وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوٓا۟ أَوْلِيَآءَهُۥٓ ۚ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٣٤
Doubts answered
ومثل قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) [الأنفال: ٣٣] ، ثم قال على أثر ذلك: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الأنفال: ٣٤] . Ibn Qutayba p. 26Ibn Qutayba p. 26
…للَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) [الأنفال: ٣٣] ، ثم قال: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ خاصة وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [الأنفال: ٣٤] يعني المسلمين، فعذّبهم الله بالسيف بعد خروج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عنهم، وفي ذلك نزلت: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) ، [المعارج: ١] أي دعا دا… Ibn Qutayba p. 50Ibn Qutayba p. 50
وقولُه تعالى: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الأنفال/ ٣٤] يدل على خلاف ذلك.
والجواب من أربعة أوجه:
الأول -وهو اختيار ابن جرير، ونقله عن قتادة والسدي وابن زيد-: أن الأمانَيْن منتفيان، فالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خرج من بين أظهرهم مهاجرًا، واستغفارهم معدومٌ؛ لإصرارهم على الكفر.
فجملة الحال أريد بها أن العذاب لا ينزل بهم في حالة استغفارهم لو استغفروا، ولا في حالة وجود نبيِّهم فيهم؛ لكنه خرج من بين أظهُرهم، ولم يستغفروا؛ لكفرهم.
ومعلومٌ أن الحال قيدٌ لعاملها وصفٌ لصاحبها. فالاستغفار -مثلًا- قيدٌ في نفي العذاب، لكنهم لم يأتوا بالقيد. فتقرير المعنى: وما كان اللَّه معذبهم وهم يستغفرون لو استغفروا.
وبعد انتفاء الأمرين عذبهم بالقتل والأسر يوم بدر، كما يشير إليه قوله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ} [السجدة/ ٢١] .
الوجه الثاني: أن المراد بقوله: {يَسْتَغْفِرُونَ } استغفار المؤمنين المستضعفين بمكة.
وعليه، فالمعنى: أنه بعد خروجه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان استغفار المؤمنين سببًا لرفع العذاب الدنيوي عن الكفار المستعجلين للعذاب بقولهم: {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ} الآية [الأنفال/ ٣٢] . al-Shinqiti 1/150al-Shinqiti 1/150
وعلى هذا القول فقد أسند الاستغفار إلى مجموع أهل مكة الصادقِ بخصوص المؤمنين منهم. ونظير الآية عليه قولُه تعالى: {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ} [الأعراف/ ٧٧] ، مع أن العاقر واحد منهم، بدليل قوله تعالى: {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ } [القمر/ ٢٩] وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} [نوح/ ١٥ - ١٦] أي: جعل القمر في مجموعهن الصادقِ بخصوص السماء التي فيها القمر؛ لأنه لم يجعل في كل سماء قمرًا، وقوله تعالى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} [الأنعام/ ١٣٠] أي: من مجموعكم الصادقِ بخصوص الإنس -على الأصح-؛ إذ ليس من الجن رسل.
وأما تمثيل كثير من العلماء لإطلاق المجموع مرادًا بعضُه بقوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ } [الرحمن/ ٢٢] زاعمين أن معنى قوله: {مِنْهُمَا} أي: من مجموعهما الصادقِ بخصوص البحر المِلْح؛ لأن العَذْبَ لا يخرج منه لؤلؤ ولا مرجان، فهو قول باطل بنص القرآن العظيم.
فقد صرح تعالى باستخراج اللؤلؤ والمرجان من البحرينِ كليهما حيث قال: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [فاطر/ ١٢] فقوله تعالى: {وَمِنْ كُلٍّ} صريح في إرادة العَذْبِ والمِلْح معًا. وقوله: {حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} هي: اللؤلؤ والمرجان.
وعلى هذا القول فالعذاب الدنيوي يدفعه اللَّه عنهم باستغفار المؤمنين الكائنين بين أظهرهم، وقولُه تعالى: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ} أي: بعد خروج المؤمنين الذين كان استغفارهم سببًا لدفع العذاب الدنيوي، فبعد خروجهم عذب اللَّه أهل مكة في الدنيا بأن سلط عليهم رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى فتح مكة. al-Shinqiti 1/151al-Shinqiti 1/151
ويدل لكونه تعالى يدفع العذاب الدنيوي عن الكفار بسبب وجود المسلمين بين أظهرهم ما وقع في صلح الحديبية، كما بينه تعالى بقوله: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } [الفتح/ ٢٥] .
فقوله: {لَوْ تَزَيَّلُوا} أي: لو تزيل الكفار من المسلمين لعذبنا الكفار بتسليط المسلمين عليهم، ولكنا رفعنا عن الكفار هذا العذاب الدنيوى لعدم تميزهم من المؤمنين، كما بينه بقوله: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ. .} الآية.
ونقل ابن جرير هذا القول عن ابن عباس والضحاك وأبي مالك وابن أبزى.
وحاصل هذا القول: أن كفار مكة لما قالوا: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً. . .} الآية، أنزل اللَّه قوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} ، ثم لما هاجر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بقيت طائفة من المسلمين بمكة يستغفرون اللَّه ويعبدونه، فأنزل اللَّه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }، فلما خرجت بقية المسلمين من مكة أنزل اللَّه قوله تعالى: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ} أي: أي شيء ثبث لهم يدفع عنهم عذاب اللَّه وقد خرج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- والمؤمنون من بين أظهرهم؟ ! al-Shinqiti 1/152al-Shinqiti 1/152
فالآية على هذا كقوله: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّه بِأَيْدِيكُمْ} [التوبة/ ١٤] .
الوجه الثالث: أن المراد بقوله: {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } كفار مكة.
وعليه، فوجه الجمع: أن اللَّه تعالى يرد عنهم العذاب الدنيوي بسبب استغفارهم، أما عذاب الآخرة فهو واقع بهم لا محالة.
فقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ} أي: في الدنيا في حالة استغفارهم، وقوله: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ} أي: في الآخرة وقد كانوا كفارًا في الدنيا.
ونقل ابن جرير هذا القول عن ابن عباس.
وعلى هذا القول فعمل الكافر ينفعه في الدنيا، كما فسر به جماعة قوله تعالى: {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} [النور/ ٣٩] أي: أثابه من عمله الطيب في الدنيا، وهو صريح قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} الآية [هود/ ١٥] .
وقولُه تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [آل عمران/ ٢٢] وقوله: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا } [الفرقان/ ٢٣] ونحو ذلك من الآيات، يدل على بطلان عمل الكافر من أصله، كما أوضحه تعالى بقوله: al-Shinqiti 1/153al-Shinqiti 1/153
{حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} فجعل كلتا الدارين ظرفًا لبطلان أعمالهم واضمحلالها، وسيأتي -إن شاء اللَّه- تحقيق هذا المقام في سورة هود.
الوجه الرابع: أن معنى قوله {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } أي: يُسْلِمون. أي: وما كان اللَّه معذبهم وقد سبق في علمه أن منهم من يسلم ويستغفر اللَّه من كفره.
وعلى هذا القول فقوله: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ} في الذين سبقت لهم الشقاوة، كأبي جهل وأصحابه الذين عذبوا بالقتل يوم بدر.
ونقل ابن جرير معنى هذا القول عن عكرمة ومجاهد.
وأما ما رواه ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري من أن قوله: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ} ناسخ لقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } فبطلانه ظاهر؛ لأن قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ} الآية، خبرٌ من اللَّه بعدم تعذيبه لهم في حالة استغفارهم، والخبر لا يجوز نسخه شرعًا بإجماع المسلمين.
وأظهر هذه الأقوال الأولان منها. al-Shinqiti 1/154al-Shinqiti 1/154
Choose one book or more.