و (لا) يصح استثناء (ما زاد عليه) أي: النصف (نصًّا (١) ) ونصره في "الشرح" وقوَّاه ابن حمدان. وجاز الأكثر -إن سُلِّمَ- في قوله تعالى:{إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} لأنه لم يصرِّح بالعدد. وذكر أبو يعلى الصغير: أنه استثناء بالصفة، وهو في الحقيقة تخصيص، وأنه يجوز فيه الكل، نحو: اقتل من في الدار إلا بني تميم، وهم بنو تميم، فيحرم قتلهم.
فإن قال قائل: هذا ينتقض عليكم بالقرآن الكريم، قال الله تعالى مخاطباً الشيطان: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ *﴾ [الحجر]،
فلو قلت: أكرم من في هذا المجلس إلا من عليه قميصٌ يصح الاستثناء، وعلى هذا ما نكرم ولا واحداً منهم؛ لأن كل واحد عليه قميص، وهنا قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ﴾، هذه الكثرة مستفادة بالوصف ﴿مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ لأن اسم الموصول بمنزلة الوصف؛ إذ إن ﴿مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ بمعنى المتَّبِع لك، وعلى هذا فلا يضر،
وقيل: الاسْتِثْناءُ في هذه الآيةِ مُنْقَطِعٌ بمعنى الاسْتِدْراكِ، فيكونُ قولُه:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}. مُبْقًى على عُمُومِه لم يُسْتَثْنَ منه شَئٌ، فيكونُ قَوْلُه:{إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}. أى لكنْ مَن اتَّبَعَكَ مِن الغَاوِينَ فإنَّهم غَوَوْا باتِّباعِكَ. وقد دَلَّ على صِحَّةِ هذا قولُه في الآيةِ الأُخْرى لأَتْباعِه:{وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي}. وعلى هذا، لا يكونُ لهم فيها حُجَّةٌ.
فإن قيل: قد ورد ذلك في القرآن بدليل قوله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين}، وقوله تعالى:{فبعزتك لأُغوِينّهم أجمعين? إلا عبادَك منهم المخلَصين}. استثنى سبحانه الغاوين من العباد، وثانياً العباد من الغاوين. وأيهما كان أكثر فقد استثنى الأكثر من الأقل.