يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ١
Commentary
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، أتِمُّوا عهود الله الموثقة، من الإيمان بشرائع الدين، والانقياد لها، وأَدُّوا العهود لبعضكم على بعض من الأمانات، والبيوع وغيرها، مما لم يخالف كتاب الله، وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. وقد أحَلَّ الله لكم البهيمة من الأنعام، وهي الإبلُ والبقر والغنم، إلا ما بيَّنه لكم من تحريم الميتة والدم وغير ذلك، ومن تحريم الصيد وأنتم محرمون. إن الله يحكم ما يشاء وَفْق حكمته وعدله.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نُعَيْم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مِسْعَر، حدثني مَعْن وعَوْف - أو: أحدهما-أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود [ رضي الله عنه ] فقال: اعهد إليَّ. فقال: إذا سمعت الله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فارْعِها سَمْعَك، فإنه خَيْر يأمر به، أو شَر ينهى عنه.
وقال: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم -دُحيم-حدثنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، عن الزهري قال: إذا قال الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) افعلوا، فالنبي ﷺ منهم.
وحدثنا أحمد بن سنَان، حدثنا محمد بن عُبيد حدثنا الأعمش، عن خَيْثَمَة قال: كل شيء في القرآن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فهو في التوراة: "يأ يها المساكين" .
فأما ما رواه عن زيد بن إسماعيل الصائغ البغدادي، حدثنا معاوية - يعني: ابن هشام-عن عيسى بن راشد، عن علي بن بُذَيْمَة، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) إلا أن عليًا سيدها وشريفها وأميرها، وما من أصحاب النبي ﷺ أحد إلا قد عوتب في القرآن إلا علي بن أبي طالب، فإنه لم يعاتبْ في شيء منه. فهو أثر غريب ولفظه فيه نكارة، وفي إسناده نظر.
قال البخاري: عيسى بن راشد هذا مجهول، وخبره منكر. قلت: وعلي بن بذيمة -وإن كان ثقة-إلا أنه شيعي غالٍ، وخبره في مثل هذا فيه تُهمة فلا يقبل. وقوله: "ولم يبق أحد من الصحابة إلا عوتب في القرآن إلا عليًا " إنما يشير به إلى الآية الآمرة بالصدقة بين يدي النجوي، فإنه قد ذَكَر غير واحد أنه لم يعمل بها أحد إلا عليٌّ، ونزل قوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ﴾ الآية [سورة المجادلة: ١٣] وفي كون هذا عتابًا نظر؛ فإنه قد قيل: إن الأمر كان ندبا لا إيجابا، ثم قد نسخ ذلك عنهم قبل الفعل، فلم ير من أحد منهم خلافه. وقوله عن علي: " إنه لم يعاتب في شيء من القرآن " فيه نظر أيضًا؛ فإن الآية التي في الأنفال التي فيها المعاتبة على أخذ الفِداء عَمَّت جميع من أشار بأخذه، ولم يسلم منها إلا عُمر بن الخطاب، رضي الله عنه ، فعلم بهذا، وبما تقدم ضَعفُ هذا الأثر، والله أعلم. Ibn Kathir 4/6Ibn Kathir 4/6
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا اللَّيْث، حدثني يونس قال: قال محمد بن مسلم: قرأت كتاب رسول الله ﷺ الذي كُتب لعمرو بن حَزْم حين بعثه إلى نَجْران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، فيه: هذا بيان من الله ورسوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) فكتب الآيات منها حتى بلغ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا يونس بن بُكَيْر، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه قال: هذا كتابُ رسول الله ﷺ عندنا، الذي كتبه لعمرو بن حَزْم، حين بعثه إلى اليمن يُفَقه أهلها ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم. فكتب له كتابا وعهدا، وأمره فيه بأمره، فكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله ورسوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) عَهْدٌ من محمد رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون" .
قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود: العهود. وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك قال: والعهود ما كانوا يتعاهدون عليه من الحلف وغيره. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) يعني بالعهود: يعني ما أحل الله وما حرم، وما فرض وما حَد في القرآن كله، فلا تغدروا ولا تنكثوا، ثم شدد في ذلك فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ إلى قوله: ﴿سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] .
وقال الضحاك: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) قال: ما أحل الله وما حرم وما أخذ الله من الميثاق على من أقر بالإيمان بالنبي [ ﷺ ] والكتاب أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام. Ibn Kathir 4/7Ibn Kathir 4/7
وقال زيد بن أسلم: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) قال: هي ستة: عهد الله، وعقد الحلف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين.
وقال محمد بن كعب: هي خمسة منها: حلف الجاهلية، وشركة المفاوضة.
وقد استدل بعض من ذهب إلى أنه لا خيار في مجلس البيع بهذه الآية: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) قال: فهذا يدل على لزوم العقد وثبوته، فيقتضي نفي خيار المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة، ومالك. وخالفهما الشافعي وأحمد بن حنبل والجمهور، والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيحين، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "البَيِّعان بالخيار ما لم يَتَفرَّقا" وفي لفْظ للبخاري: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا" وهذا صريح في إثبات خيار المجلس المتعقب لعقد البيع، وليس هذا منافيًا للزوم العقد، بل هو من مقتضياته شرعا، فالتزامه من تمام الوفاء بالعقد.
وقوله تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ) هي: الإبل والبقر، والغنم. قاله الحسن وقتادة وغير واحد. قال ابن جرير: وكذلك هو عند العرب. وقد استدل ابن عمر، وابن عباس، وغير واحد بهذه الآية على إباحة الجنين إذا وجد ميتا في بطن أمه إذا ذبحت، وقد ورد في ذلك حديث في السنن، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، من طريق مُجالد، عن أبي الودَّاك جبر بن نَوْف، عن أبي سعيد، قال: قلنا: يا رسول الله، ننحر الناقة، ونذبح البقرة أو الشاة في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: "كلوه إن شئتم؛ فإن ذكاته ذكاة أمه" . وقال الترمذي: حديث حسن .
[و] قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عَتَّاب بن بشير، حدثنا عبيد الله بن أبي زياد القداح المكي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال: " ذكاة الجنين ذكاة أمه" . تفرد به أبو داود .
وقوله: (إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني بذلك: الميتة، والدم، ولحم الخنزير.
وقال قتادة: يعني بذلك الميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه.
والظاهر -والله أعلم- أن المراد بذلك قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ فإن هذه وإن كانت من الأنعام إلا أنها تحرم بهذه العوارض؛ ولهذا قال: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ يعني: منها. فإنه حرام لا يمكن استدراكه، وتلاحقُه؛ ولهذا قال تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) أي: إلا ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال. Ibn Kathir 4/8Ibn Kathir 4/8
وقوله: (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) قال بعضهم: هذا منصوب على الحال. والمراد من الأنعام: ما يعم الإنسي من الإبل والبقر والغنم، وما يعم الوحشي كالظباء والبقر والحمر، فاستثنى من الإنسي ما تقدم، واستثنى من الوحشي الصيد في حال الإحرام.
وقيل: المراد [أحللنا لكم الأنعام إلا ما استثني لمن التزم تحريم الصيد وهو حرام، كقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ أي: أبحنا تناول الميتة للمضطر بشرط أن يكون غير باغ ولا عاد، أي: كما] أحللنا الأنعام لكم في جميع الأحوال، فحرموا الصيد في حال الإحرام، فإن الله قد حكم بهذا وهو الحكيم في جميع ما يأمر به وينهى عنه؛ ولهذا قال: (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ)
ثم قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ) قال ابن عباس: يعني بذلك مناسك الحج.
وقال مجاهد: الصفا والمروة والهدي والبُدن من شعائر الله.
وقيل: شعائر الله محارمه [التي حرمها] أي: لا تحلوا محارم الله التي حرمها تعالى؛ ولهذا قال [تعالى] (وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ) يعني بذلك تحريمه والاعتراف بتعظيمه، وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه من الابتداء بالقتال وتأكيد اجتناب المحارم، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. [التوبة: ٣٦] .
وفي صحيح البخاري: عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حُرُم، ثلاث متواليات: ذو القَعْدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مُضَر الذي بين جُمادى وشعبان" .
وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت، كما هو مذهب طائفة من السلف.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ) يعني: لا تستحلوا قتالا فيه. وكذا قال مُقَاتل بن حَيَّان، وعبد الكريم بن مالك الجزَريُّ، واختاره ابن جرير أيضًا، وقد ذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ، وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم، واحتجوا بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] قالوا: والمراد أشهر التسيير الأربعة، ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ قالوا: فلم يستثن شهرا حراما من غيره.
وقد حكى الإمام أبو جعفر [ رحمه الله ] الإجماع على أن الله قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم، وغيرها من شهور السنة، قال: وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه أو ذراعيه بلحاء جميع أشجار الحرم، لم يكن ذلك له أمانا من القتل، إذا لم يكن تقدم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان ولهذه المسألة بحث آخر، له موضع أبسط من هذا. Ibn Kathir 4/9Ibn Kathir 4/9
[و] قوله: (وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ) يعني: لا تتركوا الإهداء إلى البيت؛ فإن فيه تعظيمًا لشعائر الله، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام، وليعلم أنها هدي إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها، فإن من دعا إلى هدْيٍ كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا؛ ولهذا لما حَج رسول الله ﷺ بات بذي الحُلَيْفة، وهو وادي العَقيق، فلما أصبح طاف على نسائه، وكن تسعا، ثم اغتسل وتَطيَّب وصلَّى ركعتين، ثم أشعر هَدْيَه وقلَّدَه، وأهَلَّ بالحج والعمرة وكان هديه إبلا كثيرة تنيفُ على الستين، من أحسن الأشكال والألوان، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] .
قال بعض السلف: إعظامها: استحسانها واستسمانها.
وقال علي بن أبي طالب: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن. رواه أهل السنن
وقال مُقاتل بن حَيَّان: (وَلا الْقَلائِدَ) فلا تستحلوا وكان أهل الجاهلية إذا خرجوا من أوطانهم في غير الأشهر الحرم قلَّدوا أنفسهم بالشَّعْر والوَبَر، وتقلد مشركو الحرم من لَحاء شجر الحرم، فيأمنون به.
رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: حدثنا محمد بن عَمَّار، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عَبَّاد بن العَوَّام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: نسخ من هذه السورة آيتان: آية القلائد، وقوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] .
وحدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا زكريا بن عَدِيّ، حدثنا محمد بن أبي عَدِيّ، عن ابن عَوْن قال: قلت للحسن: نسخ من المائدة شيء؟ قال: لا.
وقال عطاء: كانوا يتقلدون من شجر الحرم، فيأمنون، فنهى الله عن قطع شجره. وكذا قال مُطرِّف بن عبد الله.
وقوله: (وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا) أي: ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام، الذي من دخله كان آمنا، وكذا من قصده طالبا فضل الله وراغبا في رضوانه، فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه.
قال مجاهد، وعطاء، وأبو العالية، ومُطَرِّف بن عبد الله، وعبد الله بن عُبَيد بن عُمير، والربيع بن أنس، وقتادة، ومُقاتل بن حَيَّان في قوله: (يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ) يعني بذلك: التجارة. Ibn Kathir 4/10Ibn Kathir 4/10
وهذا كما تقدم في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]
وقوله: (وَرِضْوَانَا) قال ابن عباس: يترضَّون الله بحجهم.
وقد ذكر عِكْرِمة، والسُّدِّي، وابن جُرَيْجٍ: أن هذه الآية نزلت في الحُطم بن هند البكري، كان قد أغار على سَرْح المدينة، فلما كان من العام المقبل اعتمر إلى البيت، فأراد بعض الصحابة أن يعترضوا في طريقه إلى البيت، فأنزل الله عز وجل (وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا) .
وقد حكى ابن جرير الإجماع على أن المشرك يجوز قتله، إذا لم يكن له أمان، وإن أمَّ البيت الحرام أو بيت المقدس؛ فإن هذا الحكم منسوخ في حقهم، والله أعلم. فأما من قصده بالإلحاد فيه والشرك عنده والكفر به، فهذا يمنع كما قال [تعالى] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] ولهذا بعث رسول الله ﷺ عام تسع -لما أمَّر الصديق على الحجيج-علِيّا، وأمره أن ينادي على سبيل النيابة عن رسول الله ﷺ ببراءة، وألا يحج بعد العام مُشْرِك، ولا يطوفن بالبيت عُرْيان .
وقال [على] بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) يعني من توجه قِبَل البيت الحرام، فكان المؤمنون والمشركون يحجون البيت الحرام، فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدا يحج البيت أو يعرضوا له من مؤمن أو كافر، ثم أنزل الله بعدها: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧] وقال [تعالى] : ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] فنفى المشركين من المسجد الحرام.
وقال عبد الرزاق: حدثنا مَعْمَر، عن قتادة في قوله: (وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) قال: منسوخ، كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تَقلَّد من الشجر، فلم يعرض له أحد، وإذا رجع تقلد قلادة من شَعرٍ فلم يعرض له أحد. وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت، فأمروا ألا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت، فنسخها قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . .
وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: (وَلا الْقَلائِدَ) يعني: إن تقلدوا قلادة من الحرم فأمنوه، قال: ولم تزل العرب تعير من أخفر ذلك، قال الشاعر : Ibn Kathir 4/11Ibn Kathir 4/11
ألَمْ تَقْتُلا الحرْجَين إذ أعورا لكم … يمرَّان الأيدي اللَّحاء المُضَفَّرا
وقوله: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) أي: إذا فرغتم من إحرامكم وأحللتم منه، فقد أبحنا لكم ما كان محرما عليكم في حال الإحرام من الصيد. وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت على السَّبْر: أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجبًا رده واجبًا، وإن كان مستحبًا فمستحب، أو مباحًا فمباح. ومن قال: إنه على الوجوب، ينتقض عليه بآيات كثيرة، ومن قال: إنه للإباحة، يرد عليه آيات أخر، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه، كما اختاره بعض علماء الأصول، والله أعلم.
وقوله: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا) ومن القراء من قرأ: "أن صدوكم" بفتح الألف من "أن" ومعناها ظاهر، أي: لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك عام الحديبية، على أن تعتدوا [في] حكم الله فيكم فتقتصوا منهم ظلمًا وعدوانًا، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في كل أحد. وهذه الآية كما سيأتي من قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] أي: لا يحملنكم بغض أقوام على ترك العدل، فإن العدل واجب على كل أحد، في كل أحد في كل حال.
وقال بعض السلف: ما عاملتَ من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، والعدل به قامت السموات والأرض.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سَهْل بن عثمان حدثنا عبد الله بن جعفر، عن زيد بن أسلم قال: كان رسول الله ﷺ بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق، يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي ﷺ : نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم. فأنزل الله هذه الآية .
والشنآن هو: البغض. قاله ابن عباس وغيره، وهو مصدر من شنَأته أشنؤه شنآنا، بالتحريك، مثل قولهم: جَمَزَان، ودَرَجَان ورَفَلان، من جمز، ودرج، ورفل. قال ابن جرير: من العرب من يسقط التحريك في شنآن، فيقول: شنان. قال: ولم أعلم أحدًا قرأ بها، ومنه قول الشاعر :
ومَا العيشُ إلا ما تُحبُّ وتَشْتَهي … وَإنْ لامَ فيه ذو الشنَّان وفَنَّدَا
وقوله: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ) يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات، وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل. Ibn Kathir 4/12Ibn Kathir 4/12
والتعاون على المآثم والمحارم.
قال ابن جرير: الإثم: ترك ما أمر الله بفعله، والعدوان: مجاوزة ما حد الله في دينكم، ومجاوزة ما فرض عليكم في أنفسكم وفي غيركم .
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا هُشَيْم، حدثنا عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن جده أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "انْصُرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا" . قيل: يا رسول الله، هذا نَصَرْتُه مظلوما، فكيف أنصره إذا كان ظالما؟ قال: "تحجزه تمنعه فإن ذلك نصره" .
انفرد به البخاري من حديث هُشَيْم به نحوه وأخرجاه من طريق ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" . قيل: يا رسول الله، هذا نصرته مظلوما، فكيف أنصره ظالما؟ قال: "تمنعه من الظلم، فذاك نصرك إياه" .
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا سفيان بن سعيد، عن يحيى بن وَثَّاب، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أعظم أجرا من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" .
وقد رواه أحمد أيضا في مسند عبد الله بن عمر: حدثنا حجاج، حدثنا شعبة عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن شيخ من أصحاب النبي ﷺ ، [قال الأعمش: هو ابن عمر، عن النبي ﷺ ] أنه قال: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم" .
وهكذا رواه الترمذي من حديث شعبة، وابن ماجه من طريق إسحاق بن يوسف، كلاهما عن الأعمش، به .
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد أبو شيبة الكوفي، حدثنا بكر بن عبد الرحمن، حدثنا عيسى بن المختار، عن ابن أبي ليلى، عن فُضَيْل بن عمرو، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "الدَّالُّ على الخير كفاعله" . ثم قال: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد . Ibn Kathir 4/13Ibn Kathir 4/13
قلت: وله شاهد في الصحيح: "من دعا إلى هدي كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا" .
وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن زبريق الحمصي، حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، قال عباس بن يونس: إن أبا الحسن نِمْرَان بن مخُمر حدثه أن رسول الله ﷺ قال: "من مشى مع ظالم ليعينه، وهو يعلم أنه ظالم، فقد خرج من الإسلام" . Ibn Kathir 4/14Ibn Kathir 4/14
[ - قوله تعالى: {يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود} ]
اختلف في تأويل العقود:
فقيل: هي العهود التي عاهد عليها بعضهم في الجاهلية من النصرة والمؤازرة، أمروا أن يوفوا بها في الإسلام، وذلك إذا لم يكن في الوفاء بها معصية.
وذكر ابن فرات بن حيان أن العجلي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الجاهلية، فقال: ((لعلك تسأل عن حلف لخم وتيم) )، قال: نعم يا نبي الله، قال: ((لا يزيده الإسلام إلا شدة) ).
وقيل: هي ما عقده المرء على نفسه من بيع وشراء وإجارة وكراء وطلاق ومناكحة ومواعدة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق وتدبير، وغير ذلك من الأمور مما كان غير خارج عن الجائز في الشريعة. وكذلك ما عقده على نفسه لله عز وجل من الطاعات كالحج، والصيام، والاعتكاف، والقيام، وما أشبه ذلك من طاعات ملة الإسلام.
وقيل: نزلت الآية في أهل الكتاب، وأمروا أن يوفوا بما أخذ عليهم من الميثاق في تصديق النبي صلى الله عليه وسلم. وقد كتب بها النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران. Ibn al-Faras 2/295Ibn al-Faras 2/295
وقيل: {أوفوا بالعقود} معناه: بما أحل الله تعالى وبما حرم وبما فرض وبما حد من جميع الأشياء، ووجه القول في هذا أن العقود تنقسم إلى ثلاثة أقسام: منها ما عقده الله تعالى على عبيده، ومنها ما عقده المرء على نفسه، ومنها ما عقده المرء بينه وبين غيره.
ثم هي منقسمة على خمسة أقسام: منها ما يجوز الوفاء به. ومنها لا يجوز الوفاء به، ومنها ما يخير المرء في الوفاء به، ومنها ما يكره الوفاء به، ومنها ما يستحب الوفاء به.
ولفظ العقود يقع على ذلك كله، فهل هو من قبيل المجمل الذي لا يجوز التمسك به حتى يدل دليل على المراد به، أو من قبيل العام الذي يجوز التمسك به في آحاد المسائل حتى يرد مخصص؟
فقيل: هو من قبيل المجمل؛ كقوله تعالى: {وافعلوا الخير} [الحج: ٧٧] ، لا يجوز الاحتجاج به في وجوب الوتر ونحو ذلك. Ibn al-Faras 2/296Ibn al-Faras 2/296
وقيل: هو عام، فيجب أن تحمل الآية على عمومها في كل ما يقع عليه اسم عقد من النذور والأيمان وغير ذلك إلا ما خصصه الشرع، فإذا قلنا بذلك فمن هذه الأشياء ما اتفق عليه، ومنها ما اختلف فيه؛ فمن ذلك النذور اتفق على لزوم الوفاء بنذر طاعة شكرًا لله عز وجل إن كان كذا وكذا فلا خلاف أن هذا داخل تحت عموم قوله تعالى: {أوفوا بالعقود} .
واختلف في النذر المطلق الذي ليس معلقًا بصفة، وفي النذر الخارج مخرج اليمين، وفي النذر في حال اللجاج والغضب، هل يلزم أم لا؟ فعندنا أنه يلزم لعموم قوله تعالى: {أوفوا بالعقود} ، وهذه عقود لا شك فيها.
واختلف في المذهب إذا قال: ((لله علي أن أفعل كذا وكذا، وأن لا أفعل كذا) )، لقربه من القرب، ولم يأت بلفظ النذر هل يلزم أم لا؟ Ibn al-Faras 2/297Ibn al-Faras 2/297
فعندنا فيه قولان: والصحيح لزومه؛ لقوله تعالى: {أوفوا بالعقود} ، من ذلك نذر فعل مباح. واختلف فيه:
فقال ابن حنبل: إن فعله لم يكن عليه شيء، وإن لم يفعله فعليه كفارة، وعندنا أنه لا يلزمه فعله ولا عليه في تركه كفارة؛ لأن النذر الذي يلزم الوفاء به هو الذي فيه قربة، وهذا لا قربة فيه.
واختلف في الذي ينذر في الجاهلية نذرًا مما يوجبه المسلمون لله تعالى، ثم أسلم.
فقال الشافعي: واجب عليه الوفاء بنذره ومن حجته عموم الآية كما قدمناه، وقال مالك: إنه لا يجب الوفاء به.
فقال الشافعي: واجب عليه الوفاء بنذره ومن حجته عموم الآية كما قدمناه، وقال مالك: إنه لا يجب الوفاء به.
ومن ذلك الأيمان اتفق على وجوب الوفاء باليمين التي يعقدها الإنسان على نفسه باسم من أسماء الله عز وجل، فلا خلاف أن هذا داخل تحت قوله تعالى: {أوفوا بالعقود} ، فإن حنث فيها فكفارتها ما ذكره الله تعالى في كتابه، سيأتي الكلام عليه. واختلف في لزوم الوفاء باليمين التي يعقدها الإنسان على نفسه بطاعة من الطاعات كالعتق والمشي إلى مكة والصدقة بالمال، ونحو ذلك. Ibn al-Faras 2/298Ibn al-Faras 2/298
فمنهم من لم يلزم شيئًا من ذلك باليمين، ولم ير فيه إلا كفارة يمين. ومنهم من لم يلزم شيئًا من ذلك ولا أوجب فيه كفارة يمين. ومنهم ن ألزم العتق ولا يلزم الطاعات. ومنهم من ألزم الحالف بشيء من الطاعات، الوفاء بها وهو أصل مذهب مالك، وشذت له مسائل عن هذا الأصل يجب ردها إليه. وحجتنا على هذا القول عموم الآية أي قوله تعالى: {أوفوا بالعقود} ، وهذه كلها عقود لا شك فيها، فيجب الوفاء بها، وهذا كله فيما لله تعالى فيه طاعة، فأما ما ليس فيه طاعة فلا يجب الوفاء به، إلا أنه اختلف في الطلاق إذا خرج مخرج اليمين هل يلزم أم لا؟ وذلك ليس مما لله فيه طاعة.
فالجمهور على أنه يلزم، وذهب بعضهم إلى أنه لا يلزم. Ibn al-Faras 2/299Ibn al-Faras 2/299
ومن حجة الجمهور عموم الآية، ومن ذلك الهبة والصدقة.
واختلف في جواز الرجوع فيها للأجنبي ما لم يقبضها، فأجازه الشافعي وأبو حنيفة مطلقًا، وأجازه بعضهم في الهبة ولم يجزه في الصدقة، وهذا أحد قولي الشافعي، ولم يجزه مالك في واحد منها، والحجة له رحمه الله تعالى قوله تعالى: {وأوفوا بالعقود} . والعقد هو الإيجاب والقبول وهو موجود في مسألتنا، فالوفاء به واجب.
واختلف فيما وهبه الأب لابنه هل له الرجوع فيه، وإن قبضه الابن، أم لا؟ فقال مالك: له ذلك، وبه قال الشافعي على خلاف له، ولمالك في الجد وعلى خلاف لمالك في الأم والجدة.
وقال أبو حنيفة: لا رجوع للأب ولا لذي رحم محرم فيما وهبه، وأجازه الرجوع للأجنبي.
وحجة مالك ومن قال بقوله ما روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يحل لأحد أن يعطي عطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي لولده) )، وهو حديث صحيح، وهو نص في مسألة الأجنبي، فالوالد مخصص لعموم الآية. Ibn al-Faras 2/300Ibn al-Faras 2/300
ومن ذلك الشروط المشترطة في النكاح التي لا تفسده ولم يقترن بها تمليك ولا عتق ولا حظ من الصداق.
فعند مالك رحمه الله أنها تلزم، وعند ابن شهاب وغيره أنها تلزم من التزمها، فمن ألزمها رآها داخلة تحت لفظ العقود، ومن لم يلزمها خصصها من ذلك باعتبار ما فيه قربة. ومن حجة ابن شهاب وغيره قوله عليه الصلاة والسلام: ((المسلمون عند شروطهم) )، وقوله عليه الصلاة والسلام ((أحق الشروط أن توفوا له ما استحللتم به الفروج) ).
القول في هذه الآية أشعر أو لم يشعر وهو قول الشافعي، ومن حجته الآية على هذا التأويل، وظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((زكاة الجنين زكاة أمه) ). Ibn al-Faras 2/301Ibn al-Faras 2/301
ومالك يقول: إن أشعر جاز أكله إذا خرج ميتًا ولا يحتاج إلى ذكاة، وعلى هذا يتأول هذا التأويل في الآية والحديث، وأبو حنيفة لا يجيز أكله إلا أن يخرج حيًا فيذكي والحجة عليه ما قدمناه من الحديث والآية. والأحسن أن يقال: إنه أراد ببهيمة الأنعام الوحش، فأراد تعالى أن يعلمنا بأنها تحل لنا كما تحل الأنعام، ولذلك سماها بهيمة الأنعام، فتكون على هذا القول الأنعام داخلة في التحليل لأن مضمون الآية التسوية بينهما في التحليل، فمن جعل بهيمة الأنعام في الآية الجنين لم يحتج إلى إضمار الذكاة في الآية. ومن جعلها الوحش أو الماشية كما قدمنا احتاج في الآية إلى تقدير الذكاة؛ لأن أكلها لا يجوز إلا بذكاة كأنه قال: أحلت لكم ذكية بهيمة الأنعام ونحو ذلك. وهذا اللفظ مما يختلف فيه أكثر الأصوليين وهو قوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} ، فمنهم من يقول: هو مجمل إذ لا يدري من هذا اللفظ ما أحل منها هل الركوب أو الأكل أو البيع أو غير ذلك، فيجب الوقف حتى يتبين المراد بذلك. ومنهم من يقول: هو على العموم في جميع الأشياء إلا أن يخصص منها شيء. والحذاق منهم يزعمون أن هذا نص على أنه إنما أراد الأكل من جميع تلك الأشياء، قالوا: إلا أن هذه لا يقتضيه وضع اللفظ، وإنما يقتضيه عرف الاستعمال. واختلف في أكل الجلالة فعندنا فيه الكراهية، وحرمه ابن حنبل. Ibn al-Faras 2/302Ibn al-Faras 2/302
واختلف أيضًا في ألبانها وأبوالها وأعراقها على ثلاثة أقوال في المذهب: الطهارة والنجاسة والفرق بين الأبوال وبين غيرها. والحجة لمن يحرم أكل الجلالة ولا شرب ألبانها قوله تعالى: {أحلت لكم بهيمو الأنعام} ، يريد أكلها فعم ولم يخصص جلالة من غيرها. وقوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} دليل خطابه أن ما ليس من بهيمة الأنعام فلم يحل إلا دليل الخطاب في القول به اختلاف. ومن يقول به تركه في بعض الأحوال لما يقتضي ذلك عنده، وسيأتي الكلام إن شاء الله على ما يتعلق بما أشرنا إليه. وذد اختلف في لحم القرد، فكرهته طائفة. وقالت طائفة: أكله جائز، واحتجوا بقوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} . Ibn al-Faras 2/303Ibn al-Faras 2/303
[ - وقوله تعالى: {إلا ما يتلى عليكم} ]
قيل: أراد ما تلى في قوله بعد هذا: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: ٣] الآية، وقيل: أراد الدم المسفوح من المذكاة.
[ - قوله تعالى: {غير محلي الصيد وأنتم حرم} ]
استثناء بعد استثناء، فاستثنى تعالى أولًا نوعًا من المأكول فلم يجزه، ثم استثنى نوعًا من المخاطبين فلم يجز لهم الصيد، وكأنه تعالى يقول إذ أحللنا لكم بهيمة الأنعام فلا تستحلوا أنتم الصيد وأنتم حرم، أي محرمون بحج أو عمرة كذا قال بعضهم، وعندي أن معناه: محرمون بحج أو عمرة أو داخلون في الحرم. ثم قال تعالى: {إن الله يحكم ما يريد} ، أي يحلل ما شاء ويحرم ما شاء.
وهذه الآية قد تضمنت خمسة أحكام: الأول: الوفاء بالعقود، والثاني: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} ، والثالث: {إلا ما يتلى عليكم} ، والرابع: {غير محلي الصيد وأنتم حرم} ، والخامس: ما دلت عليه الآية من إباحة الصيد للحلال، وهذا من أعظم الفصاحة. وحكي أن أصحاب الكندي قالوا له: أيها الحكيم اعمل لنا مثل القرآن. فقال: نعم أعمل مثل بعضه، فاحتجب أيامًا كثيرة، ثم خرج فقال: ((والله ما أقدر، ولا يطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف فرجت لي سورة المائدة فنظرت، فإذا هو قد أمر بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلل تحليلًا عامًا، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين، ولا يستطيع أحد أن يأتي بمثل هذا إلا في أجلاد) ). وقال بعضهم: يؤخذ من قوله: {أوفوا بالعقود} ، و {أحلت لكم بهيمة الأنعام} أن الكفار محظور عليهم ذبيح الأنعام؛ لأنه تعالى إنما أباح الأنعام مجازاة عن الوفاء بالعقود، قالوا: وذبيح الأنعام إنما عرفت إباحته بشرع نبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وإذا أثبت ذلك فلا يباح ذبح البهائم للكفار وإن كانوا أهل كتاب. وهذا بعيد لأنه لو لم يكن ذبح البهائم مباحًا لهم ما جاز للمسلمين أكل ذبائح أهل الكتاب. ويمكن أن يقال على هذا بأنه محرم عليهم الذبح، لكنهم إذا ذبحوا أكلت ذبائحهم. Ibn al-Faras 2/304Ibn al-Faras 2/304
Choose one book or more.