لنا: قوله تعالى: {ومما أخرجنا لكم من الأرض} وقوله تعالى: {وءاتوا حقه يوم حصاده} . وقال عليه الصلاة والسلام: (فيما سقت السماء العشر) ، وهو عام في القليل والكثير رواه على ومعاذ، ومجاهد وأبو هريرة وابن عمر وبشير بن سعد وأنس رضي الله عنهما.
لنا: قوله تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا انفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} ، ولم يفصل. وقال الله تعالى: {وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابهه كلوا من ثمره إذا أثمر وءاتوا حقه يوم حصاده} وهذا نص في وجوب الحق في جميع المذكور في الآية.
{وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} . وروى أنس في كتاب الصدقات: «لا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس» . وروى أبو داود عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا هو، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدة عليه كل عام، ولم يعط الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة، لكن من وسط أموالكم فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره» .
وهو ما استخرج من الأرض مما خلق فيها من غير جنسها كالذهب والفضة والحديد والنحاس والزبرجد والبلور والعقيق والكحل والمغرة وأشباهها، والقار والنفط والكبريت ونحوه، فتجب فيه الزكاة، لقول الله تعالى: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} . وروى الجوزجاني بإسناده عن بلال بن الحارث المزني: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخذ من معادن القبلية الصدقة» .
وجوبها: أوجب الله تعالى زكاة الزروع والثمار فقال: (يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الارض) والزكاة تسمى نفقة، قال تعالى: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أمثر وءاتوا حقه يوم حصاده) .
أمر الله سبحانه المزكي بإخراج الطيب من ماله، ونهاه عن التصدق بالردئ، فقال: (يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الارض ولا تيمموا (٢) الخبيث (٣) منه تنفقون ولستم
{ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} فمعنى - تيمموا تقصدوا، ومعناه في الشرع مسح الوجه واليدين بتراب طهور على وجه مخصوص (١) ، وليس معناه أن يعفر وجهه ويديه بالتراب، وإنما الغرض أن يضع يده على تراب طهور، أو حجر، أو نحو ذلك من الأشياء التي سيأتي بيانها، وهو مشروع عند فقد الماء، أو العجز عن استعماله لسبب من الأسباب الآتي بيانها.
"باب في" حكم "من لم يجد الماء" وحكمه أنه يجب عليه التيمم "و" في بيان "صفة التيمم" المستحبة وفي بيان الأعذار المبيحة له والتيمم لغة القصد قال تعالى: التيمم يجب لعدم الماء في السفر إذا يئس أن يجده {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ} الآية أي لا تقصدوه وشرعا عبادة حكمية تستباح بها الصلاة فقوله عبادة حكمية أي حكم الشرع بها ولا يخفى أن هذا القدر موجود في الوضوء والغسل وتستباح بها الصلاة لإخراج الوضوء والغسل لأن التيمم ليس إلا للاستباحة فقط والوضوء والغسل لرفع الحدث وهو واجب بالكتاب والسنة والإجماع قال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} وفي مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم: "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة, وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا, وجعلت تربتها طهورا إذا لم نجد الماء" , والإجماع على أن التيمم واجب عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله ولوجوبه ثمانية شرائط الإسلام والبلوغ والعقل وارتفاع دم الحيض والنفاس ودخول الوقت وعدم الماء أو عدم القدرة على استعماله وأن لا يكون على الأعضاء حائل وعدم المنافي "التيمم يجب لعدم الماء"
ولما ذكر الطهارة المائية بقسميها صغرى، وكبرى، وما ينوب عن بعض الأعضاء في الصغرى. شرع في الكلام على ما ينوب عن غسل جميع الأعضاء في الوضوء والغسل وهو التيمم. فقال: فصل ذكر فيه التيمم، وما يتعلق به؛ وهو لغة القصد قال تعالى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} مأخوذ من الأم بفتح الهمزة، وهو القصد، قال تعالى: {وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} ،
وقال العلماء: يجب على مريد الحج أن لا يحرم حتى تكون نفقته حلالا لا شبهة فيها، لقوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} ، وقوله: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} ، {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} ، وقوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا (١) ). الحديث المشهور في مسلم. قاله الحطاب.
(قوله: وتجب الخ) لما أنهى الكلام على ما يتعلق بزكاة النقدين والتجارة، شرع يتكلم على ما يتعلق بزكاة القوت، والأصل فيها قوله تعالى: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * وقوله تعالى: * (أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض) * فأوجب الإنفاق مما أخرجته الأرض، وهو الزكاة، لأنه لا حق فيما أخرجته غيرها.
ولا تؤخذ زكاة الثمار الا بعد أن تجفف لحديث عتاب بن أسيد " فِي الْكَرْمِ يُخْرَصُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ ثُمَّ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا كَمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا " فان أخذ الرطب وجب رده وان فات * وجب رد قيمته. ومن أصحابنا من قال: يجب رد مثله. والمذهب الاول لانه لامثل له لانه يتفاوت ولهذا لا يجوز بيع بعضه ببعض فان كانت الثمار نوعا واحدا أخذ الواجب منه لقوله عز وجل * (أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لكم من الارض) * وان كانت أنواعا أخذ من كل نوع بقسطه فان كانت أنواعا كثيرة أخرج من أوسطها لامن النوع الجيد ولا من النوع الردئ لان أخذها من كل صنف يشق فأخذ الوسط {الشَّرْحُ} حَدِيثُ عَتَّابٍ سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَقَدْ سَبَقَ فِي فَصْلِ وَقْتِ وُجُوبِ الْعُشْرِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِخْرَاجُ إلَّا بَعْدَ الْجَفَافِ فِي الثِّمَارِ وَبَعْدَ التَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ وَأَنَّ مؤونة ذَلِكَ كُلِّهِ تَكُونُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ لَا تُحْسَبُ مِنْ جُمْلَةِ مَالِ الزَّكَاةِ بَلْ تَجِبُ مِنْ خَالِصِ مَالِ الْمَالِكِ وَسَبَقَ هُنَاكَ أَنَّهُ إذَا أَخَذَ الرُّطَبَ وَجَبَ رَدُّهُ فَإِنْ فَاتَ غَرِمَهُ بِقِيمَتِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ
والأصل في وجوب زكاتهما قبل الإجماع قوله تعالى:{أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} , وهو الزكاة, لأنه لا حق فيما أخرجته الأرض غيرها,
وكذا الرائحة كما في (شرح المهذب)، ولم يصرح به الأكثرون، ولا المسوس والمدودـ وهما بكسر الواوـ لقوله تعالي:{وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ}، ولأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبً.
والمذهب الأول.
والجواب: أنه أراد بـ (الخبيث): الدنيء، كقوله تعالى:{وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} أراد به الرديء؛ لقوله:{وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ}، ولأن الناس لم يزالوا في عصره صلى الله عليه وسلم وإلى وقتنا هذا يكتسبون به من غير نكير.
(ولا ذات عَوار) بفتح العين المهملة (وهي المعيبةُ، بذهاب عضو أو غيره، عيبًا يمنع التضحية بها) لقوله تعالى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} وفي كتاب أبي بكر: "ولا يخرج في الصدقةِ هرمةٌ ولا ذاتُ عَوارٍ، ولا تَيْسٌ إلا ما شاءَ المصدِّقُ". رواه البخاري . وكان أبو عبيد يرويه بفتح الدال من المصدق ، يعني: المالك، فيكون الاستثناء راجعًا إلى التيس. وخالفه عامة الرواة، فقالوا بكسرها، يعني: الساعي، ذكره الخطابي
وقال القاضي عما يروى مرفوعًا:"لا زكاة في حجرٍ" إن صح؛ محمول على الأحجار التي لا يرغب فيها عادة، فدل على أن الرخام والبِرام ونحوهما - كحجر المسن - معدن. وجزم بذلك في "الرعاية" وغيرها (ففيه الزكاة) لقوله تعالى: {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ}؛
(فإن عدم المنصوص عليه) من الأصناف الخمسة (أخرج ما يقوم مقامه من حب وثمر يقتات إذا كان مكيلًا، كالذرة والدُّخْن والمَاش (٢) ونحوه) كالأرز والتوت اليابس؛ لأن ذلك أشبه بالمنصوص عليه، فكان أولى. (ولا يجزئ إخراج حب معيب، كمسوَّس ومبلول، وقديم تغير طعمه ونحوه) لقوله تعالى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} ولأن السوس يأكل جوفه، والبلل ينفخه، فالمخرج لصاع منه ليس هو الواجب شرعًا.
(ولا) يؤخذ في الصدقة (هرمة) وهي البهيمة الكريمة الطاعنة في السن (ولا معيبة لا يضحى بها) . نص عليه أي: لا تجزئ في التضحية وفي النصاب ما ليس بهذه الصفة؛ لقوله سبحأنه وتعالى:{وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ}. (إلا إن كان الكل كذلك) بأن يكون النصاب كله هرمات أو معيبات؛ لأن الزكاة مواساة. فلا يكلف إخراجها من غير ماله.
والأصل في وجوبها فيما يخرج من الأرض قوله سبحانه وتعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ}.
ومن باب التيمم]
وهو لغة القصد قال تعالى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} وشرعًا مسح الوجه واليدين بالتراب على وجه مخصوص وهو بدل عن طهارة الماء مبيح للصلاة ونحوها وليس رافعاً للحديث والأصل فيه قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} . وحديث عمار وغيره. وضربة تسن للتيمم ... للوجه والكفين فيما قد نمي ص ولا يمرفق بل يكن مكوعًا أي: الواجب والمسنون في التيمم ضربة واحدة فيمسح وجهه بباطن أصابعه وكفيه براحتيه،
وقال أبو حنيفة في إحدى الروايتين: تتعلق الزكاة بكل ما ينطبع دون غيره، ولنا عموم قوله تعالى: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: ٢٦٧] ، ولأنه معدن فتعلقت الزكاة به كالأثمان، والحديث إن صح حمل على حجر لا يقوم عادة.
الخامسة: إذا اختلط اثنان وكان لأحدهما الثلثان، وللآخر الثلث فالزكاة بينهما على حسب ملكهما؛ على أحدهما الثلثان وعلى الآخر الثلث. بَابُ زَكَاةِ الحُبُوبِ وَالثِّمَار الأصل في وجوب زكاة الحبوب والثمار، قول الله تبارك وتعالى : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ .
القول الثالث: أنها تجب في كل ما يخرج من الأرض مما يزرعه الآدمي من فواكه وغير فواكه، واستدلوا بعموم قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ ، وبقوله ﷺ :«فيما سقت السماء العشر».
فاختلف أهل العلم رحمهم الله هل في العسل الزكاة، أو أَنَّ ما ضربه عمر رضي الله عنه في العسل ليس زكاة، ولكنه اجتهاد لحال مخصوصة؛ لأنه لا يصدق عليه قول الله عز وجل : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ ؟
«لا معيب» معطوف على «كل» أي: لا يجزئ معيب حتى من البر والتمر. والمعيب هو الذي تغير طعمه، أو أحد أوصافه، أو صار فيه دود، أو سوس، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ .
الثاني: أن هذا بمنزلة إخراج الخبيث من الطيب قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ ووجه ذلك أنه سيخرج هذا الدين عن زكاة عين، فعندي مثلاً أربعون ألفاً، وزكاتها ألف ريال،
وقال تعالى {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} ولقوله عليه الصلاة والسلام «ولكن من أوسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خياره، ولم يأمركم بشراره» والهرمة الشاة الشارف، وهي كبيرة السن، وذات عوار بفتح العين التي بها عيب، وبالضم التي ذهبت عينها. ولا يجزئ ذلك في الصدقة.
فلو كانت قيمة المخرج إذا كان النصاب كبارًا صحاحًا عشرين، وقيمته إذا كان صغارًا مراضًا عشرة، وكان النصف من هذا والنصف من هذا، وجب إخراج صحيحة كبيرة قيمتها خمسة عشر. لا مريضة لقوله {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} ولقوله صلى الله عليه وسلم «ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، إلا أن يشاء المصدق» .
أو فضة ففيه ربع عشره إن بلغ نصابًا في الحال وفاقًا، لقوله تعالى {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} وأقطع النبي صلى الله عليه وسلم بلال بن الحارث المعادن القبلية، قال: فتلك لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم. رواه أبو داود ومالك وغيرهما، وكانوا يؤدون عنها الحق، وهو عمل المسلمين، قال الشيخ: وهو مذهب مالك والشافعي،
مسألة: (ولا يُؤْخَذُ) في الصَّدَقَةِ (تَيْسٌ، ولا هَرِمَةٌ، ولا ذاتُ عَوارٍ؛ وهى المَعِيبَةُ) هذه الثَّلاثُ لا تُؤْخَذُ لدَناءَتِها، ولقولِ اللهِ تعالى:{وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ}. ولأنَّ في حَدِيثِ أنَسٍ:«وَلَا يُخْرَجُ فِى الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، ولا تَيْسٌ، إلَّا أنْ يَشَاءَ المُصَدِّقُ». وقد قِيلَ: لا يُؤْخَذُ تَيْسُ الغَنَمِ لفَضِيلَتِه. وكان أبو عُبَيْدٍ يَرْوِى هذا الحَدِيثَ:«إلَّا مَا شَاءَ المُصَدَّقُ». بفَتْحِ الدّالِ يَعْنِى صاحِبَ المالِ. فعلى هذا يَكُونُ الاسْتِثْناءُ في الحَدِيثِ راجِعًا إلى التَّيْسِ وَحْدَه.
بخِلافِ الثِّمارِ. ولا يَجُوزُ إخْراجُ الرَّدِئِ؛ لقولِه تعالى:{وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ}. قال أبو أُمَامَةَ بنُ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ، في هذه الآيَةِ: هو الجُعْرُورُ ، ولَوْنُ حُبَيْقٍ ، فنَهَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُؤْخَذَ في الصَّدَقَةِ. رَواه النَّسائِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ . قال: وهما ضَرْبانِ مِن التَّمْرِ؛ أحَدُهما، إنَّما يَصِيرُ قِشْرًا على نَوًى. والآخَرُ، إذا أتْمَرُ صار حَشَفًا.
وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ إخْراجُ الرَّديئَةِ عن الجَيِّدَةِ مِن غيرِ جُبْرانٍ؛ لأنَّ الجَوْدَةَ إذا لاقَتْ جِنْسَها فيما فيه الرِّبا لا قِيمَةَ لها. ولَنا، أن الجَوْدَةَ مُتَقَوَّمَةٌ في الإِتْلافِ، ولأنَّه إذا لم يَجْبُرْه بما يُتِمُّ به قِيمَةَ الواجِبِ، دَخَل في قَوْلِه تعالى:{وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} الآية. ولأنَّه أخْرَجَ رَدِيئًا عن جَيِّدٍ بقَدْرِه، فلم يَجُزْ ، كالماشِيَةِ.
وقوله تعالى:{يا أيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض}. وقوله عليه السلام: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر» رواه البخاري.
باب زكاة الخارج من الأرض] يشمل الزروع والثمار والمعدن والركاز. والأصل في وجوب ذلك كله قوله تعالى:{يا أيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض}، والزكاة تسمى نفقة بدليل قوله:{والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله}.
أما كون الزكاة تجب في الحبوب كلها على قول غير ابن حامد فلما تقدم من قوله تعالى:{ومما أخرجنا لكم من الأرض}، وقوله صلى الله عليه وسلم:«فيما سقت السماء العشر».
أما كون العشر يؤخذ من كل نوع على حدته إذا كان ما يؤخذ منه العشر جيداً ورديئاً فلأن أخذ الرديء عن الجيد لا يجوز لقوله تعالى:{ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون}، وأخذ الجيد عن الرديء لا يجب لما فيه من الإضرار بالمال وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره» رواه أبو داود.
أما كون العشر يجب على المستأجر دون المالك فلأن الزرع والثمر له، والعشر يجب على من له ذلك بدليل قوله تعالى:{ومما أخرجنا لكم من الأرض}، وقوله تعالى:{كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده} فأوجب العشر على من الخارج له وعلى من أبيح له أكله وليس شيء من ذلك للمالك.
أالخير الذي أنا مبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني يقال: يممت فلانا وتيممته وأممته. إذا قصدته، وقد قرئ بالثلاثة في قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: ٢٦٧] أي لا تقصدوا الخبيث للإنفاق منه، فقرأ الجمهور (ولا تيمموا) بالفتح، وقرأ عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (ولا تأمموا) وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (ولا تيمموا: بضم التاء. وهو في العرف الشرعي عبارة عن: قصد شيء مخصوص - وهو التراب الطاهر - على وجه مخصوص - وهو مسح الوجه واليدين - من شخص مخصوص، وهو العادم للماء، أو من يتضرر باستعماله، وتحقيق ذلك كله له محل آخر، وقد يطلق ويراد به مسح الوجه واليدين وسمي المقصود بالتيمم تيمما.
بقي: هل خلوة المرأة في التيمم كخلوتها في الوضوء؟ لم أر المسألة منقولة، والقياس ذلك، لكن المسألة المنع فيها تعبد، فليقتصر على مورد النص ثم، وبعض العلماء قال: المراد بالطيب هو الحلال. وهذا لا ريب في اشتراطه عنده على المذهب، كالوضوء بماء مغصوب بل أولى، إلا أن في أخذه من هنا نظرا، نعم الطيب يطلق ويراد به الحلال، كما في قَوْله تَعَالَى: {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: ٢٦٧] ونحو ذلك، وبعضهم قال: المراد بالطيب المنبت.
قال: ولا يؤخذ في الصدقة تيس، ولا هرمة، ولا ذات عوار، ولا الربى، ولا الماخض، ولا الأكولة. ش: قد جمع الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في هذا بين (ما لا يؤخذ) لدناءته وهو التيس، والهرمة وذات العوار، وذلك لما تقدم من حديث أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، إذ فيه «لا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس، إلا أن يشاء المصدق» وقال سبحانه: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: ٢٦٧] (وما لا يؤخذ) لشرفه وهو الربى، والماخض والأكولة، وذلك لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث معاذ المتفق عليه «وإياك وكرائم أموالهم» .
قال [في] حقه: الزكاة المفروضة. وقَوْله تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: ٢٦٧] وقد استفاضت السنة بذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وأجمع المسلمون عليه في البر، والشعير، والتمر، والزبيب، والله أعلم. قال: وكل ما أخرج الله عز وجل من الأرض مما ييبس ويبقى، مما يكال ويدخر، ويبلغ خمسة أوسق فصاعدا، ففيه العشر، إن كان سقيه من السماء والسيوح، وإن كان يسقى بالدوالي والنواضح وما فيه الكلف فنصف العشر.
قال: وما كان عنوة أدى عنها الخراج، وزكى ما بقي إذا بلغ خمسة أوسق، وكان لمسلم. ش: العنوة هي ما أجلي عنها أهلها بالسيف، وهي أرض كثيرة فتحها عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ووقفها على المسلمين، وضرب عليها خراجا معلوما، يؤخذ ممن هي في يده في كل عام، فهذه إذا زرعت اجتمع الخراج والعشر بشرطه، وهذا الغرض من ذكر هذه المسألة، أن العشر والخراج يجتمعان، لعموم قَوْله تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: ٢٦٧] وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فيما سقت السماء العشر» ولأن الخراج بمنزلة الأجرة، فجاز اجتماعه مع العشر، كالأرض المؤجرة، ولأنهما حقان يجبان عن عين، فلم ينف أحدهما الآخر، دليله قيمة الصيد والجزاء، وأجرة الدكان وزكاة التجارة.
انتهى، وصفة المعدن الذي تتعلق به الزكاة ما يخرج من الأرض، مما يخلق [فيها] من غيرها، سواء كان أثمانا أو غيرها، ينطبع أو لا ينطبع، لعموم قَوْله تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: ٢٦٧] والأصل في وجوب الزكاة فيه في الجملة هذه الآية الكريمة.