وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرْوًۭا ١
Commentary
أقسم الله تعالى بالرياح المثيرات للتراب، فالسحب الحاملات ثقلا عظيمًا من الماء، فالسفن التي تجري في البحار جريًا ذا يسر وسهولة، فالملائكة التي تُقَسِّم أمر الله في خلقه. إن الذي توعدون به -أيها الناس- من البعث والحساب لكائن حق يقين، وإن الحساب والثواب على الأعمال لكائن لا محالة.
Muqatil ibn Sulayman 4/121Muqatil ibn Sulayman 4/121
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالذَّارِياتِ ذَرْواً- ١- يعنى الرياح «ذرت» ذروا فَالْحامِلاتِ وِقْراً- ٢- يعني السحاب موقرة من الماء فَالْجارِياتِ يُسْراً- ٣- يعني السفن مرت مرا فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً- ٤- يعني «أربعة» من الملائكة جبريل، وميكائيل، «وإسرافيل» وملك الموت يقسمون الأمر بين الخلائق، وهم المدبرات أمرا بأمره في بلاده وعباده فأقسم الله- تعالى- بهؤلاء الآيات إِنَّما تُوعَدُونَ يعني إن الذي توعدون من أمر الساعة لَصادِقٌ- ٥- يعنى لحق وَأقسم بهن أيضا إِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ- ٦- يعنى إن الحساب لكائن وَأقسم ب السَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ- ٧- يعني مثل الطرائق التي تكون في الرمل من الريح، ومثل الماء تصيبه الريح فيركب بعضه بعضا.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: قال أبو صالح: «وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ» الخلق الحسن إِنَّكُمْ يا أهل مكة لَفِي قَوْلٍ يعني القرآن مُخْتَلِفٍ- ٨- شك يؤمن به بعضكم ويكفر به بعضكم يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ- ٩- يعني عن الإيمان بالقرآن، يعني يصرف عن القرآن من كذب به يعني الخراصين يقول الكذابون الذين يخرصون الكذب. Muqatil ibn Sulayman 4/127Muqatil ibn Sulayman 4/127
قُتِلَ يعني لعن الْخَرَّاصُونَ- ١٠- نظيرها في النحل، وكانوا سبعة عشر رجلا فقال لهم الوليد بن المغيرة المخزومي: لينطلق كل أربعة منكم أيام الموسم فليجلسوا على طريق ليصدوا الناس عن النبي- صلى الله عليه وسلم- وتخرصهم، أنهم قالوا للناس، إنه ساحر، ومجنون، وشاعر، وكاهن، وكذاب. وبقي الوليد بمكة يصدقهم بما يقولون، ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ- ١١- يعني في غفلة لاهون عن أمر الله- تعالى- يَسْئَلُونَ النبي- صلى الله عليه وسلم- أَيَّانَ يقول متى يَوْمُ الدِّينِ- ١٢- يعني يوم الحساب، فقالوا: يا محمد، وهم الخراصون متى يكون الذي تعدنا به تكذيبا به، من أمر الحساب، فأخبر الله- عز وجل- عن ذلك اليوم فقال: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ- ١٣- يعنى يعذبون، يحرقون، كقوله [١٧٠ ب] : ... إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ.. وقال لهم خزنتها: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ يعني عذابكم هذَا العذاب الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ- ١٤- في الدنيا استهزاء به وتكذيبا بأنه غير نازل بنا، لقولهم في الدنيا للنبي- صلى الله عليه وسلم- متى هذا الوعد الذي تعدنا به إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ- ١٥- يعني بساتين وأنهار جارية آخِذِينَ في الآخرة ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ يعني ما أعطاهم ربهم من الخير والكرامة في الجنة ثم أثنى عليهم فقال: إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ
الثواب فى الدنيا مُحْسِنِينَ- ١٦- فى أعمالهم، ثم قال: إنهم Muqatil ibn Sulayman 4/128Muqatil ibn Sulayman 4/128
قال شعبة بن الحجاج، عن سِمَاك، عن خالد بن عَرْعَرَة أنه سمع عليا وشعبة أيضًا، عن القاسم بن أبي بزَّة، عن أبي الطُّفَيْل، سمع عليًا. وثبت أيضًا من غير وجه، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: أنه صعد منبر الكوفة فقال: لا تسألوني عن آية في كتاب الله، ولا عن سنة عن رسول الله، إلا أنبأتكم بذلك. فقام إليه ابن الكواء فقال: يا أمير المؤمنين، ما معنى قوله تعالى: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا) ؟ قال: الريح [قال] : (فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا) ؟ قال: السحاب. [قال] : (فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا) ؟ قال: السفن. [قال] : (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا) ؟ قال: الملائكة .
وقد روي في ذلك حديث مرفوع، فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن هانئ، حدثنا سعيد بن سلام العطار، حدثنا أبو بكر بن أبي سَبْرَة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: جاء صَبِيغ التميمي إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن (الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا) ؟ فقال: هي الرياح، ولولا أنى سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته. قال: فأخبرني عن (الْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا) قال: هي الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته. قال: فأخبرني عن (الْجَارِيَاتِ يُسْرًا) قال: هي السفن، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته. ثم أمر به فضرب مائة، وجعل في بيت، فلما برأ [دعا به و] ضربه مائة أخرى، وحمله على قَتَب، وكتب إلى أبي موسى الأشعري: امنع الناس من مجالسته. فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف بالأيمان الغليظة ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئا. فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب عمر: ما إخاله إلا صدق، فخل بينه وبين مجالسة الناس. Ibn Kathir 8/413Ibn Kathir 8/413
قال أبو بكر البزار: فأبو بكر بن أبي سبرة لين، وسعيد بن سلام ليس من أصحاب الحديث .
قلت: فهذا الحديث ضعيف رفعه، وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر، فإن قصة صَبِيغ بن عسل مشهورة مع عمر ، وإنما ضربه لأنه ظهر له من أمره فيما يسأل تعنتا وعنادا، والله أعلم.
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر هذه القصة في ترجمة صبيغ مطولة . وهكذا فسرها ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والسدي، وغير واحد. ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم غير ذلك.
وقد قيل: إن المراد بالذاريات: الريح كما تقدم وبالحاملات وقرًا: السحاب كما تقدم؛ لأنها تحمل الماء، كما قال زيد بن عمرو بن نفيل:
وَأسْلَمْتُ نَفْسي لمَنْ أسْلَمَتْ … لَهُ المزْنُ تَحْمِلُ عَذْبا زُلالا
فأما الجاريات يسرًا، فالمشهور عن الجمهور -كما تقدم-: أنها السفن، تجري ميسرة في الماء جريا سهلا. وقال بعضهم: هي النجوم تجري يسرا في أفلاكها، ليكون ذلك ترقيا من الأدنى إلى الأعلى، إلى ما هو أعلى منه، فالرياح فوقها السحاب، والنجوم فوق ذلك، والمقسمات أمرا الملائكة فوق ذلك، تنزل بأوامر الله الشرعية والكونية. وهذا قسم من الله عز جل على وقوع المعاد؛ ولهذا قال: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ) أي: لخبر صدق، (وَإِنَّ الدِّينَ) ، وهو: الحساب (لواقع) أي: لكائن لا محالة. Ibn Kathir 8/414Ibn Kathir 8/414
Choose one book or more.