كٓهيعٓصٓ ١
Commentary
{كهيعص} سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.
قوله تعالى ذكره: {كهيعص} الآية.
قرأ بعض القراء بإمالة الهاء والياء. وعلة الإمالة أنها أحرف مقصورة، فإذا ثنيت، ثنيت بالياء، فشابهت ما ثني بالياء من الأسماء، فأميلت لذلك. وعلة .. Makki ibn Abi Talib 1/4487Makki ibn Abi Talib 1/4487
الإمالة فيها عند الخليل وسيبويه أنها أسماء للحروف، فجازت إمالتها ليفرق بينها وبين الحروف التي لا يجوز إمالتها نحو: ما ولا وإلا بمعنى الذي، لا يحسن عندهما إمالة شيء من هذا فإن سميت بشيء منها جازت الإمالة.
ولا يحسن إمالة كاف ولا قاف وصاد، لأن الألف متوسطة. وهذه الحروف عند ابن عباس مأخوذة من أسماء دالة، على ذلك. فالكاف تدل على كبير.
وقيل: الكاف تدل على كاف. قاله ابن جبير والضحاك. Makki ibn Abi Talib 1/4488Makki ibn Abi Talib 1/4488
وروي أيضاً عن ابن جبير، أن الكاف تدل على " كريم " ، وقال ابن عباس وابن جبير: الهاء تدل على هاد، وكذلك قال الضحاك.
وقال ابن جبير: الياء من حكيم.
وعن الربيع بن أنس ان الياء من [قولك] : يا من يجير ولا يجار عليه.
وقال ابن عباس وابن جبير: العين من عالم.
وعن ابن عباس أيضاً: العين من عزيز.
وقال الضحاك: العين من عدل.
وقال ابن عباس وابن جبير: الصاد من صادق. Makki ibn Abi Talib 1/4489Makki ibn Abi Talib 1/4489
وعنه أيضاً: الكاف، كاف، والهاء، هاد. والياء، يد من الله على خلقه.
والعين، عالم بهم والصاد، صادق فيما وعدهم.
وقال علي بن ابي طالب رضي الله عن هـ: {كهيعص} كله اسم من أسماء الله.
وروي عنه أنه كان يقول: (يا كَهَيعَص) اغفر لي.
وعن ابن عباس أنه قال: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله.
وقال أبو العالية: كل حرف على حدته اسم من أسماء الله وقال قتادة: {كهيعص} اسم من أسماء القرآن. و {كهيعص} تمام عند الأخفش، وموضعها رفع عنده والتقدير: وفيما نقص عليكم، {كهيعص} وليس بتمام عند الفراء، لأن {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ} خبره. Makki ibn Abi Talib 1/4490Makki ibn Abi Talib 1/4490
أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة.
وقوله: (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ) أي: هذا ذكر رحمة الله بعبده زكريا.
وقرأ يحيى بن يعمر "ذَكَّرَ رحمة ربك عَبْدَهُ زَكَريَّا" .
[و] (زَكَرِيَّا) : يمد ويقصر قراءتان مشهورتان. وكان نبيًّا عظيمًا من أنبياء بني إسرائيل. وفي صحيح البخاري: أنه كان نجارًا، أي: كان يأكل من عمل يديه في النجارة.
وقوله: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا) : قال بعض المفسرين: إنما أخفى دعاءه، لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره. حكاه الماوردي.
وقال آخرون: إنما أخفاه لأنه أحب إلى الله. كما قال قتادة في هذه الآية (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا) : إن الله يعلم القلب التقي ، ويسمع الصوت الخفي.
وقال بعض السلف: قام من الليل، عليه السلام ، وقد نام أصحابه، فجعل يهتف بربه يقول خفية: يا رب، يا رب، يا رب فقال الله: لبيك، لبيك، لبيك.
(قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) أي: ضعفت وخارت القوى، (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) أي اضطرم المشيب في السواد، كما قال ابن دُرَيد في مقصورته : Ibn Kathir 6/211Ibn Kathir 6/211
إمَّا تَرَى رأسِي حَاكى لونُهُ … طُرَّةَ صُبْحٍ تَحتَ أذْيَال الدُّجى
واشْتَعَل المُبْيَض في مُسْوَدّه … مِثْلَ اشتِعَال النَّارِ في جمر الغَضَا
والمراد من هذا: الإخبار عن الضعف والكبر، ودلائله الظاهرة والباطنة.
وقوله: (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) أي: ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردني قط فيما سألتك.
وقوله: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي) : قرأ الأكثرون بنصب "الياء" من (الْمَوَالِيَ) على أنه مفعول، وعن الكسائي أنه سكن الياء، كما قال الشاعر:
كَأنَّ أيْديهنّ في القَاع الفَرقْ … أيدي جَوَارٍ يَتَعَاطَينَ الوَرقْ
وقال الآخر:
فَتَى لو يُبَاري الشَّمسَ ألْقَتْ قِنَاعَها … أو القَمَرَ السَّاري لألْقَى المقَالدَا
ومنه قول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي:
تَغَاير الشَّعرُ فيه إذ سَهرت لَهُ … حَتَّى ظَنَنْتُ قوافيه ستَقتتلُ
وقال مجاهد، وقتادة، والسدي: أراد بالموالي العصبة. وقال أبو صالح: الكلالة.
وروي عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه ، أنه كان يقرؤها: "وإني خَفَّت الموالي من ورائي" بتشديد الفاء بمعنى: قلت عصباتي من بعدي.
وعلى القراءة الأولى، وجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا [من] بعده في الناس تصرفًا سيئًا، فسأل الله ولدا، يكون نبيًّا من بعده، ليسوسهم بنبوته وما يوحى إليه. فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدرًا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده أن يأنف من وراثة عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد، فيحوز ميراثه دونه دونهم. هذا وجه.
الثاني: أنه لم يذكر أنه كان ذا مال، بل كان نجارا يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالا ولا سيما الأنبياء، عليهم السلام ، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.
الثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه: أن رسول الله ﷺ قال: "لا نُورَث، ما تركنا فهو صدقة " وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح: " نحن معشر الأنبياء لا نورث " وعلى هذا فتعين حمل قوله: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي) على ميراث النبوة؛ ولهذا قال: (وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) ، كما قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ [النمل: ١٦] أي: في النبوة؛ إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة ". Ibn Kathir 6/212Ibn Kathir 6/212
قال مجاهد في قوله: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) [قال] : كان وراثته علمًا وكان زكريا من ذرية يعقوب.
وقال هشيم: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) قال: [قد] يكون نبيًّا كما كانت آباؤه أنبياء.
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن: يرث نبوته وعلمه.
وقال السُّدِّي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب.
وعن مالك، عن زيد بن أسلم: (وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) قال: نبوتهم.
وقال جابر بن نوح ويزيد بن هارون، كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) قال: يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة.
وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة: أن رسول الله ﷺ قال: "يرحم الله زكريا، وما كان عليه من ورثة، ويرحم الله لوطًا، إن كان ليأوي إلى ركن شديد "
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا جابر بن نوح، عن مبارك -هو ابن فضالة - عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "رحم الله أخي زكريا، ما كان عليه من ورثة ماله حين يقول: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) Ibn Kathir 6/213Ibn Kathir 6/213
وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح، والله أعلم.
وقوله: (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) أي مرضيا عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه. Ibn Kathir 6/214Ibn Kathir 6/214
Choose one book or more.