قال الله عزّ وجلّ: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذينَ يَعْلَمُونَ والذينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنما يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلبَابِ) (٨) .
وقال: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا، ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عِبَادِنَا) (٩) .
وقال: (يُضَلُّ بِهِ كَثِيرَاً ويَهْدِي بِهِ كَثِيراً) (١٠) .
وعلى حسب ما آتى من الفضل، وأعطى من الكمال والعقل - تقع الهداية والتبيين، فإن الأمور تتم (١١) بأسبابها، وتحصل بآلتها، ومن سلبه
/ التوفيق، وحرمة الارشاد (١) والتسديد - (فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق) (٢) ، (لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا) (٣) .
فاحمد الله على ما رزقك من الفهم إن فهمت (٤) ، (وقل: رب زدنى علما) (٥) ، [إن أنت علمت] (٦) ، (وَقُلْ: رَبِّ أَعوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ
الشَيَاطِينِ وأعوذ بك رب أن يحضرون) (٧) .
وإن ارتبت فيما بيناه فازدد في تعلم الصنعة، وتقدم في المعرفة، فسيقع بك على الطريق (٨) الارشد، وسيقف (٩) بك على الوجه الأحمد، فإنك إذا فعلت ذلك أحطت علماً، وتيقنت فهماً.
دلائل الإعجاز في علم المعانيعبد القاهر الجرجاني · d. 471 AHp. 154
القول في حذف المفعول به
١٥٥ - وعلى ذلك قولُه تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: ٩] ، المعنى: هل يَسْتَوي مَنْ له عِلْم ومَنْ لا علمَ له؟ من غَيْرِ أن يقصدَ النصُ على معلوم. وكذلك قولُه تعالى {هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [غافر: ٦٨] ، وقوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} [القمر: ٤٣، ٤٤] وقوله {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى} ، [القمر: ٤٨] ، المعنى
هو الذي منه الإحياء والإماتة والغناء والإقناءُ. وهكذا كلُّ موضعٍ كان القصدُ فيه أن تثبت المعنى في نفسه فعلًا للشيء، وأن تخبر بأنَّ مِن شأنِه أن يكونَ منه، أوْ لا يكونُ إلاَّ منه، أوْ لا يكونَ منه، فإنَّ الفعلَ لا يُعدَّى هناك، لأَنَّ تعديته تَنْقُضُ الغرضَ وتُغيِّر المعنى. ألا ترى أنكَ إذا قلتَ: "هو يُعطي الدنانيرَ" ، كان المعنى على أنك قصدْتَ أن تُعْلمَ السامعَ أنَّ الدنانيرَ تَدْخلُ في عطائِه، أو أنه يُعْطيها خصوصاً دونَ غيرها، وكان غرَضُك على الجملة بيانَ جنسِ ما تناولَه الإعطاءُ، لا الإعطاءُ في نفسِه، ولم يكن كلامُك معَ مَنْ نَفَى أن يكونَ كان منه إعطاءٌ بوجهٍ من الوجوه، بل مع مَن أَثْبَتَ له إعطاءً، إلا لم يُثبت إعطاءَ الدنانير. فاعرفْ ذلك، فإنه أصْلٌ كبيرٌ عظيمُ النفعِ.
فهذا قسمٌ من خُلوِّ الفعلِ عن المفعولِ، وهو أنْ لا يكون له مفعول يمكن النص عليه.
القسم الثاني: حذف مفعول مقصود، لدلالة الحال عليه، وهو قسمان، أولهما الجلي
الإتقان في علوم القرآنجلال الدين السيوطي · d. 911 AH4/194