وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ٣٩
Commentary
أنه لا تؤخذ نفس بمأثم غيرها، ووزرها لا يحمله عنها أحد، وأنه لا يحصل للإنسان من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه بسعيه.
يقول تعالى ذَامًّا لمن تولى عن طاعة الله: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: ٣١، ٣٢] ، (وَأَعْطَى قَلِيلا وَأَكْدَى) قال ابن عباس: أطاع قليلا ثم قطعه. وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، وغير واحد. قال عكرمة وسعيد: كمثل القوم إذا كانوا يحفرون بئرًا، فيجدون في أثناء الحفر صخرة تمنعهم من تمام العمل، فيقولون: "أكدينا" ، ويتركون العمل.
وقوله: (أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى) أي: أعند هذا الذي قد أمسك يده خشية الإنفاق، وقطع معروفه، أعنده علم الغيب أنه سينفد ما في يده، حتى قد أمسك عن معروفه، فهو يرى ذلك عيانا؟ ! أي: ليس الأمر كذلك، وإنما أمسك عن الصدقة والمعروف والبر والصلة بخلا وشحا وهلعا؛ ولهذا جاء في الحديث: "أنفق بلالا ولا تَخْشَ من ذي العرش إقلالا" ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩] . Ibn Kathir 8/463Ibn Kathir 8/463
وقوله: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) قال سعيد بن جبير، والثوري أي بلّغ جميع ما أمر به.
وقال ابن عباس: (وَفَّى) لله بالبلاغ. وقال سعيد بن جُبَير: (وَفَّى) ما أمر به. وقال قتادة: (وَفَّى) طاعة الله، وأدى رسالته الى خلقه. وهذا القول هو اختيار ابن جرير، وهو يشمل الذي قبله، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] فقام بجميع الأوامر، وترك جميع النواهي، وبلغ الرسالة على التمام والكمال، فاستحق بهذا أن يكون للناس إماما يُقتَدى به في جميع أحواله وأفعاله وأقواله، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحِمْصي، حدثنا آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) قال: "أتدري ما وفى؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "وفى عمل يومه بأربع ركعات من أول النهار" .
ورواه ابن جرير من حديث جعفر بن الزبير، وهو ضعيف .
وقال الترمذي في جامعه: حدثنا أبو جعفر السّمْناني، حدثنا أبو مُسْهِر، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن بحير بن سعد ، عن خالد بن مَعْدان، عن جبير بن نُفَير، عن أبي الدرداء وأبي ذر، عن رسول الله ﷺ عن الله، عز وجل ، أنه قال: "ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره" .
قال ابن أبي حاتم رحمه الله : حدثنا أبي، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لَهِيعَة، حدثنا زَبَّان بن قائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى؟ إنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: Ibn Kathir 8/464Ibn Kathir 8/464
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] حتى ختم الآية ". ورواه ابن جرير عن أبي كُرَيْب، عن رِشْدِين بن سعد، عن زَبَّان، به .
ثم شرع تعالى يبين ما كان أوحاه في صحف إبراهيم وموسى فقال: (أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) أي: كل نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء من الذنوب فإنما عليها وزرها، لا يحمله عنها أحد، كما قال: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨] ، (وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى) أي: كما لا يحمل عليه وزر غيره، كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه. ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي، رحمه الله ، ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم؛ ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة، رضي الله عنهم ، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما.
وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به " ، فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله، كما جاء في الحديث: " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه " . والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ الآية [يس: ١٢] . والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضا من سعيه وعمله، وثبت في الصحيح: " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا".
وقوله: (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى) أي: يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] أي: فيخبركم به، ويجزيكم عليه أتم الجزاء، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وهكذا قال هاهنا: (ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأوْفَى) أي: الأوفر. Ibn Kathir 8/465Ibn Kathir 8/465
الآية الثانية: قوله تعالى: * (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) * [٣٩ / النجم / ٥٣] نسخت بقوله تعالى: * (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ... ) * الآية فيجعل الولد الطفل يوم القيامة في ميزان أبيه ويشفع الله تعالى الآباء في الأبناء والأبناء في الآباء ويدل على ذلك قوله تعالى: * (آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا) * [١١ / النساء / ٤] .
٥٥ - سورة الرحمن: مكية، وجميعها محكم ليس فيه ناسخ ولا منسوخ. Ibn Hazm 1/58Ibn Hazm 1/58
٥٦ - سورة الواقعة: مكية، أجمع المفسرون على أن لا ناسخ فيها ولا منسوخ إلا قول مقاتل بن سليمان فإنه قال: نسخ منها قوله تعالى: * (ثلة من الأولين وقليل من الآخرين) * [١٤ / الواقعة / ٥٦] نسخت بقوله تعالى: * (ثلة من الأولين وثلة من الآخرين) * الآية [٤٠ / الواقعة ٥٦] .
٥٧ - سورة الحديد: مدنية، إلا في قول الكلبي، فإنها مكية وليس فيه ناسخ ولا منسوخ.
٥٨ - سورة المجادلة: وجميعها محكم غير آية واحدة وهي قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ... ) * الآية [١٢ /
المجادلة / ٥٨] نسخت بقوله تعالى: * (أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات ... ) * الآية [١٣ / المجادلة / ٥٨] فنسخ الله تعلى ذلك بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والطاعة لله والرسول.
٥٩ - سورة الحشر: مدنية، ليس فيها منسوخ وفيها ناسخ وهو قوله تعالى: * (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ... ) * الآية [٧ / الحشر / ٥٩] نسخ الله تعالى بها آية الأنفال: * (يسألونك عن الأنفال ... ) * [١ / الأنفال / ٨] . Ibn Hazm 1/59Ibn Hazm 1/59
Choose one book or more.