وَٱلْعَٰدِيَٰتِ ضَبْحًۭا ١
Commentary
أقسم الله تعالى بالخيل الجاريات في سبيله نحو العدوِّ، حين يظهر صوتها من سرعة عَدْوِها. ولا يجوز للمخلوق أن يقسم إلا بالله، فإن القسم بغير الله شرك.
يقسم تعالى بالخيل إذا أجريت في سبيله فَعَدت وضَبَحت، وهو: الصوت الذي يسمع من الفرس حين تعدو. (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا) يعني: اصطكاك نعالها للصخر فتقدح منه النار.
(فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا) يعني: الإغارة وقت الصباح، كما كان رسول الله ﷺ يغير صباحًا ويتسمّع أذانا، فإن سمع وإلا أغار.
[وقوله] (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا) يعني: غبارًا في [مكان] معترك الخيول.
(فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا) أي: توسطن ذلك المكان كُلُّهن جمع.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبدة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا) قال: الإبل.
وقال علي: هي الإبل. وقال ابن عباس: هي الخيل. فبلغ عليا قولُ ابن عباس، فقال: ما كانت لنا خيل يوم بدر. قال ابن عباس: إنما كان ذلك في سرية بعثت.
قال ابن أبي حاتم وابن جرير: حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس حدثه، قال: بينا أنا في الحِجْر جالسا، جاءني رجل فسألني عن: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا) فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله، ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم. فانفتل عني فذهب إلى علي، رضي الله عنه ، وهو عند سقاية زمزم فسأله عن (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا) فقال: سألت عنها أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت ابن عباس فقال: الخيل حين تغير في سبيل الله. قال: اذهب فادعه لي. فلما وقف على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك، والله لئن كان أولَ غزوة في الإسلام بدر، وما كان معنا إلا فَرَسان: فرس للزبير وفرس للمقداد، فكيف تكون العاديات ضبحًا؟ إنما العاديات ضبحا من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى. Ibn Kathir 9/465Ibn Kathir 9/465
قال ابن عباس: فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال علي، رضي الله عنه .
وبهذا الإسناد عن ابن عباس قال: قال علي: إنما (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا) من عرفة إلى المزدلفة، فإذا أووا إلى المزدلفة أوروا النيران.
وقال العَوفي عن ابن عباس: هي الخيل.
وقد قال بقول علي: إنها الإبل جماعة. منهم: إبراهيم، وعبيد بن عمير وبقول ابن عباس آخرون، منهم: مجاهد وعكرمة، وعطاء وقتادة، والضحاك. واختاره ابن جرير.
قال ابن عباس، وعطاء: ما ضبحت دابة قط إلا فرس أو كلب.
وقال ابن جُرَيْج عن عطاء سمعت ابن عباس يصف الضبح: أح أح.
وقال أكثر هؤلاء في قوله: (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا) يعني: بحوافرها. وقيل: أسعَرْنَ الحرب بين رُكبانهن. قاله قتادة.
وعن ابن عباس ومجاهد: (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا) يعني: مكر الرجال.
وقيل: هو إيقاد النار إذا رجعوا إلى منازلهم من الليل.
وقيل: المراد بذلك: نيران القبائل.
وقال من فسرها بالخيل: هو إيقاد النار بالمزدلفة.
وقال ابن جرير: والصواب الأول؛ أنها الخيل حين تقدح بحوافرها.
وقوله (فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا) قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: يعني إغارة الخيل صبحًا في سبيل الله.
وقال من فسرها بالإبل: هو الدفع صبحا من المزدلفة إلى منى.
وقالوا كلهم في قوله: (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا) هو: المكان الذي إذا حلت فيه أثارت به الغبار، إما في حج أو غزو.
وقوله: (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا) قال العَوفى، عن ابن عباس، وعطاء، وعكرمة، وقتادة، والضحاك: يعني جَمَع الكفار من العدو.
ويحتمل أن يكون: فوسطن بذلك المكان جَميعُهُن، ويكون (جَمْعًا) منصوبا على الحال المؤكدة.
وقد روى أبو بكر البزار هاهنا حديثًا [غريبًا جدًا] فقال: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حفص بن جُمَيع، حدثنا سِمَاك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ خيلا فأشهرت شهرًا لا يأتيه منها خبر، فنزلت: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا) ضبحت بأرجلها، (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا) قدحت بحوافرها الحجارة فأورت نارًا، (فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا) صبَّحت القوم بغارة، (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا) أثارت بحوافرها التراب، (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا) قال: صبحت القوم جميعا . Ibn Kathir 9/466Ibn Kathir 9/466
وقوله: (إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) هذا هو المقسم عليه، بمعنى: أنه لنعم ربه لجحود كفور.
قال ابن عباس، ومجاهد وإبراهيم النَّخعِي، وأبو الجوزاء، وأبو العالية، وأبو الضحى، وسعيد بن جبير، ومحمد بن قيس، والضحاك، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، وابن زيد: الكنود: الكفور. قال الحسن: هو الذي يعد المصائب، وينسى نعم ربه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) قال: "الكفور الذي يأكل وحده، ويضرب عبده، ويمنع رفده" .
ورواه ابن أبي حاتم، من طريق جعفر بن الزبير -وهو متروك-فهذا إسناد ضعيف. وقد رواه ابن جرير أيضا من حديث حريز بن عثمان، عن حمزة بن هانئ، عن أبي أمامة موقوفا .
وقوله: (وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ) قال قتادة وسفيان الثوري: وإن الله على ذلك لشهيد. ويحتمل أن يعود الضمير على الإنسان، قاله محمد بن كعب القرظي، فيكون تقديره: وإن الإنسان على كونه كنودا لشهيد، أي: بلسان حاله، أي: ظاهر ذلك عليه في أقواله وأفعاله، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]
وقوله: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) أي: وإنه لحب الخير - وهو: المال-لشديد. وفيه مذهبان:
أحدهما: أن المعنى: وإنه لشديد المحبة للمال.
والثاني: وإنه لحريص بخيل؛ من محبة المال. وكلاهما صحيح.
ثم قال تعالى مُزَهِّدا في الدنيا، ومُرَغِّبًا في الآخرة، ومنبهًا على ما هو كائن بعد هذه الحال، وما يستقبله الإنسان من الأهوال: (أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ) أي: أخرج ما فيها من الأموات. Ibn Kathir 9/467Ibn Kathir 9/467
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا * إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ * أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ} .
أقسم الله تبارك وتعالى بالخيل، لما فيها من آيات الله الباهرة، ونعمه الظاهرة، ما هو معلوم للخلق.
وأقسم [تعالى] بها في الحال التي لا يشاركها [فيه] غيرها من أنواع الحيوانات، فقال: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} أي: العاديات عدوًا بليغًا قويًا، يصدر عنه الضبح، وهو صوت نفسها في صدرها، عند اشتداد العدو .
{فَالْمُورِيَاتِ} بحوافرهن ما يطأن عليه من الأحجار {قَدْحًا} أي: تقدح النار من صلابة حوافرهن [وقوتهن] إذا عدون، {فَالْمُغِيرَاتِ} على الأعداء {صُبْحًا} وهذا أمر أغلبي، أن الغارة تكون صباحًا، {فَأَثَرْنَ بِهِ} أي: بعدوهن وغارتهن {نَقْعًا} أي: غبارًا، {فَوَسَطْنَ بِهِ} أي: براكبهن {جَمْعًا} أي: توسطن به جموع الأعداء، الذين أغار عليهم.
والمقسم عليه، قوله: {إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} أي: لمنوع للخير الذي ⦗٩٣٣⦘ عليه لربه .
فطبيعة [الإنسان] وجبلته، أن نفسه لا تسمح بما عليه من الحقوق، فتؤديها كاملة موفرة، بل طبيعتها الكسل والمنع لما عليه من الحقوق المالية والبدنية، إلا من هداه الله وخرج عن هذا الوصف إلى وصف السماح بأداء الحقوق، {وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ} أي: إن الإنسان على ما يعرف من نفسه من المنع والكند لشاهد بذلك، لا يجحده ولا ينكره، لأن ذلك أمر بين واضح. ويحتمل أن الضمير عائد إلى الله تعالى أي: إن العبد لربه لكنود، والله شهيد على ذلك، ففيه الوعيد، والتهديد الشديد، لمن هو لربه كنود، بأن الله عليه شهيد.
{وَإِنَّهُ} أي: الإنسان {لِحُبِّ الْخَيْرِ} أي: المال {لَشَدِيدُ} أي: كثير الحب للمال.
وحبه لذلك، هو الذي أوجب له ترك الحقوق الواجبة عليه، قدم شهوة نفسه على حق ربه، وكل هذا لأنه قصر نظره على هذه الدار، وغفل عن الآخرة، ولهذا قال حاثًا له على خوف يوم الوعيد:
{أَفَلا يَعْلَمُ} أي: هلا يعلم هذا المغتر {إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ} أي: أخرج الله الأموات من قبورهم، لحشرهم ونشورهم. al-Sa‘di 1/932al-Sa‘di 1/932
{وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ} .
{وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} أي: ظهر وبان [ما فيها و] ما استتر في الصدور من كمائن الخير والشر، فصار السر علانية، والباطن ظاهرًا، وبان على وجوه الخلق نتيجة أعمالهم.
{إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ} أي مطلع على أعمالهم الظاهرة والباطنة، الخفية والجلية، ومجازيهم عليها. وخص خبره بذلك اليوم، مع أنه خبير بهم في كل وقت، لأن المراد بذلك، الجزاء بالأعمال الناشئ عن علم الله واطلاعه.
تفسير سورة القارعة
[وهي] مكية al-Sa‘di 1/933al-Sa‘di 1/933
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ * فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ} .
{الْقَارِعَةُ} من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك، لأنها تقرع الناس وتزعجهم بأهوالها، ولهذا عظم أمرها وفخمه بقوله: {الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ} من شدة الفزع والهول، {كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوث} أي: كالجراد المنتشر، الذي يموج بعضه في بعض، والفراش: هي الحيوانات التي تكون في الليل، يموج بعضها ببعض لا تدري أين توجه، فإذا أوقد لها نار تهافتت إليها لضعف إدراكها، فهذه حال الناس أهل العقول، وأما الجبال الصم الصلاب، فتكون {كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} أي: كالصوف المنفوش، الذي بقي ضعيفًا جدًا، تطير به أدنى ريح، قال تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} ثم بعد ذلك، تكون هباء منثورًا، فتضمحل ولا يبقى منها شيء يشاهد، فحينئذ تنصب الموازين، وينقسم الناس قسمين: سعداء وأشقياء، {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} أي: رجحت حسناته على سيئاته {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} في جنات النعيم.
{وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} بأن لم تكن له حسنات تقاوم سيئاته.
{فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} أي: مأواه ومسكنه النار، التي من أسمائها الهاوية، تكون له بمنزلة الأم الملازمة كما قال تعالى: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} .
وقيل: إن معنى ذلك، فأم دماغه هاوية في النار، أي: يلقى في النار على رأسه.
{وَمَا أَدْرَاكَ مَاهِيَهْ} وهذا تعظيم لأمرها، ثم فسرها بقوله هي: {نَارٌ حَامِيَةٌ} أي: شديدة الحرارة، قد زادت حرارتها على حرارة نار الدنيا سبعين ضعفًا. نستجير بالله منها. al-Sa‘di 1/933al-Sa‘di 1/933
Choose one book or more.