والأصل في مشروعية القسمة قوله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى} الآية. وقوله تبارك وتعلى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} ، وقوله تبارك وتعالى: {إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} ، وقوله عليه الصلاة والسلام: (الشفعة فيما لم يقسم) ، وحديث عمران بن حصين: (أن رجلا أعتق اثنين من ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجزأهم ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة ) وقال عليه الصلاة والسلام: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا سفينة فأصاب قوم أعلاها وقوم أسفلها (٢) ).
قال: (فإن استويا) أي: في الصفات المعتبرة وتشاحا (.. أقرع)؛ لتعذر الاجتماع على الحضانة، ولأن إخراجه عنهما إبطال لحقهما، وتخصيص أحدهما بلا قرعة عند الأسبق لا سبيل إليه فتعينت القرعة كالزوج يسافر بإحدى زوجاته، وهذا هو الأصح المنصوص وقول الجمهور، واستأنسوا له بقوله تعالى:{إِذ يُلقُونَ أَقْلَامَهُم أَيُّهُم يَكْفُلُ مَرْيَمَ} أي: اقترعت الأحبار على كفالتها بإلقاء أقلامهم.
(فإن تساويا) أي: الملتقطان في اليسار أو الإقامة (وتَشَاحَّا) بأن لم يرض أحدهما بإسقاط حقه، وتسليم اللقيط إلى صاحبه (أُقْرع بينهما) لقوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ}؛ ولأنه لا مرجِّح لأحدهما، والحضانة لا تتبعض، والمهايأة فيها إضرار بالطفل؛ لأنه تختلف عليه الأغذية والأنس والإلف.
وأما إنكارهم القرعة فقد جاءت في الكتاب والسنة، قال الله سبحانه وتعالى:{وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ}،
لأنَّه يحصُل بها تَمييز المشتبه وتَبْيين المجمل عند تساوي الحقوق، وقد جاءت القُرْعَة في القرآن والسُّنَّة ففي القرآن قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ،
وقد جاءت القرعة في القرآن الكريم في موضعين، وجاءت في السُّنة في ستة مواضع، وهي طريق شرعي لتعيين المبهم، في القرآن الكريم جاءت في آل عمران: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [٤٤]، والموضع الثاني في سورة الصافات:
وأشارَ إلى ما ذَكَرْناه. وأمّا إنْكارُهم القُرْعَةَ، فقد جاءتْ في الكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ، قال اللهُ تعالى:{وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ}.
وقال فيه: «لو شهدته قبل أن يدفن لم يدفن في مقابر المسلمين» ولأنه حق في تفريقه ضرر، فوجب جمعه بالقرعة كقسمة الإجبار مع الطلب إجماعا، وبذلك يبطل قول الخصم: إنه مخالف للقياس، ثم لو سلم ذلك فالحجة في قول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مطلقا، ويدل على دخول القرعة في المشتبهات في الجملة قوله سبحانه: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} [الصافات: ١٤١] وقوله سبحانه: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: ٤٤] ولا يعترض على هذا بأنه منسوخ، لعدم جوازه في شريعتنا، لأنا نقول: دل ذلك على شيئين، مشروعية القرعة مطلقا في الكفالة، وإلقاء واحد من الجماعة في اليم، وامتناع القرعة في دين لا يدل على عدم مشروعية القرعة مطلقا، كيف وقد حصل تواتر معنوي على مشروعيتها،