لِإِيلَٰفِ قُرَيْشٍ ١
Commentary
اعْجَبوا لإلف قريش، وأمنهم، واستقامة مصالحهم، وانتظام رحلتيهم في الشتاء إلى «اليمن» ، وفي الصيف إلى «الشام» ، وتيسير ذلك; لجلب ما يحتاجون إليه.
قوله تعالى: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ} إلى آخرها.
قال الأخفش: اللام متعلقة بمعنى سورة ألم تر يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل لتألف قريش.
وقيل: التقدير: فعلنا بأصحاب الفيل هذا [منا] على أهل البيت وإحساناً إليهم إلى نعمتنا عليهم في رحلتهم الشتاء والصيف، (فتكون اللام في {لإِيلاَفِ} بمعنى " إلى " .
وقيل: التقدير: اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف)، وتركهم عبادة رب هذا البيت. وهذا مذهب الفراء. Makki ibn Abi Talib 1/8451Makki ibn Abi Talib 1/8451
وقال الخليل بن أحمد: المعنى: لن يؤلف الله قريشاً [إيلافاً] {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت} أي: لهذا فليعبدوه فلا تقدير، حذف في هذا القول.
وعن ابن عباس أنه قال في تفسير {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} معناه: نعمتي على قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. قال: كانوا يشتون بمكة ويصيفون بالطائف.
وقوله: {إِيلاَفِهِمْ} ، [بدل] من الأول.
وقرأ يزيد بن القعقاع/ " إلفهم " جعله مصدر " ألفه إلفاً " . وكذلك ذكرت أسماء بنت يزيد أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ.
وعن أبي أنه قرأ: [ " إلافهم " ]، وهما مصدران للثلاثي على فِعْل وفِعال، ومثله علم علماً، ولقيه لقاء، وصمت صياماً، وكتبت كتاباً. Makki ibn Abi Talib 1/8452Makki ibn Abi Talib 1/8452
وأجاز الفراء " إيلافَهم " بالنصب على المصدر.
وروي عن أبي بكر عن عاصم أنه قرأ " لإئلفِ " بهمزتين مكسورة وساكنة، " إئْلفم " كذلك [أيضاً] ، أتى بهما على الأصل، وهو بعيد لا يجوز عند كثير من النحويين، وهي لغة شاذة، وهما مصدران لاَلَفَ يُؤلِفُ.
وقد قرأ [ابن عامر] " لإلف " ، جعله مصدر ألِفَ إلافاً، مثل: كتب كتاباً، وصام صياماً.
وقوله: {رِحْلَةَ الشتآء والصيف} منصوب " بإيلاف " .
وأجاز الفراء الخفض في {رِحْلَةَ} على البدل من {إِيلاَفِهِمْ} .
[وتقديره] : إيلافِهم إيلافَ رحلةِ. Makki ibn Abi Talib 1/8453Makki ibn Abi Talib 1/8453
قال مجاهد في معنى {إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف} [معناه] : " إيلافهم ذلك، فلا تشق عليهم رحلة شتاء ولا صيف " .
وقال ابن عباس {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} ، أي: " نعمتي على قريش " . وقيل: معناه أن الله عجب نبيه من ذلك، فالمعنى: اعجَب - يا محمد - لنعم الله على قريش في إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، ثم يتشاغلون بذلك عن الإيمان بالله واتباعك.
ودل على هذا المعنى قوله: {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت} .
قال ابن زيد: معناه: صنعت بأصحاب الفيل ما صنعت لإلفة قريش، أي: لئلا أفرقها، وهذا (هو) قول الأخفش المتقدم. وقال ابن عباس: {إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف} ، أي: " لزومهم " . وعنه أيضاً (أنه قال) : [نهاهم] الله عن الرحلة وأمرهم أن يعبدوا رب هذا البيْت وكفاهم المؤنة، وكانت رحلتهم في الشتاء والصيف. فلم تكن لهم رحلة (في) شتاء ولا صيف، فأطعمهم الله جل وعز [بعد ذلك] من جوع وآمنهم من خوف، [فألفوا] الرحلة، فكانوا إذا شاؤوا [ارتحلوا] وإذا شاؤوا أقاموا. Makki ibn Abi Talib 1/8454Makki ibn Abi Talib 1/8454
فكان ذلك من نعمة الله عليهم.
قال عكرمة: كانت قريش قد ألفوا بصرى واليمن، يختلفون إلى هذا في الشتاء، وإلى هذه في الصيف، قال: فقوله: {فَلْيَعْبُدُواْ} رب هذا البيت، أمرهم أن يقيموا [بمكة] .
قال الضحاك: كانوا ألفوا الارتحال في الغيظ والشتاء: إلى الشام في الغيظ، وإلى اليمن في الشتا. وهذا قول ابن زيد أيضاً.
وقال ابن عباس: " كانوا يشتون بمكة، [ويصيفون] بالطائف " . Makki ibn Abi Talib 1/8455Makki ibn Abi Talib 1/8455
هذه السورة مفصولة عن التي قبلها في المصحف الإمام، كتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم وإن كانت متعلقة بما قبلها. كما صرح بذلك محمد بن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ لأن المعنى عندهما: حبسنا عن مكة الفيل وأهلكنا أهله (لإيلافِ قُرَيْشٍ) أي: لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين.
وقيل: المراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام في المتاجر وغير ذلك، ثم يرجعون إلى بلدهم آمنين في أسفارهم؛ لعظمتهم عند الناس، لكونهم سكان حرم الله، فمن عَرَفهم احترمهم، بل من صوفي إليهم وسار معهم أمن بهم. هذا حالهم في أسفارهم ورحلتهم في شتائهم وصيفهم. وأما في حال إقامتهم في البلد، فكما قال الله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] ولهذا قال: (لإيلافِ قُرَيْشٍ) بدل من الأول ومفسر له. ولهذا قال: (إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ) Ibn Kathir 9/491Ibn Kathir 9/491
وقال ابن جرير: الصواب أن "اللام" لام التعجب، كأنه يقول: اعجبوا لإيلاف قريش ونعمتي عليهم في ذلك. قال: وذلك لإجماع المسلمين على أنهما سورتان منفصلتان مستقلتان.
ثم أرشدهم إلى شكر هذه النعمة العظيمة فقال: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ) أي: فليوحدوه بالعبادة، كما جعل لهم حرما آمنا وبيتا محرما، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١]
وقوله: (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ) أي: هو رب البيت، وهو " الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ " أي: تفضل عليهم بالأمن والرخص فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، ولا يعبدوا من دونه صنمًا ولا ندا ولا وثنًا. ولهذا من استجاب لهذا الأمر جَمَع الله له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سلبهما منه، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٢ - ١١٣]
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن عمرو العَدَني، حدثنا قَبِيصة، حدثنا سفيان، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويل أمكم، قريش، لإيلاف قريش" ثم قال:
حدثنا أبي، حدثنا المؤَمَّل بن الفضل الحراني، حدثنا عيسى -يعني ابن يونس-عن عُبَيد الله ابن أبي زياد، عن شهر بن حوشب، عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. ويحكم يا معشر قريش، اعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمكم من جوع وآمنكم من خوف" .
هكذا رأيته عن أسامة بن زيد، وصوابه عن أسماء بنت يزيد بن السكن، أم سلمة الأنصارية، رضي الله عنها فلعله وقع غلط في النسخة أو في أصل الرواية، والله أعلم.
آخر تفسير سورة "لإيلاف قريش" . Ibn Kathir 9/492Ibn Kathir 9/492
Choose one book or more.