هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلْغَٰشِيَةِ ١
Commentary
هل أتاك -أيها الرسول- خبر القيامة التي تغشى الناس بأهوالها؟
الغاشية: من أسماء يوم القيامة. قاله ابن عباس، وقتادة، وابن زيد؛ لأنها تغشى الناس وتَعُمّهم. وقد قال ابن أبي حاتم:
حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطَّنَافِسِيّ، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: مر النبي ﷺ على امرأة تقرأ: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) فقام يستمع ويقول: "نعم، قد جاءني" .
وقوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ) أي: ذليلة. قاله قتادة. وقال ابن عباس: تخشع ولا ينفعها عملها.
وقوله: (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ) أي: قد عملت عملا كثيرا، ونصبت فيه، وصليت يوم القيامة نارا حامية. Ibn Kathir 9/384Ibn Kathir 9/384
وقال الحافظ أبو بكر البرقاني: حدثنا إبراهيم بن محمد المُزَكّى، حدثنا محمد بن إسحاق السراج، حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سيار حدثنا جعفر قال: سمعت أبا عمران الجَوني يقول: مر عمر بن الخطاب، رضي الله عنه ، بدير راهب، قال: فناداه: يا راهب [يا راهب] فأشرف. قال: فجعل عمر ينظر إليه ويبكي. فقيل له: يا أمير المؤمنين، ما يبكيك من هذا؟ قال: ذكرت قول الله، عز وجل في كتابه: (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً) فذاك الذي أبكاني .
وقال البخاري: قال ابن عباس: (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ) النصارى.
وعن عكرمة، والسدي: (عَامِلَةٌ) في الدنيا بالمعاصي (نَّاصِبَةٌ) في النار بالعذاب والأغلال .
قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: (تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً) أي: حارة شديدة الحر (تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ) أي: قد انتهى حَرّها وغليانها. قاله ابن عباس، ومجاهد، والحسن، والسّدي.
وقوله: (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: شجر من نار.
وقال سعيد بن جبير: هو الزقوم. وعنه: أنها الحجارة.
وقال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو الجوزاء، وقتادة: هو الشِّبرِقُ. قال قتادة: قريش تسميه في الربيع الشِّبرِقُ، وفي الصيف الضريع. قال عكرمة: وهو شجرة ذات شوك لاطئة بالأرض.
وقال البخاري: قال مجاهد: الضريعُ نبتٌ يقال له: الشِّبرِقُ، يسميه أهل الحجاز: الضريعَ إذا يبس، وهو سم .
وقال مَعْمَر، عن قتادة: (إِلا مِنْ ضَرِيعٍ) هو الشِّبرِقُ، إذا يبس سُمّي الضريع.
وقال سعيد، عن قتادة: (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ) من شر الطعام وأبشعه وأخبثه.
وقوله: (لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ) يعني: لا يحصل به مقصود، ولا يندفع به محذور. Ibn Kathir 9/385Ibn Kathir 9/385
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} .
يذكر تعالى أحوال يوم القيامة وما فيها من الأهوال الطامة، وأنها تغشى الخلائق بشدائدها، فيجازون بأعمالهم، ويتميزون [إلى] فريقين: فريقًا في الجنة، وفريقًا في السعير. ⦗٩٢٢⦘
فأخبر عن وصف كلا الفريقين، فقال في [وصف] أهل النار: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ} أي: يوم القيامة {خَاشِعَة} من الذل، والفضيحة والخزي.
{عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} أي: تاعبة في العذاب، تجر على وجوهها، وتغشى وجوههم النار.
ويحتمل أن المراد [بقوله:] {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} في الدنيا لكونهم في الدنيا أهل عبادات وعمل، ولكنه لما عدم شرطه وهو الإيمان، صار يوم القيامة هباء منثورا، وهذا الاحتمال وإن كان صحيحًا من حيث المعنى، فلا يدل عليه سياق الكلام، بل الصواب المقطوع به هو الاحتمال الأول، لأنه قيده بالظرف، وهو يوم القيامة، ولأن المقصود هنا بيان وصف أهل النار عمومًا، وذلك الاحتمال جزء قليل من أهل النار بالنسبة إلى أهلها ؛ ولأن الكلام في بيان حال الناس عند غشيان الغاشية، فليس فيه تعرض لأحوالهم في الدنيا.
وقوله: {تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} أي: شديدًا حرها، تحيط بهم من كل مكان، {تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} أي: حارة شديدة الحرارة {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ} فهذا شرابهم.
وأما طعامهم فـ {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ} وذلك أن المقصود من الطعام أحد أمرين: إما أن يسد جوع صاحبه ويزيل عنه ألمه، وإما أن يسمن بدنه من الهزال، وهذا الطعام ليس فيه شيء من هذين الأمرين، بل هو طعام في غاية المرارة والنتن والخسة نسأل الله العافية.
وأما أهل الخير، فوجوههم يوم القيامة {نَاعِمَةٌ} أي: قد جرت عليهم نضرة النعيم، فنضرت أبدانهم، واستنارت وجوههم، وسروا غاية السرور.
{لِسَعْيِهَا} الذي قدمته في الدنيا من الأعمال الصالحة، والإحسان إلى عباد الله، {رَاضِيَةٌ} إذ وجدت ثوابه مدخرًا مضاعفًا، فحمدت عقباه، وحصل لها كل ما تتمناه، وذلك أنها {فِي جَنَّةٍ} جامعة لأنواع النعيم كلها، {عَالِيَةٍ} في محلها ومنازلها، فمحلها في أعلى عليين، ومنازلها مساكن عالية، لها غرف ومن فوق الغرف غرف مبنية يشرفون منها على ما أعد الله لهم من الكرامة.
{قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} أي: كثيرة الفواكه اللذيذة، المثمرة بالثمار الحسنة، السهلة التناول، بحيث ينالونها على أي: حال كانوا، لا يحتاجون أن يصعدوا شجرة، أو يستعصي عليهم منها ثمرة.
{لا تَسْمَعُ فِيهَا} أي: الجنة {لاغِيَةً} أي: كلمة لغو وباطل، فضلا عن الكلام المحرم، بل كلامهم كلام حسن [نافع] مشتمل على ذكر الله تعالى، وذكر نعمه المتواترة عليهم، و [على] الآداب المستحسنة بين المتعاشرين، الذي يسر القلوب، ويشرح الصدور.
{فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ} وهذا اسم جنس أي: فيها العيون الجارية التي يفجرونها ويصرفونها كيف شاءوا، وأنى أرادوا.
{فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ} و " السرر " جمع " سرير " وهي المجالس المرتفعة في ذاتها، وبما عليها من الفرش اللينة الوطيئة.
{وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ} أي: أوان ممتلئة من أنواع الأشربة اللذيذة، قد وضعت بين أيديهم، وأعدت لهم، وصارت تحت طلبهم واختيارهم، يطوف بها عليهم الولدان المخلدون.
{وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ} أي: وسائد من الحرير والاستبرق وغيرهما مما لا يعلمه إلا الله، قد صفت للجلوس والاتكاء عليها، وقد أريحوا عن أن يضعوها، ويصفوها بأنفسهم.
{وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} والزرابي [هي:] البسط الحسان، مبثوثة أي: مملوءة بها مجالسهم من كل جانب. al-Sa‘di 1/921al-Sa‘di 1/921
Choose one book or more.