى قَوْله: {للعسرى}

وَأخرج ابْن جرير عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ قَالَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة (إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر) (سُورَة الْقَمَر الْآيَة ٤٩) قَالَ رجل: يَا رَسُول الله فَفِيمَ الْعَمَل أَفِي شَيْء نستأنفه أم فِي شَيْء قد فرغ مِنْهُ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: اعْمَلُوا فَكل ميسر نيسره لليسرى ونيسره للعسرى

وَأخرج الطستي فِي مسَائِله عَن ابْن عَبَّاس أَن نَافِع بن الْأَزْرَق سَأَلَهُ عَن قَوْله: {إِذا تردى} قَالَ: إِذا تردى وَدخل فِي النَّار نزلت فِي أبي جهل

قَالَ: وَهل تعرف الْعَرَب ذَلِك قَالَ: نعم أما سَمِعت قَول عدي بن زيد: خطفته منية فتردى وَهُوَ فِي الْملك يأمل التعميرا وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد عَن قَتَادَة {إِذا تردى} قَالَ: فِي النَّار

وَأخرج ابْن أبي شيبَة {وَمَا يُغني عَنهُ مَاله إِذا تردى} قَالَ: فِي النَّار

وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {إِذا تردى} قَالَ: إِذا مَاتَ وَفِي قَوْله: {نَارا تلظى} قَالَ: توهج al-Suyuti 8/536al-Suyuti 8/536

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن جرير عَن قَتَادَة فِي قَوْله: {إِن علينا للهدى} يَقُول: على الله الْبَيَان بَيَان حَلَاله وَحَرَامه وطاعته ومعصيته

وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَالْفراء وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بِسَنَد صَحِيح عَن عبيد بن عُمَيْر أَنه قَرَأَ: فأنذرتكم نَارا تتلظى بالتاءين

وَأخرج ابْن جرير عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: لتدخلن الْجنَّة إِلَّا من يَأْبَى

قَالُوا وَمن يَأْبَى أَن يدْخل الْجنَّة فَقَرَأَ {الَّذِي كذب وَتَوَلَّى}

وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن أبي حَاتِم وَابْن الْمُنْذر وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي أُمَامَة قَالَ: لَا يبْقى أحد من هَذِه الْأمة إِلَّا أدخلهُ الله الْجنَّة إِلَّا من شرد على الله كَمَا يشرد الْبَعِير السوء على أَهله فَمن لم يصدقني فَإِن الله تَعَالَى يَقُول: لَا يصلاها إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَتَوَلَّى عَنهُ

وَأخرج أَحْمد وَالْحَاكِم عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ أَنه سُئِلَ عَن أَلين كلمة سَمعهَا من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: كلكُمْ يدْخل الْجنَّة إِلَّا من شرد على الله شرد الْبَعِير على أَهله

وَأخرج أَحْمد وَالْبُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كل أمتِي تدخل الْجنَّة يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا من أَبى

قَالُوا: وَمن يَأْبَى يَا رَسُول الله قَالَ: من أَطَاعَنِي دخل الْجنَّة وَمن عَصَانِي فقد أَبى

وَأخرج أَحْمد وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي أُمَامَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا يدْخل النَّار إِلَّا شقيّ

قيل: وَمن الشقي قَالَ: الَّذِي لَا يعْمل لله بِطَاعَة وَلَا يتْرك لله مَعْصِيّة

وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عُرْوَة أَن أَبَا بكر الصّديق أعتق سَبْعَة كلهم يعذب فِي الله بِلَال وعامر بن فهَيْرَة والنهدية وابنتها وزنيرة وَأم عِيسَى وَأمة بني المؤمل وَفِيه نزلت {وسيجنبها الأتقى} إِلَى آخر السُّورَة

وَأخرج أَحْمد وَمُسلم وَابْن حبَان وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر بن عبد الله: أَن سراقَة بن مَالك قَالَ: يَا رَسُول الله أَفِي أَي شَيْء نعمل أَفِي شَيْء ثبتَتْ فِيهِ الْمَقَادِير وَجَرت فِيهِ الأقلام أم فِي شَيْء نستقبل فِيهِ الْعَمَل قَالَ: بل فِي شَيْء ثبتَتْ فِيهِ الْمَقَادِير وَجَرت فِيهِ الأقلام al-Suyuti 8/537al-Suyuti 8/537

قَالَ سراقَة: فَفِيمَ الْعَمَل إِذن يَا رَسُول الله قَالَ: اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ وَقَرَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذِه الْآيَة {فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى} إِلَى قَوْله: {فسنيسره للعسرى}

وَأخرج ابْن قَانِع وَابْن شاهين وعبدان كلهم فِي الصَّحَابَة عَن بشير بن كَعْب الْأَسْلَمِيّ أَن سَائِلًا سَأَلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيمَ الْعَمَل قَالَ: فِيمَا جَفتْ بِهِ الأقلام وَجَرت بِهِ الْمَقَادِير فاعملوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ ثمَّ قَرَأَ {فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى وَصدق بِالْحُسْنَى فسنيسره لليسرى}

وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن عَامر بن عبد الله بن الزبير عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ أَبُو قُحَافَة لأبي بكر: أَرَاك تعْتق رقاباً ضعافاً فَلَو أَنَّك إِذْ فعلت مَا فعلت أعتقت رجَالًا جلدا يمنعونك ويقومون دُونك فَقَالَ: يَا أَبَت إِنَّمَا أُرِيد وَجه الله فَنزلت هَذِه الْآيَة فِيهِ: {فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى} إِلَى قَوْله: {وَمَا لأحد عِنْده من نعْمَة تجزى إِلَّا ابْتِغَاء وَجه ربه الْأَعْلَى ولسوف يرضى}

وَأخرج الْبَزَّار وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن عديّ وَابْن مرْدَوَيْه وَابْن عَسَاكِر من وَجه آخر عَن عَامر بن الزبير عَن أَبِيه قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة {وَمَا لأحد عِنْده من نعْمَة تجزى إِلَّا ابْتِغَاء وَجه ربه الْأَعْلَى ولسوف يرضى} فِي أبي بكر الصّديق

وَأخرج ابْن جرير عَن سعيد قَالَ: نزلت {وَمَا لأحد عِنْده من نعْمَة تجزى} فِي أبي بكر أعتق نَاسا لم يلْتَمس مِنْهُم جَزَاء وَلَا شكُورًا سِتَّة أَو سَبْعَة مِنْهُم بِلَال وعامر بن فهَيْرَة

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {وسيجنبها الأتقى} قَالَ: هُوَ أَبُو بكر الصّديق

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة فِي قَوْله: {وَمَا لأحد عِنْده من نعْمَة تجزى} يَقُول: لَيْسَ بِهِ مثابة النَّاس وَلَا مجازاتهم إِنَّمَا عطيته لله بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم al-Suyuti 8/538al-Suyuti 8/538

٩٣ al-Suyuti 8/539al-Suyuti 8/539

Tafsir al-Qur’an al-‘AzimIbn Kathir · d. 774 AH
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىon ayat 1 to 11Ibn Kathir 9/416Ibn Kathir 9/416

قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة: أنه قدم الشام فدخل مسجد دمشق، فصلى فيه ركعتين وقال: اللهم، ارزقني جليسًا صالحًا. قال: فجلس إلى أبي الدرداء، فقال له أبو الدرداء: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة. قال: كيف سمعت ابن أم عبد يقرأ: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) ؟ قال علقمة: "والذكر والأنثى" . فقال أبو الدرداء: لقد سمعتها من رسول الله ﷺ ، فما زال هؤلاء حتى شككوني. ثم قال: ثم ألم يكن فيكم صاحب الوساد وصاحب السر الذي لا يعلمه أحد غيره، والذي أجير من الشيطان على لسان النبي ﷺ ؟ .

وقد رواه البخاري هاهنا ومسلم، من طريق الأعمش، عن إبراهيم قال: قدم أصحاب عبد الله على أبي الدرداء، فطلبهم فوجدهم، فقال: أيكم يقرأ على قراءة عبد الله؟ قالوا: كلنا، قال: أيكم أحفظ؟ فأشاروا إلى علقمة، فقال: كيف سمعته يقرأ: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) ؟ قال: "والذكر والأنثى" . قال: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدوني أن أقرأ: (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى) والله لا أتابعهم .

هذا لفظ البخاري: هكذا قرأ ذلك ابن مسعود، وأبو الدرداء -ورفعه أبو الدرداء- وأما الجمهور فقرأوا ذلك كما هو مُثبَت في المصحف الإمام العثماني في سائر الآفاق: (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى) Ibn Kathir 9/416Ibn Kathir 9/416

فأقسم تعالى بـ (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) أي: إذا غَشيَ الخليقةَ بظلامه، (وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) أي: بضيائه وإشراقه، (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى) كقوله: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النبأ: ٨] ، وكقوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] .

ولما كان القسم بهذه الأشياء المتضادة كان القسم عليه أيضا متضادا؛ ولهذا قال: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) أي: أعمال العباد التي اكتسبوها متضادة أيضًا ومتخالفة، فمن فاعل خيرا ومن فاعل شرا.

قال الله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) أي: أعطى ما أمر بإخراجه، واتقى الله في أموره، (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) أي: بالمجازاة على ذلك -قاله قتادة، وقال خَصِيف: بالثواب. وقال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو صالح، وزيد بن أسلم: (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) أي: بالخلف. وقال أبو عبد الرحمن السلمي، والضحاك: (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) أي: بلا إله إلا الله. وفي رواية عن عكرمة: (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) أي: بما أنعم الله عليه. وفي رواية عن زيد بن أسلم: (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) قال: الصلاة والزكاة والصوم. وقال مرة: وصدقة الفطر.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا زُهَير بن محمد، حدثني مَن سَمِع أبا العالية الرياحي يُحدث عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله ﷺ عن الحسنى قال: "الحسنى: الجنة" .

وقوله: (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) قال ابن عباس: يعني للخير. وقال زيد بن أسلم: يعني للجنة.

وقال بعض السلف: من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئةُ بعدها؛ ولهذا قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ) أي: بما عنده، (واستغنى) قال عكرمة، عن ابن عباس: أي بخل بماله، واستغنى عن ربه، عز وجل . رواه ابن أبي حاتم.

(وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) أي: بالجزاء في الدار الآخرة.

(فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) أي: لطريق الشر، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] ، والآيات في هذا المعنى كثيرة دالة على أن الله، عز وجل ، يُجازي من قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان. وكل ذلك بقدر مُقدّر، والأحاديث الدالة على هذا المعنى كثيرة:

رواية أبي بكر الصديق، رضي الله عنه : قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عَيَّاش، حدثني العطاف بن خالد، حدثني رجل من أهل البصرة، عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن أبيه قال: سمعت أبي يذكر أن أباه سمع أبا بكر وهو يقول: قلت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، أنعمل على ما فرغ منه أو على أمر مؤتنف؟ قال: "بل على أمر قد فُرغ منه" . Ibn Kathir 9/417Ibn Kathir 9/417

قال: ففيم العملُ يا رسول الله؟ قال: "كل ميسر لما خلق له" .

رواية علي، رضي الله عنه : قال البخاري، حدثنا أبو نعيم: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بَقِيع الغَرْقَد في جنازة، فقال: "ما منكم من أحد إلا وقد كُتب مقعده من الجنة ومقعده من النار" . فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل؟ فقال: "اعملوا، فكل ميسر لما خلق له" . قال: ثم قرأ: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) إلى قوله: (لِلْعُسْرَى) .

وكذا رواه من طريق شعبة ووَكِيع، عن الأعمش، بنحوه ثم رواه عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن منصور، عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه : كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتى رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخْصَرَةٌ فَنَكَسَ فجعل ينكُت بمخصرته، ثم قال: "ما منكم من أحد - أو: ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة" . فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نتكل وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى أهل الشقاء؟ فقال: "أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فييسرون إلى عمل أهل الشقاء" . ثم قرأ: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) الآية .

وقد أخرجه بقية الجماعة، من طرق، عن سعد بن عبيدة، به .

رواية عبد الله بن عمر: وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة عن عاصم بن عبيد الله قال: سمعتُ سالم بنَ عبد الله يُحدث عن ابن عُمَر: قال: قال عمر: يا رسول الله، أرأيت ما نعمل فيه؟ أفي أمر قد فُرغ أو مبتدأ أو مبتدع؟ قال: " فيما قد فُرغَ منه، فاعمل يا ابن الخطاب، فإن كُلا مُيَسَّر، أما من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء" .

ورواه الترمذي في القدر، عن بندار، عن ابن مَهْدِي، به وقال: حسن صحيح.

حديث آخر من رواية جابر: قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو ابن الحارث، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله أنه قال: يا رسول الله، أنعمل لأمر قد فرغ منه، أو لأمر نستأنفه؟ فقال: "لأمر قد فرغ منه" . فقال سراقة: ففيم العمل إذًا؟ فقال رسول الله ﷺ : "كل عامل مُيَسَّر لعمله" . Ibn Kathir 9/418Ibn Kathir 9/418

ورواه مسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، به .

حديث آخر: قال ابن جرير: حدثني يونس، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طلق ابن حبيب، عن بشير بن كعب العدوي قال: سأل غلامان شابان النبي ﷺ فقالا يا رسول الله، أنعمل فيما جَفَّت به الأقلام وجَرَتْ به المقادير، أو في شيء يستأنف؟ فقال: "بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير" . قالا ففيم العمل إذًا؟ قال: "اعملوا فكل عامل ميسر لعمله الذي خلق له" . قالا فالآن نجد ونعمل .

رواية أبي الدرداء: قال الإمام أحمد: حدثنا هَيْثَم بن خارجة، حدثنا أبو الربيع سليمان بن عتبة السلمي، عن يونس بن ميسرة بن حَلْبس، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء قال: قالوا: يا رسول الله، أرأيت ما نعمل، أمر قد فُرغ منه أم شيء نستأنفه؟ قال: "بل أمر قد فرغ منه" . قالوا: فكيف بالعمل يا رسول الله؟ قال: "كل امرئ مهيأ لما خلق له" .

تفرد به أحمد من هذا الوجه.

حديث آخر: قال ابن جرير: حدثني الحسن بن سلمة بن أبي كَبْشَة، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا عباد بن راشد، عن قتادة، حدثني خُلَيد العصري، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا وبجَنْبَتَيْهَا ملكان يناديان بصوت يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين: اللهم أعط منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا" . وأنزل الله في ذلك القرآن: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) .

ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن ابن أبي كبشة، بإسناده مثله.

حديث آخر: قال ابن أبي حاتم: حدثني أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن عُمَر العَدَاني، حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رجلا كان له نخل، ومنها نخلة فرعها إلى دار رجل صالح فقير ذي عيال، فإذا جاء الرجل فدخل داره وأخذ الثمر من نخلته، فتسقط الثمرة فيأخذها صبيان الفقير فنزل من نخلته فَنزع الثمرة من أيديهم، وإن أدخل أحدهم الثمرة في فمه أدخل أصبعه في حلق الغلام ونزع الثمرة من حلقه. فشكا ذلك الرجلُ إلى النبي ﷺ ، وأخبره بما هو فيه من صاحب النخلة، فقال له النبي ﷺ : "اذهب" . ولقي النبي ﷺ صاحب النخلة، فقال له النبي ﷺ : "أعطني نخلتك التي فرعها في دار فلان ولك بها نخلة في الجنة" فقال له: لقد أعطيت، ولكن يعجبني ثمرها، وإن لي لنخلا كثيرًا ما فيها نخلة أعجب إلي ثمرة من ثمرها. فذهب النبي ﷺ فتبعه رجل كان يسمع الكلام من رسول الله ﷺ ومن صاحب النخلة. فقال الرجل: يا رسول الله، إن أنا أخذت النخلة فصارت لي النخلة فأعطيتها أتعطيني بها ما أعطيته بها نخلة في الجنة؟ قال: "نعم" . ثم إن الرجل لقي صاحب النخلة، ولكلاهما نخل، فقال له: أخبرك أن محمدًا، [قد] أعطاني بنخلتي المائلة في دار فلان نخلة في الجنة، فقلت، له: قد أعطيتُ ولكن يعجبني ثمرها. فسكت عنه الرجلُ، فقال له: أتُراك إذا بعتها؟ قال: لا إلا أن أعطى بها شيئًا، ولا أظنني أعطاه. قال: وما مناك بها ؟ قال: أربعون نخلة. فقال الرجل: لقد جئتَ بأمر عظيم، نخلتك تطلب بها أربعين نخلة؟ ! ثم سكتا وأنشأ في كلام [آخر] ثم قال: أنا أعطيتك أربعين نخلة، فقال: أشهد لي إن كنت صادقا. فأمر بأناس فدعاهم فقال: اشهدوا أني قد أعطيته من نخلي أربعين نخلة بنخلته التي فرعها في دار فلان ابن فلان. ثم قال: ما تقول؟ فقال صاحب النخلة: قد رضيت. ثم قال بعدُ: ليس بيني وبينك بيع لم نفترق قال له: قد أقالك الله، ولست بأحمق حين أعطيتك أربعين نخلة بنخلتك المائلة. فقال صاحب النخلة: قد رضيتُ على أن تعطيني الأربعين على ما أريد. قال: تعطينيها على ساق. ثم مكث ساعة، ثم قال: هي لك على ساق وأوقف له شهودًا وعد له أربعين نخلة على ساق، فتفرقا، فذهب الرجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن النخلة المائلة في دار فلان قد صارت لي، فهي لك. فذهب رسول الله ﷺ إلى الرجل صاحب الدار فقال له: "النخلة لك ولعيالك" . قال عكرمة: قال ابن عباس: فأنزل الله عز وجل : (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) إلى قوله: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) إلى آخر السورة . Ibn Kathir 9/419Ibn Kathir 9/419

هكذا رواه ابن أبي حاتم، وهو حديث غريب جدًا.

قال ابن جرير: وذكر أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه : حدثني هارون بن إدريس الأصم، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناسًا ضعفاء، فلو أنك تعتق رجالا جُلَداء يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ ! فقال: أيْ أبَت، إنما أريد -أظنه قال - ما عند الله: قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية أنزلت فيه: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى * وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) . Ibn Kathir 9/420Ibn Kathir 9/420

وقوله: (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) قال مجاهد: أي إذا مات. وقال أبو صالح، ومالك عن زيد بن أسلم: إذا تردى في النار. Ibn Kathir 9/421Ibn Kathir 9/421