The Noble Qur’an Search the Qur’an by a word or a number like 2:282Ctrl K

يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ ١

Sura Al-Muddaththir, ayah 1Meccan
In its sura

Commentary

Chosenal-Durr al-Manthural-Tafsir al-MuyassarTafsir al-Qur’an al-‘Azim
al-Tafsir al-Muyassara group of scholars

يا أيها المتغطي بثيابه، قم مِن مضجعك، فحذِّر الناس من عذاب الله، وخُصَّ ربك وحده بالتعظيم والتوحيد والعبادة، وَطَهِّر ثيابك من النجاسات؛ فإن طهارة الظاهر من تمام طهارة الباطن، ودُمْ على هَجْر الأصنام والأوثان وأعمال الشرك كلها، فلا تقربها، ولا تُعط العطيَّة؛ كي تلتمس أكثر منها، ولمرضاة ربك فاصبر على الأوامر والنواهي.

al-Durr al-Manthural-Suyuti · d. 911 AH

أخرج ابْن الضريس وَابْن مرْدَوَيْه والنحاس وَالْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: نزلت سُورَة المدثر بِمَكَّة

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن الزبير مثله

وَأخرج الطَّيَالِسِيّ وَعبد الرَّزَّاق وَأحمد وَعبد بن حميد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن الضريس وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه وَابْن الْأَنْبَارِي فِي الْمَصَاحِف قَالَ: سَأَلت أَبَا سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أول مَا نزل من الْقُرْآن فَقَالَ: يَا أَيهَا المدثر قلت: يَقُولُونَ {اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق} فَقَالَ أَبُو سَلمَة: سَأَلت جَابر بن عبد الله عَن ذَلِك قلت لَهُ مثل مَا قلت

قَالَ جَابر: لَا أحَدثك إِلَّا مَا حَدثنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: جَاوَرت بحراء فَلَمَّا قضيت جواري فنوديت فَنَظَرت عَن يَمِيني فَلم أرَ شَيْئا وَنظرت عَن شمَالي فَلم أرَ شَيْئا وَنظرت خَلْفي فَلم أرَ شَيْئا فَرفعت رَأْسِي فَإِذا الْملك الَّذِي جائني بحراء جَالس على كرْسِي بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فجثثت مِنْهُ رعْبًا فَرَجَعت فَقلت دَثرُونِي فَدَثَّرُونِي فَنزلت {يَا أَيهَا المدثر قُم فَأَنْذر} إِلَى قَوْله: {وَالرجز فاهجر} وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه بِسَنَد ضَعِيف عَن ابْن عَبَّاس أَن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة صنع لقريش طَعَاما فَلَمَّا أكلُوا قَالَ: مَا تَقولُونَ فِي هَذَا الرجل فَقَالَ بَعضهم: سَاحر وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ بساحر وَقَالَ بَعضهم: كَاهِن وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ بكاهن وَقَالَ بَعضهم: شَاعِر وَقَالَ بَعضهم لَيْسَ بشاعر وَقَالَ بَعضهم: سحر يُؤثر فَاجْتمع رَأْيهمْ على أَنه سحر يُؤثر فَبلغ ذَلِك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَخرج وقنع رَأسه وتدثر فَأنْزل الله {يَا أَيهَا المدثر} إِلَى قَوْله: {ولربك فاصبر} al-Suyuti 8/324al-Suyuti 8/324

وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا {يَا أَيهَا المدثر} قَالَ: دثرت هَذَا الْأَمر فَقُمْ بِهِ

وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ رَضِي الله عَنهُ {يَا أَيهَا المدثر} قَالَ: كَانَ متدثراً فِي قطيف يَعْنِي شملة صَغِيرَة الخمل {وثيابك فطهر} قَالَ: من الإِثم {وَالرجز فاهجر} قَالَ: الإِثم {وَلَا تمنن تستكثر} قَالَ: لَا تعط شَيْئا لتعطى أَكثر مِنْهُ {ولربك فاصبر} قَالَ: إِذا أَعْطَيْت عَطِيَّة فأعطها لِرَبِّك واصبر حَتَّى يكون هُوَ الَّذِي يثيبك

وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة رَضِي الله عَنهُ {يَا أَيهَا المدثر} قَالَ: المتدثر فِي ثِيَابه {قُم فَأَنْذر} قَالَ: أنذر عَذَاب رَبك وَوَقَائعه فِي الْأُمَم وَشدَّة نقمته إِذا انتقم {وثيابك فطهر} يَقُول: طهرهَا من الْمعاصِي وَهِي كلمة عَرَبِيَّة كَانَت الْعَرَب إِذا نكث الرجل وَلم يوف بعهده قَالُوا: إِن فلَانا لدنس الثِّيَاب وَإِذا أوفى وَأصْلح قَالُوا: إِن فلَانا لطاهر الثِّيَاب {وَالرجز فاهجر} قَالَ: هما صنمان كَانَا عِنْد الْبَيْت أساف ونائلة يمسح وُجُوههمَا من أَتَى عَلَيْهِمَا من الْمُشْركين فَأمر الله نبيه مُحَمَّدًا أَن يهجرهما ويجانبهما {وَلَا تمنن تستكثر} قَالَ: لَا تعط شَيْئا لمثابة الدُّنْيَا وَلَا لمجازاة النَّاس

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن أبي مَالك رَضِي الله عَنهُ {وَرَبك فَكبر} قَالَ: عظم {وثيابك فطهر} قَالَ: عَنى نَفسه {وَالرجز فاهجر} قَالَ: الشَّيْطَان والأوثان

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ: قُلْنَا يَا رَسُول الله كَيفَ نقُول إِذا دَخَلنَا فِي الصَّلَاة فَأنْزل الله {وَرَبك فَكبر} فَأمرنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن نفتتح الصَّلَاة بِالتَّكْبِيرِ وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا {يَا أَيهَا المدثر} قَالَ: النَّائِم {وثيابك فطهر} قَالَ: لَا تكن ثِيَابك الَّتِي تلبس من مكسب بَاطِل {وَالرجز فاهجر} قَالَ: الْأَصْنَام {وَلَا تمنن تستكثر} قَالَ: لَا تعط عَطِيَّة تلتمس بهَا أفضل مِنْهَا al-Suyuti 8/325al-Suyuti 8/325

وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا {وثيابك فطهر} قَالَ: من الإِثم قَالَ: وَهِي فِي كَلَام الْعَرَب نقي الثِّيَاب

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي قَوْله: {وثيابك فطهر} قَالَ: من الْغدر وَلَا تكن غداراً

وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن الْأَنْبَارِي فِي الْوَقْف والابتداء وَابْن مرْدَوَيْه عَن عِكْرِمَة أَن ابْن عَبَّاس سُئِلَ عَن قَوْله: {وثيابك فطهر} قَالَ: لَا تلبسها على غدرة وَلَا فجرة ثمَّ قَالَ: أَلا تَسْمَعُونَ قَول غيلَان بن سَلمَة: إِنِّي بِحَمْد الله لَا ثوب فَاجر لبست وَلَا من غدرة أتقنع وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر عَن سعيد بن جُبَير رَضِي الله عَنهُ قَالَ: كَانَ الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا كَانَ غدراً قَالُوا: فلَان دنس الثِّيَاب

وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن أبي رزين {وثيابك فطهر} قَالَ: عَمَلك أصلحه كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة إِذا كَانَ الرجل حسن الْعَمَل قَالُوا: فلَان طَاهِر الثِّيَاب

وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد رَضِي الله عَنهُ فِي قَوْله: {وثيابك فطهر} قَالَ: وعملك فَأصْلح

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا {وثيابك فطهر} قَالَ: لست بكاهن وَلَا سَاحر فَأَعْرض عَنهُ {وَالرجز فاهجر} قَالَ: الْأَوْثَان {وَلَا تمنن تستكثر} قَالَ: لَا تعط مصانعة رَجَاء أفضل مِنْهُ من الثَّوَاب {ولربك فاصبر} قَالَ: على مَا أوذيت

وَأخرج عبد بن حميد عَن أبي مَالك رَضِي الله عَنهُ {وثيابك فطهر} قَالَ: عَنى نَفسه وَأخرج عبد بن حميد عَن مُجَاهِد رَضِي الله عَنهُ {وثيابك فطهر} قَالَ: لَيْسَ ثِيَابه الَّذِي يلبس al-Suyuti 8/326al-Suyuti 8/326

وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن الْحسن رَضِي الله عَنهُ فِي قَوْله: {وثيابك فطهر} قَالَ: خلقك فَحسن

وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن يزِيد بن مرْثَد فِي قَوْله: {وثيابك فطهر} أَنه ألْقى على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سلا شَاة

وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ أَنه قَرَأَ على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم {وَالرجز فاهجر} بِالْكَسْرِ

وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر رضى الله عَنهُ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: {وَالرجز فاهجر} بِرَفْع الرَّاء وَقَالَ: هِيَ الْأَوْثَان وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن حَمَّاد رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قَرَأت فِي مصحف أبي وَلَا تمنن تستكثر

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن عِكْرِمَة رَضِي الله عَنهُ {وَلَا تمنن تستكثر} يَقُول: لَا تعط شَيْئا لتعطى أَكثر مِنْهُ وَإِنَّمَا نزل هَذَا فِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

وَأخرج عبد بن حميد عَن الضَّحَّاك رَضِي الله عَنهُ {وَلَا تمنن تستكثر} قَالَ: لَا تعط شَيْئا لتعطى أَكثر مِنْهُ وَهِي للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَاصَّة وَالنَّاس موسع عَلَيْهِم

وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا {وَلَا تمنن تستكثر} قَالَ: لَا تعط الرجل عَطاء رَجَاء أَن يعطيك أَكثر مِنْهُ

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد رَضِي الله عَنهُ {وَلَا تمنن تستكثر} قَالَ: لَا تعظم عَمَلك فِي عَيْنك أَن تستكثر من الْخَيْر

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا {وَلَا تمنن تستكثر} قَالَ: لَا تقل قد دعوتهم فَلم يقبل مني عد فادعهم {ولربك فاصبر} على ذَلِك

أخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي قَوْله: {فَإِذا نقر فِي الناقور} قَالَ: الصُّور {يَوْم عسير} قَالَ: شَدِيد

وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد عَن قَتَادَة رَضِي الله عَنهُ {فَإِذا نقر فِي الناقور} قَالَ: فَإِذا نفخ فِي الصُّور

وَأخرج عبد بن حميد عَن عِكْرِمَة رَضِي الله عَنهُ وَأبي مَالك وعامر مثله وَأخرج عبد بن حميد عَن مُجَاهِد رَضِي الله عَنهُ قَالَ: الناقور الصُّور شَيْء كَهَيئَةِ البوق al-Suyuti 8/327al-Suyuti 8/327

وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: نزلت {فَإِذا نقر فِي الناقور} قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كَيفَ أنعم وَصَاحب الصُّور قد الْتَقم الْقرن وحنى جَبهته يستمع مَتى يُؤمر قَالُوا: كَيفَ نقُول يَا رَسُول الله قَالَ: قُولُوا حَسبنَا الله وَنعم وَالْوَكِيل على الله توكلنا

وَأخرج ابْن سعد وَالْحَاكِم عَن بهز بن حَكِيم قَالَ: أمنا زُرَارَة بن أوفى فَقَرَأَ المدثر فَلَمَّا بلغ {فَإِذا نقر فِي الناقور} خر مَيتا فَكنت فِيمَن حمله

وَأخرج عبد حميد عَن قَتَادَة {فَذَلِك يَوْمئِذٍ يَوْم عسير} قَالَ: ثمَّ بَين على من مشقته وعسره فَقَالَ: {على الْكَافرين غير يسير} al-Suyuti 8/328al-Suyuti 8/328

Tafsir al-Qur’an al-‘AzimIbn Kathir · d. 774 AH
يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍon ayat 1 to 10Ibn Kathir 9/261Ibn Kathir 9/261

ثبت في صحيح البخاري [من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة] عن جابر أنه كان يقول: أول شيء نزل من القرآن: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ)

وخالفه الجمهور فذهبوا إلى أن أول القرآن نزولا قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ كما سيأتي [بيان] ذلك هناك.

قال البخاري: حدثنا يحيى، حدثنا وَكِيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن، قال: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) قلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾؟ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك، وقلتُ له مثل ما قلتَ لي، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله ﷺ قال: "جاورت بحرَاء، فلما قضيت جواري هبطتُ فنُوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا. فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة فقلت: دثروني. وصبوا علي ماء باردا. قال: فدثروني وصبوا علي ماء باردا قال: فنزلت (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ)

هكذا ساقه من هذا الوجه. وقد رواه مسلم من طريق عُقَيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد الله: أنه سمع رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحي: "فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري قبَلَ السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فَجَثَثْتُ منه حتى هَوَيتُ إلى الأرض، فجئت إلى أهلي، فقلت: زملوني زملوني. فزملوني، فأنزل الله (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ) إلى: (فَاهْجُرْ) - قال أبو سلمة: والرجز: الأوثان -ثم حَميَ الوحيُ وتَتَابع ". Ibn Kathir 9/261Ibn Kathir 9/261

هذا لفظ البخاري وهذا السياق هو المحفوظ، وهو يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا، لقوله: "فإذا الملك الذي جاءني بحراء "، وهو جبريل حين أتاه بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ثم إنه حصل بعد هذا فترة، ثم نزل الملك بعد هذا. ووجه الجمع أن أول شيء نزل بعد فترة الوحي هذه السورة، كما قال الإمام أحمد:

حدثنا حجاج، حدثنا لَيْث، حدثنا عُقَيل، عن ابن شهاب قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: أخبرني جابر بن عبد الله: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ثم فتر الوحي عني فترة، فبينا أنا أمشي سمعتُ صوتًا من السماء، فرفعت بصري قِبَل السماء، فإذا الملك الذي جاءني [بحراء الآن] قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فَجُثت منه فَرَقًا، حتى هَوَيت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت لهم: زملوني زملوني. فزملوني، فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) ثم حمي الوحي [بعدُ] وتتابع". أخرجاه من حديث الزهري، به .

وقال الطبراني: حدثنا محمد بن علي بن شعيب السمسار، حدثنا الحسن بن بشر البَجَلي، حدثنا المعافى بن عمران، عن إبراهيم بن يزيد، سمعت ابن أبي مُلَيْكة يقول: سمعت ابن عباس يقول: إن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاما، فلما أكلوا. قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: ساحر. وقال بعضهم ليس بساحر. وقال بعضهم: كاهن. وقال بعضهم: ليس بكاهن. وقال بعضهم: شاعر. وقال بعضهم ليس بشاعر. وقال بعضهم: [بل] سحر يُؤثر. فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر. فبلغ ذلك النبي ﷺ فحزنَ وقَنعَ رأسه، وتَدَثَّر، فأنزل الله (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) .

فقوله (قُمْ فَأَنْذِرْ) أي: شمر عن ساق العزم، وأنذر الناس. وبهذا حصل الإرسال، كما حصل بالأول النبوة.

(وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) أي: عظم.

وقوله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال الأجلح الكندي، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه أتاه رجل فسأله عن هذه الآية: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) Ibn Kathir 9/262Ibn Kathir 9/262

قال: لا تلبسها على معصية ولا على غَدْرَة. ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي:

فَإني بحمد الله لا ثوبَ فَاجر … لبستُ ولا من غَدْرَة أتَقَنَّعُ

وقال ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس [في هذه الآية] (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: في كلام العرب: نَقِي الثياب. وفي رواية بهذا الإسناد: فطهر من الذنوب. وكذا قال إبراهيم، الشعبي، وعطاء.

وقال الثوري، عن رجل، عن عطاء، عن ابن عباس في هذه الآية: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: من الإثم. وكذا قال إبراهيم النخعي.

وقال مجاهد: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: نفسك، ليس ثيابه. وفي رواية عنه: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) عملك فأصلح، وكذا قال أبو رَزِين. وقال في رواية أخرى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) أي: لست بكاهن ولا ساحر، فأعرض عما قالوا.

وقال قتادة: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) أي: طهرها من المعاصي، وكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يف بعهد الله إنه لَمُدنَس الثياب. وإذا وفى وأصلح: إنه لمطهر الثياب.

وقال عكرمة، والضحاك: لا تلبسها على معصية.

وقال الشاعر

إذا المرءُ لم يَدْنَس منَ اللؤم عِرْضُه … فَكُلّ ردَاء يَرْتَديه جَميلُ

وقال العوفي، عن ابن عباس: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) [يعني] لا تك ثيابك التي تلبس من مكسب غير طائب، ويقال: لا تلبس ثيابك على معصية.

وقال محمد بن سيرين: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) أي: اغسلها بالماء.

وقال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره الله أن يتطهر، وأن يطهر ثيابه.

وهذا القول اختاره ابن جرير، وقد تشمل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب، فإن العرب تطلق الثياب عليه، كما قال امرؤ القيس:

أفاطمَ مَهلا بعض هَذا التَدَلُّل … وَإن كُنت قَد أزْمَعْت هَجْري فأجْمِلي

وَإن تَكُ قَد سَاءتك مني خَليقَةٌ … فَسُلّي ثِيَابي مِن ثيابك تَنْسُلِ

وقال سعيد بن جبير: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) وقلبك ونيتك فطهر. Ibn Kathir 9/263Ibn Kathir 9/263

وقال محمد بن كعب القرظي، والحسن البصري: وخُلقَك فَحسّن.

وقوله: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَالرُّجْزَ) وهو الأصنام، فاهجر. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والزهري، وابن زيد: إنها الأوثان.

وقال إبراهيم، والضحاك: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) أي: اترك المعصية.

وعلى كل تقدير فلا يلزم تلبسه بشيء من ذلك، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١] ﴿وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] .

وقوله: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال ابن عباس: لا تعط العطية تلتمس أكثر منها. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، وعطاء، وطاوس، وأبو الأحوص، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم.

وروي عن ابن مسعود أنه قرأ: "ولا تمنن أن تستكثر" .

وقال الحسن البصري: لا تمنن بعملك على ربك تستكثره. وكذا قال الربيع بن أنس، واختاره ابن جرير. وقال خصيف، عن مجاهد في قوله: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قال تمنن في كلام العرب: تضعف.

وقال ابن زيد: لا تمنن بالنبوة على الناس، تستكثرهم بها، تأخذ عليه عوضا من الدنيا.

فهذه أربعة أقوال، والأظهر القول الأول، والله أعلم.

وقوله: (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) أي: اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك عز وجل ، قاله مجاهد. وقال إبراهيم النخعي: اصبر عطيتك لله تعالى .

وقوله: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) قال ابن عباس، ومجاهد والشعبي، وزيد بن أسلم، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي، وابن زيد: (النَّاقُورِ) الصور. قال مجاهد: وهو كهيئة القرن.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أسباط بن محمد، عن مُطَرِّف، عن عطية العوفي، عن ابن عباس: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ) فقال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته، ينتظر متى يؤمر فينفخ؟ " فقال أصحاب رسول الله ﷺ : فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا" .

وهكذا رواه الإمام أحمد عن أسباط، به ورواه ابن جرير عن أبي كُرَيْب، عن ابن فضيل وأسباط، كلاهما عن مطرف، به. ورواه من طريق أخرى، عن العوفي، عن ابن عباس، به . Ibn Kathir 9/264Ibn Kathir 9/264

وقوله: (فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ) أي: شديد.

(عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) أي: غير سهل عليهم. كما قال تعالى ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨] .

وقد روينا عن زُرَارة بن أوفى -قاضي البصرة-: أنه صلى بهم الصبح، فقرأ هذه السورة، فلما وصل إلى قوله: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) شَهِقَ شهقة، ثم خر ميتا، رحمه الله . Ibn Kathir 9/265Ibn Kathir 9/265