وكان لا يلبس الخز ولا يرى لبسه: وقال بشر بن الحارث رأيت على مالك طيلسانا يساوي خمسمائة أشبه شيء بالملوك، وفص خاتمه الذي مات وهو في يده حجر أسود نقشه سطران فيهما حسبي الله ونعم الوكيل فسئل عن ذلك فقال سمعت الله يقول {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا} الآية وكان في أول أمره قليل الشيء صابرا متجملا حتى انثالت عليه الدنيا بعد ولم يكن له منزل إنما سكن بالكراء إلى أن مات، وكان سكناه في دار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وكان مكتوبا على بابه ما شاء الله ولعل مراده أن الدار مثل الجنة في استحباب قول ذلك عند دخولها فكتبه ليذكره فيقوله عند الدخول.
ولها صورتان:
الأولى: أن يذكر ذلك بلفظ عام بدون عدد، ويستثني بقلبه شيئاً منه، مثل: أن يقول: نسائي طوالق، وينوي إلا هنداً فيصح؛ لأن «نسائي» لفظ عام، والعام قد يستعمل في الخاص، فيمكن للمتكلم أن يريد باللفظ العام شيئاً مخصوصاً من هذا العام، قال الله عز وجل : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ، هل القائل الناس كلهم؟ لا، يقال: إنه نعيم بن مسعود الأشجعي، قال للرسول ﷺ : إن أبا سفيان قد جمع لكم ، وعلى هذا يكون القائل واحداً، والجامع واحداً، مع أن «الناس» لفظ عموم.
فمن حلف لا يدخل دار فلان لحق عليه فيمينه على ما يصدقه صاحبه، ويقبل حكما مع قرب الاحتمال من الظاهر وتوسطه لا مع بعده فتقدم نيته على عموم لفظه وعلى السبب (كنيته ببناء) السماء (ويسقف السماء) أيضا قال تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا} وقال {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا}، (ونحوه) كنيته بالبساط وبالفراش الأرض وباللباس الليل وبنسائي طوالق أقاربه النساء وجواري أحرار سفنه وبقوله ما كاتبت فلانا مكاتبة الرقيق ونحو ذلك لأنه نوى بلفظه ما يحتمل ويسوغ لغة التعبير به عنه فانصرفت يمينه إليه والعام قد يراد به الخاص كقوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} فالناس الأول أريد به ابن نعيم بن مسعود الأشجعي والناس الثاني أبو سفيان وأصحابه،
وكذلك النحاة قالوا: الفعل الماضي الواقع صلة لموصول، أو لنكرة موصوفة، يحتمل أن يحمل على الماضي، كما في قَوْله تَعَالَى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} [آل عمران: ١٧٣] ويحتمل أن يحمل على المستقبل، كما في قَوْله تَعَالَى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [البقرة: ١٦٠] أي يتوبوا، ويرجح الأول إعمال الحقيقة والله أعلم.
قال: ومن أوصى لأهل قرية، لم يعط من فيها من الكفار إلا أن يذكرهم. ش: يعني والله أعلم من المسلمين، نظرا إلى أن حال المسلم يقتضي بر المسلم، ومنع الكافر، والعام كثيرا ما يطلق ويراد به الخصوص، وقد قام دليل ذلك وهو قرينة الحال، فعلى هذا لا يعطى من فيها من الكفار، وظاهر كلام الخرقي وجماعة أنهم لا يعطون وإن لم يكن فيها إلا مسلم واحد، لجواز إطلاق العام، وإرادة الواحد، قال الله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} [آل عمران: ١٧٣] أريد به واحد، ومال أبو محمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلى أنهم يعطون، نظرا إلى أن إطلاق العام وإرادة واحد قليل، مع ما انضم إلى ذلك من مخالفة العموم.
رواه أحمد والبخاري.
٣٧٣٢ - وفي «حديث ركانة الذي في السنن أنه لما طلق امرأته ألبتة، وقال للنبي: والله ما أردت إلا واحدة: فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «والله ما أردت إلا واحدة؟» : فقال: «والله ما أردت إلا واحدة» ؛ وأيضا قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» وأيضا فإن كلام الشارع ورد على لغة العرب، ولا ريب أنه محمول على مراده الثابت بالدليل.
٣٧٣٣ - كما في قَوْله تَعَالَى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} [آل عمران: ١٧٣] ؛ والمراد نعيم بن مسعود {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: ١٧٣] والمراد أبو سفيان وأصحابه، وهو كثير لا يكاد يحصى، فكذلك كلام غيره يحمل على مراده، إذا تقرر هذا فشرط الرجوع إلى النية احتمال اللفظ لها كما سيأتي إن شاء الله تعالى، أما إذا نوى باللفظ ما لا يحتمله أصلا، كأن حلف لا يكلم زيدا، وأراد لا يدخل بيتا ونحو ذلك فهذه نية مجردة، لا ارتباط لها باللفظ، فوجودها كعدمها، ثم النية تارة توافق ظاهر اللفظ، كما إذا نوى بالعموم العموم، وبالخصوص الخصوص، وبالإطلاق الإطلاق، ونحو ذلك، فهذه مؤكدة للفظ ومقوية له، كالشرط الموافق في العقد لمقتضاه، وتارة تخالف ظاهره، كأن يريد بعام خاصا، أو بمطلق مقيدا، أو بخاص عاما، ونحو ذلك مثل أن يحلف لا يأكل لحما ويريد لحم الإبل مثلا لا غيره، أو ليعتقن عبدا، ويريد عبدا بعينه، أو لا يأوي مع امرأته في دارها مثلا، ويريد جفاءها بترك اجتماعه معها في جميع الدور ونحو ذلك.
(تنبيه) : رجوع الحالف إلى نيته هو فيما بينه وبين الله تعالى، بشرط احتمال اللفظ له كما تقدم، وعدم ظلمه كما تقدم أيضا، أما عند الحاكم فإن قرب ما ادعاه أنه قصده من الظاهر سمع منه، وإن بعد لم يسمع، وإن توسط فروايتان، والناظر الفهم في مظان ذلك لا يخفى عليه ما قلناه والله أعلم.