وَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالْأُمَّةِ فِي الثَّانِي الدِّينُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ أَهْلُ دِينِهِ أَفْضَلَ الْأَدْيَانِ وَفِيهِ تَكَلُّفٌ، وَالْإِمَّةُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ النِّعْمَةُ وَتُطْلَقُ عَلَى الدِّينِ وَالطَّرِيقَةِ، وَلَا خِلَافَ فِي عُمُومِ بَعْثَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى جَمِيعِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بُعِثْتُ إلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ» .
تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ لِيَكُونَ لِلْعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ١
In the Fiqh
Maliki5
(قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ الثَّقَلَيْنِ) أَيْ فَلَمْ يَكُنْ مَبْعُوثًا لِلْمَلَائِكَةِ وَلَكِنَّ الَّذِي اعْتَمَدَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ إلَيْهِمْ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «وَأُرْسِلْت إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً» وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}{لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} فَإِنَّ مَنْ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ وَالْعَالَمُ مَا سِوَى اللَّهِ وَعَلَى هَذَا فَفَائِدَةُ الرِّسَالَةِ لَهُمْ وَهُمْ مَعْصُومُونَ أَنَّهُمْ كُلِّفُوا بِتَعْظِيمِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ وَدُخُولُهُمْ تَحْتَ دَعَوْته تَشْرِيفًا لَهُ عَلَى جَمِيعِ الْمُرْسَلَيْنِ إلَّا أَنَّنَا لَمْ نَعْلَمْ عَيْنَ مَا كُلِّفُوا بِهِ بَلْ ذَهَبَ بَعْضُ مُحَقِّقِي الْمُتَأَخِّرِينَ إلَى بَعْثَتِهِ لِلْجَمَادَاتِ فَرَكَّبَ فِيهَا إدْرَاكًا لِتُؤْمِنَ بِهِ وَتَخْضَعَ لَهُ،
وفي الشبراخيتي أنه الصحيح. وصحح جمع من المحققين القول بأنه مرسل إلى الملائكة أيضا لقوله تعالى {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} ولقوله عز وجل {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} ولخبر مسلم (أرسلت إلى الخلق كافة (١) ) وعلى هذا ففائدة إرساله لهم وهم معصومون أنهم كلفوا بتعظيمه والإيمان به ودخولهم تحت دعوته تشريفا له على جميع المرسلين قاله الشيخ عبد الباقي.
وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالناس وقرأ: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ} ، فأسقط آية، فلما فرغ قال: أفي المسجد أبي بن كعب؟ قال: ها أنا يا رسول الله، قال: ما منعك أن تفتح علي حين أسقطت الآية؟ قال: حسبت أنها نسخت، قال: إنها لم تنسخ) . قاله الشيخ إبراهيم.
{وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} وقوله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} و {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} ، ولا يكاد يسمع من الفقهاء إلا قولهم: ما الفارق بين المسألتين، ولا يقال: ما المفرق بينهما بالتشديد ومقتضى هذه القاعدة أن يقول السائل: افرق لي بين المسألتين ولا يقول: فرق لي ولا بأي شيء يفرق، ومع أن كثيرا يقولونه بالأفعال دون اسم الفاعل. انتهى.
Shafi‘i3
فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ بِشُمُولِ النَّاسِ لَهُمْ كَمَا عُزِيَ لِلْجَوْهَرِيِّ وَعَلَيْهِ فَلَا اعْتِرَاضَ، أَوْ أَنَّهُمْ دَخَلُوا بِدَلِيلٍ آخَرَ. وَمُحَمَّدٌ عَلَمٌ مَنْقُولٌ مِنْ اسْمِ الْمَفْعُولِ الْمُضَعَّفِ سُمِّيَ بِهِ نَبِيًّا بِإِلْهَامٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى تَفَاؤُلًا بِأَنَّهُ يُكْثِرُ حَمْدَ الْخَلْقِ لَهُ لِكَثْرَةِ خِصَالِهِ الْمَحْمُودَةِ، كَمَا رُوِيَ فِي السِّيَرِ أَنَّهُ قِيلَ لِجَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَدْ سَمَّاهُ فِي سَابِعِ وِلَادَتِهِ لِمَوْتِ أَبِيهِ قَبْلَهَا: لِمَ سَمَّيْت ابْنَك مُحَمَّدًا وَلَيْسَ مِنْ أَسْمَاءِ آبَائِك وَلَا قَوْمِك؟ فَقَالَ: رَجَوْت أَنْ يُحْمَدَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ رَجَاءَهُ كَمَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ صِفَةٌ أَتَمُّ وَلَا أَشْرَفُ مِنْ الْعُبُودِيَّةِ، وَلِهَذَا أَطْلَقَهَا اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ فِي أَشْرَفِ الْمَوَاطِنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ - الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ - تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ}{فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بِمَ أُشَرِّفُك؟ قَالَ: بِأَنْ تَنْسُبَنِي إلَيْك بِالْعُبُودِيَّةِ» .
ثَمَّ ذُكِرَ فِي أَفْخَمِ مَقَامَاتِهِ {أَسْرَى بِعَبْدِهِ - نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ}{فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ} (وَرَسُولُهُ) لِكَافَّةِ الثَّقَلَيْنِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ إجْمَاعًا مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَيَكْفُرُ مُنْكِرُهُ
وَكَذَا الْمَلَائِكَةُ كَمَا رَجَّحَهُ جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ كَالسُّبْكِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَرَدُّوا عَلَى مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ وَصَرِيحُ آيَةِ {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} إذْ الْعَالَمُ مَا سِوَى اللَّهِ وَخَبَرُ مُسْلِمٍ «وَأُرْسِلْت إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً» يُؤَيِّدُ ذَلِكَ بَلْ.
Hanbali1
ووَصَفَهُ بذلك في مقام التنزيل عليه ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ .