لِإِيلَٰفِ قُرَيْشٍ ١
Commentary
اعْجَبوا لإلف قريش، وأمنهم، واستقامة مصالحهم، وانتظام رحلتيهم في الشتاء إلى «اليمن» ، وفي الصيف إلى «الشام» ، وتيسير ذلك; لجلب ما يحتاجون إليه.
{لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} وفي قوله تعالى {لإيلافِ قُريْشٍ} الإيلاف مأخوذ من أَلِف يأْلَف , وهي العادة المألوفة , ومنه قولهم ائتلف القوم. وفي قوله {لإيلاف قريش} أربعة أقاويل: أحدها: نعمتي على قريش , لأن نعمة الله عليهم أن ألفه لهم , قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: لإيلاف الله لهم لأنه آلفهم إيلافاً , قاله الخليل بن أحمد. الثالث: لإيلاف قريش حَرَمي وقيامهم ببيتي , وهذا معنى قول الحسن. الرابع: لإيلاف ما ذكره من رحلة الشتاء والصيف في معايشهم , قاله مكحول. وفي اللام التي في (لإيلاف قريش) قولان: أحدهما: أنه صلة يرجع إلى السورة المتقدمة من قولهم {ألم تر كيف} إلى أن قال: {فجعلهم كعصْف مأكولٍ} لإيلاف قريش , فصار معناه أن ما فعله بأصحاب الفيل لأجل إيلاف قريش , قاله ثعلب , وكان عمر وأبيّ بن كعب لا يفصلان بين السورتين ويقرآنهما كالسورة الواحدة , ويريان أنهما سورة واحدة , أي: ألم تر لإيلاف قريش. الثاني: أن اللام صلة ترجع إلى ما بعدها من قوله {فَلْيَعْبُدوا رب هذا البَيْتِ} ويكون معناه لنعمتي على قريش فَلْيَعْبُدوا رَبَّ هذا البيت , قاله أهل البصرة , وقرأ عكرمة , ليألف قريش , وكان يعيب على من يقرأ (لإيلاف قريش) . وقرأ بعض أهل مكة: إلاف قريش , واستشهد بقول أبي طالب يوصي أخاه أبا لهب برسول الله صلى الله عليه وسلم: al-Mawardi 6/345al-Mawardi 6/345
(فلا تَتْركْنهُ ما حَييتَ لمعظمٍ ... وكن رجلاً ذا نَجدةٍ وعفافِ)
(تَذودُ العِدا عن عُصْبةٍ هاشميةٍ ... ألا فُهُمُ في الناس خيرُ إلافِ)
وأما قريش تلده فهم بنو النضير بن كنانة , وقيل بنو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة , ومن لم تلده فهر فليس من قريش , وعلى المشهور أن بني النضر بن كنانة ومن تلده: من قريش , وإن لم يكونوا من بني فهر , وقد كانوا متفرقين في غير الحرم فجمعهم قصي بن كلاب في الحرم حتى اتخذوه مسكناً , قال الشاعر:
(أبونا قصيٌّ كان يُدْعى مجمّعاً ... به جمع اللَه القبائلَ مِن فهر)
واختلفوا في تسميتهم قريشاً على أربعة أقاويل: أحدها: لتجمعهم بعد التفرق , والتقريش التجميع , ومنه قول الشاعر:
(إخوةٌ قرَّشوا الذنوب علينا ... في حَديثٍ مِن دَهْرِهم وقَديمِ)
الثاني: لأنهم كانوا تجاراً يأكلون من مكاسبهم , والتقريش التكسب. الثالث: أنهم كانوا يفتشون الحاج عن ذي الخلة فيسدون خلته , والقرش: التفتيش , قال الشاعر:
(أيها الشامتُ المقِّرشُ عَنّا ... عند عَمرو فهل له إبْقاءُ)
الرابع: أن قريشاً اسم دابة في البحر , من أقوى دوابه , سميت قريشاً لقوتها وأنها تأكل ولا تؤكل , وتعلو ولا تعلى , قاله ابن عباس واستشهد بقول الشاعر: al-Mawardi 6/346al-Mawardi 6/346
(هكذا في العباد حيُّ قريش ... يأكلون البلادَ أكْلاً كشيشاً)
(ولهم آخرَ الزمان نبيٌّ ... يَكثر القتل فيهمُ والخموشا)
(يملأُ الأرضَ خَيلةً ورجالاً ... يحشُرون المطيَّ حشْراً كميشاً)
(تأكل الغثَّ والسَمينَ ولا تت ... رُكُ يوماً في جناحين ريشاً.)
(وقريش هي التي تسكن البح ... ر بها سميت قريش قريشاً.)
(سلّطت بالعلو في لجج البحر ... على سائر البحور جيوشاً.)
{إيلافِهم رِحْلَةَ الشتاءِ والصَّيْفِ} كانت لقريش في كل عام رحلتان والرحلة السفرة , لما يعانى فيها من الرحيل والنزول , رحلة في الصيف ورحلة في الشتاء طلباً للتجارة والكسب. واختلف في رحلتي الشتاء والصيف على قولين: أحدهما: أن كلتا الرحلتين إلى فلسطين , لكن رحلة الشتاء في البحر , طلباً للدفء , ورحلة الصيف على بصرى وأذرعات , طلباً للهواء , قاله عكرمة. الثاني: أن رحلة الشتاء إلى اليمن لأنها بلاد حامية , ورحلة الصيف إلى الشام لأنها بلاد باردة , قاله ابن زيد. فإن قيل فما المعنى في تذكيرهم رحلة الشتاء والصيف؟ ففيه جوابان: أحدهما: أنهم كانوا في سفرهم آمنين من العرب لأنهم أهل الحرم , فذكرهم ذلك ليعلموا نعمته عليهم في أمنهم مع خوف غيرهم. الثاني: لأنهم كانوا يكسبون فيتوسعون ويطعمون ويصلون , كما قال الشاعر فيهم:
(يا أيها الرجلُ المحوِّل رَحْلَه ... هَلَاّ نَزَلْتَ بآلِ عبدِ مَنافِ.)
(الآخذون العهدَ من آفاقِها ... والراحلون لرحلة الإيلافِ.)
(والرائشون وليس يُوجد رائشٌ ... والقائلون هَلُمَّ للأَضْيافِ.)
(والخالطون غنيَّهم بفقيرهم ... حتى يصير فقيرُهم كالكافي.)
(عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجافِ.)
فذكرهم الله تعالى هذه النعمة. al-Mawardi 6/347al-Mawardi 6/347
ولابن عباس في رحلة الشتاء والصيف قول ثالث: أنهم كانوا يشتون بمكة لدفئها , ويصيفون بالطائف لهوائها , كما قال الشاعر:
(تَشْتي بِمكة نعمةً ... ومَصيفُها بالطائِف)
وهذه من جلائل النعم أن يكون للقوم ناحية حر تدفع عنهم برد الشتاء وناحية برد تدفع عنهم حر الصيف، فذكرهم الله تعالى هذه النعمة. {فَلْيَعْبدوا ربَّ هذا البَيْتِ} أمرهم الله تعالى بعبادته، وفي تعريف نفسه لهم بأنه رب هذا البيت وجهان: أحدهما: لأنه كانت لهم أوثان، فميز نفسه عنها. الثاني: أنهم بالبيت شرفوا على سائر العرب، فذكر لهم ذلك تذكيراً بنعمته. وفي معنى هذا الأمر والضمير في دخول الفاء على قوله (فليعبدوا) أربعة أوجه: أحدها: فليعبدوا رب هذا البيت بأنه أنعم عليهم برحلة الشتاء والصيف. الثاني: فليألفوا عبادة رب هذا البيت كما ألفوا رحلة الشتاء والصيف. الثالث: فليعبدوا رب هذا البيت لأنه أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. الرابع: فليتركوا رحلة الشتاء والصيف بعبادة رب هذا البيت , فإنه يطعمهم من جوع ويؤمنهم من خوف ليتوفروا بالمقام على نصرة رسوله والذب عن دينه. {الذي أطْعَمَهم من جُوعٍ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أطعمهم من جوع بما أعطاهم من الأموال وساق إليهم من الأرزاق , قاله ابن عيسى. الثاني: أطعمهم من جوع بما استجاب فيهم دعوة إبراهيم عليه السلام. حين قال: {وارْزُقهم من الثمرات} قاله ابن عباس. الثالث: أن جوعاً أصابهم في الجاهلية , فألقى الله في قلوب الحبشة أن يحملوا إليهم طعاماً , فحملوه، فخافت قريش منهم وظنوا أنهم قدموا لحربهم , فخرجوا إليهم متحرزين , فإذا هم قد جلبوا إليهم الطعام وأعانوهم بالأقوات , فهو معنى قوله {الذي أطعمهم من جوع} . al-Mawardi 6/348al-Mawardi 6/348
{وآمَنَهُم مِنْ خوْفٍ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: آمنهم من خوف العرب أن يسبوهم أو يقاتلوهم تعظيماً لحرمة الحرم، لما سبقت لهم من دعوة إبراهيم عليه السلام حيث قال: {ربِّ اجْعَلْ هذا بلداً آمِناً} , قاله ابن عباس. الثاني: من خوف الحبشة مع الفيل , قاله الأعمش. الثالث: آمنهم من خوف الجذام , قاله الضحاك والسدي وسفيان الثوري. الرابع: يعني آمن قريشاً ألا تكون الخلافة إلا فيهم , قاله علّي رضي الله عنه. al-Mawardi 6/349al-Mawardi 6/349
هذه السورة مفصولة عن التي قبلها في المصحف الإمام، كتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم وإن كانت متعلقة بما قبلها. كما صرح بذلك محمد بن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ لأن المعنى عندهما: حبسنا عن مكة الفيل وأهلكنا أهله (لإيلافِ قُرَيْشٍ) أي: لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين.
وقيل: المراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام في المتاجر وغير ذلك، ثم يرجعون إلى بلدهم آمنين في أسفارهم؛ لعظمتهم عند الناس، لكونهم سكان حرم الله، فمن عَرَفهم احترمهم، بل من صوفي إليهم وسار معهم أمن بهم. هذا حالهم في أسفارهم ورحلتهم في شتائهم وصيفهم. وأما في حال إقامتهم في البلد، فكما قال الله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] ولهذا قال: (لإيلافِ قُرَيْشٍ) بدل من الأول ومفسر له. ولهذا قال: (إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ) Ibn Kathir 9/491Ibn Kathir 9/491
وقال ابن جرير: الصواب أن "اللام" لام التعجب، كأنه يقول: اعجبوا لإيلاف قريش ونعمتي عليهم في ذلك. قال: وذلك لإجماع المسلمين على أنهما سورتان منفصلتان مستقلتان.
ثم أرشدهم إلى شكر هذه النعمة العظيمة فقال: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ) أي: فليوحدوه بالعبادة، كما جعل لهم حرما آمنا وبيتا محرما، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١]
وقوله: (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ) أي: هو رب البيت، وهو " الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ " أي: تفضل عليهم بالأمن والرخص فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، ولا يعبدوا من دونه صنمًا ولا ندا ولا وثنًا. ولهذا من استجاب لهذا الأمر جَمَع الله له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سلبهما منه، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٢ - ١١٣]
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن عمرو العَدَني، حدثنا قَبِيصة، حدثنا سفيان، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويل أمكم، قريش، لإيلاف قريش" ثم قال:
حدثنا أبي، حدثنا المؤَمَّل بن الفضل الحراني، حدثنا عيسى -يعني ابن يونس-عن عُبَيد الله ابن أبي زياد، عن شهر بن حوشب، عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. ويحكم يا معشر قريش، اعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمكم من جوع وآمنكم من خوف" .
هكذا رأيته عن أسامة بن زيد، وصوابه عن أسماء بنت يزيد بن السكن، أم سلمة الأنصارية، رضي الله عنها فلعله وقع غلط في النسخة أو في أصل الرواية، والله أعلم.
آخر تفسير سورة "لإيلاف قريش" . Ibn Kathir 9/492Ibn Kathir 9/492
Choose one book or more.