فَأَثَرْنَ بِهِۦ نَقْعًۭا ٤
Commentary
فهيَّجْنَ بهذا العَدْو غبارًا.
يقسم تعالى بالخيل إذا أجريت في سبيله فَعَدت وضَبَحت، وهو: الصوت الذي يسمع من الفرس حين تعدو. (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا) يعني: اصطكاك نعالها للصخر فتقدح منه النار.
(فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا) يعني: الإغارة وقت الصباح، كما كان رسول الله ﷺ يغير صباحًا ويتسمّع أذانا، فإن سمع وإلا أغار.
[وقوله] (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا) يعني: غبارًا في [مكان] معترك الخيول.
(فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا) أي: توسطن ذلك المكان كُلُّهن جمع.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبدة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا) قال: الإبل.
وقال علي: هي الإبل. وقال ابن عباس: هي الخيل. فبلغ عليا قولُ ابن عباس، فقال: ما كانت لنا خيل يوم بدر. قال ابن عباس: إنما كان ذلك في سرية بعثت.
قال ابن أبي حاتم وابن جرير: حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس حدثه، قال: بينا أنا في الحِجْر جالسا، جاءني رجل فسألني عن: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا) فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله، ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم. فانفتل عني فذهب إلى علي، رضي الله عنه ، وهو عند سقاية زمزم فسأله عن (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا) فقال: سألت عنها أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت ابن عباس فقال: الخيل حين تغير في سبيل الله. قال: اذهب فادعه لي. فلما وقف على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك، والله لئن كان أولَ غزوة في الإسلام بدر، وما كان معنا إلا فَرَسان: فرس للزبير وفرس للمقداد، فكيف تكون العاديات ضبحًا؟ إنما العاديات ضبحا من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى. Ibn Kathir 9/465Ibn Kathir 9/465
قال ابن عباس: فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال علي، رضي الله عنه .
وبهذا الإسناد عن ابن عباس قال: قال علي: إنما (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا) من عرفة إلى المزدلفة، فإذا أووا إلى المزدلفة أوروا النيران.
وقال العَوفي عن ابن عباس: هي الخيل.
وقد قال بقول علي: إنها الإبل جماعة. منهم: إبراهيم، وعبيد بن عمير وبقول ابن عباس آخرون، منهم: مجاهد وعكرمة، وعطاء وقتادة، والضحاك. واختاره ابن جرير.
قال ابن عباس، وعطاء: ما ضبحت دابة قط إلا فرس أو كلب.
وقال ابن جُرَيْج عن عطاء سمعت ابن عباس يصف الضبح: أح أح.
وقال أكثر هؤلاء في قوله: (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا) يعني: بحوافرها. وقيل: أسعَرْنَ الحرب بين رُكبانهن. قاله قتادة.
وعن ابن عباس ومجاهد: (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا) يعني: مكر الرجال.
وقيل: هو إيقاد النار إذا رجعوا إلى منازلهم من الليل.
وقيل: المراد بذلك: نيران القبائل.
وقال من فسرها بالخيل: هو إيقاد النار بالمزدلفة.
وقال ابن جرير: والصواب الأول؛ أنها الخيل حين تقدح بحوافرها.
وقوله (فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا) قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: يعني إغارة الخيل صبحًا في سبيل الله.
وقال من فسرها بالإبل: هو الدفع صبحا من المزدلفة إلى منى.
وقالوا كلهم في قوله: (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا) هو: المكان الذي إذا حلت فيه أثارت به الغبار، إما في حج أو غزو.
وقوله: (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا) قال العَوفى، عن ابن عباس، وعطاء، وعكرمة، وقتادة، والضحاك: يعني جَمَع الكفار من العدو.
ويحتمل أن يكون: فوسطن بذلك المكان جَميعُهُن، ويكون (جَمْعًا) منصوبا على الحال المؤكدة.
وقد روى أبو بكر البزار هاهنا حديثًا [غريبًا جدًا] فقال: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حفص بن جُمَيع، حدثنا سِمَاك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ خيلا فأشهرت شهرًا لا يأتيه منها خبر، فنزلت: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا) ضبحت بأرجلها، (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا) قدحت بحوافرها الحجارة فأورت نارًا، (فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا) صبَّحت القوم بغارة، (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا) أثارت بحوافرها التراب، (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا) قال: صبحت القوم جميعا . Ibn Kathir 9/466Ibn Kathir 9/466
وقوله: (إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) هذا هو المقسم عليه، بمعنى: أنه لنعم ربه لجحود كفور.
قال ابن عباس، ومجاهد وإبراهيم النَّخعِي، وأبو الجوزاء، وأبو العالية، وأبو الضحى، وسعيد بن جبير، ومحمد بن قيس، والضحاك، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، وابن زيد: الكنود: الكفور. قال الحسن: هو الذي يعد المصائب، وينسى نعم ربه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) قال: "الكفور الذي يأكل وحده، ويضرب عبده، ويمنع رفده" .
ورواه ابن أبي حاتم، من طريق جعفر بن الزبير -وهو متروك-فهذا إسناد ضعيف. وقد رواه ابن جرير أيضا من حديث حريز بن عثمان، عن حمزة بن هانئ، عن أبي أمامة موقوفا .
وقوله: (وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ) قال قتادة وسفيان الثوري: وإن الله على ذلك لشهيد. ويحتمل أن يعود الضمير على الإنسان، قاله محمد بن كعب القرظي، فيكون تقديره: وإن الإنسان على كونه كنودا لشهيد، أي: بلسان حاله، أي: ظاهر ذلك عليه في أقواله وأفعاله، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]
وقوله: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) أي: وإنه لحب الخير - وهو: المال-لشديد. وفيه مذهبان:
أحدهما: أن المعنى: وإنه لشديد المحبة للمال.
والثاني: وإنه لحريص بخيل؛ من محبة المال. وكلاهما صحيح.
ثم قال تعالى مُزَهِّدا في الدنيا، ومُرَغِّبًا في الآخرة، ومنبهًا على ما هو كائن بعد هذه الحال، وما يستقبله الإنسان من الأهوال: (أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ) أي: أخرج ما فيها من الأموات. Ibn Kathir 9/467Ibn Kathir 9/467
فَأَثَرْنَ بِهِ من الإثارة وهي التهييج وتحريك الغبار ونحوه. والأصل أثورن نقلت حركة الواو إلى ما قبلها وقلبت ألفا وحذفت لاجتماع الساكنين، والفعل عطف على الاسم قبله وهو العاديات، أو ما بعده لأنه اسم فاعل وهو في معنى الفعل خصوصا إذا وقع صلة فكأنه قيل: فاللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن. ولا شذوذ في مثله لأن الفعل تابع فلا يلزم دخول أل عليه ولا حاجة إلى أن يقال هو معطوف على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه. والحكمة في مجيء هذا فعلا بعد اسم فاعل على ما قال ابن المنير تصوير هذه الأفعال في النفس فإن التصوير يحصل بإيراد الفعل بعد الاسم لما بينهما من التخالف وهو أبلغ من التصوير بالأسماء المتناسقة وكذلك التصوير بالمضارع بعد المضارع كقول ابن معد يكرب:
بأني قد لقيت الغول يهوي ... بشهب كالصحيفة صحصحان
فآخذه فأضربه فخرت ... صريعا لليدين وللجران
وخص هذا المقام من الفائدة على ما قال الطيبي أن الخيل وصفت بالأوصاف الثلاثة ليرتب عليها ما قصد من الظفر بالفتح فجيء بهذا الفعل الماضي وما بعده مسببين عن أسماء الفاعلين فأفاد ذلك أن تلك المداومة أنتجت هاتين البغيتين، ويفهم منه أن الفاء لتفريع ما بعدها عما قبلها وجعله مسببا عنه وسيأتي الكلام فيها قريبا إن شاء الله تعالى وضمير بِهِ للصبح والباء ظرفية أي فهيجن في ذلك الوقت نَقْعاً أي غبارا وتخصيص إثارته بالصبح لأنه لا يثور أو لا يظهر ثورانه بالليل وبهذا يظهر أن الإيراء الذي لا يظهر في النهار واقع في الليل. وفي ذكر إثارة الغبار إشارة بلا غبار إلى شدة العدو وكثرة الكر والفر وكثيرا ما يشيرون به إلى ذلك ومنه قول ابن رواحة: al-Alusi 15/442al-Alusi 15/442
عدمت بنيتي إن لم تروها ... تثير النقع من كنفي كداء
وقال أبو عبيدة: النقع رفع الصوت ومنه قول لبيد:
فمتى ينقع صراخ صادق ... يحلبوه ذات جرس وزجل
وقول عمر رضي الله تعالى عنه وقد قيل له يوم توفي خالد بن الوليد إن النساء قد اجتمعن يبكين على خالد: ما على نساء بني المغيرة أن يسفكن على أبي سليمان دموعهن وهن جلوس ما لم يكن نقع ولا لقلقة.
والمعنى عليه فهيجن في ذلك الوقت صياح وهو صياح من هجم عليه وأوقع به. والمشهور المعنى الأول وجوز كون ضمير به للعدو الدال عليه العاديات أو للإغارة الدال عليها المغيرات والتذكير لتأويلها بالجري ونحوه والباء للسببية أو للملابسة وجوز كونها ظرفية أيضا والضمير للمكان الدال عليه السياق والأول أظهر وألطف.
ومثله ضمير بِهِ في قوله عز وجل فَوَسَطْنَ بِهِ أي فتوسطن في ذلك الوقت جَمْعاً من جموع الأعداء وجوز فيه وفي بائه نحو ما تقدم في به قبله وجوز أيضا كون الضمير للنقع والباء للملابسة أي فتوسطن ملتبسات بالنقع جمعا أو هي على ما قيل للتعدية إن أريد أنها وسطت الغبار والفاءات كما في الإرشاد للدلالة على ترتيب ما بعد كل منها على ما قبله فتوسط الجمع مترتب على الإثارة المترتبة على الإيراء المترتب على العدو. وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة «فأثّرن» و «فوسّطن» بتشديد الثاء والسين. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وزيد بن علي وقتادة وابن أبي ليلى الأول كالجمهور والثاني كذين. والمعنى على تشديد الأول فأظهرن به غبارا لأن التأثير فيه معنى الإظهار وعلى تشديد الثاني على نحو ما تقدم. فقد نقلوا أن وسط مخففا ومثقلا بمعنى واحد وأنهما لغتان. وقال ابن جني المعنى ميزن به جمعا أي جعلنه شطرين أي قسمين وشقين. وقال الزمخشري: التشديد فيه للتعدية والباء مزيدة للتأكيد كما في قوله تعالى «وأتوا به» في قراءة وهي مبالغة في وسّطن وجوز أن يكون قلب ثورن إلى وثرن ثم قلبت الواو همزة فالمعنى على ما مرّ وهو تمحل مستغنى عنه.
وعن السدي ومحمد بن كعب وعبيد بن عمير أنهم قالوا
العاديات هي الإبل تعدو ضبحا من عرفة إلى المزدلفة ومن المزدلفة إلى منى. ونسب إلى عليّ كرم الله تعالى وجهه
فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: بينما أنا في الحجر جالس إذ أتاني رجل فسألني عن الْعادِياتِ ضَبْحاً فقلت: الخيل حين تغير في سبيل الله تعالى ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم ويورون نارهم، فانفتل عني فذهب إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وهو جالس تحت سقاية زمزم، فسأله عن العاديات ضبحا فقال سألت عنها أحدا قبلي؟ قال: نعم سألت عنها ابن عباس.
فقال: هي الخيل حين تغير في سبيل الله تعالى فقال: اذهب فادعه لي فلما وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك به، والله إن كانت لأول غزوة في الإسلام لبدر وما كان معنا إلّا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد بن الأسود فكيف تكون العاديات ضبحا؟ إنما العاديات ضبحا الإبل تعدو من عرفة إلى المزدلفة فإذا أووا إلى المزدلفة أوروا النيران فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً من المزدلفة إلى منى فذلك جمع. وأما قوله تعالى فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً فهو نقع الأرض حين تطؤها بخفافها. قال ابن عباس: فنزعت عن قولي إلى قول عليّ كرم الله تعالى وجهه ورضي الله تعالى عنه.
واستشكل رده كرم الله تعالى وجهه كون المراد بها الخيل بما كان من أمر غزوة بدر بأن ابن عباس لم يدع أن أل في العاديات للعهد وأنها إشارة إلى عاديات بدر، ولا أن السورة نزلت في شأن تلك الغزوة ليلزم تحقق ذلك فيها ودخولها تحت العموم بل ظاهر كلامه حمل ذلك على جنس الخيل التي تعدو في سبيل الله عز وجل وإن حملت على العهد. وقيل: إن المعهود هو الخيل التي بعثها عليه الصلاة والسلام للغزو على ما سمعت صدر السورة وكذا على ما روي من أنه عليه الصلاة والسلام بعث إلى أناس من بني كنانة سرية واستعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري وكان أحد النقباء فأبطأ صلّى الله عليه وسلم خبرها شهرا، فقال المنافقون: إنهم قتلوا، فنزلت السورة إخبارا له عليه الصلاة والسلام بسلامتها وبشارة له صلّى الله عليه وسلم بإغارتها على القوم لم يبعد، وأجيب بأنه كرم الله تعالى وجهه أراد أن غزوة بدر هي أفضل غزوات الإسلام وبدرها الذي ليس فيه انثلام فيتعين أن لا تكون المراد ذلك. ويسلك في الآية ما يناسبها من المسالك ولا يخفى أن هذا الجواب لا يتحمل لمزيد ضعفه الإغارة عليه وإطلاق أعنّة عاديات الأفكار إليه والأحرى أن الخبر لا صحة له وتصحيح الحاكم محكوم عليه عند أهل الأثر بكثرة التساهل فيه وأنه غير معتبر ثم إن النقل عنه رضي الله تعالى عنه في المراد بالعاديات متعارض بما تقدم أنه إبل الحجاج. ونقل صاحب التأويلات أنه كرم الله تعالى وجهه فسرها بإبل بدر وأن ابن مسعود هو الذي فسرها بإبل الحجاج. ويرجح إرادة الخيل أن إثارة النقع فيها أظهر منها في الإبل ثم إن ذلك الخبر يقتضي أن للقسم به نوعان الخيل والإبل وجماعة الغزاة أو الحجاج الموقدة نارا لطعامها أو نحوه. وفي بعض الآثار عن ابن عباس ما هو أصرح مما تقدم في تفسير الموريات بما يغاير العاديات بالذات ففي البحر عنه أنها الجماعة التي توري نارها بالليل لحاجتها وطعامها. وفي رواية أخرى عنه تلك جماعة الغزاة تكثر النار إرهابا ورويت المغايرة عن آخرين أيضا. فعن مجاهد وزيد بن أسلم وهي رواية أخرى عن ابن عباس هي الجماعة تمكر في الحرب فالعرب تقول إذا أرادت المكر بالرجل: والله لأورين له، ومن الغريب ما روي عن عكرمة أنها ألسنة الرجال توري النار من عظيم ما يتكلم به ويظهر من الحجج والدلائل وإظهار الحق وإبطال الباطل وهو كما ترى. al-Alusi 15/443al-Alusi 15/443
ومن البطون والإشارات أن يكون المقسم به النفوس العادية إثر كمالهن الموريات بأفكارهن أنوار المعارف والمغيرات على الهوى والعادات إذا ظهر لهن مثل أنوار القدس فأثرن به شوقا فوسطن بذلك الشوق جمعا من جموع العليين. ومثله ما قيل إن ذلك قسم بالهمم القالبية التي تعدو في سبيل الله تعالى خارجا من جوف اشتياقها صوت الدعاء من شدة العدو وغاية الشوق بحيث يسمع الروحانيون ضجيج دعائها وتضرعها والتماسها تسهيل سلوك الطريق الوعر الذي يتعلق بجبال القالب الموريات بحوافر الذكر نار الهداية المستكنة في حجر القالب وقت تخمير اللطيفة والمغيرات بعد سلوكها في جبال القالب الراسية في ظلام الليل القالبي وعبورها عنها إلى أفق عالم النفس وتنفس صبح النفس على الخواطر النفسية وشؤونها فهيجن بذلك الجري غبار الخواطر وأثرنه لئلا يختفي خاطر من الخواطر، فوسطن بذلك جمعا من جنود القوى القلبية وحزب الخواطر الذكرية التي هي حزب الرحمن في وسط عالم النفس ولهم في هذا الباب غير ذلك. وأيّا ما كان فالمقسم عليه قوله تعالى إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ أي لكفور جحود من كند النعمة كفرها ولم يشكرها وأنشدوا:
كنود لنعماء الرجال ومن يكن ... كنودا لنعماء الرجال يبعد
وعن ابن عباس ومقاتل: الكنود بلسان كندة وحضرموت العاصي، وبلسان ربيعة ومضر الكفور، وبلسان كنانة البخيل السيّء الملكة، ومنه الأرض الكنود الذي لا تنبت شيئا. وقال الكلبي نحوه إلّا أنه قال: وبلسان بني مالك البخيل ولم يذكر حضرموت بل اقتصر على كندة
وتفسيره بالكفور هنا مروي عن ابن عباس والحسن وأخرجه ابن عساكر عن أبي أمامة مرفوعا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم al-Alusi 15/444al-Alusi 15/444
. وفي رواية أخرى عن الحسن أنه قال:
هو اللائم لربه عز وجل يعد السيئات وينسى الحسنات.
وروى الطبراني وغيره بسند ضعيف عن أبي أمامة قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أتدرون ما الكنود» ؟ قالوا الله تعالى ورسوله أعلم. قال: «هو الكفور الذي يضرب عبده ويمنع رفده ويأكل وحده»
. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد والحكيم الترمذي وغيرهما تفسيره بالذي يمنع رفده وينزل وحده ويضرب عبده موقوفا على أبي أمامة. والجمهور على تفسيره بالكفور وكل مما ذكر لا يخلو عن كفران والكفران المبالغ فيه يجمع صنوفا منه. وأل في الْإِنْسانَ للجنس والحكم عليه بما ذكر باعتبار بعض الافراد. وقيل: المراد به كافر معين لما روي عن ابن عباس أنها نزلت في قرط بن عبد الله بن عمرو بن نوفل القرشي وأيد بقوله تعالى بعد أَفَلا يَعْلَمُ إلخ لأنه لا يليق إلّا بالكافر. وفي الأمرين نظر وقيل المراد به كل الناس على معنى أن طبع الإنسان يحمله على ذلك إلّا إذا عصمه الله تعالى بلطفه وتوفيقه من ذلك واختاره عصام الدين وقال: فيه مدح للغزاة لسعيهم على خلاف طبعهم. ولِرَبِّهِ متعلق بكنود واللام غير مانعة من ذلك، وقدم للفاصلة مع كونه أهم من حيث إن الذم البالغ إنما هو على كنود نعمته عز وجل وقيل للتخصيص على سبيل المبالغة. وَإِنَّهُ أي الإنسان كما قال الحسن ومحمد بن كعب عَلى ذلِكَ أي على كنوده لَشَهِيدٌ لظهور أثره عليه فالشهادة بلسان الحال الذي هو أفصح من لسان المقال. وقيل: هي بلسان المقال لكن في الآخرة. وقيل: شهيد من الشهود لا من الشهادة بمعنى أنه كفور مع علمه بكفرانه وعمل السوء مع العلم به غاية المذمة والظاهر الأول. وقال ابن عباس وقتادة: ضمير إِنَّهُ عائد على الله تعالى أي وإن ربه سبحانه شاهد عليه فيكون الكلام على سبيل الوعيد واختاره التبريزي فقال: هو الأصح لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب مذكور قبله. وفيه أن الوجوب ممنوع واتساق الضمائر وعدم تفكيكها يرجح الأول فإن الضمير السابق أعني ضمير لِرَبِّهِ للإنسان ضرورة وكذا الضمير اللاحق أعني الضمير في قوله تعالى وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ أي المال وورد بهذا المعنى في القرآن كثيرا حتى زعم عكرمة أن الخير حيث وقع في القرآن هو المال وخصه بعضهم بالمال الكثير وفسر به في قوله تعالى إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ [البقرة: ١٨٠] وإطلاق كونه خيرا باعتبار ما يراه الناس وإلّا فمنه ما هو شر يوم القيامة واللام للتعليل أي أنه لأجل حب المال لَشَدِيدٌ أي لبخيل كما قيل وكما يقال للبخيل شديد يقال له متشدد كما في قول طرفة:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد
وشديد فيه يجوز أن يكون بمعنى مفعول كأن البخيل شد عن الإفضال، ويجوز أن يكون بمعنى فاعل كأنه شد صرته فلا يخرج منها شيئا. وجوز غير واحد أن يراد بالشديد القوي ولعله الأظهر وكأن اللام عليه بمعنى في أي وإنه لقوي مبالغ في حب المال. والمراد قوة حبه له. وقال الزمخشري: المعنى وإنه لحب المال وإيثار الدنيا وطلبها قوي مطيق وهو لحب عبادة الله تعالى وشكر نعمته سبحانه ضعيف متقاعس تقول هو شديد لهذا الأمر وقوي له إذا كان مطيقا له ضابطا. وجعل النيسابوري اللام على هذا للتعليل وليس بظاهر فتأمل.
وقال الفراء: يجوز أن يكون المعنى وإنه لحب الخير لشديد الحب يعني أنه يحب المال ويحب كونه محبا له إلّا أنه اكتفى بالحب الأول عن الثاني كما قال تعالى اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ [إبراهيم: ١٨] أي في يوم عاصف الريح فاكتفى بالأول عن الثاني. وقال قطرب: أي إنه شديد لحب الخير كقولك إنه لزيد ضروب في إنه ضروب لزيد. وظاهر التمثيل أنه اعتبر حب الخير مفعولا به لشديد وإن شديد اسم فاعل جيء به على فعيل للمبالغة وأن اللام في لِحُبِّ للتقوية وفيه ما فيه. وقيل يجوز أن يعتبر أن شديدا صفة مشبهة كانت مضافة إلى مرفوعها وهو حب المضاف إلى الخير إضافة المصدر إلى مفعوله ثم حول الاسناد وانتصب المرفوع على التشبيه بالمفعول به، ثم قدم وجر باللام وفيه مع قطع النظر عن التكلف أن تقدم معمول الصفة عليها لا يجوز وكونه مجرورا في مثل ذلك لا يجدي نفعا إذ ليس هو فيه نحو زيد بك فرح كما لا يخفى. al-Alusi 15/445al-Alusi 15/445
ويفهم من كلام الزمخشري في الكشاف جواز أن يراد به ما هو عنده تعالى من الطاعات على أن المعنى إنه لحب الخيرات غير هش منبسط ولكنه شديد منقبض. وقوله تعالى أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ إلخ تهديد ووعيد والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام ومفعول يعلم محذوف وهو العامل في إذا وهي ظرفية أي أيفعل ما يفعل من القبائح أو ألا يلاحظ فلا يعلم الآن مآله إذا بعثر من في القبور من الموتى وإيراد ما لكونهم إذ ذاك بمعزل من رتبة العقلاء. وقال الحوفي: العامل في إِذا الظرفية يَعْلَمُ وأورد عليه أنه لا يراد منه العلم في ذلك الوقت بل العلم في الدنيا. وأجيب بأن هذا إنما يرد إذا كان ضمير يَعْلَمُ راجعا إلى الإنسان وذلك غير لازم على هذا القول لجواز أن يرجع إليه عز وجل ويكون مفعولا يعلم محذوفين.
والتقدير أفلا يعلمهم الله تعالى عاملين بما عملوا إذا بعثر على أن يكون العلم كناية عن المجازاة والمعنى أفلا يجازيهم إذا بعثر ويكون الجملة المؤكدة بعد تحقيقا وتقريرا لهذا المعنى وهو كما ترى. وقيل: إن إذا مفعول به ليعلم على معنى أفلا يعلم ذلك الوقت ويعرف تحققه وقل إن العالم فيها بعثر بناء على أنها شرطية غير مضافة قالوا: ولم يجوز أن يعمل فيها لخبير لأن ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها وأوجه الأوجه ما قدمناه وتعدي العلم إذا كان بمعنى المعرفة لواحد شائع وتقدم تحقيق معنى البعثرة فتذكر. وقرأ عبد الله «بحثر» بالحاء والثاء المثلثة. وقرأ الأسود بن زيد «بحث» بهما. بدون راء وقرأ نصر بن عاصم «بحثر» كقراءة عبد الله لكن بالبناء للفاعل. وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ أي جمع ما في القلوب من العزائم المصممة وأظهر كإظهار اللب من القشر وجمعه أو ميّز خيره من شره فقد استعمل حصل الشيء بمعنى ميزه من غيره كما في البحر. وأصل التحصيل إخراج اللب من القشر كإخراج الذهب من حجر المعدن والبر من التبن وتخصيص ما في القلوب لأنه الأصل لأعمال الجوارح ولذا كانت الأعمال بالنيات وكان أول الفكر آخر العمل فجميع ما عمل تابع له فيدل على الجميع صريحا وكناية. وقرأ ابن يعمر ونصر بن عاصم ومحمد بن أبي معدان «وحصّل» مبنيا للفاعل وهو ضميره عز وجل. وقرأ ابن يعمر ونصر أيضا «حصل» مبنيا للفاعل خفيف الصاد فما عليه هو الفاعل إِنَّ رَبَّهُمْ أي المبعوثين كنى عنهم بعد الإحياء الثاني بضمير العقلاء بعد ما عبّر عنهم قبل ذلك بما بناء تفاوتهم في الحالين بِهِمْ بذواتهم وصفاتهم وأحوالهم بتفاصيلها يَوْمَئِذٍ أي يوم إذ يكون ما عدّ من بعث ما في القبور وتحصيل ما في الصدور والظرفان متعلقان بقوله تعالى لَخَبِيرٌ أي عالم بظواهر ما عملوا وبواطنه علما موجبا للجزاء متصلا به كما ينبىء عنه تقييده بذلك اليوم وإلّا فمطلق علمه عز وجل بما كان وما سيكون. وقرأ أبو السمال والحجاج «أن ربهم بهم يومئذ خبير» بفتح همزة أن وإسقاط لام التأكيد فأن وما بعدها في تأويل مصدر معمول ليعلم على ما استظهره بعضهم، وأيد به كون يعلم معلقة عن العمل في أن ربهم إلخ على قراءة الجمهور لمكان اللام وإذا على هذا لا يجوز تعلقها بخبير أيضا لكونه في صفة أن المصدرية فلا يتقدم معموله عليها. ويعلم أمره مما تقدم وقيل الكلام على تقدير لام التعليل وهي متعلقة بحصل كأنه قيل وحصل ما في الصدور لأن ربهم بهم يومئذ خبير والأول أظهر والله تعالى أعلم وأخبر. al-Alusi 15/446al-Alusi 15/446
Choose one book or more.