{وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم} . وقال تعالى: {فأنكحوا ما طاب لكم من النساء} /. وروى مسروق، عن عائشة رضي الله عنهما: قالت: (تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببعض نسائه، وهو محرم) . روى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس - رضي الله عنه -: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة بنت الحارث، وهو محرم) .
لنا: قوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتمى فانكحوا ما طاب لكم} قالت عائشة رضي الله عنها: نزلت هذه الآية في [شأن] اليتيمة فتكون في حجر وليها. فيرغب في مالها وجمالها ولا يقسط لها في مهرها. فنهوا أن ينكحوهن أو يبلغوا بهن نسبتهن في الصداق ثم أنزل {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى
فإن قيل: النكاح في الشرع/ اسم للعقد، بدلالة أنه لم يذكر في القرآن ٢٤٢/ ب إلا في العقد، قال الله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} ، وقال: {فانكحوهن بإذن أهلهن} ، وقال - عليه السلام -: (لانكاح إلا بولي) .
قلنا: من ادعى استعمال الاسم اللغوي بالشرح احتاج إلى ذلك ثم في هذه المواضع إنما حمل الاسم على العقد بدلالة أنه لما ذكر العدد في قوله: {فانكحوا ما طاب لكم} على أن المراد به العقد لأن الوطء لا يدخله حصر بعدد، وقوله: {فانكحوهن بإذن أهلهن} .
كتاب النكاح النكاح مشروع، أمر الله به ورسوله، فقال تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} . وقال سبحانه: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} .
ولا يجب على غيره؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} ولو وجب لم يعلقه على الاستطابة. والاشتغال به أفضل من التخلي للعبادة، لظاهر الأخبار.
إحداهن: ليس لهم تزويجها، لما روي «أن قدامة بن مظعون زوج ابنة أخيه من عبد الله بن عمر، فرفع ذلك إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: إنها يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها» والصغيرة لا إذن لها. والثانية: لهم تزويجها ولها الخيار إذا بلغت، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {كَبِيرًا} {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} .
فلا يحل للحر أن يجمع بين أكثر من أربع زوجات بلا خلاف، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} يعني اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً، «ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لغيلان بن سلمة حين أسلم وتحته عشر نسوة: أمسك أربعاً وفارق سائرهن» رواه الترمذي.
{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ولأن القسم بينهن غير واجب، فلم ينحصرن في عدد. وللعبد أن يتسرى بإذن سيده، نص عليه أحمد؛ لأن ذلك قول ابن عمر، وابن عباس،
(١٠) الزيادة على الاربع: يحرم على الرجل أن يجمع في عصمته أكثر من أربع روجات في وقت واحد، إذ أن في الاربع الكفاية، وفي الزيادة عليها تفويت الاحسان الذي شرعه الله لصلاح الحياة الزوجية، والدليل على ذلك قول الله تعالى: " وان خفتم (١) ألا تقسطوا (٢) في اليتامى فانكحوا ما (٣) طاب لكم من النساء، مثنى وثلاث ورباع، فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم، ذلك أدنى ألا تعولوا (٤) " .
سبب نزول هذه الآية: روى البخاري، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، عن عروة بن الزبير " أنه سأل عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ".
وكذلك من خاف الجور بزواج الثانية حرمت عليه لقول الله تعالى: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم، ذلك أدنى ألا تعولوا " .
ولا يعمل بقول الخوارج الذين قالوا: إنه بجوز العقد على تسع نسوة، مستدلين، بجمع النَبِي صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم لثمان نسوة ولا يكون ذلك خصوصية له، لأنه قدوة لنا نقتدي به، ويحتجون بقوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} .
ثم لا يجتمعان أبداً، فدلت هذه الروايات كلها على أن تحريم الزوجة على زوجها مؤبد. الحنفية - قالوا: إذا أكذب الرجل نفسه وأقيم عليه الحد، زال تحريم العقد، وحلت له بنكاح جديد، فهو تحريم مؤقت احتجوا على ذلك بقوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} وقوله تعالى: {فأنكحوا ما طاب لكم من النساء} فاللعان طلاق ثلاثا، لا يتأبد به التحريم.
الثاني: قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} ، فخيره بين النكاح وملك اليمين، والتخيير بين أمرين يقتضي تساويهما في الحكم، فلما كان ملك اليمين ليس بواجب كان النكاح بمنزلته.
٣ - أن المخاطب بالآية هم الأحرار دون العبيد؛ لأنه اللَّه سبحانه وتعالى قال: في الآية: {فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ، ومعلوم أنه لا يملك إلا الأحرار. وقال أيضًا: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} ، فإنما يعول من له المال،
١ - الاستدلال بقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} على إباحة المتعة، وأنه يدخل فيه النكاح المؤبد، والنكاح المؤقت، قول مردود، حيث إن المتعة غير داخلة في النكاح؛ لأن اسم النكاح يطلق على ما اختص بالدوام، وعلى سبيل التأبيد (٦) .
"وللحر أن يتزوج أربعا من الحرائر والإماء وليس له أن يتزوج أكثر من ذلك" لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ والتنصيص على العدد يمنع الزيادة عليه وقال الشافعي رحمه الله لا يتزوج إلا أمة واحدة لأنه ضروري عنده والحجة عليه ما تلونا إذ الأمة المنكوحة ينتظمها اسم النساء كما في الظهار
، وأصل هذا أن الجمع بين الأختين المملوكتين لا يجوز وطئا لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ ولا يعارض بقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ؛ لأن الترجيح للمحرم،
(و) حل تزوج (أربع من الحرائر) جمع حرة والإماء جمع أمة كما في (الصحاح) خلاف الحرة وعليه إجماع الأئمة الأربعة ومن جوز أكثر من ذلك فقد خرق الإجماع وسنده قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} وحاصل الحال أن حل الواحدة كان معلوماً وهذه الآية لبيان حل الزائد عليها إلى حد معين مع بيان التخيير بين الجمع والتفريق في ذلك وإنما كان العدد في الآية مانعاً من الزيادة لوقوعه حالاً.
لقوله تعالى: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} ولو لم يفعل كيلا يدخل الغم على ضعيف القلب ورق عليها فهو مأجور قال عليه الصلاة والسلام: (من رق لأمتي رق الله له) وترك إدخال الغم عليها يعد من الطاعة والإمام اختار في هذا أفضلية الاكتفاء بالواحدة الحرة انتهى. والإماء فقط للحر وثنتين للعبد، وحبلى من زنى لا من غيره، والموطوءة بملك يمين
قال في (الفتح) : وهو واجب لقوله تعالى بعد بيان حل الأربع: {فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم}، فاستفدنا أن حل الأربع مقيد لم بعدم ١٩٥١/ بل خوف عدم العدل وثبوت المنع عق أكثر من واحدة عند خوفه فعلم إيجابه عند تعددهن انتهى.
فأما الزنى فإنه لا يحرم شيئا وظاهر قوله في المدونة خلافه ونصها وإن زنى بأم زوجته أو بنتها فليفارقها فحمل أكثر الشيوخ هذه المفارقة على الوجوب فاختلف ما في الموطأ وظاهر المدونة فأكثر الشيوخ رجح ما في الموطإ وهو المعتمد لأن كل أصحاب مالك عليه ما عدا ابن القاسم ومنهم من رجح ما في المدونة لما ذكره ابن حبيب عن مالك أنه رجع عما في الموطأ وأفتى بالتحريم إلى أن مات "وحرم الله سبحانه وتعالى" على المسلم "وطء الكوافر" جمع كافرة "ممن ليس من أهل الكتاب بملك أو نكاح" لقوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} قال الفاكهاني الشرك يشمل المجوس والصابئة وهم قوم عدلوا عن اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة ويشمل عبدة الأوثان وغيرهم وهم من يعبدون غير الصنم فعبدة الأوثان من يعبدون الصنم وغيرهم من يعبدون الشمس والقمر "ويحل" للمسلم "وطء" الإماء "الكتابيات بالملك" دون النكاح لعموم قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} "ويحل" للمسلم ولوكان عبدا "وطء حرائرهن" أي الكتابيات "بالنكاح" لقوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} وهن الحرائر أو العفائف الكتابيات
أما الكتاب فقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} أي فاختاروا واحدة أمر الله سبحانه وتعالى بالاقتصار على الواحدة إن خاف الجور فدل على أن العدل واجب
وإذا فسخ هذا النكاح فالفسخ فيه بطلاق، وفيه الميراث بينهما إن مات أحدهما قبل الفسخ، ويكون فيه جميع الصداق المسمى في الموت قبل الدخول وبعده ونصفه إن طلق قبل الدخول وقبل الفسخ. قاله الإمام الحطاب. وروى في البيان عن ابن القاسم أنه لا يفسخ لقوله تعالى {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} معناه أن لا تعدلوا في تزويجهن وهو دليل على جواز العقد عليهن قبل البلوغ إذ البالغ لا يقال لها يتيمة.
وللعبد الرابعة يعني أنه يجوز للعبد نكاح المرأة الرابعة وأحرى الثالثة وهذا هو المشهور من المذهب لعموم قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} ،
لقوله تعالى: {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} ، وقوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ، ولخبر: (من تزوج امرأتين فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط) . وعلم مما قررت أن المراد بالقسم في المبيت أن يكون لكل واحدة يوم وليلة،
وقال الشبراخيتي: كأن يطأها مملوكها من غير عقد إذ لا ملك له فيها وإلا لم تحد للشبهة؛ لأن العقد شبهة وإن كان غير صحيح، وقوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} محله في الرجال،
وفي النوادر: رفع لعمر امرأة اتخذت غلامها لوطئها، فأراد رجمها فقالت: قرأت {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ، فقال: تأوَّلَت كتاب اللَّه على غير تأويل وتركها، وجزَّ رأس الغلام وغرَّبَه. انتهى.
ثم قال عبد الباقي: فالأجوبة ثلاثة: إما على حد ما قيل في الآية أو استعملها فيمن يعقل مجازا أو على قلة. اهـ. يعني بالآية قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} ؛ لأن النساء ناقصات عقل ودين والرقيق مثلهن،
وقال البناني: ما قاله العجماوي من أن التعبير بما عن الرقيق استعارة هو الصواب مثل ما قيل في قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ، وهي حينئذ أحسن ممن خلافا للشارح؛ لأن الاستعارة أبلغ من الحقيقة. اهـ.
قال: (يختص القسم بزوجات) ، لقوله تعالى:{فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا} أي: في القسم الواجب: {فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} أشعر ذلك بأنه لا يجب القسم في ملك اليمين،
قوله تعالى:{فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا} يقول: إن خفتم أن لا تعدلوا بين النساء .. فاقتصروا على واحدة أو ما ملكت أيمانكم؛ فذلك أدنى أن لا تكثر عيالكم ولا تلزمكم المؤن الكثيرة، فدل على وجوب مؤنة العيال.
(وللسيد وطءُ مدبَّرته، وإن لم يشترط) وطْأها حال تدبيرها، سواء كان يطؤها قبل تدبيرها، أو لا، رُوي عن ابن عمر "أنَّه دَبَّرَ أمَتَيْنِ له؛ وكان يَطؤُهما" . قال أَحْمد : لا أعلم أحدًا كره ذلك غير الزهري . ووجهه: أنها مملوكته ولم تَشْتَر نفسها منه، فحلَّ له وطؤها؛ لعموم قوله تعالى:{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}.
وإذا مُنِعَ من استدامة زيادة على أربع، فالابتداء أولى، وقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} أُريد به التخيير بين اثنتين، وثلاث، وأربع، كما قال سبحانه وتعالى:{أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} ولم يُرِد أن لكلٍّ تسعةَ أجنحة،
(ولا للعبد أن يتزوَّج أكثر من اثنتين) لقول عمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنهم -. وقد روى ليث بن أبي سليم، عن الحكم بن قتيبة أنه قال: "أجمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّ العبدَ لا يَنْكِحُ أكثرَ من ثْنتين". ويقويه ما روى الإمام أحمد بإسناده عن محمد بن سيرين:"أنَّ عمرَ سأل الناس: كم يتزوَّج العبدُ؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: اثنتينِ، وطلاقُه اثنتينِ"، وكان ذلك بمحضر من الصحابة وغيرهم، فلم يُنكر ، وهذا يخص عموم الآية، مع أن فيها ما يدلُّ على إرادة الأحرار، وهو قوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ؛
ولا يحرم وطؤهن بملك اليمين؛ لدخولهن في قوله تعالى:{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}. ولأن نكاح الإماء من أهل الكتاب إنما حُرِّم من أجل إرقاق الولد، وإبقائه مع كافرة، وهذا معدوم بوطئهنَّ بملك اليمين.
لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وقد كانَ للنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مارِيَةُ ورَيْحانةُ، فلم يكن يَقسِمُ لهما ؛ ولأن الأمةَ لا حقَّ لها في الاستمتاع، ولذلك لا يثبت لها الخيار بكون السيد مجبوبًا أو عِنِّينًا، ولا يضرب لها مدة الإيلاء.
(ومن حرُم نكاحها: حرُم وطؤها بملك) ؛ لأن النكاح إذا حرم لكونه طريقاً إلى الوطء. فلأن يحرم الوطء نفسه بطريق الأولى. (إلا الأمة الكتابية) ؛ لدخولها في عموم قوله سبحانه وتعالى:{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ولأن نكاح الإماء من أهل الكتاب إنما حرم من أجل إرقاق الولد وإبقائه مع كافره، وهذا معدوم في وطئهن بملك اليمين.
قال في " شرح المقنع ": ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم في أنه لا يجب التسوية بين النساء في الجماع. وذلك؛ لأن الجماع طريقه الشهوة والميل، ولا سبيل إلى التسوية بينهن في ذلك. (و) يسن لسيد تسوية (في (٢) قسم بين إمائه) اللاتي يستمتع بهن؛ ليكون ذلك أطيب لقلوبهن. ولا قسم عليه فيهن بدليل قول الله سبحانه وتعالى:{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم مارية القبطية وريحانة فلم يكن يقسم لهما.
ونصرها ابن عقيل وابن نصر أبو الحسن الزاغوني (في المفردات وغيرهم كأبي (٧) ) حفص وأبي يعلى الصغير في مفرداته وصاحب الوسيلة لقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: ٣] وقوله -عليه السلام-: "يا معشر الشباب مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فليصم فإن الصوم له وجاء" متفق عليه، والأمر في الأصل للوجوب .
والمشهور في المذهب الذي عليه القاضي والشيخان والشارح وابن عقيل في التذكرة واختاره ابن حامد والشريف أبو جعفر وصاحب المنتهى والإقناع وغيرهم أنه ليس بواجب إلا أن يخاف على نفسه الوقوع في محظور بتركه فيلزمه إعفاف نفسه وهو قول أكثر الفقهاء، لأن الله تعالى حين أمر به علقه على الاستطابة بقوله تعالى : {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} والواجب لا يقف على الاستطابة وقال تعالى : {مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: ٣] ولا يجب ذلك بالاتفاق فدل على أن المراد بالأمر الندب، كذلك الخبر يحمل على الندب أو على من يخشى على نفسه الوقوع في المحظور بترك النكاح.
وقال عز وجل : ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ، ولأن عثمان بن مظعون رضي الله عنه قال: لو أذن لنا رسول الله ﷺ لاختصينا، ولكن نهانا عن التبتل ، يعني ترك النكاح؛ وذلك لما في النكاح من المصالح الكثيرة التي من أجلها صار سنة، ولأنه من ضرورة بقاء الأمة؛ لأنه لولا النكاح ما حصل التوالد، ولولا التوالد ما بقيت الأمة،
لأنه قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، فجعل الاقتصار على واحدة فيما إذا خاف عدم العدل، وهذا يقتضي أنه إذا كان يتمكن من العدل فإن الأفضل أن ينكح أربعاً؟
فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ، أي: اتركوهن والباب أمامكم مفتوح لكم، إلا أنه لا يمكن أن تتزوجوا أكثر من واحدة إذا كان في حال خوف عدم العدل، فيكون المعنى هنا بيان الإباحة لا الترغيب في التعدد.
وما الدليل على أنه لا يصح إلا بهذين اللفظين؟ ليس هناك دليل، لا في القرآن، ولا في السنة أنه لا يصح النكاح إلا بهذا اللفظ، لكن يقولون: لأنهما اللفظان اللذان ورد بهما القرآن، ففي القرآن الكريم: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ، ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ، فاللفظان اللذان ورد بهما القرآن هما النكاح والزواج، فلا نتعداهما، فنقتصر على الألفاظ الواردة؛ وذلك لعظم خطر النكاح، فهو أعظم العقود خطراً وأشدها تحرياً، ولا شك أن هذا التعليل عليل، بل هو ميت.
من القرآن أن الله قال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ، فأطلق النكاح، وعلى هذا فكل ما سمي نكاحاً عرفاً فهو نكاح، ولم يقل: فانكحوا ما طاب لكم من النساء بلفظ الإنكاح أو التزويج، ولا قال: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ بلفظ الإنكاح أو التزويج، فلما أطلق العقد رجعنا في ذلك إلى العرف.
وقال بعض العلماء: إنه لا يجوز؛ لأنه حجر على الزوج فيما أباح الله له، فهو مخالف للقرآن: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ، فيقال في الجواب على ذلك: هي لها غرض في عدم زواجه، ولم تعتدِ على أحد، والزوج هو الذي أسقط حقه،
فلا يجب عليه أن يقسم بينهن لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ، فدل هذا على أن ملك اليمين لا يجب فيه العدل،
على نفقتها إِن عدم كسبها . كتاب النكاح الأصل في مشروعيته الكتاب، والسنة، والإجماع، وذكر غير واحد من العلماء أنهم اتفقوا على أنه من العقود الشرعية، المسنونة بأصل الشرع، قال تعالى {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} وقال صلى الله عليه وسلم «تزوجوا، فإني مكاثر بكم الأمم» وغير ذلك.
ما يختلف به عدد الطلاق وهو معتبر بالرجال في عدد الطلاق، وخالص حق الزوج، لمالكه لها حال الوقوع، قال تعالى {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} وقال صلى الله عليه وسلم «إنما الطلاق لمن أخذ بالساق» .
(حرم) وطؤها (بملك اليمين) لأنه إذا حرم النكاح لكونه طريقا إلى الوطء فلأن يحرم الوطء بطريق الأولى، (إلا الأمة الكتابية) فيحرم نكاحها لأجل إرقاق الولد وبقائه مع كافر وذلك معدوم في ملك اليمين فلا يحرم وطؤها به ولعموم قوله تعالى {أو ما ملكت أيمانكم}،
والمَشْهُورُ في المَذْهَبِ أنَّه ليس بواجِبٍ، إلَّا أن يَخافَ على نَفْسِه الوُقُوعَ في مَحْظُورٍ بتَرْكِه، فيَلْزَمُه إعْفافُ نَفْسِه. وهو قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى حينَ أمَرَ به عَلَّقَه على الاسْتِطابَةِ بقولِه:{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}. والواجِبُ لا يَقِفُ على الاستِطابَةِ. وقال:{مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ}.
وقال هؤلاء غيرَ أبي حنيفةَ: إذا زَوَّجَ الصَّغِيرَين غيرُ الأبِ، فلهما الخِيارُ إذا بَلَغَا؛ لقولِ اللهِ تعالى:{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}. مَفْهُومُه أنَّه إذا لم يَخفْ فله تَزْويجُ اليَتِيمَةِ، واليَتِيمَةُ التي لم تَبْلُغْ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ».
قال عُرْوَةُ: سألتُ عائشةَ عن قولِ اللهِ تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى}. قالتْ: يا ابنَ أُخْتِي، هذه اليَتِيمَةُ تكونُ في حِجْرِ وَلِيِّها، يُعْجِبُه مالُها وجمالُها، يُرِيدُ أن يَتَزَوَّجَها بغيرِ أن يُقْسِطَ في صَداقِها، فيُعْطِيَهَا مثلَ ما يُعْطِيها غيرُه، فنُهوا عن نِكاحِهِنَّ إلَّا أن يُقْسِطُوا فِيهنَّ، ويَبْلُغوا أعْلَى سُنَّتِهِنَّ في الصَّداقِ. مُتَّفَقٌ عليه . ورَوَتْ عائشةُ أنَّ جاريةً بِكْرًا زَوَّجَها أبُوها وهي كارِهَةٌ، فَخَيَّرَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - .
والصحيحُ أنَّها لا تُحَرِّمُ، لأنَّ الحِلَّ ثابِت بقولِه تعالى:{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ}. ومُخالفَةُ ذلك إنَّما تَثْبُتُ بقولِه تعالى:{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ}. والمُرادُ به الجَمعُ في العَقْدِ أو الوَطْءِ، ولم يُوجَدْ واحدٌ منهما، ولا ما في مَعناهما.
٣١٤٩ -
وإن شاءَ فَضَّلَ، وإن شاء اسْتَمْتَعَ ببعْضِهنَّ دُونَ بعْض؛ بدليلِ قولِه تعالى:{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}. وقد كان للنَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مارِيَةُ القِبْطِيَّةُ ورَيْحانَةُ، فلم يَكُنْ يَقْسِمُ لهما. ولأَنَّ الأمةَ لا حَقَّ لها في الاسْتِمْتاعِ، ولذلك لا يَثْبُتُ لها الخِيَارُ بجَبِّ السّيِّدِ ولا عُنَّتِه، ولا تُضْرَبُ لها مُدَّةُ الإِيلاءِ.
٣٣٦٨ -
وأما كونهم لهم ذلك على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال:{وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء}. دلت الآية بمفهومها أن تزويجها إذا أقسطوا جائز. وقد فسرته عائشة رضي الله عنها بذلك.
أما كون السيد لا قَسْم عليه في ملك يمينه؛ فلأن الله تعالى قال:{فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم}. وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم مارية القبطية وريحانة. فلم يكن يقسم لهما.
وفي المجرد، وأبو محمد لظاهر قول الله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النساء: ٣] الآية، مفهومه إذا لم يخف يجوز له أن يتزوجها،
لظاهر قول الله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} [النساء: ٣] الآية، مفهومه أنا إذا لم نخف لنا تزويج اليتيمة. ٢٤٥١ - وقد فسرته عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بذلك، واليتيمة من لم تبلغ، ولا أب لها،
لظاهر قول الله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النساء: ٣] الآية مفهومه أنه إذا لم نخف لنا تزويج اليتيمة، وهو شامل لمن لها دون التسع، ويفيد النكاح على هذه الرواية الحل والإرث، قاله أبو البركات، فيكون النكاح صحيحا، وخيارها كخيار المعتقة تحت عبد، وظاهر كلام ابن أبي موسى أنه لا يفيدهما، لأنه جعله موقوفا،
وقيل: لا يصح النكاح بذلك في الصورتين، قال ابن عقيل: وهو الأشبه بالمذهب، لعدم لفظ الإنكاح والتزويج، والله أعلم. [الجمع بين أربع نسوة] قال: وليس للحر أن يجمع بين أكثر من أربع زوجات. ٢٤٧٤ - ش: هذا كالإجماع، ويدل عليه ما روي «عن قيس بن الحارث، قال: أسلمت وعندي ثماني نسوة، فأتيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «اختر منهن أربعا، وفارق سائرهن» رواه أبو داود، وابن ماجه، وإذا منع من الزيادة على أربع في الدوام، ففي الابتداء أولى، وبهذا قيل إن الواو في قوله سبحانه: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: ٣] بمعنى «أو» لا عاطفة، وقد فهم من قول الخرقي، أن له أن يتسرى بما شاء، ولا نزاع في ذلك، لقوله سبحانه: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: ٣] .
٢٤٧٧ - وقد روي عن الحكم بن عتيبة قال: أجمع أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أن العبد لا ينكح أكثر من اثنتين. وبهذا يتخصص عموم الآية أو يقال الآية إنما تناولت الحر لأن فيها {أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: ٣] والعبد لا يملك،