ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ ١
In the sections:Dala’il
Commentary
اقرأ -أيها النبي- ما أُنزل إليك من القرآن مُفْتَتِحًا باسم ربك المتفرد بالخلق، الذي خلق كل إنسان من قطعة دم غليظ أحمر. اقرأ -أيها النبي- ما أُنزل إليك، وإن ربك لكثير الإحسان واسع الجود، الذي علَّم خلقه الكتابة بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يكن يعلم، ونقله من ظلمة الجهل إلى نور العلم.
١ - {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ }
أي الدم واحدتها عَلقَه، وإنما جمع ولفظ الإنسان واحدٌ لأنه (في) معنى الجمع .
وهذِه أول سورة نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من القرآن، وأول ما نزل منها خمس آيات من أولها إلى قوله: {مَا لَمْ يَعْلَمْ} ، وعلى هذا أكثر العلماء .
[٣٥٥٣] أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون وعبد الله بن حامد ، قالا: أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن ، حدثنا محمد ابن يحيى ، حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري قال: أخبرني عروة ، عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبِّبَ إليه الخلاء، فكان يأتي حراء، فيتحنَّث فيه -وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فتزوده بمثلها ، حتَّى فجئه الحق، وهو في غار حراء، قال : "فجاءني الملك، فقال: اقرأ ، فقلت له: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتَّى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتَّى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة حتَّى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } حتَّى بلغ {مَا لَمْ يَعْلَمْ} " al-Tha‘labi 30/33al-Tha‘labi 30/33
فرجع بها ترجف بوادره ، حتَّى دخل على خديجة، فقال: "زمَّلوني زمَّلوني" ، فزمَّلوه، حتَّى ذهب منه الروع، فقال: "يا خديجة ما لي؟ " وأخبرها الخبر، وقال: قد خشيت عليّ ، قالت له: كلَّا أبشر فو الله لا يُخزيك الله أبدًا، إنك لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصْدُق الحدِيثَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ ، وَتَقْري الضَّيْف، وتُعِيْنُ على نوائِبِ الحَق، ثم انطلقت به خديجة، حتَّى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد ابن عبد العُزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة، وكان أمرأً تنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت خديجة: إي ابن عم، اسمع من ابن أخيك. فقال ورقة: ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الَّذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعًا ، ليتني أكون حيًّا حين يُخرِجُك قومُك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أوَ مُخرجيَّ هم" ، فقال ورقة: نعم، لم يأَت رجل قط بما جئتَ به إلَّا أوذي وعُودِي، وإن يدركني يومُك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة، حتَّى حزن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيما بلغنا غدا منه مرارًا، كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال ، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يُلقي نفسه منها تبدَّا له جبريل عليه السلام، فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًّا، فيَسْكُن لذلك جأشُه ، وتقر نفسه، فيرجع. فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذُروة جبل تبدَّى له جبريل عليه السلام فقال له مثل، ذلك " . al-Tha‘labi 30/35al-Tha‘labi 30/35
قال الزهري : وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، عن جابر ابن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: "فبينا أمشي سمعتُ صوتًا من السماء، فرفعتُ رأسي، فإذا الملك الَّذي جاءني بحراء، جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجئثت منه رعبًا فرجعتُ، فقلت: زملوني زملوني، فدثروني فأنزل الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ } قبل أن تفرض الصلاة وهي الأوثان" . al-Tha‘labi 30/37al-Tha‘labi 30/37
ثم كان ما نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من القرآن بعد {اقْرَأْ} ، (والمدثر) ، {ن وَالْقَلَمِ} إلى قوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } ثم {وَالضُّحَى } . al-Tha‘labi 30/38al-Tha‘labi 30/38
[٣٥٥٤] أخبرني عقيل بن محمد أن أبا الفرج البغدادي القاضي ، أخبرهم عن أبي جعفر الطبري ، حدثنا ابن أبي الشوارب ، حدثنا عبد الواحد ، حدثنا سليمان الشيباني ، حدثنا عبد الله بن شداد ، قال: نزلت على رسول الله {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} ثم أبطأ عليه جبريل ، فقالت له خديجة: ما أرى ربك إلَّا قد قلاك فأنزل الله عز وجل: {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى } . al-Tha‘labi 30/39al-Tha‘labi 30/39
[٣٥٥٥] أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان ، أخبرنا مكي بن عبدان ، حدثنا عبد الرحمن بن بشر ، حدثنا سفيان ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت: إن أول سورة نزلت {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} . al-Tha‘labi 30/40al-Tha‘labi 30/40
[٣٥٥٦] وأخبرنا عبد الله بن حامد ، أخبرنا محمد بن جعفر ، حدثنا علي بن حرب ، حدثنا أبو عامر العقدي ، عن قرة بن خالد ، عن أبي رجاء العطاردي قال: كان أبو موسى - رضي الله عنه - يقرئنا القرآن في هذا المسجد، فنقعد له حلقًا حلقًا، كأني أنظر إليه الآن بين ثوبين أبيضين، فعنه أخذت هذِه السورة {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ }، وقال: وكانت أول سورة نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . al-Tha‘labi 30/41al-Tha‘labi 30/41
وقيل: إن أول سورة نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فاتحة الكتاب .
[٣٥٥٧] أخبرنا محمد بن حمدويه ، وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا محمد بن يعقوب ، حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا يونس بن بكير ، عن يونس بن عمرو ، عن أبيه ، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لخديجة: "إني إذا خلوت وحدي سمعت نداءً، وقد والله خشيت أن يكون هذا أمرًا" ، فقالت: معاذ الله ما كان الله عز وجل ليفعل بك ذلك، فوالله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث، فلما دخل أبو بكر، وليس النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكرت خديجة له ذلك ، وقالت: يا عتيق اذهب مع محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى ورقة، فلما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أخذ أبو بكر - رضي الله عنه - بيده وقال: انطلق بنا إلى ورقة، قال : "من أخبرك" ، قال: خديجة، فانطلقا إليه، وقصَّ عليه، فقال: "إذا خلوتُ وحدي سمعتُ نداءً خلفي: يا محمد يا محمد فأنطلق هاربًا في الأرض" . فقال له: لا تفعل، إذا أتاك فاثبت له حتَّى تسمع ما يقول، ثم ائتني. فأخبرني؛ فلما خلا ناداه يا محمد قل: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } حتَّى بلغ: {وَلَا الضَّالِّينَ} ، قال : قل لا إله إلَّا الله، فأتى ورقة فذكر له ذلك، فقال له ورقةُ: أبشر ثم أبشر، فأنا أشهد أنك الَّذي بشَّر به ابن مريم، وإنك على مثل ناموس موسى، وإنك نبيٌّ مرسل، وإنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا، ولئن أدركني ذلك لأجاهدنَّ معك ، فلما توفي ورقة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لقد رأيت القس في الجنّة، عليه ثياب الحرير، لأنه آمن بي وصدَّقني" يعني: ورقة . al-Tha‘labi 30/42al-Tha‘labi 30/42
قالوا: وقال ورقة في ذلك:
فإن يك حقًّا يا خديجة فاعلمي ... حديثك إيانا فأحمد مرسلُ
وجبريل يأتيه وميكال معهما ... من الله وحي يشرح الصدر منزل
يفوز به من فاز عزًا لدينه ... ويشقى به الغاوي الشقي المضلل
فريقان منهم فرقة في جنانه ... وأخرى بأرواح الجحيم تُغللُ al-Tha‘labi 30/45al-Tha‘labi 30/45
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن الزهري، عن عُرْوَة، عن عائشة قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح. ثم حُبب إليه الخلاء، فكان يأتي حراء فيتحنث فيه - وهو: التعبد-الليالي ذواتَ العدد، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فَتُزَوِّد لمثلها حتى فَجَأه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه فقال: اقرأ. قال رسول الله ﷺ : "فقلت: ما أنا بقارئ" . قال: "فأخذني فَغَطَّني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فَغَطَّني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) حتى بلغ: (مَا لَمْ يَعْلَمْ) قال: فرجع بها تَرجُف بَوادره حتى دخل على خديجة فقال: زملوني زملوني" . فزملوه حتى ذهب عنه الرَّوْع. فقال: يا خديجة، ما لي: فأخبرها الخبر وقال: "قد خشيت علي" . فقالت له: كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدُق الحديث، وتحمل الكَلَّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به وَرَقة بن نوفل بن أسَد بن عبد العُزى بن قُصي -وهو ابن عم خديجة، أخي أبيها، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، وكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عَميَ - فقالت خديجة: أيّ ابن عم، اسمع من ابن أخيك. فقال ورقة: ابنَ أخي، ما ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ليتني فيها جَذعا أكونُ حيا حين يخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ : "أومخرجيَّ هُم؟ " . فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يُدركني يومك أنصُرْكَ نصرًا مُؤزرًا. [ثم] لم ينشَب وَرَقة أن تُوُفِّي، وفَتَر الوحي فترة حتى حَزن رسول الله ﷺ -فيما بلغنا-حزنًا غدا منه مرارا كي يَتَردى من رءوس شَوَاهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه، تبدى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسولُ الله حقًا. فيسكن بذلك جأشه، وتَقَرُّ نفسه فيرجع. فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل تَبَدى له جبريل، فقال له مثل ذلك. Ibn Kathir 9/436Ibn Kathir 9/436
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري وقد تكلمنا على هذا الحديث من جهة سنده ومتنه ومعانيه في أول شرحنا للبخاري مستقصى، فمن أراده فهو هناك محرر، ولله الحمد والمنة.
فأول شيء [نزل] من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات وهُنَّ أول رحمة رَحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم. وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كَرَمه تعالى أن عَلّم الإنسان ما لم يعلم، فشرفه وكرمه بالعلم، وهو القدر الذي امتاز به أبو البرية آدم على الملائكة، والعلم تارة يكون في الأذهان، وتارة يكون في اللسان، وتارة يكون في الكتابة بالبنان، ذهني ولفظي ورسمي، والرسمي يستلزمهما من غير عكس، فلهذا قال: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) وفي الأثر: قيدوا العلم بالكتابة . وفيه أيضا: "من عمل بما علم رزقه الله علم ما لم يكن [يعلم] " . Ibn Kathir 9/437Ibn Kathir 9/437
Choose one book or more.