إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ ١
In the sections:Dala’il
Commentary
إذا تمَّ لك -أيها الرسول- النصر على كفار قريش، وتم لك فتح «مكة» .
١ - {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ }
على من عاداك وناواك {وَالْفَتْحُ} قال يمان: فتح المدائن والقصور ، وقال عامة المفسرين: فتح مكة.
وكانت قصته على ما ذكره محمَّد بن إسحاق بن يسار والعلماء من أصحاب الأخبار، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما صالح قريشًا عام الحديبية كان فيما اشترطوا: أنه من أحب أن يدخل في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعقده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدهم دخل فيه، فدخلت بنو بكر في عقد قريش، ودخلت خزاعة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان بينهما شر قديم، وكان السبب الذي هاج ما بين بكر وخزاعة أن رجلًا من بلحضرمي يقال له: مالك بن عماد خرج تاجرًا، فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه فعدت خزاعة قبيل الإِسلام علي بني الأسود بن رزْن الديلي وهم أشراف بكر فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم . al-Tha‘labi 30/409al-Tha‘labi 30/409
فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك من الشر؛ حجز بينهم الإِسلام، وتشاغل الناس به، فلما كان صلح الحديبية، ووقعت تلك الهدنة اغتنمها بنو الديل من بني بكر من خزاعة فأرادوا أن يصيبوا منهم ثأرًا بأولئك النفر الذين أصابوا منهم بني الأسود بن رزْن، فخرج نوفل بن معاوية الديلي في بني الدئل ، وهو يومئذ قائدهم (وليس كل بني بكر تابعه) حتى بيَّت خزاعة وهم على الوَتير -ماءً لهم بأسفل مكة-، فأصابوا منهم رجلًا وتجاوزوا واقتتلوا، ورفدت قريش بَني بكر بالسلاح، وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيًا؛ حتى جاوزا خزاعة إلى الحرم، وكان ممن أعان من قريش بني بكر على خزاعة ليلتئذٍ بأنفسهم متنكرين: صفوانُ بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو مع عبيدهم، قالوا: فلما انتهوا إلى الحرم قالت بنو بكر: يا نوفل إنا دخلنا الحرم إلهك إلهك. فقال كلمة عظيمة: إنه لا إله لي اليوم (يا بني بكر) أصيبوا ثأركم فيه، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم أفلا تصيبون ثأركم فيه . فلما دخلت خزاعة مكة؛ لجئوا إلى دار بُديل بن ورقاء الخزاعي ودار مولى لهم يقال له: رافع، فلما تظاهرت (بنو بكر و) قريش على خزاعة، وأصابوا منهم ما أصابوا، ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العهد (والميثاق) بما استحلوا من خزاعة، وكانوا في عقده ، خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، وكان ذلك ما هاج فتح مكة، فوقف عليه وهو في المسجد جالس بين ظهراني الناس فقال: al-Tha‘labi 30/410al-Tha‘labi 30/410
لا هم إني ناشد محمدا
وذكر الأبيات كما ذكرناها في سورة التوبة إلى قوله:
هم بيتونا بالوتير هجدا ... فقتلونا رُكعًا وسجدا
(يريد بقوله ركعًا وسجدًا إنا قد كنا أسلمنا قبل أن يقتلونا) ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قد نصرت يا عمرو بن سالم" ، ثم عرض لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنان من السماء، فقال: إن هذِه السحابة لتستهل بنصر بني كعب وهم رهط عمرو بن سالم، ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، فأخبروه بما أصيب منهم ومظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين إلى مكة، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للناس: "كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليشدد العقد، ويزيد في المدة" ، ومضى بديل بن ورقاء وأصحابه ، فلقوا أبا سفيان بعُسْفان قد بعثته قريش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليشدد العقد ويزيد في المدة، وقد رهبوا الذي صنعوا، فلما لقيَ أبو سفيان بديلًا قال: من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه قد أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: سرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي. قال: أوما أتيت محمدًا؟ قال: لا. al-Tha‘labi 30/412al-Tha‘labi 30/412
قال: فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن كان جاء بديل من المدينة لقد علف بها النوى، فعمد إلى مبرك ناقته فأخذ من بعرها ففتَّهُ فرأى فيها النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بُديل محمدًا. ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طوته عنه، فقال: يا بنية أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني؟ ! قالت: بل هو فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (وأنت رجل مشرك نجس, فلم أحب أن تجلس على فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) . فقال: والله يا بنية لقد أصابك بعدي شر. ثم خرج حتَّى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكلمه فلم يرد عليه شيئًا، ثم ذهب إلى أبي بكر - رضي الله عنه - فكلمه أن يكلم له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فكلمه، فقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -! فوالله لو لم أجد أحدًا إلَّا الذر لجاهدتكم به. ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وعنده فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، عندها الحسن بن علي - رضي الله عنهم - غلام يدب بين يديها، فقال: يا علي إنك أمس القوم رحمًا وأقربهم مني قرابة، وإني قد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائبًا، فاشفع لنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: ويحك يا أبا سفيان لقد عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه. فالتفت إلى فاطمة - رضي الله عنهما -، فقال: يا بنت محمد هل لك أن تأمري بُنيك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر. al-Tha‘labi 30/413al-Tha‘labi 30/413
قالت: ما بلغ بُنيَّ ذلك أن يجير بين الناس وما يجير على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحد. فقال: يا أبا حسن إني أرى الأمور قد اشتدت، عليّ فانصحني. فقال: والله ما أعلم شيئًا يغني عنك شيئًا، ولكنك سيِّد بني كنانة فقم فأجر بين الناس، تم الحق بأرضك. قال: وترى ذلك مغنيًا عني شيئًا، قال: لا والله ما أظنه، ولكن لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد فقال: يا أيها الناس إني قد أجرت بين الناس. ثم ركب بعيره فانطلق، فلما أن قدم على قريش، قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدًا فكلمته فوالله ما ردَّ عليّ شيئًا، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجده عنده خيرًا ، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أعدى القوم، ثم أتيت علي بن أبي طالب، فوجدته ألين القوم، وقد أشار عليّ بشيء صنعته، فوالله ما أدري هل يغني عني شيئًا أم لا. قالوا: وماذا أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس، ففعلت. قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: والله إن زاد الرجل على أن لعب بك فما يغني عنَّا ما قلت. قال: لا والله ما وجدت غير ذلك. قال: وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس بالجهاد ، وأمر أهله أن يجهزوه، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة - رضي الله عنها - وهي تصلح بعض جهاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أي بُنية أمركم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن تجهزوه؟ قالت: نعم. فتجهَّزْ، قال: فأين ترينه يريد؟ قالت: ما أدري . ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلم الناس أنَّه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد والتهيؤ، وقال: "اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتَّى نبغتها في بلادها" فتجهز الناس، وكتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا، إلى قريش، وأعطاه سارة ، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك الخبر من السماء، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليًّا والزبير - رضي الله عنهما - حتَّى أخذاه منها، وقد مضت القصة في سورة الممتحنة ثم استخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المدينة أبا رُهْم كلثوم بن حصين بن خلف الغفاري ، وخرج عامدًا إلى مكة لعشر مضين من رمضان، سنة ثمان فصام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصام الناس معه؛ حتَّى إذا كان بالكديد ما بين عسفان وأَمَج أفطر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم مضى حتَّى نزل مَرَّ الظهران في عشرة آلاف من المسلمين ، ولم يتخلف من المهاجرين والأنصار عنه أحد . وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله ابن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنيق العقاب، فيما بين مكة والمدينة ، فالتمسا الدخول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يأذن لهما، وكلمته أم سلمة فيهما ، فقالت: يا رسول الله، ابن عمك وابن عمتك وصهرك. قال: "لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الَّذي قال لي بمكة ما قال" . فلما خرج الخبر إليهما بذلك ومع أبي سفيان بُني له. فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد بُني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتَّى نموت عطشًا وجوعًا. فلما بلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رقَّ لهما فأذن لهما، فدخلا عليه فأسلما. فلما نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرَّ الظهران وقد عميت الأخبار عن قريش، فلا يأتيهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر ولا يدرون ما هو فاعل، فخرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبُديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار هل يجدون خبرًا أو يسمعونه ، وقد قال العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - ليلتئذ: يا صباح قريش، والله لئن بغتها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بلادها فدخل مكة عنوة (قبل أن يأتوه فيستأمنوه) ، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر. فخرج على بغلة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: أخرج إلى الأراك لعلي أرى حطَّابًا أو صاحب لبن، أو داخلًا يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيأتونه فيستأمنونه . al-Tha‘labi 30/415al-Tha‘labi 30/415
قال العباس: فخرجت فوالله إني لأطوف في الأراك التمس ما خرجت له، إذ سمعت صوت أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء قد خرجوا يتجسسون الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسمعت أبا سفيان يقول: والله ما رأيت كاليوم قط نيرانًا . فقال بديل: هو والله نيران خزاعة جمشتها الحرب. فقال أبو سفيان: خزاعة ألأم من ذلك وأذل . فعرفت صوته، فقلت: يا أبا حنظلة . قال: أبو الفضل؟ فقلت: نعم. فقال: لبيك، فداك أبي وأمي، فما وراءك؟ فقلت: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وراءك قد جاء بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين. قال: فما تأمرني. قال: فقلت : تركب عجز هذِه البغلة فأستأمن لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوالله لئن ظفر بك ليضربن، عنقك. فأردفني ، فخرجت أركض به بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكلما مررت بنار من نيران المسلمين فنظروا إلى فقالوا: هذا عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتَّى مررت بنار عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - فقال: أبو سفيان، الحمد لله الَّذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ثم اشتد نحو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وركضت البغلة وقد أردفت أبا سفيان حتَّى اقتحصت باب القبة، وسبقت عمر - رضي الله عنه - بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء، فدخل عمر - رضي الله عنه - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد، فدعني أضرب عنقه. فقلت: يا رسول الله، إني قد أجرته. ثم إنىِ جلست إلى رسول الله وأخذت برأسه وقلت: والله لا يناجيه اليوم أحد دوني. فلما أكثر فيه عمر - رضي الله عنه - قلت: مهلًا يا عمر، فوالله ما تصنع هذا، إلَّا أنَّه رجل من بني عبد مناف، ولو كان رجلًا من بني عدي بن كعب ما قلت هذا. قال: مهلًا يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت أحب إليَّ من إسلام الخطاب لو أسلم، وذلك أني أعلم أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إسلام الخطاب لو أسلم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اذهب فقد أمَّنَّاه حتَّى تغدوا على به الغداة" ، فرجع به إلى منزله، فلما أصبح غدا به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: "ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلَّا الله" . فقال: بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأكرمك وأحلمك ، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغني شيئًا. فقال: "ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله" . فقال: بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأحلمك وأكرمك، أما هذِه فإن في النفس منها شيء. فقال العباس: (فقلت له) : ويلك تشهَّدْ بشهادة الحق قبل والله أن يضرب عنقك. فتشهد . al-Tha‘labi 30/419al-Tha‘labi 30/419
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للعباس -حين تشهد أبو سفيان-: "انصرف يا عباس فاحتبسه عند خطم الجبل بمضيق الوادي حتَّى يمر عليه جنود الله" . فقلت له: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئًا يكون في قومه، فقال: "نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن" فخرجت به حتَّى حبسته عند خطم الجبل بمضيق الوادي فمرت عليه القبائل، فيقول: من هؤلاء؟ فأقول: سليم . فيقول: مالي ولسليم. فتمر بي قبيلة، فيقول: من هذِه؟ فأقول: أسلم ، فيقول: مالي ولأسلم. وتمر جهينة، فيقول (من هؤلاء؟ al-Tha‘labi 30/422al-Tha‘labi 30/422
فأقول: جهينة) . فيقول: مالي ولجهينة. حتَّى مرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخضراء كتيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المهاجرين والأنصار في الحديد لا يرى منهم إلَّا الحدق، فقال: من هؤلاء يا أبا الفضل؟ فقلت: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المهاجرين والأنصار. فقال: يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيمًا. فقلت: ويحك، إنها النبوة. فقال: نعم إذًا. فقلت: إلحق الآن بقومك فحذِّرهم. فخرج سريعًا حتَّى أتى مكة، فصرخ في المسجد: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به. قالوا: فمه. قال: من دخل داري فهو آمن . قالوا: ويحك، وما تغني عنا دارك. قال: ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن .
قالوا: وجاء حكيم بن حزام وبُديل بن ورقاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيضًا بمر ، فأسلما وبايعاه، فلما بايعاه بعثهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين يديه إلى قريش يدعونهم إلى الإسلام. وقال: "من دخل دار أبي سفيان -وهي بأعلى مكة- فهو آمن، ومن دخل دار حكيم (بن حزام) -وهي بأسفل مكة- فهو آمن، ومن أغلق بابه وكف يده فهو آمن" ، وأنه لما خرج أبو سفيان وحكيم من عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عامدين إلى مكة بعث في أثرهما الزبير، وأعطاه رايته وأمّره على خيل المهاجرين والأنصار وأمره بغرز رايته بأعلى مكة بالحجون ، فقال للزبير: "لا تبرح حيث أمرتك أن تغرز رايتي حتَّى آتيك" ، ومن ثم دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة، وضربت هناك قبته، وأمر خالد بن الوليد فيمن كان أسلم من قضاعة وبني سليم، وأناس إنما أسلموا قبيل ذلك، وأمره أن يدخل من أسفل مكة، وبها بنو بكر قد استنفرتهم قريش وبنو الحارث بن عبد مناف، ومن كان من الأحابيش أمرتهم قريش أن يكونوا بأسفل مكة، وأن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وكانوا قد جمعوا أناسًا بالخَنْدَمة ليقاتلوا، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لخالد والزبير حين بعثهما: "لا تقاتلا إلَّا من قاتلكم" . وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيضًا سعد بن عبادة - رضي الله عنه - أن يدخل في بعض الناس من كَدَاء، فقال سعد حين توجه داخلًا: al-Tha‘labi 30/423al-Tha‘labi 30/423
اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة . فسمعها رجل من المهاجرين فقال: يا رسول الله، اسمع ما قال سعد بن عبادة، وما نأمن أن يكون له في قريش صولة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العلي بن أبي طالب) : "أدركه فخذ الراية فكن أنت الَّذي تدخل بها" .
فلم يكن بأعلى مكة من قبل الزبير قتال، وأما خالد بن الوليد فقدم على قريش وبني بكر والأحابيش بأسفل مكة فقاتلهم، فهزمهم الله، ولم يكن بمكة قتال غير ذلك، وقتل من المشركين أناس قريب من اثني عشر أو ثلاثة عشر، ولم يقتل من المسلمين إلَّا رجل من جهينة يقال له: سلمة بن الميلاء من خيل خالد بن الوليد، ورجلان يقال لهما: كرز بن جابر وخنيس بن خالد، وهو الأشعر كانا في خيل خالد بن الوليد، فشذا عنه وسلكا طريقًا غير طريقه فقتلا جميعًا .
وروى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح، وعبد الله بن أبي بكر أن حماس بن قيس بن خالد أخا بني بكر كان يعد سلاحًا قبل أن يدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة ويصلح منها، فقالت له امرأته: لماذا تعد ما أرى. قال: لمحمد وأصحابه. فقالت: والله ما أرى يقوم لمحمد وأصحابه شيء. قال: والله إني لأرجو أن أُخدِمك بعضهم وقال: al-Tha‘labi 30/425al-Tha‘labi 30/425
إن يُقبلوا اليوم فمالي عله
هذا سلاح كامل وألّه
وذو غرارين سريع السِّله
ثم شهد الخندمة مع صفوان وسهيل وعكرمة (بن أبي جهل) ، فلمَّا انهزموا خرج حماس منهزمًا، حتَّى دخل بيته، ثم قال لامرأته: أغلقي عليّ بابي. قالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال: al-Tha‘labi 30/426al-Tha‘labi 30/426
إنك لو شهدت يوم الخندمة
إذ فر صفوان وفر عكرمه
وأبو يزيد قائم كالمأتمه
واستقبلتهم بالسيوف المسلمه
يقطعن كل ساعد وجُمجُمه
ضربًا فلا تسمع إلَّا غمغمه
لهم نهيتُ خلفنا وهمهمه
لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه
قالوا وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة، ألَّا يقتلوا أحدًا إلَّا من قاتلهم إلَّا أنَّه عهد في نفر سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن حبيب بن خزيمة بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، فإنما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتله أنَّه كان قد أسلم فارتد مشركًا، ففرَّ إلى عثمان (بن عفان) - رضي الله عنه -، وكان أخاه من الرضاع، فغيبه حتَّى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن اطمأن أهل مكة، فاستأمن له، فصمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طويلًا ثم قال: "نعم" فلما انصرف به عثمان، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن حوله من أصحابه "أما والله لقد صمتُّ ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه" ، فقال رجل من الأنصار: فهلَّا أومأت إليَّ يا رسول الله. قال: "النبي لا يقتل بالإشارة" . al-Tha‘labi 30/427al-Tha‘labi 30/427
وعبد الله بن خطل رجل من تميم بن غالب، وإنما أمر بقتله أنَّه كان مسلمًا فبعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (مصدقًا وبعث معه رجلًا من الأنصار) ، وكان معه مولى له يخدمه، وكان مسلمًا فنزل منزلًا فأمر المولى أن يذبح له تيسًا، ويصنع له طعامًا، ونام واستيقظ ولم يصنع له شيئًا، فعدا عليه فقتله ثم ارتدَّ مشركًا ، وكانت له قينتان: فرتنا، وأخرى معها، وكانت تغنيان بهجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر بقتلهما معه . al-Tha‘labi 30/428al-Tha‘labi 30/428
والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصي، وكان ممن يؤذيه بمكة. ومقيس بن صُبابة ، وإنما أمرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتله لقتله الأنصاري الَّذي قتل أخاه خطأ، ورجوعه إلى قريش مرتدًا ، وعكرمة بن أبي جهل. وسارة مولاة كانت لبعض بني عبد المطلب وكانت ممن تؤذيه بمكة . فأما عكرمة فهرب إلى اليمن وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، فاستأمنت له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمَّنه فخرجت في طلبه حتَّى أتت به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم ، وكان عكرمة يحدث فيما يذكرون أن الَّذي ردَّه إلى الإسلام بعد خروجه إلى اليمن، أنَّه كان يقول: أردتُ ركوب البحر لألحق بالحبشة، فلما أتيت لأركب السفينة، قال صاحبها: عبد الله لا تركب سفينتي حتَّى تُوحِّد الله وتخلع ما دونه من الأنداد، فإني أخشى أن لا تفعل أن نهلك فيها. قلت: وما يركبها أحد إلَّا قال هذا؟ ! قال: نعم، لا يركبها أحد إلَّا أخلص. قال: قلت: ففيما أفارق محمدًا فهذا هو الَّذي جاءنا به، فوالله إن إلهنا في البحر كإلهنا في البر، فعرفت الإسلام عند ذلك ودخل في نفسي . al-Tha‘labi 30/429al-Tha‘labi 30/429
وأما عبد الله بن خطل فقتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي، اشتركا في دمه ، وأما مقيس بن صبابة فقتله نميلة بن عبد الله رجل من قومه. فقالت أخت مقيس : al-Tha‘labi 30/430al-Tha‘labi 30/430
لعمري لقد أخزى نميلة رهطه ... وفجّع أضياف الشِّتاء بمقيس
فلله عينا من رأى مثل مِقيس ... إذا النفساء أصبحت لم تُخرس
وأما قينتا ابن خطل فقتلت إحداهما وهربت فرتنا، حتَّى استؤمن لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمنها . (وأما سارة فاستؤمن لها فأمنها) فعاشت حتَّى أوطأها رجل من الناس فرسًا له في زمالت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقتلها بالأبطح . وأما الحويرث بن نقيذ فقتله علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - . al-Tha‘labi 30/431al-Tha‘labi 30/431
فلما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة وقف قائمًا على باب الكعبة، ثم قال: "لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، ألَا كل مأثرة أو دم أو مال مُدَّعى فهو تحت قدمي هاتين إلَّا سدانة البيت، وسقاية الحاج، ألَّا وقتيل الخطأ العمد بالسوط والعصا ففيها الديَّة مغلظة (مائة من الإبل) ، منها أربعون في بطونها أولادها ، يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظّمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم خلق من تراب ". ثم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذِه الآية: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} . al-Tha‘labi 30/432al-Tha‘labi 30/432
"يا أهل مكة، ما ترون أني فاعل بكم " . قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم. ثم قال: " اذهبوا فأنتم الطلقاء" . فأعتقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد كان الله أمكنه من رقابهم عنوة، وكانوا له فيئًا فبذلك يسمى أهل مكة الطلقاء ، ثم إجتمع الناس بمكة لبيعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام، فجلس لهم على الصفا، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أسفل من مجلسه يأخذ على الناس فبايعوه على السمع والطاعة فيما استطاعوا، فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء . al-Tha‘labi 30/433al-Tha‘labi 30/433
وقال عروة بن الزبير خرج صفوان بن أمية يريد جُدة ليركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهب: يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيِّد قومي وقد خرج هاربًا منك، ليقذف نفسه في البحر فأمِّنه صلى الله عليك. فقال: "هو آمن" . قال: يا رسول الله أعطني ما يعرف به أمانك. فأعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمامته التي دخل بها مكة، فخرج بها عمير حتَّى أدركه بها بجدة، وهو يريد أن يركب البحر، فقال: يا صفوان فداك أبي وأمي أذكرك الله في نفسك أن تهلكها؛ فهذا أمان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد جئتك به. فقال له: ويلك أغرب عني ولا تكلمني. فقال: يا صفوان فداك أبي وأمي أفضل الناس (وأبر الناس) وأحلم الناس، وخير الناس ابن عمتك ، عزه عزك، وشرفه شرفك، وملكه ملكك. قال: إني أخافه على نفسي. قال: هو أحلم من ذلك وأكرم، فرجع به معه حتَّى قدم به على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال صفوان: هذا زعم أنك أمنتني. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "صدق" . قال: فاجعلني في أمري بالخيار شهرين. قال: "أنت فيه بالخيار أربعة أشهر" . al-Tha‘labi 30/434al-Tha‘labi 30/434
قالوا: ولما دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة هرب هبيرة بن أبي وهب المخزومي وعبد الله بن الزبعري السهمي إلى نجران، فرمى عبد الله ابن الزبعري حسَّانُ بن ثابت وهو بنجران ببيت واحد ما زاد عليه:
لا تَعْدَمنْ رجُلًا أحلَّك بُغْضُه ... نجرانَ في عَيْشٍ أحَذَّ لئيم فلما بلغ ذلك ابن الزبعري رجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأسلم فقال حين أسلم: al-Tha‘labi 30/435al-Tha‘labi 30/435
يا رسُولَ الملِيكِ إنَّ لسانِى ... راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذا أنا بُورُ
إذ أبارِي الشيطان في سَنَن الغَيّ ... ومن مال مَيْلُه مثْبُور
آمنَ اللَّحْمُ والعظامُ لربيِّ ... ثمَّ قلبي الشهيدُ أنت النذير
وأما هبيرة بن أبي وهب فقد أقام بها كافرًا ، وقد قال حين بلغه إسلام أم هانئ بنت أبي طالب، وكانت تحته واسمها هند:
أشاقتكَ هِنْدٌ أم ناك سُؤَالُها ... كذَاكَ النَّوى أسبابُها وانتقالُها
القصيدة . al-Tha‘labi 30/436al-Tha‘labi 30/436
قال ابن إسحاق: وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف : من بني غفار أربعمائة، ومن أسلم أربعمائة، ومن مزينة ألف وثلاثة نفر، ومن بني سليم سبعمائة ، ومن جهينة ألف وأربعمائة رجل، وسائرهم من قريش والأنصار وحلفائهم وطوائف العرب من قيس وتميم وأسد . al-Tha‘labi 30/437al-Tha‘labi 30/437
قالوا: وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من رمضان سنة ثمان، وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة ثآخرج إلى هوازن وثقيف وقد نزلوا حنينًا. al-Tha‘labi 30/438al-Tha‘labi 30/438
قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عَوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: كان عمر يُدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وَجَد في نفسه، فقال: Ibn Kathir 9/509Ibn Kathir 9/509
لم يَدْخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رُؤيتُ أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليُريهم فقال: ما تقولون في قول الله، عز وجل : (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) ؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نَحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفُتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا. فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجلُ رسول الله ﷺ أعلمه له، قال: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) فذلك علامة أجلك، (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول. تفرد به البخاري
وروى ابن جرير، عن محمد بن حُمَيد، عن مِهْران، عن الثوري، عن عاصم، عن أبي رَزِين، عن ابن عباس، فذكر مثل هذه القصة، أو نحوها .
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن فُضَيل، حدثنا عطاء، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: لما نزلت: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) قال رسول الله ﷺ : "نُعِيَت إليّ نفسي" .. بأنه مقبوض في تلك السنة. تفرد به أحمد .
وروى العوفي، عن ابن عباس، مثله. وهكذا قال مجاهد، وأبو العالية، والضحاك، وغير واحد: إنها أجل رسول الله ﷺ نُعِي إليه.
وقال ابن جرير: حدثني إسماعيل بن موسى، حدثنا الحسين بن عيسى الحنفي عن مَعْمَر، عن الزهري، عن أبي حازم، عن ابن عباس قال: بينما رسول الله ﷺ في المدينة إذ قال: "الله أكبر، الله أكبر! جاء نصر الله والفتح، جاء أهل اليمن" . قيل: يا رسول الله، وما أهل اليمن؟ قال: "قوم رقيقة قلوبهم، لينة طباعهم، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية"
ثم رواه عن ابن عبد الأعلى، عن ابن ثور، عن معمر، عن عكرمة، مرسلا.
وقال الطبراني: حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا أبو كامل الجَحْدَريّ، حدثنا أبو عَوَانة، عن هلال بن خَبَّاب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) حتى ختم السورة، قال: نُعِيت لرسول الله ﷺ نفسه حين نزلت، قال: فأخذ بأشد ما كان قط اجتهادًا في أمر الآخرة. وقال رسول الله ﷺ بعد ذلك: "جاء الفتحُ ونصر الله، وجاء أهل اليَمن" . فقال رجل: يا رسول الله، وما أهل اليمن؟ قال: "قوم رقيقة قلوبهم، لينة قلوبهم، الإيمان يمان، والفقه يَمان" . Ibn Kathir 9/510Ibn Kathir 9/510
وقال الإمام أحمد: حدثنا وَكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رَزين، عن ابن عباس قال: لما نزلت: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) علم النبي ﷺ أنه قد نُعِيت إليه نفسه، فقيل: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) السورة كلها .
حدثنا وَكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رَزِين: أن عمر سأل ابن عباس عن هذه الآية: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) قال: لما نزلت نُعيت إلى رسول الله ﷺ نفسه
وقال الطبراني: حدثنا إبراهيم بن أحمد بن عُمَر الوكيعي، حدثنا أبي، حدثنا جَعفر بن عون، عن أبي العُمَيس، عن أبي بكر بن أبي الجهم، عن عُبَيد الله بن عَبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت من القرآن جميعًا: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) .
وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي البَختُري الطائي ، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لما نزلت هذه السورة: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) قرأها رسول الله ﷺ حتى ختمها، فقال: "الناس حيز، وأنا وأصحابي حيز" . وقال: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية" . فقال له مَرْوان: كذبت -وعنده رافع بن خَديج، وزيد بن ثابت، قاعدان معه على السرير - فقال أبو سعيد: لو شاء هذان لحدثاك، ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة. فرفع مروان عليه الدرة ليضربه، فلما رأيا ذلك قالا صدق .
تفرد به أحمد، وهذا الذي أنكره مروان على أبي سعيد ليس بمنكر، فقد ثبت من رواية ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال يوم الفتح: "لا هجرة، ولكن جهاد ونية، ولكن إذا استنفرتم فانفروا" . أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما .
فالذي فسر به بعض الصحابة من جلساء عمر، رضي الله عنهم أجمعين، مِنْ أنه قد أمرنا إذا فتح الله علينا المدائن والحصون أن نحمد الله ونشكره ونسبحه، يعني نصلي ونستغفره -معنى مليح صحيح، وقد ثبت له شاهد من صلاة النبي ﷺ يوم فتح مكة وقت الضحى ثماني ركعات، فقال قائلون: هي صلاة الضحى. وأجيبوا بأنه لم يكن يواظب عليها، فكيف صلاها ذلك اليوم وقد كان مسافرًا لم يَنْو الإقامة بمكة؟ ولهذا أقام فيها إلى آخر شهر رمضان قريبًا من تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة ويُفطر هو وجميع الجيش، وكانوا نحوًا من عشرة آلاف. قال هؤلاء: وإنما كانت صلاة الفتح، قالوا: فيستحب لأمير الجيش إذا فتح بلدًا أن يصلي فيه أول ما يدخله ثماني ركعات. Ibn Kathir 9/511Ibn Kathir 9/511
وهكذا فعل سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن، ثم قال بعضهم: يصليها كلها بتسليمة واحدة. والصحيح أنه يسلم من كل ركعتين، كما ورد في سنن أبي داود: أن رسول الله ﷺ كان يسلم يوم الفتح من كل ركعتين. وأما ما فسر به ابن عباس وعمر، رضي الله عنهما ، من أن هذه السورة نُعِي فيها إلى رسول الله ﷺ نفسه الكريمة، واعلم أنك إذا فتحت مكة -وهي قريتك التي أخرجتك-ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فقد فرغ شغلنا بك في الدنيا، فتهيأ للقدوم علينا والوفود إلينا، فالآخرة خير لك من الدنيا، ولسوف يعطيك ربك فترضى، ولهذا قال: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) .
قال النسائي: أخبرنا عمرو بن منصور، حدثنا محمد بن محبوب، حدثنا أبو عوانة، عن هلال ابن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) إلى آخر السورة، قال: نُعيت لرسول الله ﷺ نفسُه حين أنزلت، فأخذ في أشدّ ما كان اجتهادًا في أمر الآخرة، وقال رسول الله ﷺ بعد ذلك: "جاء الفتح، وجاء نصر الله، وجاء أهل اليمن" . فقال رجل: يا رسول الله، وما أهل اليمن؟ قال: "قوم رقيقة قلوبهم، لَيِّنة قلوبهم، الإيمان يَمانٍ، والحكمة يمانية، والفقه يمان" .
وقال البخاري: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جَرير، عن منصور، عن أبي الضحَى، عن مسروق، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" يتأول القرآن.
وأخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي، من حديث منصور، به .
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق قال: قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يكثر في آخر أمره من قول: "سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه" . وقال: "إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامة في أمتي، وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره، إنه كان توابا، فقد رأيتها: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)
ورواه مسلم من طريق داود -وهو ابن أبي هند-به .
وقال ابن جرير: حدثنا أبو السائب، حدثنا حفص، حدثنا عاصم، عن الشعبي، عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد، ولا يذهب ولا يجيء، إلا قال: "سبحان الله وبحمده ". فقلت: يا رسول الله، إنك تكثر من سبحان الله وبحمده، لا تذهب ولا تجيء، ولا تقوم ولا تقعد إلا قلت: سبحان الله وبحمده؟ قال: " إني أمرت بها"، فقال: Ibn Kathir 9/512Ibn Kathir 9/512
(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) إلى آخر السورة .
غريب، وقد كتبنا حديث كفارة المجلس من جميع طرقه وألفاظه في جزء مُفرد، فيكتب هاهنا .
وقال الإمام أحمد: حدثنا وَكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبَيدة، عن عبد الله قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ : (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) كان يكثر إذا قرأها -ورَكَعَ- أن يقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم" ثلاثا .
تفرد به أحمد. ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن عمرو بن مُرّة، عن شعبة، عن أبي إسحاق، به.
والمراد بالفتح هاهنا فتح مكة قولا واحدًا، فإن أحياء العرب كانت تَتَلَوّم بإسلامها فتح مكة، يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي. فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجًا، فلم تمض سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيمانًا، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام، ولله الحمد والمنة. وقد روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن سلمة قال: لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله ﷺ ، وكانت الأحياء تَتَلَوّمُ بإسلامها فتح مكة، يقولون: دعوه وقومه، فإن ظهر عليهم فهو نبي. الحديث وقد حَرّرنا غزوة الفتح في كتابنا: السيرة، فمن أراد فليراجعه هناك، ولله الحمد والمنة.
وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق، عن الأوزاعي، حدثني أبو عمار، حدثني جار لجابر بن عبد الله قال: قدمت من سفر فجاءني جابر بن عبد الله، فسلم عليّ ، فجعلت أحدّثهُ عن افتراق الناس وما أحدثوا، فجعل جابر يبكي، ثم قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس دخلوا في دين الله أفواجًا، وسيخرجون منه أفواجًا" .
[آخر تفسير سورة "إذا جاء نصر الله والفتح" ولله الحمد والمنة] Ibn Kathir 9/513Ibn Kathir 9/513
Choose one book or more.