لِإِيلَٰفِ قُرَيْشٍ ١
Commentary
اعْجَبوا لإلف قريش، وأمنهم، واستقامة مصالحهم، وانتظام رحلتيهم في الشتاء إلى «اليمن» ، وفي الصيف إلى «الشام» ، وتيسير ذلك; لجلب ما يحتاجون إليه.
١ - {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ}
اختلف القُرَّاء فيهما، فقرأ عبد الله بن عامر (لإلاف) مهموزًا مختلسًا بلا ياء، وقرأ أبو جعفر (ليْلاف) بغير همز وإنما ذهب إلى طلب الخفة، وقرأ الباقون {لِإِيلَافِ} بالياء مهموزة مشبعة . وأما قوله: {إِيلَافِهِمْ} فروى العمري عن أبي جعفر الفليحي عن ابن كثير (إلْفهم) ساكنة اللام بغير ياء، وتصديق هذِه القراءة ما.
[٣٦٤٢] أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه ، حدثنا محمد بن حبش بن عمر المقرئ ، حدثنا أبو حنيفة أحمد بن داود ، حدثنا محمد بن حميد ، حدثنا مِهران ، عن سفيان ، عن ليث ، عن شهر بن حوشب ، عن أسماء - رضي الله عنهما - قالت: سمعت النبي صلي الله عليه وسلم يقرأ "إلفهم رحلة الشتاء والصيف" . al-Tha‘labi 30/306al-Tha‘labi 30/306
وروى الفضل بن شاذان بإسناده عن أبي جعفر والوليد عن أهل الشام (إلا فهم) مهموزة مختلسة بلا ياء.
وروى محمد بن حبيب الشموني ، عن أبي يوسف الأعشى ، عن أبي بكر ، عن عاصم (إئلافهم) بهمزتين الأولى مكسورة، والثانية ساكنة ، الباقون: {إِيلَافِهِمْ} . al-Tha‘labi 30/308al-Tha‘labi 30/308
[٣٦٤٣] وأخبرني عقيل بن محمد أن المعافى بن زكريا ، أخبرهم عن محمد بن جرير ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن أبي مكين ، عن عكرمة أنه كان يقرأ: (ليلاف قريش الْفَهم) .
وعدَّ بعضهم السورتين واحدة منهم أُبيُّ بن كعب ولا فصل بينهما في مصحفه .
وقال سفيان بن عيينة: كان لنا إمام لا يفصل بينهما، ويقرأهما معًا . al-Tha‘labi 30/309al-Tha‘labi 30/309
وقال عمرو بن ميمون الأودي: صليت المغرب خلف عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقرأ في الأولى {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ } وفي الثانية {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ} و {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ } .
واختلفوا في العلة الجالبة لهذِه اللام: فقال الفراء: هي متصلة بالسورة الأولى، وذلك أنه ذكَّر أهل مكة عظم نعمه عليهم فيما صنع بالحبشة، ثم قال {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ } يعني فعلنا ذلك بأصحاب الفيل نعمة منَّا على قريش إلى نعمتنا عليهم في رحلتهم الشتاء والصيف، فكأنه قال: نعمة إلى نعمة . فتكون اللام بمعنى إلى، وقال الكسائي والأخفش: هي لام التعجب، يقول: أعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف وتركهم عباد رب هذا البيت ، ثم أمرهم بعبادته، وهذا كما تقول في الكلام لزيد وإكرامنا إياه على وجه التعجب، أي أعجبوا لذلك. والعرب إذا جاءت بهذِه اللام اكتفوا بها دليلًا على التعجب من إظهار الفعل . كقول الشاعر: al-Tha‘labi 30/310al-Tha‘labi 30/310
أغَرَّك أن قالوا لقرة شاعرًا ... إيّاه أعني من عَرْيف وشاعر
أي: اعجبوا لِقرة شاعرًا. وقيل: هي لام (كي) مجازها فجعلهم كعصف مأكول ليولف قريشًا، فكان هلاك أصحاب الفيل سببًا لبقاء إيلاف قريش، ونظام حالهم، وقوام أمرهم ومالهم . وقال الزجَّاج: هي مردودة إلى ما بعدها تقديره فليعبدوا رب هذا البيت لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف .
وقريش هم ولد النضر بن كنانة فمن ولده النضر فهو قرشي، ومن لم يلده النضر فليس بقرشي ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنا بني النضر بن كنانة لا نقفوا أُمّنا ولا ننتفي من أبينا" . al-Tha‘labi 30/311al-Tha‘labi 30/311
[٣٦٤٤] أخبرني أبو بكر الجوزقي ، أخبرنا أبو العباس الدغولي ، حدثنا محمد بن يحيى الذهلي ، حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا الأوزاعي ، حدثنا أبو عمار شداد ، عن واثلة بن الأسقع - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله عز وجل اصطفي بني كنانة من بني إسماعيل، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفي من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" . al-Tha‘labi 30/313al-Tha‘labi 30/313
وسموا قريشًا من التقرش وهو التكسب والتقلب والجمع والطلب، وكانوا قومًا تجارًا، وكانوا على المال والإفضال حِراصًا .
وسأل معاوية عبد الله بن عباس: لم سُمِّيت قريش قريشًا؟ فقال: لدابة في البحر يقال: لها القرش تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تُعلى . قال: وهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم. قال الشاعر :
وقريش هي التي تسكن البحر ... بها سميت قريش قريشا
سُلِّطت بالعُلُوّ في لُجَّة البـ ... حر على سائر البحور جيوشا تأكل الغث والسمين ولا ... تترك فيه لذي الجناحين ريشا al-Tha‘labi 30/314al-Tha‘labi 30/314
هكذا في الكتاب حَيّ قريش ... يأكلون البلاد أكلًا كميشا
ولهم آخر الزمان نبيّ ... يكثر القتل فيهم والخموشا
يملأ الأرضَ خيله ورجالًا ... يحسرون المطي حسرًا كميشا
(ويقال: إن قصيًّا هو رجل من بني كنانة جمع قريشًا وولي أمرهم فسمى مجمعًا، وسميت قريش قريشًا لتجمعهم إلى قصي، والتجمع التقرش، وقيل: إن النضر بن كنانة كان يسمى القرش) . al-Tha‘labi 30/315al-Tha‘labi 30/315
وقوله: {إِيلَافِهِمْ} بدل من الإيلاف الأول، وترجَمَة له ، ومن أسقط الياء من الإيلاف الأول احتج يقول أبي طالب يوصي أخاه أبا لهب برسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
لا تَتْركنهُ ما حَييت لُمعْظَمٍ ... وكن رجُلًا ذا نجدةٍ وعفاف
تذود العِدا عن عصبةٍ هاشميةٍ ... إلافُهُمُ في الناس خير إلاف
واختلفوا في وجه انتصاب الرحلة: فقيل: نصب على المصدر أي: ارتحالهم رحلة، وإن شئت نصبته بوقوع إيلافهم عليه، وإن شئت على الظرف بمعنى على رحله، وإن شئت جعلتها في محل الرفع على معنى هما رحلة الشتاء والصيف ، والأول أعجب وأحب إلى لأنها مكتوبة في المصاحف بغير ياء . al-Tha‘labi 30/316al-Tha‘labi 30/316
وأما التفسير: فروى عكرمة وسعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: كانوا يشتون بمكة ويصيفون بالطائف فأمرهم الله أن يقيموا بالحرم ويعبدوا رب هذا البيت .
وقال أبو صالح: كانت الشام منها أرض باردة، ومنها أرض حارة، فكانوا يرحلون في الشتاء إلى الحارة، وفي الصيف إلى الباردة . وقال آخرون: كانت لهم رحلتان في كل عام للتجارة إحداهما في الشتاء إلى اليمن لأنها أدفئ، والأخرى في الصيف إلى الشام ، وكان الحرم واديًا جدبًا لا زرع فيه ولا ضرع، ولا ماء، ولا شجر، وإنما كانت قريش تعيش بها بتجارتهم ورحلتهم، وكان لا يتعرض لهم أحد بسوء، وكانوا يقولون: قريش سكان حرم الله وولاة بيته، فلولا الرحلتان لم يكن لأحد بمكة مقام، ولولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التصرف فشق عليهم الاختلاف إلى اليمن والشام فأخصبت تَبَالة وجُرَش والجَنَد من بلاد اليمن فحملوا الطعام إلى مكة (وأهلُ الساحل في البحر على السفن، وأهلُ البر على الإبل والحمر) ، فألقى أهل الساحل بجُدَّة، وأهل البر بالمحصب، وأخصبت الشام فحملوا الطعام إلى مكة، فحمل أهل الشام إلى الأبطح، وحمل أهل اليمن إلى جدة، فامتاروا من قريب وكفاهم الله مؤمنة الرحلتين وأمرهم بعبادة رب البيت . al-Tha‘labi 30/317al-Tha‘labi 30/317
[٣٦٤٥] أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمَّد (بن حبيب) ، أخبرنا أبو الوليد حسَّان بن محمَّد ، حدثنا القاسم بن زكريا المطرز ، حدثنا محمَّد بن سليمان ، حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير قال: مرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه أبو بكر وبلال - رضي الله عنهما - بملأ وهم ينشدون: al-Tha‘labi 30/318al-Tha‘labi 30/318
قل للذي طلب السماحة والندى ... هلَّا مررت بال عبد الدار
هذا مررت بهم تريد قراهم ... منعوك من جهد ومن إقتار
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر: "هكذا قال الشاعر؟ " . قال: لا، والذي بعثك بالحق قال :
قل للذي طلب السماحة والندى ... هلَّا مررت بآل عبد مناف
هلَّا مررت بهم تريد قراهم ... منعوك من جهد من إكتاف الرايشين وليس يوجد رايش ... والقائلين هلم للأضياف al-Tha‘labi 30/319al-Tha‘labi 30/319
والخالطين غنيهم لفقيرهم ... حتى يصير فقيرهم كالكاف
والقائمين بكل وعد صادق ... والراحلين لرحلة الإيلاف
عَمْرو العلا هَشَم الثريد لقومه ... ورجال مكة مُسِنتون عجاف
سفرين سَنهما له ولقومه ... سفر الشتاء ورحلة الأصياف قال الكلبي: وكان أول من حمل السمراء من الشام ورحَّل إليها الإبل هاشم بن عبد مناف . al-Tha‘labi 30/320al-Tha‘labi 30/320
هذه السورة مفصولة عن التي قبلها في المصحف الإمام، كتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم وإن كانت متعلقة بما قبلها. كما صرح بذلك محمد بن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ لأن المعنى عندهما: حبسنا عن مكة الفيل وأهلكنا أهله (لإيلافِ قُرَيْشٍ) أي: لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين.
وقيل: المراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام في المتاجر وغير ذلك، ثم يرجعون إلى بلدهم آمنين في أسفارهم؛ لعظمتهم عند الناس، لكونهم سكان حرم الله، فمن عَرَفهم احترمهم، بل من صوفي إليهم وسار معهم أمن بهم. هذا حالهم في أسفارهم ورحلتهم في شتائهم وصيفهم. وأما في حال إقامتهم في البلد، فكما قال الله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] ولهذا قال: (لإيلافِ قُرَيْشٍ) بدل من الأول ومفسر له. ولهذا قال: (إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ) Ibn Kathir 9/491Ibn Kathir 9/491
وقال ابن جرير: الصواب أن "اللام" لام التعجب، كأنه يقول: اعجبوا لإيلاف قريش ونعمتي عليهم في ذلك. قال: وذلك لإجماع المسلمين على أنهما سورتان منفصلتان مستقلتان.
ثم أرشدهم إلى شكر هذه النعمة العظيمة فقال: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ) أي: فليوحدوه بالعبادة، كما جعل لهم حرما آمنا وبيتا محرما، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١]
وقوله: (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ) أي: هو رب البيت، وهو " الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ " أي: تفضل عليهم بالأمن والرخص فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، ولا يعبدوا من دونه صنمًا ولا ندا ولا وثنًا. ولهذا من استجاب لهذا الأمر جَمَع الله له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سلبهما منه، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٢ - ١١٣]
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن عمرو العَدَني، حدثنا قَبِيصة، حدثنا سفيان، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويل أمكم، قريش، لإيلاف قريش" ثم قال:
حدثنا أبي، حدثنا المؤَمَّل بن الفضل الحراني، حدثنا عيسى -يعني ابن يونس-عن عُبَيد الله ابن أبي زياد، عن شهر بن حوشب، عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. ويحكم يا معشر قريش، اعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمكم من جوع وآمنكم من خوف" .
هكذا رأيته عن أسامة بن زيد، وصوابه عن أسماء بنت يزيد بن السكن، أم سلمة الأنصارية، رضي الله عنها فلعله وقع غلط في النسخة أو في أصل الرواية، والله أعلم.
آخر تفسير سورة "لإيلاف قريش" . Ibn Kathir 9/492Ibn Kathir 9/492
Choose one book or more.