تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍۢ وَتَبَّ ١
In the sections:Dala’il
Commentary
خسرت يدا أبي لهب وشقي بإيذائه رسول الله محمدا صلى الله عليه وسلم، وقد تحقق خسران أبي لهب.
{تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد} قوله تعالى: {تبّتْ يدا أبي لهب} اختلف في سبب نزولها في أبي لهب على ثلاثة أقاويل: أحدها: ما حكاه عبد الرحمن بن زيد أن أبا لهب أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا أُعطَى إن آمنتُ بك يا محمد؟ قال: ما يعطَى المسلمون , قال: ما عليهم فضل؟ قال: وأي شيء تبتغي؟ قال: تبَّا لهذا من دين أن أكون أنا وهؤلاء سواء , فأنزل الله فيه: {تبت يدا أبي لهب} . الثاني: ما رواه ابن عباس أنه لما نزل {وأنذر عشيرتك الأقربين} أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفا فصعد عليها , ثم نادى يا صباحاه! فاجتمع الناس إليه , فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم , صدقتموني؟ قالوا: al-Mawardi 6/363al-Mawardi 6/363
نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد , فقال أبو لهب: تبّا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا؟! فأنزل الله تعالى هذه السورة. الثالث: ما حكاه عبد الرحمن بن كيسان أنه كان إذا وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وفْدٌ انطلق إليهم أبو لهب , فيسألونه عن رسول الله ويقولون: أنت أعلم به , فيقول لهم أبو لهب: إنه كذاب ساحر , فيرجعون عنه ولا يلقونه , فأتاه وفد , ففعل معهم مثل ذلك , فقالوا: لا ننصرف حتى نراه ونسمع كلامه , فقال لهم أبو لهب: إنا لم نزل نعالجه من الجنون فتبّاً له وتعساً , فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فاكتأب له , فأنزل الله تعالى (تَبّتْ) السورة , وفي (تبّتْ) خمسة أوجه: أحدها: خابت , قاله ابن عباس. الثاني: ضلّت , وهو قول عطاء. الثالث: هلكت , قاله ابن جبير. الرابع: صفِرت من كل خير , قاله يمان بن رئاب. حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنه لما قتل عثمان بن عفان سمع الناس هاتفاً يقول:
(لقد خلّوْك وانصدعوا ... فما آبوا ولا رجعوا)
(ولم يوفوا بنذرِهمُ ... فيا تبَّا لما صَعنوا)
والخامس: خسرت , قاله قتادة , ومنه قول الشاعر:
(تواعَدَني قوْمي ليَسْعوْا بمهجتي ... بجارية لهم تَبّا لهم تبّاً)
وفي قوله {يَدَا أَبِي لَهَبٍ} وجهان: أحدهما: يعني نفس أبي لهب , وقد يعبر عن النفس باليد كما قال تعالى {ذلك بما قدمت يداك} أي نفسك. الثاني: أي عمل أبي لهب , وإنما نسب العمل إلى اليد لأنه في الأكثر يكون بها. al-Mawardi 6/364al-Mawardi 6/364
وقيل إنه كني أبا لهب لحُسنه وتلهّب وجنته , وفي ذكر الله له بكنيته دون اسمه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه كان بكنيته أشهر منه باسمه. الثاني: لأنه كان مسمى بعبد هشم , وقيل إنه عبد العزى فلذلك عدل عنه. الثالث: لأن الاسم أشرف من الكنية , لأن الكنية إشارة إليه باسم غيره , ولذلك دعا الله أنبياءه بأسمائهم. وفي قوله {وتَبَّ} أربعة أوجه: أحدها: أنه تأكيد للأول من قوله {تبت يدا أبي لهب} فقال بعده (وتب) تأكيداً. الثاني: يعني تبت يدا أبي لهب بما منعه الله تعالى من أذى لرسوله , وتب بما له عند الله من أليم عقابه. الثالث: يعني قد تبّ , قاله ابن عباس. الرابع: يعني وتبّ ولد أبي لهب , قاله مجاهد. وفي قراءة ابن مسعود: تبت يدا أبي لهبٍ وقد تب , جعله خبراً , وهي على قراءة غيره تكون دعاء كالأول. وفيما تبت عنه يدا أبي لهب وجهان: أحدهما: عن التوحيد , قاله ابن عباس. الثاني: عن الخيرات , قاله مجاهد. {ما أَغْنَى عَنْه مالُه وما كَسَب} في قوله (ما أغنى عنه) وجهان: أحدهما: ما دفع عنه. الثاني: ما نفعه , قاله الضحاك. وفي {مالُه} وجهان: أحدهما: أنه أراد أغنامه , لأنه كان صاحب سائمة , قاله أبو العالية. الثاني: أنه أراد تليده وطارفه , والتليد: الموروث , والطارف: المكتسب. وفي قوله {وما كَسَبَ} وجهان: al-Mawardi 6/365al-Mawardi 6/365
أحدهما: عمله الخبيث , قاله الضحاك. الثاني: ولده , قاله ابن عباس. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أولادكم من كسبكم) وكان ولده عتبة بن أبي لهب مبالغاً في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم كأبيه , فقال حين نزلت {والنجم إذا هوى} كفرت بالنجم إذا هوى , وبالذي دنا فتدلى , وتفل في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشام , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم سلط عليه كلباً من كلابك) فأكله الأسد. وفيما لم يغن عنه ماله وما كسب وجهان: أحدهما: في عداوته النبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: في دفع النار عنه يوم القيامة. {سَيَصْلَى ناراً ذاتَ لَهَبٍ} في سين سيصلى وجهان: أحدهما: أنه سين سوف. الثاني: سين الوعيد , كقوله تعالى {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ} و {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا} وفي {يَصْلًى} وجهان: أحدهما: صلي النار , أي حطباً ووقوداً , قاله ابن كيسان. الثاني: يعني تُصليه النار , أي تنضجه , وهو معنى قول ابن عباس , فيكون على الوجه الأول صفة له في النار , وعلى الوجه الثاني صفة للنار. وفي {ناراً ذاتَ لَهَبٍ} وجهان: أحدهما: ذات ارتفاع وقوة واشتعال , فوصف ناره ذات اللهب بقوتها , لأن قوة النار تكون مع بقاء لهبها. الثاني: ما في هذه الصفة من مضارعة كنيته التي كانت من نذره ووعيده. وهذه الآية تشتمل على أمرين: al-Mawardi 6/366al-Mawardi 6/366
أحدهما: وعيد من الله حق عليه بكفره. الثاني: إخبار منه تعالى بأنه سيموت على كفره , وكان خبره صدقاً , ووعيده حقاً. {وامرأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ} وهي أم جميل بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان. وفي {حمالة الحطب} أربعة أوجه: أحدها: أنها كانت تحتطب الشوك فتلقيه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم ليلاً , قاله ابن عباس. الثاني: أنها كانت تعيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر , فكان يحتطب فعيرت بأنها كانت تحتطب , قاله قتادة. الثالث: أنها كانت تحتطب الكلام وتمشي بالنميمة , قاله الحسن والسدي فسمي الماشي بالنميمة حمال الحطب لأنه يشعل العداوة كما تشعل النار الحطب , قال الشاعر:
(إنّ بني الأَدْرَمِ حَمّالو الحَطَبْ ... هم الوُشاةُ في الرِّضا وفي الغَضَبْ.)
٨٩ (عليهمُ اللعْنةُ تَتْرى والحرَبْ.} ٩
وقال آخر:
(مِنَ البِيضِ لم تُصْطَدْ على ظهر لأمةٍ ... ولم تمشِ بَيْن الحيّ بالحَطَب والرطْبِ.)
الرابع: أنه أراد ما حملته من الآثام في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كالحطب في مصيره إلى النار. {في جِيدِها حَبْل مِنْ مَسَدِ} جيدها: عنقها. وفي {حبل من مسد} سبعة أقاويل: أحدها: أنه سلسلة من حديد , قاله عروة بن الزبير , وهي التي قال الله تعالى فيها: {ذرعها سبعون ذراعاً} قال الحسن: سميت السلسلة مسداً لأنها ممسودة , أي مفتولة. al-Mawardi 6/367al-Mawardi 6/367
الثاني: أنه حبل من ليف النخل , قاله الشعبي , ومن قول الشاعر:
(أعوذ بالله مِن لَيْل يُقرّبني ... إلى مُضاجعةٍ كالدَّلْكِ بالمسَدِ.)
الثالث: أنها قلادة من ودع , على وجه التعيير لها , قاله قتادة. الرابع: أنه حبل ذو ألوان من أحمر وأصفر تتزين به في جيدها , قاله الحسن , ذكرت به على وجه التعيير أيضاً. الخامس: أنها قلادة من جوهر فاخر , قالت لأنفقنها في عداوة محمد , ويكون ذلك عذاباً في جيدها يوم القيامة. السادس: أنه إشارة إلى الخذلان , يعني أنها مربوطة عن الإيمان بما سبق لها من الشقاء كالمربوطة في جيدها بحبل من مسد. السابع: أنه لما حملت أوزار كفرها صارت كالحاملة لحطب نارها التي تصلى بها. روى الوليد بن كثير عن ابن تدرس عن أسماء بنت أبي بكر أنه لما نزلت (تبت يدا) في أبي لهب وامرأته أم جميل أقبلت ولها ولولة وفي يدها قهر وهي تقول:
(مُذَمَّماً عَصَيْنَا ... وأَمْرَهُ أَبَيْنا)
٨٩ (ودِينَه قَلَيْنا.} ٩
ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد , ومعه أبو بكر , فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله قد أقبلت وإني أخاف أن تراك , فقال: إنها لن تراني , وقرأ قرآناً اعتصم به , كما قال تعالى: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً} فأقبلت على أبي بكر , ولم تر رسول الله , فقالت: يا أبا بكر إني أخبرت أن صاحبك هجاني , فقال: لا ورب هذا البيت , ما هجاك , فولت فعثرت في مرطها , فقالت: تعس مذمم، وانصرفت. al-Mawardi 6/368al-Mawardi 6/368
قال البخاري: حدثنا محمد بن سلام، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ خرج إلى البطحاء، فصعد الجبل فنادى: "يا صباحاه" . فاجتمعت إليه قريش، فقال: "أرأيتم إن حَدثتكم أن العدوّ مُصبحكم أو مُمْسيكم، أكنتم تصدقوني؟ " . قالوا: نعم. قال: "فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد" . فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبا لك. فأنزل الله: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) إلى آخرها .
وفي رواية: فقام ينفض يديه، وهو يقول: تبا لك سائر اليوم. ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) .
الأول دعاء عليه، والثاني خبر عنه. فأبو لهب هذا هو أحد أعمام رسول الله ﷺ واسمه: عبد العُزّى بن عبد المطلب، وكنيته أبو عُتبة. وإنما سمي "أبا لهب" لإشراق وجهه، وكان كثير الأذية لرسول الله ﷺ والبغضة له، والازدراء به، والتنقص له ولدينه. .
قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: أخبرني رجل - يقال له: ربيعة بن عباد، من بني الديل، وكان جاهليًا فأسلم - قال: رأيت النبي ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: "يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه أحولُ ذو غديرتين، يقول: إنه صابئ كاذب. يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا: هذا عمه أبو لهب .
ثم رواه عن سُرَيج، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، فذكره - قال أبو الزناد: قلت لربيعة: كنت يومئذ صغيرًا؟ قال: لا والله إني يومئذ لأعقل أني أزفر القربة. تفرد به أحمد .
وقال محمد بن إسحاق: حدثني حُسَين بن عبد الله بن عُبيد الله بن عباس قال: سمعت ربيعة بن عباد الديلي يقول: إني لمع أبي رجل شاب، أنظر إلى رسول الله ﷺ يتبع القبائل -ووراءه رجل أحول وضيء، ذو جُمَّة - يَقِفُ رسول الله ﷺ على القبيلة فيقول: "يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، آمركم أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا، وأن تصدقوني وتمنعوني حتى أنفِّذَ عن الله ما بعثني به" . وإذا فرغ من مقالته قال الآخر من خلفه: يا بني فلان، هذا يريد منكم أن تسلُخوا اللات والعزى، وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أُقَيْش، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له ولا تتبعوه. فقلت لأبي: من هذا؟ قال: عمه أبو لهب . Ibn Kathir 9/514Ibn Kathir 9/514
رواه أحمد أيضا، والطبراني بهذا اللفظ .
فقوله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) أي: خسرت وخابت، وضل عمله وسعيه، (وَتَبَّ) أي: وقد تب تحقق خسارته وهلاكه.
وقوله: (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ) قال ابن عباس وغيره: (وَمَا كَسَبَ) يعني: ولده. وَرُوي عن عائشة، ومجاهد، وعطاء، والحسن، وابن سيرين، مثله.
وذكر عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ لما دعا قومه إلى الإيمان، قال أبو لهب: إذا كان ما يقول ابن أخي حقا، فإني أفتدي نفسي يوم القيامة من العذاب بمالي وولدي، فأنزل الله: (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ) .
وقوله: (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ) أي: ذات شرر ولهيب وإحراق شديد.
(وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) وكانت زوجته من سادات نساء قريش، وهي: أم جميل، واسمها أروى بنتُ حرب بن أمية، وهي أخت أبي سفيان. وكانت عونًا لزوجها على كفره وجحوده وعناده؛ فلهذا تكون يوم القيامة عَونًا عليه في عذابه في نار جهنم. ولهذا قال: (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) يعني: تحمل الحطب فتلقي على زوجها، ليزداد على ما هو فيه، وهي مُهَيَّأة لذلك مستعدة له.
(فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) قال مجاهد، وعروة: من مَسد النار.
وعن مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والثوري، والسدي: (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) كانت تمشي بالنميمة، [واختاره ابن جرير] .
وقال العوفي عن ابن عباس، وعطية الجدلي، والضحاك، وابن زيد: كانت تضع الشوك في طريق رسول الله ﷺ ، واختاره ابن جرير.
قال ابن جرير: وقيل: كانت تعير النبي ﷺ بالفقر، وكانت تحتطب، فعيرت بذلك.
كذا حكاه، ولم يعزه إلى أحد. والصحيح الأول، والله أعلم.
قال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة فاخرة فقالت: لأنفقنها في عداوة محمد، يعني: فأعقبها الله بها حبلا في جيدها من مسد النار. Ibn Kathir 9/515Ibn Kathir 9/515
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا وكيع، عن سليم مولى الشعبي، عن الشعبي قال: المسد: الليف.
وقال عروة بن الزبير: المسد: سلسلة ذرعها سبعون ذراعًا.
وعن الثوري: هو قلادة من نار، طولها سبعون ذراعًا.
وقال الجوهري: المَسَدُ: الليف. والمَسَد أيضا: حبل من ليف أو خوص، وقد يكون من جلود الإبل أو أوبارها، ومسدت الحبل أمسدُهُ مَسْدًا: إذا أجْدتُ فَتله .
وقال مجاهد: (فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) أي: طوق من حديد، ألا ترى أن العرب يسمون البَكْرة مَسَدًا؟
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي وأبو زُرْعة قالا حدثنا عبد الله بن الزبير الحُمَيدي، حدثنا سُفيان، حدثنا الوليد بن كثير، عن ابن تدرس، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما نزلت: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب، ولها ولولة، وفي يدها فهر، وهي تقول:
مُذَممًا أبَينَا ودينَه قَلَينا وَأمْرَه عَصَينا
ورسول الله ﷺ جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، قد أقبلت وأنا أخاف عليك أن تراك. فقال رسول الله ﷺ : "إنها لن تراني" . وقرأ قرآنا اعتصم به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] . فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله ﷺ فقالت: يا أبا بكر، إني أخبرت أن صاحبك هجاني؟ قال: لا ورب هذا البيت ما هجاك. فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها. قال: وقال الوليد في حديثه أو غيره: فعثَرَت أم جميل في مِرْطها وهي تطوف بالبيت، فقالت: تَعس مُذَمَّم. فقالت أم حكيم بنت عبد المطلب: إني لحصانُ فما أكلَّم، وثَقَافُ فما أعلَّم، وكلنا من بني العم، وقريش بعد أعلم .
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد وأحمد بن إسحاق قالا حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: لما نزلت: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) جاءت امرأة أبي لهب ورسول الله ﷺ جالس، ومعه أبو بكر. فقال له أبو بكر: لو تَنَحَّيت لا تُؤذيك بشيء. فقال رسول الله ﷺ : "إنه سَيُحال بيني وبينها" . فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر فقالت: يا أبا بكر، هجانا صاحبك. فقال أبو بكر: لا ورب هذه البنية ما نَطَق بالشعر ولا يتفوه به. فقالت: إنك لمصدق، فلما ولت قال أبو بكر، رضي الله عنه : ما رأتك؟ قال: "لا ما زال ملك يسترني حتى ولت" . Ibn Kathir 9/516Ibn Kathir 9/516
ثم قال البزار: لا نعلمه يُروَى بأحسنَ من هذا الإسناد، عن أبي بكر، رضي الله عنه .
وقد قال بعض أهل العلم في قوله تعالى: (فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) أي: في عنقها حبل في نار [جهنم] تُرفَع به إلى شفيرها، ثم يرمى بها إلى أسفلها، ثم كذلك دائما.
قال أبو الخطاب بن دَحْية في كتابه التنوير -وقد رَوَى ذلك-وعُبر بالمسد عن حبل الدلو، كما قال أبو حنيفة الدينوري في كتاب "النبات" : كلّ مَسَد: رشاء، وأنشد في ذلك:
وَبَكْرَةً ومِحْوَرًا صِرَارًا … وَمَسَدًا مِنْ أبق مُغَارًا
قال: والأبقُ: القنَّبُ.
وقال الآخر:
يا مَسَدَ الخُوص تَعَوّذْ مني … إنْ تَكُ لَدْنًا لَيّنا فإني
ما شئْتَ مِنْ أشْمَطَ مُقْسَئِنّ
قال العلماء: وفي هذه السورة معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوة، فإنه منذ نزل قوله تعالى: (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان، لم يقيض لهما أن يؤمنا، ولا واحد منهما لا ظاهرًا ولا باطنًا، لا مسرًا ولا معلنًا، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة على النبوة الظاهرة.
[آخر تفسير "تبت" ولله الحمد والمنة] Ibn Kathir 9/517Ibn Kathir 9/517
Choose one book or more.