فلا يجوز لكافر أن يدخله بحال ذميا كان أو مستأمنا، لظاهر قول الله سبحانه وتعالى: " يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا " (١) .
أما قوله تعالى: {إنما المشركون نجس} فالمراد به النجاسة المعنوية التي حكم بها الشارع، وليس المراد أن ذات المشرك نجسه كنجاسة الخنزير. ومنها الجماد. وهو كل جسم لم تحله الحياة. ولم ينفصل عن حيّ. وينقسم إلى قسمين: جامد ومائع فمن الجامد جميع أجزاء الأرض ومعادنها.
ويدل لذلك ما ورد من أن نور النبيّ صلى الله عليه وسلم كان ينتقل في الأصلاب والأرحام الطاهرة حتى وصل إلى عبد الله وآمنة. وقد نص الله تعالى على أن المشرك نجس. قال الله تعالى {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام} .
الثالث: أنه تعالى قَالَ: {وإثمهما أكبرمن نفعهما} صرح برجحان الإثم والعقاب، وذلك يوجب التحريم. والخمر من أفحش الذنوب. وأعظمها خطراً على المجتمع الإنساني كله، بذبك حرمها الشارع، وشدد في تحريمها وأنزل فيها عدة أحكام عالج فيها حالة العرب التي كانت تدمن الخمر، وتعدها من علامات الشهامة والمروءة ثم أنزل فيها آية التحريم {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} فوصف اللَّه تعالى الخمر بأنه رجس: أي قذر تنفر منه العقول السليمة، وهو لفظ يدل على منها القبح والخبث، والميسر، هو قمارهم في الجذور، والأنصاب هي ألهتهم التي يعبدونها، والأزلام سهام مكتوب عليها شر وخير، وقد قرن اللَّه تعالى الخمر بالميسر والأنصاب والأزلام وهي من أعمال الوثنية والشرك فكأنه قريب من هذه المنكرات، وقد وصف اللَّه هذه الأقسام الأربعة بوصفين: الأول قوله {رجس} ، وهو كل ما استقذر من عمل، والثاني قوله {من عمل الشيطان} وه مكمل لكونه رجساً لأن الشيطان نجس خبيث لأنه كافر {إنما المشركون نجس} والخبيث لا يدعوا إلا إلى خبيث.
يقول الجصاص في تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} : "إطلاق اسم النجس على المشرك؛ من جهة أن الشرك الذي يعتقده يجب اجتنابه، كما يجب اجتناب النجاسات والأقذار؛ فلذلك سماهم نجسًا. . .، وكذلك الرجس، والرجز. . . قال تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} ، وقال في وصف المنافقين: {فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ} فسماهم رجسًا كما سمى المشركين نجسًا" (٤) .
بخلاف الثانية فإن قليلها عفو بل الكثير للضرورة والأنجاس جمع نجس بفتحتين اسم لعين مستقذرة شرعا وأصله مصدر ثم استعمل اسما في قوله تعالى:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}[التوبة: من الآية] ويطلق على الحكمي والحقيقي ويختص الخبيث بالحقيقي ويختص الحدث بالحكمي. فالنجس بالفتح اسم ولا تلحقه التاء وبالكسر صفة وتلحقه التاء. والتطهير
وقال الشافعي: يكره ذلك: وقال مالك: يكره في كل مسجد. للشافعي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ ولأن الكافر لا يخلو عن جنابة؛ لأنه لا يغتسل اغتسالا يخرجه عنها، والجنب يجنب المسجد، وبهذا يحتج مالك، والتعليل بالنجاسة عام فينتظم المساجد كلها. ولنا ما روي "أن النبي عليه الصلاة والسلام أنزل وفد ثقيف في مسجده وهم كفار" ولأن الخبث في اعتقادهم فلا يؤدي إلى تلويث المسجد. والآية محمولة على الحضور استيلاء واستعلاء أو طائفين عراة كما كانت عادتهم في الجاهلية. قال: "ويكره استخدام الخصيان" ؛
فائدة والله تعالى أعلم. وقوله ثنيا بوزن دنيا اسم مصدر بمعنى استثناء أشار به إلى مفهوم الاستثناء والمراد به هنا الواقع في الإيجاب، وقوله وعد أشار به إلى مفهوم العدد وله ثلاث صور: الأولى أن يكون مفهومه مفهوم مخالفة باعتبار الزيادة والنقص نحو {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} مفهومه لا تجوز الزيادة عليها ولا النقص عنها، الثانية أن يكون مخالفا باعتبار الزيادة وموافقا باعتبار النقص نحو قوله صلى الله عليه وسلم (من أسلم على أكثر من أربع أمسك أربعا (١) ) مفهومه أنه لا يمسك أكثر من أربع وله أن يمسك أقل: الثالثة عكس هذه مثالها من سرق ثلاثة دراهم قطع مفهومه أن من سرق أقل منها لا يقطع ومن سرق أكثر قطع بالأحرى، وكثيرا ما يلغى مفهوم العدد فلذا أنكره كثير حتى قيل إنه من مفهوم اللقب، وقوله ظرفين إشارة إلى مفهومين ظرف الزمان نحو {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} مفهومه لا أمان لهم بعد ذلك ونحو {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} مفهومه لا يمنعون من الحج في ذلك العام، وظرف المكان نحو {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} الآية مفهومه أنه لا ينهى عن قتالهم في سائر الأمكنة، وقوله وحصر إشارة إلى مفهوم الحصر وهو المسمى في علم المعاني بالقصر وهو تخصيص أمر بأمر فشمل قصر الصفة على الموصوف وقصره عليها فمن مفهوم الحصر، أنما نحو {إِنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} مفهومه أن غيره ليس بإله، ومنه تقديم ما أصله التأخير نحو {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} مفهومه لا نعبد غيرك ونحو {لِلَّهِ الْحَمْدُ} مفهومه أنه لا حمد لغير الله {لَا فِيهَا غَوْلٌ} مفهومه أن خمر الدنيا فيها الغول، ومنه توسط ضمير الفصل {فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ} {وَاللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} مفهوم ذلك أنه لا ولي غيره وأن غير الله ليس الغني، ومنه تعريف أحد الجزءين بلام الجنس (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده (٢) ) مفهومه من ليس كذلك ليس بمسلم أي كامل {اللَّهُ الصَّمَدُ} مفهومه لا صمد غيره والصمد الذي يصمد إليه في الحوائج أي يقصد، ومنه النفي والاستثناء فالنفي فيه منطوق اتفاقا والإثبات مفهوم عند الجمهور ومنطوق أيضا عند بعض المحققين ورجحه القرافي، فلا إله إلا الله كلمة توحيد إجماعا كما للسنوسي وغيره ولكنها تفيد نفي الإلهية عن غير الله عز وجل منطوقا اتفاقا وتفيد إثبات الإلهية له عز وجل مفهوما على ما للجمهور، وإليه ذهب السبكي وهو الأظهر لدلالة اللفظ عليه بالوضع له والاستعمال فيه وتفيد إثبات الإلهية له عز وجل منطوقا على ما رجحه القرافي.
قال: (ويمنع من دخول مكة) ؛ لقوله تعالي:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} ويدل علي أن المراد به هنا: الحرم قوله تعالي {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} إن خفتم انقطاع التجارة والميرة؛ إذ من المعلوم أن الجلب ليس المسجد نفسه.
(وبدن الكافر، ولو من لا تحل ذبيحته) طاهر؛ لأنه لا يجب بجماع الكتابية غير ما يجب بنكاح المسلمة. وقوله تعالى:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} أي: من حيث الاعتقاد ونحوه مما أجيب به عنه. (طعامه) أي: الكافر (وماؤه طاهر مباح) لقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} .
(ولا يحكم بإسلامه بإخراج زكاة ماله، وحجه، ولا بصومه قاصدًا رمضان) لأن المشركين كانوا يحجون في أول الإسلام حتى نزل قوله: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ. . .} الآية ولم يحكم بإسلامهم بذلك،
وأما كونه لا يصح شرط إدخالهم الحرم؛ فلقول الله سبحانه وتعالى:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا}.
وفي الشَّرع: تُطلقُ على معنيين:
الأول: أصْل، وهو طهارة القلب من الشِّرك في عبادة الله، والغِلِّ والبغضاء لعباد الله المؤمنين، وهي أهمُّ من طهارة البدن؛ بل لا يمكن أن تقومَ طهارة البدن مع وجود نَجَس الشِّرك، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ .
فإذا نهي عن الصلاة على الكافر، وهي أعظم ما يفعل بالميت وأنفع ما يكون للميت، فما دونها من باب أولى، ولأن الكافر نجس، وتطهيره لا يرفع نجاسته لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ ، ولمفهوم قول النبي (ص): «إن المسلم لا ينجس»، فيحرم أن يغسله.
٤ ـ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ فالمسجد الحرام هنا المراد به مسجد الكعبة، لا جميع الحرم، لأن الله قال: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا﴾ ولم يقل: فلا يدخلوا،
ولو كان المسجد الحرام هو كل الحرم، لكان ينهى المشرك أن يقرب حدود الحرم، لأن الله قال: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ نسأل هل يحرم على المشرك أن يدخل داخل الأميال، أو أن يأتي حولها؟
وصلاته إلى متحدث أو نائم . أو كافر وفاقًا للشافعي، لأنه نجس فتكره الصلاة إليه، قال الشارح: كرهها أحمد، لأنه نجس اهـ ونجاسته معنوية اعتقادية لا حسية بدنية، كما فسر به قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} ولو كانت عينية فلا كراهة، كالصلاة إلى البغل والحمار.
أما كون الكفار يمنعون دخول الحرم فلأن الله تعالى قال:{يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}. والمراد الحرم بدليل قوله تعالى:{وإن خفتم عيلة} يريد ضرراً بتأخر الجلَب عن الحرم دون المسجد. وبدليل قوله تعالى:{سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام} أي من الحرم لأنه أسري به من بيت أم هانئ.
٢٠٠ - لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - توضأ من مزادة مشركة، وأضافه يهودي بخبز شعير، وإهالة سنخة، ولأن الكفر في قلبه لا يؤثر في بدنه، وقوله سبحانه: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: ٢٨] ليس المراد به - والله أعلم - النجاسة الحقيقية على الأشهر الأعرف، بل الاستقذار، وفاقا لأبي عبيدة والزجاج.