احتجوا: بقوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [إلى قوله] : {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} . قالوا: كفارة اللغو المنعقدة وان كانت هذه اليمين ليست بلغو كانت منعقدة،
ثم قال: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم} . فكل حالف يجب أن تكون ذلك كفارته إلا ما خصه دليل، والحالف اسم لمن حلف على الماضي، قال الله تعالى: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر} . فسمى الغموس حالفًا.
فأما قوله تعالى في سوره البقرة: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} . فالمراد به مؤاخذة المأثم. وقوله في سوره المائدة: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} . المراد به المؤاخذة بإيجاب الكفارة دون المأثم، بدلالة أن الكفارة تتعلق بالمؤثم فيه وبما يجب فيه الحنث إذا حلف لا يصلى، أو ليقتلن فلانًا.
وقوله: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} . الحنث مضمر فيه عند مخالفنا، فالمضمر: قد كنتم حنثتم، وعنانا: إذا خلفتم خنثتم. وما قلناه أولى؛ لأنه قال: {واحفظوا أيمانكم} . واليمين التي يؤمر لزم بحفظها هي التي أمكن فيها البر والحنث،
وكفارتها: {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ} . وهو مخير بين تقديم الكفارة على الحنث أو تأخيرها عنه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير" وروى: "فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" .
ويجب لها في القوت الخبز؛ لأنه المقتات في العادة. وقال ابن عباس في قَوْله تَعَالَى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} . الخبز والزيت، وعن ابن عمر: الخبز والسمن، والخبز والزيت، والخبز والتمر.
واليمين على أربعة أضرب: يمين منعقدة تجب الكفارة بالحنث فيها، وهي اليمين على مستقبل متصور، عاقدا عليه قلبه، فتوجب الكفارة، لقول الله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} .
يقول الله تعالى: (فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون) (١)
فالحلف بالله تعالى أو بصفة من صفاته مشروع، وحكمة مشروعيته الحث على الوفاء بالعقد مع ما فيه من تعظيم الله تعالى. ودليله الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغوفي أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} .
إثماً ممن كان قتله خطأ، فكانت الكفارة به أليق ممن كان قتله خطأ، وقد اتفقوا على وجوب الكفارة في القتل الخطأ، فلأن تجب عليه في العمد أولى، فطردوا هذا في كفارة اليمين الغموس، الواجبة بانص، قال تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الإيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين} الآية.
"والمنعقدة ما يحلف على أمر في المستقبل أن يفعله أو لا يفعله وإذا حنث في ذلك لزمته الكفارة" لقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ وهو ما ذكرنا
فصل في الكفارة] قال: "كفارة اليمين عتق رقبة يجزي فيها ما يجزي في الظهار وإن شاء كسا عشرة مساكين كل واحد ثوبا فما زاد وأدناه ما يجوز فيه الصلاة وإن شاء أطعم عشرة مساكين كالإطعام في كفارة الظهار" والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآية وكلمة أو للتخيير فكان الواجب أحد الأشياء الثلاثة
قال في (الحواشي اليعقوبية) : لقوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الإيمان} (المائدة: ٨٩) (وفيها الكفارة) لقوله تعالى: {واحفظوا أيمانكم) (المائدة: ٨٩) ولا يتأتى الحفظ والهتك إلا في المستقبل، وقوله
وفي (الخانية) لو أعطى عشرة كل واحد مدا مدا فاستغنوا ثم افتقروا، وأعاد عليهم مدا مدا عن أبي يوسف لا يجوز لأنهم لما استغنوا بطل ما أدى فصار كما لو أدى إلى مكاتب مثلا فرد في الرق ثم كوتب ثانيا فأعطاه مدا لا يجوز (أو كسوتهم) [٢٧٩/أ] لقوله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} (المائدة: ٨٩) الآية والتخيير / لا يمنع صحة التكليف كما ظنه من أوجب الكل مع السقوط بالبعض لأن صحته بإمكان الأمثال وهو ثابت بفعل أحدهما وقد قالوا: لو فعل الكل وقع عن الكفارة ما كان أعلى قيمة فإن
لقوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} : (واليمين اللغو: أن يحلف على أمر ماض) مثل أن يحلف على شيء أنه فعله أو لم يفعله (وهو يظن أنه كما قال، و) كان (الأمر بخلافه) وقد يقع على الحال مثل أن يحلف أنه زيد وإنما هو عمرو، فالفارق بينه وبين الغموس تعمد الكذب،
(وإن شاء أطعم عشرة مساكين) كل مسكين نصف صاع من برأ ودقيقه أو صاعاً من شعير أو تمر أو أكلتين مشبعتين (كالإطعام) المار (في كفارة الظهار) والأصل فيه قوله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} الآية، وكلمة "أو" للتخيير؛ فكان الواجب أحد الأشياءؤ الثلاثة، هداية
(فإن لم يقدر على أحد الأشياء الثلاثة) المذكورة (صام ثلاثة أيام متتابعات) ، لقوله تعالى:{فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه "متتابعات" وهي كالخبر المشهور كما في الهداية،
لا إن كان غير قوي فغموس وأولى الشك "ثم يتبين له خلافه" وقوله: "فلا كفارة عليه" تكرار ذكره ليترتب عليه قوله: "ولا إثم" وإنما لم يكن عليه إثم لقوله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ}
والله سبحانه أعلم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اليمين الغموس تدع الديار بلاقع أي خالية، قال ابن حبيب: وهي اليمين الكاذبة وهي من الكبائر، وليتب إلى الله تعالى الحالف بها، ويتقرب إليه بما قدر عليه من عتق وصدقة وصيام. عبد الوهاب: وإنما قلنا إنها لا كفارة فيها خلافا للشافعي، لقوله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} ، وهذه يمين غير منعقدة، ومفهوم قوله: "بلا تبين صدق" ، أنه لو تبين صدق ما حلف عليه لم تكن غموسا فلا إثم عليه وهو المتبادر من المدونة وعليه حملها ابنُ الحاجب وعليه حمل ابن عتاب لفظ العتبية، وحمل غير واحد المدونة على أنه وافق البر في الظاهر،
قال ابن رشد: وكذلك من حلف بالمشي أو بالصدقة وما أشبه ذلك مما فيه قربة، على قول من يقول إن فيه كفارة يمين. انتهى. نقله الإمام الحطاب عن الشيخ أبي الحسن. قال: ونصه -يعني ابن رشد-: لا اختلاف أعلمه في المذهب أن اللغو لا يكون إلا في اليمين بالله أو بشيء من صفاته وأسمائه أو في نذر لا يسمى له مخرج؛ لأن الله لم يذكره إلا في اليمين التي أوجب فيها الكفارة، فقال تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} ، ويجيء على من أوجب كفارة اليمين بالله في الحلف بالمشي والصدقة وما أشبه ذلك مما فيه قربة وطاعة أن يكون اللغو في ذلك.
وإما أن يعطي كل مسكين منهم رطلين من الخبز بالرطل البغدادي وهو مائة وثمانية وعشرون درهما مكيا. والرطل البغدادي مد وثلث بمده صلى الله عليه وسلم. قاله الشيخ إبراهيم. واعلم أن الرطلين مقيسان على المد فإنه الوارد ويكون ذلك من وسط عيشهم، لقوله تعالى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} ، ويجزئ أن يكون الرطلان بلا إدام، ولكن يندب كونهما بإدام يكفي الرطلين، والإدام يكون مما يؤتدم به عادة وقد علمت أن حكم الإدام الندب وأن القفار وهو الذي لا إدام فيه مجزئ، ويقال طعام قفار وحت وسحتيت وعفير وعفار إذا كان لا إدام فيه، وقوله: "بإدام" ، الباء بمعنى مع، وقول المص: "بإدام" ، ظاهره أي إدام كان فشمل اللحم واللبن والزيت والبقل والقطنية، وقول ابن عباس: أعلاه اللحم ووسطه اللبن وأدناه الزيت مذهب صحابي مذكور هنا كالمقابل لما قبله الشامل للبقل والقطنية كما يفيده الش.
قوله: "ثم صوم" ، لقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} ابن المواز: بأن لا يجد إلا قوته مثلا أو كسوته في بلد لا يعطف عليه فيه ويخاف الجوع، وحكاه ابن مزين عن ابن القاسم. اللخمي: وهذا حرج، ومقتضى الدين التوسعة فوق هذا. الباجي: المعتبر ما يفضل عن قوت يومه مما يحصل به أقل ما يجزئ من الثلاث. ابن ناجي: عن بعض شيوخه: الأقرب عجزه عما يباع في فلسه.
ومن منع التقديم تمسك بالضمر أي: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} ؛ أي فحنثتم فلا بد في سببية الكفارة من اجتماع أمرين: الحلف والحنث، فإخراجها عليه قبل حصولهما معا إخراج قبل سببها، فلا تجزئ كما لو أخرجها قبل الحلف، وأجيب بأن حصول المجموع يعتبر في جانب الوجوب والنزاع إنما هو في جواز التقديم وتنازع الفريقان أيضا، في قوله صلى الله عليه وسلم: (من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا وليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير (١) ).
وإن لم ينو فليطعم كل مسكين مدا بمد النبي صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى: {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} ، فكان مدا لكل مسكين. انتهى. ابن رشد: ليس هذا بواجب عند مالك، وإنما ذلك استحسان منه. والله أعلم. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وقوله: "وصيام بثغر" ،
وإن لم ينوه فليطعم كل مسكين مدا بمد النبي -صلى الله عليه وسلم-، لقوله جل وعز: {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} ، فكان مدا لكل مسكين. ابن رشد: ليس هذا واجبا عند مالك وإنما ذلك استحسان منه، وسئل ابن أبي زيد عمن حلف بالصدقة وعليه دين، فأجاب: يؤدي دينه ومهر امرأته،
وخرج بتحقيق أمر: لغو اليمين الآتي، وبالمحتمل المراد به هنا غيره وهو الواجب فقط: كقوله والله لاموتن، فليس بيمين لامتناع الحنث فيه: أي مخالفة المحلوف عليه، فلا إخلال فيه بتعظيم اسمه تعالى والأصل فيها قبل الإجماع آيات كقوله تعالى: * (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان) *.
قال: (مما يكون فطرة) المراد: من الجنس المخرج فيها؛ لقوله تعالى:{مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} وهو غالب قوت البلد، فلا يجزئ الدقيق والسويق والخبز ولا اللحم، ويجزئ اللبن كما صححه الشيخان في (زكاة الفطر)، وصحح المصنف هنا في (التصحيح) أنه لا يجزئ، وهو خلاف المذكور في سائر كتبه.
فأما اعتبار مدين للموسر .. فلأنها مقدرة بالاجتهاد؛ لأنها لو اعتبرت بقدر الحاجة .. لسقطت نفقة المريضة ومن هي مستغنية بالشبع في بعض الأيام، فألحقت بما يشبهها وهي الكفارة؛ لأنها طعام وجب بالشرع لسد الجوعة، ولهذا اعتبر الله تعالى طعام الكفارة بنفقة الأهل بقوله:{مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} وأكثر ما في الكفارة للواحد مدان في كفارة الحلق ونحوه، وأقله مد في اليمين وغيرها، فهنا كذلك، والمتوسط لو ألزم المدين ..
قال: (وتصح على الماضي والمستقبل) ؛ لأن لفظ اليمين يقع عليها, قال تعالى:{ولَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ} , فعم الماضي والمستقبل, وقال:{يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا} , وقال:{ويَحْلِفُونَ عَلَى الكَذِبِ وهُمْ يَعْلَمُونَ}.
قال: (فصل: يتخير في كفارة اليمين بين عتق كالظهار, وإطعام عشرة مساكين؛ كل مسكين مد حب من غالب قوت بلده, وكسوتهم بما يسمى كسوة كقميص أو عمامة أو إزاز)؛ لقوله تعالى:{فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} الآية, وهي تشمل على تخبير في الابتداء وترتيب في الانتهاء, وليس لنا كفارة فيها ذلك إلا هي وما ألحق بها من نذر اللجاج والغضب, وانعقد الإجماع على التخبير فيها.
(وينبغي أن يكون) ما يخرجه (بأُدُم) ليكفي المساكين المؤنة على قياس الكفَّارة (و) إخراج الفِدية (مما يأكله أفضل من بُرٍّ وشعير) وغيرهما كالكفَّارة، وخروجًا من خلاف من أوجبه؛ لظاهر قوله تعالى:{مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}.
(فإن كان قوتُ بلده غيرَ ذلك، كالذُّرَة، والدُّخْن، والأرز؛ لم يَجْز إخراجه) لأن الخبر ورد بإخراج هذه الأصناف في الفطرة، فلم يَجْزِ غيرها، كما لو لم يكن قوت بلده. واختار أبو الخطاب والموفَّق وغيرهما: يجزئ؛ لقوله تعالى:{مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}.
وفي "المغني": هذا أحسن، أي - (إجزاء الخُبْز) لقوله تعالى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} وهذا من أوسط ما يُطعِم أهله، وليس الادّخار مقصودًا في الكفَّارة، فإنها مقدَّرة بما يقوت المسكين في يومه، وهذا مُهيّأ للأكل المعتاد للاقتيات،
(وهي) المنعقدة (التي يمكن فيها البِرُّ والحنث) لأن اليمين للحثِّ والمنع (بأن يقصد عَقْدها على مستقبل) لقوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} فأوجب الكفَّارة في الأيمان المنعقِدة، فظاهره إرادة المستقبل من الزمان؛ لأن العقد إنما يكون في المستقبل دون الماضي.
(وإن قال: والله ليفعلن فلان كذا، أو) : والله (لا يفعلن) فلان كذا، فلم يُطعه (أو حلف على حاضر فقال: والله لتفعلنَّ) يا فلان (كذا، أو: لا تفعلنَّ كذا، فلم يُطِعْه؛ حَنِثَ (٢) الحالف) لعدم وجود المحلوف عليه (والكفارة عليه) أي: الحالف، في قول ابن عمرَ والأكثر ، و (لا) تجب الكفَّارة (على من أحنثه) لظاهر قوله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ}.
والأصل في ذلك قوله تعالى:{فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ. . .} الآية . (فيخيَّر مَنْ لزمته بين ثلاثة أشياء: إطعام عشرة مساكين مسلمين أحرارًا، ولو صغارًا) كالزكاة (جنسًا (٢) كان المُطْعَمُ) كأنْ يطعمهم بُرًّا (أو أكثر) من جنس، كأنْ أطعم البعضَ بُرًّا، والبعضَ شعيرًا، والبعضَ تمرًا، والبعضَ زبيبًا. (أو كِسْوتُهم) أي: العشرة مساكين. (أو تحرير رقبة) مؤمنة، كما تقدم في الظِّهار .
والمساكين الذي تجزئ كسوتهم هم الذين يجزئ إطعامهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: (إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) فينصرف الضمير إليهم.
من رام تكفيرًا فبالدقيق ... أصلًا فجوزه وبالسويق أي: يجزئ في سائر الكفارات إخراج دقيق البر والشعير وسويقهما لكن يزيد بقدر ما يبلغ المخرج حد الإجزاء بوزن حبه لقوله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [المائدة: ٨٩] ، والدقيق من أوسط ما يطعمه أهله
قال في الإنصاف : وهو الصواب وصححه في التصحيح وجزم به الآدمي في منتخبه قال الزركشي: اختاره القاضي وأصحابه ذكره في كتاب الظهار لقوله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} وهذا من أوسط ما يطعم أهله ، وليس الإدخار مقصودًا في الكفارة فإنها مقدرة بما يقوت المسكين في يومه.
والطفل إن لم يغذ بالطعام ... وهو حقيق من ذوي إعدام فامنعه من كفارة زكاة ... والمجد في الزكاة لا يواتي يعني: (أن) الصغير الذي لا يأكل الطعام إذا كان فقيرًا أو مسكينًا لا يعطى من الكفارة ولا الزكاة لقوله تعالى: {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} وهذا يقتضي أكلهم له،
القسم الثالث: ما قدر فيه الآخذ المعطى دون المدفوع، مثل: كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة الجماع في نهار رمضان، ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ .
والله عز وجل يقول: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ حذف المفعول به، فلم يقل سبحانه وتعالى :«فلم يجد هدياً»، ولم يقل:«فمن لم يجد ثمن الهدي» من أجل العموم،
ويصح «فالقيمةَ» بالنصب، والتقدير فيرد القيمةَ، فقوله:«فإن أعوز المثل»، أي: أعسر أو تعذر، بمعنى أنه عند الوفاء لم يجد المقترض مِثْلاً فنرجع إلى القيمة، والعلة أنه إذا تعذر الأصل رجعنا إلى البدل وهو القيمة، حتى في العبادات ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ ، لكن بماذا يكون الإعواز؟
وقال بعض أهل العلم: إنه إذا لم ينوه فإنه لا يقع؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ مع أن اليمين له حكم معلق عليه،
وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ حتى اليمين إذا حلف الإنسان وهو لم يعقدها لم تكن شيئاً، قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ ، وعلى هذا فلا تطلق زوجته بذلك، ولا يعتق عبده بذلك، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
وكذلك في كفارة القتل، ولكن كفارة اليمين للتخيير؛ لأنه بدأ بالأخف ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وانظر إلى فدية الأذى إذا كان الإنسان مُحْرماً، واحتاج إلى حلق رأسه فحَلَقَهُ ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ . فالنسك الأشد، ثم الصدقة، ثم الصيام، فهؤلاء يقولون: إن «أو» في الآية للتنويع، وأنها على حسب الجريمة؛ لأن عهدنا بالقرآن أن الشيء إذا كان على الترتيب بدأ بالأغلظ،
فأما الذين قالوا: إنه يكفي التمييز، فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ ، وقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ، فقالوا: هذا عام، وهذه يمين، وانعقادها والحنث فيها ليس من باب الأحكام التكليفية، ولكنه من باب الأحكام الوضعية، أي أنه سبب وُضع على مسبب. فالصبي لو قتل إنساناً وجبت عليه الكفارة وإذا حنث في اليمين تجب عليه الكفارة.
وقوله:«الذي يجري على لسانه بغير قصد» يعني يطلقه لسانه وهو لا يقصده، وهذا ليس فيه كفارة بنص القرآن، قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ ، ولغو اليمين يخرج من القيد السابق في اليمين المنعقدة، وهو قوله:«قُصِد عقدها»، ولغو اليمين لم يقصد عقدها، فلا تكون يميناً منعقدة. «كقوله: لا والله، وبلى والله» والدليل على أن هذا من لغو اليمين قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ، ولا تكسب القلوب إلا ما قصد؛
وقوله:«يخير من لزمته» احترازاً ممن لا تلزمه. «بين إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو عتق رقبة» انتقد النحويون على الفقهاء كلمة «أو» في هذا المكان؛ لأنها لا تستقيم مع التخيير، وكان عليهم أن يقولوا: يخير بين إطعام عشرة مساكين، وكسوتهم، وتحرير رقبة، ولا نستدل بالآية الكريمة؛ لأن الآية الكريمة فيها: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ليس فيها «يخيَّر»، فـ (أو) لا حاجة لنا أن نأتي بها، لأنا إذا أتينا بها جمعنا بين الفعل الدال على التخيير، والحرف الدال على التخيير، وهذا لا حاجة إليه.
والإطعام له كيفيتان:
الأولى: أن يصنع طعاماً يكفي عشرة مساكين ـ غداء أو عشاءً ـ ثم يدعوهم؛ وذلك لأن الله ـ تعالى ـ أطلق فقال: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ فإذا صنع طعاماً وتغدّوا، أو تعشوا فقد أطعمهم.
الثانية: التقدير، وقد قدَّرناه بنحو كيلو من الأرز لكل واحد، فيكون عشرة كيلوات للجميع، ويحسن في هذه الحال أن يجعل معه ما يؤدِّمه من لحم أو نحوه، ليتم الإطعام؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾.
فنقول: أما الإطعام فقد قال الله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، و «أوسط» بمعن وسط، وليس بمعنى الأعلى، استدلالاً بقول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن:«وإياك وكرائم أموالهم»
وقوله:«أو عتق رقبة» العتق هو تحرير الرقبة وتخليصها من الرق، وهو مطلق، فظاهره أن الرقبة تجزئ ولو كانت كافرة، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة، وأصحابه، وابن المنذر، وجماعة من أهل العلم، قالوا: لأن الله ـ تعالى ـ قال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وأطلق،
وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾، ولم يقل: متتابعة، والأصل عدم التتابع والله تعالى لما أراد التتابع قال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ ،
قالوا: فيلزمه كفارة لكل يمين، ففي هذه الحال يلزمه ثلاث كفارات، وعللوا ذلك بعموم الآية: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ ، وهذه أيمان متعددة فيلزمه كفارات بعددها، كما لو قتل المحرم صيداً كعشر حمامات، فالموجَب واحد وهو مثل ما قتل من النعم، فيلزمه عشر شياه، قالوا: فهذا مثله؛ لأن السبب متعدد، وكل يمين مستقلة بنفسها.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ ووجه الدلالة من الآية أنه إذا رُجِع إلى النية في أصل اليمين، هل هي يمين منعقدة أو غير منعقدة؟ فلأن يرجع إليها في المراد باليمين من باب أولى.
وقال: هو قول جمهور العلماء، مالك والشافعي وأحمد وغيرهم. واحتج بقوله {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} وبقوله «صاع من طعام» والطعام قد يكون برًا أو شعيرًا،
وكذلك في سائر الكفارات، إذا أعطاه مما يقتات به، مع أدمه فهو أفضل من أن يعطيه حبًّا مجردا، إذا لم يكن عادتهم أن يطحنوا بأيديهم، ويخبزوا بأيديهم، والواجب في ذلك كله ما ذكره الله بقوله: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} ورجح أيضا أنه يرجع إلى العرف فيه، فيطعم كل مما يطعمون أهليهم، وذكر قصة كعب لما كانوا يقتاتون التمر، أمره أن يطعم منه.
كفارة للقتل . والوطء في نهار رمضان والأَيمان أي وكفارة للأيمان، قال تعالى: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} إلى قوله: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} .
وإذا حنث وجبت عليه الكفارة اهـ لأن العقد إنما يكون فيه دون الماضي، قال تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} .
مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أي فكفارة ما عقدتم الأيمان إذا حنثتم {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} أي: من خير وأمثل قوت عيالكم، أو كسوتهم ما يصح أن يصلي فيه، أو عتق رقبة
(وحرم حلف؛) ذات (غير الله و) غير (صفاته) لحديث «من حلف بغير الله فقد كفر» أو شرك رواه الترمذي وحسنه سواء أضاف الحلف به إليه تعالى كقوله ومخلوق الله أولا كقوله والكعبة وأبى (ولا كفارة) فيه ولو حنث ونص إلا في بمحمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) . (ولوجوبها) أي الكفارة باليمين (أربعة شروط) : أحدها (قصد عقد اليمين) لقوله تعالى {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ}،
لقوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ} وفي قراءة ابن مسعود «متتابعة» كصوم المظاهر بجامع أنه صوم في كفارة لا ينتقل إليه إلا بعد العجز عن العتق،
قلتُ: إنَّما قال اللهُ تعالى: {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}. فهذا قد أطْعَمَهم، وأوْفَاهم المُدَّ. قال: أرْجُو أن يُجْزِئَه. وهذا قولُ بعْضِ أصحابِ الشافعيِّ. ونَقَلَ الأثْرَمُ، في موضِعٍ آخَرَ، أنَّ أحمدَ سألَه رجلٌ عن الكفَّارَةِ، قال: أُطْعِمُهم خُبْزًا وتَمْرًا؟ قال: ليس فيه تَمْرٌ. قال: فخُبْزٌ؟ قال: لا، ولكن بُرًّا أو دَقِيقًا بالوَزْنِ، رَطْلٌ وثُلُثٌ لكُلِّ مِسْكينٍ. فظاهِرُ هذا أنَّه لا يُجْزِئُه. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه خرَجَ عن حالةِ الكَمَالِ والادِّخارِ، فأَشْبَه الهَرِيسَة.
قال شيخُنا : والأوَّلُ أحْسَنُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال:{إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}. وهذا مِن أوْسَطِ ما يُطْعِمُ أهْلَه، وليس الادِّخارُ مقْصُودًا في الكفَّارَةِ، فإنَّها مُقَدَّرَة بما يَقُوتُ المسكينَ في يومِه، فيدُلُّ ذلك على أنَّ المقْصُودَ كفَايَتُه في يومِه، وهذا قَد هَيَّأَه للأكْلِ المُعْتادِ لِلاقْتِياتِ، وكَفاهم مُؤْنَتَه، فأشْبَهَ ما لو نَقَّى الحِنْطَةَ وغَسَلَها.
وقال أبو الخَطَّابِ: عندِي أنَّه يجْزِئُه الإِخْراجُ مِن جميعِ الحُبُوب التي هي قُوتُ بَلَدِه؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال:{مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}. وهذا ممَّا يُطْعِمُه أهْلَه، فوَجَبَ أن يُجْزِئَه بظاهرِ النَّصِّ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وقال الشافعيُّ: لا يُجْزِئُ؛ لأنَّه ليس بحَالِ الكَمالِ، لأجْلِ ما يَفوتُ به مِن وُجُوهِ الانْتِفاعِ، فأشْبَهَ الهَرِيسَةَ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى:{فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}. والدَّقِيق مِن أوْسَطِ ما يُطْعِمُه أهلَه، ولأنَّ الدَّقِيقَ أجْزَاءُ الحِنْطَةِ، وقد كَفاهم مُؤْنَتَه وطَحْنَه، وهَيَّأه وقَرَّبَه مِن الأكْلِ، وفارَقَ الهَرِيسَةَ، فإنَّها تَفْسُدُ عن قَرِيبٍ، ولا يُمْكِنُ الانْتِفاعُ بها في غيرِ الأكْلِ في تلك الحالِ،
وقال الشافعيُّ: نَفَقةُ المُقْتِرِ مُدٌّ بمُدِّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّ أقَلَّ ما يُدْفَعُ في الكَفَّارَةِ مُدٌّ، واللهُ سُبْحانه اعْتَبَرَ الكَفَّارَةَ بالنَّفَقةِ على الأهْلِ، فقال سبحانه:{مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}. وعلى المُوسِرِ مُدَّان؛ لأنَّ أكثرَ ما أوْجَبَ اللهُ سبحانه للواحدِ مُدَّينِ في فِدْيَةِ الأذَى، وعلى المُتَوَسِّطِ مُدٌّ ونِصْفٌ، نِصْفُ نَفَقةِ الفَقِيرِ ونِصْفُ نَفَقةِ المُوسِرِ. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لهِنْدٍ:«خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ».
وقال بعْضُهم: يَجِئُ على قولِ أصْحابِنا؛ أنَّه لا يجوزُ وإن تَراضَيا عليه؛ لأنَّه بَيعُ حِنْطَةٍ بجِنْسِها مُتَفاضِلًا. ولَنا، قولُ ابنِ عباسٍ، في قولِ اللهِ تعالى:{مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}. قال: الخُبْزُ والزَّيتُ. وعن ابنِ عمرَ: الخُبْزُ والسَّمْنُ، والخُبْزُ والزَّيتُ، والخُبْزُ والتَّمْرُ، وأفْضَلُ ما تُطْعِمُونَهُنَّ الخبزُ واللَّحْمُ . ففَسَّرَ إطْعامَ [الأهْلِ بالخُبْزِ مع غيرِه] مِن الأُدْمِ. ولأنَّ الشَّرْعَ ورَدَ بالإِيجابِ مُطْلَقًا مِن غيرِ تَقْدِيرٍ ولا تَقْيِيدٍ، فوَجَبَ أنْ يُرَدَّ إلى العُرْفِ، كما في القَبْضِ والإِحْرازِ، وأهْلُ العُرْفِ إنَّما يتَعارَفُونَ فيما بينَهم في الإِنْفاق على أهْلِيهم الخبزَ والأُدْمَ، دونَ الحَبِّ، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وصَحابَتُه إنَّما كانوا يُنْفِقُونَ ذلك، دُونَ ما ذكَرُوه، فكانَ ذلك هو الواجبَ، ولأنَّها نَفَقَةٌ قَدَّرَها الشَّرْعُ بالكِفايَةِ، فكان الواجِبُ الخُبْزَ، كنَفَقةِ العَبِيدِ، ولأنَّ الحَبَّ تَحْتاجُ فيه إلى طَحْنِه وخَبْزِه، فمتى احْتاجَتْ إلى تَكَلُّفِ ذلك مِن مالِها لم تَحْصُلِ الكفايةُ بنَفَقَتِه، وفارَقَ الإِطعامَ [في الكَفَّارةِ]، فإنَّها لا تَتَقَدَّرُ بالكِفايَةِ،
فإن لم يُمْكِنْه فكفَّارَةٌ واحدةٌ، ورَدُّه إلى واحِدَةٍ عندَ العَجْزِ، دليلٌ على أنَّ ما زادَ عليه غيرُ واجِبٍ. وكلامُ ابنِ مسعودٍ أيضًا يُحْمَلُ على الاخْتِيارِ، [والاحْتِياطِ] لكلامِ اللهِ، والمُبالغَةِ في تَعْظِيمِه، كما رُوِيَ عن عائِشَةَ، أنَّها أعْتَقَتْ أرْبَعِين رَقَبَةً حينَ حَلَفَت بالعَهْدِ، وليس ذلك بواجِبٍ. فعلى هذا، تُجْزئُه كفَّارَةٌ واحِدَةٌ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى:{وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}. وهذه يَمِينٌ، فتَدْخُلُ في عُمومِ الأَيمانِ المُنْعَقِدَةِ، ولأنَّها يَمِينٌ واحِدَةٌ، فلم تُوجِبْ كفَّاراتٍ، كسائِرِ الأيمانِ، ولأنَّ إيجابَ كفَّاراتٍ بعَدَدِ الآياتِ يُفْضِي إلى المَنْعَ من البِرِّ والتَّقْوَى والإِصْلاحِ بينَ النَّاسَ؛
ولأنَّ اللَّغْوَ في كلامِ العَرَبِ غيرُ المَعْقُودِ عليه، وهذا كذلك. وممَّن قال: لا كَفَّارَةَ في هذا؛ ابنُ عباسٍ، وأبو هُرَيرَةَ، وأبو مالكٍ، وزُرَارَةُ بنُ أوْفَى، والحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ، وممالكٌ. وهو قولُ مَن قال: إنَّه مِن لَغْو اليَمِينِ. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. ووَجْهُ ذلك قولُ اللهِ تعالى:{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}. فجَعَلَ الكفَّارَةَ لليَمِينِ التي يُؤْاخَذُ بها، ونَفَى المُؤاخَذَةَ باللَّغْو، فيَلْزَمُ انْتِفاءُ الكفَّارَةِ، ولأنَّ المُؤاخَذَةَ يَحْتَمِلُ أن يكونَ مَعْناها إيجابَ الكَفَّارَةِ، بدليلِ أنَّها تَجِبُ في الأيمانِ التي لا مَأْثَمَ فيها،
٤٧١٥ - مسألة: (وكَفَّارَةُ العَبْدِ الصِّيامُ، وليس لسَيِّدِه مَنْعُه منه. ومَن بَعْضُه حُرٌّ فَحُكْمُه في الكَفَّارَةِ حُكمُ الأحْرارِ) لا خِلافَ في أنَّ العَبْدَ يُجْزِئُه الصِّيامُ في الكَفَّارَةِ؛ لأنَّ ذلك فرْضُ المُعْسِرِ من الأحْرارِ، وهو أحْسَنُ حالًا من العَبْدِ، فإنَّه يَمْلِكُ في الجُمْلَةِ، ولأنَّ العَبْدَ داخِلٌ في قولِ اللهِ تعالى:{فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ}.
لأنَّه لا يَثْبُتُ له الوَلاءُ. منهم من قال: لا يُجْزِئُه إلَّا الصيامُ؛ لأنَّه مَنْقُوصٌ بالرِّقِّ، أشْبَهَ القِنَّ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى:{فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ}. وهذا واجِدٌ، ولأنَّه يَمْلِكُ مِلْكًا تامًّا، فأشْبَهَ الحُرَّ الكامِلَ، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يَثْبُتُ له الوَلاءُ،
كتاب الأيمان] الأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب؛ فقوله تعالى:{لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمان}، وقوله سبحانه:{ولا تَنقضوا الأيمان بعد توكيدها}.
وأما كون اليمين بذلك فيها كفارة واحدة على المذهب؛ فلأن الله عز وجل قال:{ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين}. وهذه يمين فتدخل في عموم الآية.
وأما كونه يخير فيها بين الثلاثة الأشياء المذكورة؛ فلأن الله تعالى قال:{فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة}. ذكر ذلك بلفظ:"أو" وهي للتخيير.
وأما كون من نصفه حر حكمه في الكفارة حكم الأحرار؛ فلأنه إذا كان قادراً على الإطعام أو الكسوة أو العتق لا يكون داخلاً في قوله تعالى:{فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام}. فلا يجزئه الصيام؛ لأنه واجد.
[اليمين المنعقدة] قال: ومن حلف أن يفعل شيئا فلم يفعله، أو لا يفعل شيئا ففعله فعليه الكفارة. ش: الأصل في هذا في الجملة قول الله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [المائدة: ٨٩] الآية.
٣٦٨١ - ويروى نحو هذا أيضا عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وحفصة، وزينب بنت أبي سلمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. ولا يعرف عن غيرهم خلافهم، ومثل ذلك لا يتقاصر عن تخصيص إطلاق الأمر بالوفاء بالنذر، ثم بالنظر إلى المعاني، وقد علم أن قول القائل: إن فعلت كذا فعلي الحج، ونحو ذلك ليس مقصوده الشرط ولا الجزاء، بل منع نفسه من ذلك، فهو كاليمين، فيدخل في قَوْله تَعَالَى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: ٨٩] الآية، وهذا
وإن شاء بعده.
٣٧٠٠ - لما روي «عن عبد الرحمن بن سمرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: قال لي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك. وائت الذي هو خير» . متفق عليه. وهذا أمر، وأقل أحواله الجواز، وللبخاري «فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك» ، وفي لفظ «إذا حلفت علي يمن، فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير» رواه أبو داود، والنسائي، وهذا أصرح من الذي قبله.
٣٧٠١ - وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير» رواه مسلم وغيره.
٣٧٠٢ - وعن أبي موسى الأشعري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها، إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير» ، أو قال: «أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني» هذا لفظ أبي داود، وعند النسائي في رواية «إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير» وهو في الصحيحين بنحو ذلك أيضا.
وظاهر كلام الخرقي أن التكفير قبل الحنث وبعده سواء في الفضيلة، لا ترجيح لأحدهما على الآخر، وهو اختيار أبي محمد، لورود الأحاديث بهذا تارة، وبهذا أخرى، فدل على استواء الأمرين، وقال ابن أبي موسى: بعده أفضل عند أحمد، للخروج من الخلاف، وإذا ينبغي براءة الذمة، إذ عند الحنفي لا يجزئ الإخراج إلا بعد الحنث، وكذلك عند الشافعي في الصوم فقط، وهذا المقتضي لتنصيص الخرقي على التسوية بين الصوم وغيره، وعورض الخروج من الخلاف بتعجيل النفع للفقراء. وظاهر كلام الخرقي أن التخيير جار وإن كان الحنث محظورا، وهو أحد الوجهين، إناطة بوجود السبب، (والوجه الثاني) : لا يجزئه، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا حلف على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير» والإتيان هنا ليس بخير، فلا يتناوله الأمر بالتقديم، على أن الملحوظ في التقديم الرخصة، والرخص لا تباح بالمعاصي.
(تنبيه) : الكفارة قبل الحنث محللة لليمين، قال الله تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: ٢] وبعد الحنث مكفرة، قال سبحانه: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: ٨٩] قال بعضهم: أي فحنثتم.
[الاستثناء في اليمين]
ونص هنا أيضا على جواز إخراج الخبز، (وهو إحدى الروايتين) عن أحمد، واختيار القاضي وعامة الأصحاب، لدخول ذلك في قوله: {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [المائدة: ٨٩] والخبز من أوسط طعام أهلينا، وعلى هذا جرى السلف.
٣٧٢٢ - فروى الإمام أحمد في التفسير، عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [المائدة: ٨٩] قال: الخبز واللبن،
(والثانية) - وهي اختيار ابن شهاب -: لا يجزئه مطلقا، اعتمادا على قَوْله تَعَالَى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [المائدة: ٨٩] فمن لم يطعم عشرة لم يمتثل الأمر. (والرواية الثالثة) - وهي اختيار الخرقي، والقاضي وأصحابه، وعامة الأصحاب -: لا يجزئه مع الوجود، لما تقدم في التي قبلها، ويجزئه مع العدم، إناطة بالعذر، إذ معنى الشيء يقوم مقامه عند تعذره، كما أقيم التراب مقام الماء عند تعذره،