The Noble Qur’an Search the Qur’an by a word or a number like 2:282Ctrl K

وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ ١

Sura Al-Lail, ayah 1Meccan
In its sura

Commentary

ChosenJami‘ al-Bayan fi Tafsir al-Qur’anal-Tafsir al-MuyassarTafsir al-Qur’an al-‘Azim
al-Tafsir al-Muyassara group of scholars

أقسم الله سبحانه بالليل عندما يغطي بظلامه الأرض وما عليها، وبالنهار إذا انكشف عن ظلام الليل بضيائه، وبخلق الزوجين: الذكر والأنثى. إن عملكم لمختلف بين عامل للدنيا وعامل للآخرة.

Tafsir al-Qur’an al-‘AzimIbn Kathir · d. 774 AH
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىon ayat 1 to 11Ibn Kathir 9/416Ibn Kathir 9/416

قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة: أنه قدم الشام فدخل مسجد دمشق، فصلى فيه ركعتين وقال: اللهم، ارزقني جليسًا صالحًا. قال: فجلس إلى أبي الدرداء، فقال له أبو الدرداء: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة. قال: كيف سمعت ابن أم عبد يقرأ: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) ؟ قال علقمة: "والذكر والأنثى" . فقال أبو الدرداء: لقد سمعتها من رسول الله ﷺ ، فما زال هؤلاء حتى شككوني. ثم قال: ثم ألم يكن فيكم صاحب الوساد وصاحب السر الذي لا يعلمه أحد غيره، والذي أجير من الشيطان على لسان النبي ﷺ ؟ .

وقد رواه البخاري هاهنا ومسلم، من طريق الأعمش، عن إبراهيم قال: قدم أصحاب عبد الله على أبي الدرداء، فطلبهم فوجدهم، فقال: أيكم يقرأ على قراءة عبد الله؟ قالوا: كلنا، قال: أيكم أحفظ؟ فأشاروا إلى علقمة، فقال: كيف سمعته يقرأ: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) ؟ قال: "والذكر والأنثى" . قال: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدوني أن أقرأ: (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى) والله لا أتابعهم .

هذا لفظ البخاري: هكذا قرأ ذلك ابن مسعود، وأبو الدرداء -ورفعه أبو الدرداء- وأما الجمهور فقرأوا ذلك كما هو مُثبَت في المصحف الإمام العثماني في سائر الآفاق: (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى) Ibn Kathir 9/416Ibn Kathir 9/416

فأقسم تعالى بـ (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) أي: إذا غَشيَ الخليقةَ بظلامه، (وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) أي: بضيائه وإشراقه، (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى) كقوله: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النبأ: ٨] ، وكقوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] .

ولما كان القسم بهذه الأشياء المتضادة كان القسم عليه أيضا متضادا؛ ولهذا قال: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) أي: أعمال العباد التي اكتسبوها متضادة أيضًا ومتخالفة، فمن فاعل خيرا ومن فاعل شرا.

قال الله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) أي: أعطى ما أمر بإخراجه، واتقى الله في أموره، (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) أي: بالمجازاة على ذلك -قاله قتادة، وقال خَصِيف: بالثواب. وقال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو صالح، وزيد بن أسلم: (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) أي: بالخلف. وقال أبو عبد الرحمن السلمي، والضحاك: (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) أي: بلا إله إلا الله. وفي رواية عن عكرمة: (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) أي: بما أنعم الله عليه. وفي رواية عن زيد بن أسلم: (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) قال: الصلاة والزكاة والصوم. وقال مرة: وصدقة الفطر.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا زُهَير بن محمد، حدثني مَن سَمِع أبا العالية الرياحي يُحدث عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله ﷺ عن الحسنى قال: "الحسنى: الجنة" .

وقوله: (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) قال ابن عباس: يعني للخير. وقال زيد بن أسلم: يعني للجنة.

وقال بعض السلف: من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئةُ بعدها؛ ولهذا قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ) أي: بما عنده، (واستغنى) قال عكرمة، عن ابن عباس: أي بخل بماله، واستغنى عن ربه، عز وجل . رواه ابن أبي حاتم.

(وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) أي: بالجزاء في الدار الآخرة.

(فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) أي: لطريق الشر، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] ، والآيات في هذا المعنى كثيرة دالة على أن الله، عز وجل ، يُجازي من قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان. وكل ذلك بقدر مُقدّر، والأحاديث الدالة على هذا المعنى كثيرة:

رواية أبي بكر الصديق، رضي الله عنه : قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عَيَّاش، حدثني العطاف بن خالد، حدثني رجل من أهل البصرة، عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن أبيه قال: سمعت أبي يذكر أن أباه سمع أبا بكر وهو يقول: قلت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، أنعمل على ما فرغ منه أو على أمر مؤتنف؟ قال: "بل على أمر قد فُرغ منه" . Ibn Kathir 9/417Ibn Kathir 9/417

قال: ففيم العملُ يا رسول الله؟ قال: "كل ميسر لما خلق له" .

رواية علي، رضي الله عنه : قال البخاري، حدثنا أبو نعيم: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بَقِيع الغَرْقَد في جنازة، فقال: "ما منكم من أحد إلا وقد كُتب مقعده من الجنة ومقعده من النار" . فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل؟ فقال: "اعملوا، فكل ميسر لما خلق له" . قال: ثم قرأ: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) إلى قوله: (لِلْعُسْرَى) .

وكذا رواه من طريق شعبة ووَكِيع، عن الأعمش، بنحوه ثم رواه عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن منصور، عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه : كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتى رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخْصَرَةٌ فَنَكَسَ فجعل ينكُت بمخصرته، ثم قال: "ما منكم من أحد - أو: ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة" . فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نتكل وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى أهل الشقاء؟ فقال: "أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فييسرون إلى عمل أهل الشقاء" . ثم قرأ: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) الآية .

وقد أخرجه بقية الجماعة، من طرق، عن سعد بن عبيدة، به .

رواية عبد الله بن عمر: وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة عن عاصم بن عبيد الله قال: سمعتُ سالم بنَ عبد الله يُحدث عن ابن عُمَر: قال: قال عمر: يا رسول الله، أرأيت ما نعمل فيه؟ أفي أمر قد فُرغ أو مبتدأ أو مبتدع؟ قال: " فيما قد فُرغَ منه، فاعمل يا ابن الخطاب، فإن كُلا مُيَسَّر، أما من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء" .

ورواه الترمذي في القدر، عن بندار، عن ابن مَهْدِي، به وقال: حسن صحيح.

حديث آخر من رواية جابر: قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو ابن الحارث، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله أنه قال: يا رسول الله، أنعمل لأمر قد فرغ منه، أو لأمر نستأنفه؟ فقال: "لأمر قد فرغ منه" . فقال سراقة: ففيم العمل إذًا؟ فقال رسول الله ﷺ : "كل عامل مُيَسَّر لعمله" . Ibn Kathir 9/418Ibn Kathir 9/418

ورواه مسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، به .

حديث آخر: قال ابن جرير: حدثني يونس، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طلق ابن حبيب، عن بشير بن كعب العدوي قال: سأل غلامان شابان النبي ﷺ فقالا يا رسول الله، أنعمل فيما جَفَّت به الأقلام وجَرَتْ به المقادير، أو في شيء يستأنف؟ فقال: "بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير" . قالا ففيم العمل إذًا؟ قال: "اعملوا فكل عامل ميسر لعمله الذي خلق له" . قالا فالآن نجد ونعمل .

رواية أبي الدرداء: قال الإمام أحمد: حدثنا هَيْثَم بن خارجة، حدثنا أبو الربيع سليمان بن عتبة السلمي، عن يونس بن ميسرة بن حَلْبس، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء قال: قالوا: يا رسول الله، أرأيت ما نعمل، أمر قد فُرغ منه أم شيء نستأنفه؟ قال: "بل أمر قد فرغ منه" . قالوا: فكيف بالعمل يا رسول الله؟ قال: "كل امرئ مهيأ لما خلق له" .

تفرد به أحمد من هذا الوجه.

حديث آخر: قال ابن جرير: حدثني الحسن بن سلمة بن أبي كَبْشَة، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا عباد بن راشد، عن قتادة، حدثني خُلَيد العصري، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا وبجَنْبَتَيْهَا ملكان يناديان بصوت يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين: اللهم أعط منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا" . وأنزل الله في ذلك القرآن: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) .

ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن ابن أبي كبشة، بإسناده مثله.

حديث آخر: قال ابن أبي حاتم: حدثني أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن عُمَر العَدَاني، حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رجلا كان له نخل، ومنها نخلة فرعها إلى دار رجل صالح فقير ذي عيال، فإذا جاء الرجل فدخل داره وأخذ الثمر من نخلته، فتسقط الثمرة فيأخذها صبيان الفقير فنزل من نخلته فَنزع الثمرة من أيديهم، وإن أدخل أحدهم الثمرة في فمه أدخل أصبعه في حلق الغلام ونزع الثمرة من حلقه. فشكا ذلك الرجلُ إلى النبي ﷺ ، وأخبره بما هو فيه من صاحب النخلة، فقال له النبي ﷺ : "اذهب" . ولقي النبي ﷺ صاحب النخلة، فقال له النبي ﷺ : "أعطني نخلتك التي فرعها في دار فلان ولك بها نخلة في الجنة" فقال له: لقد أعطيت، ولكن يعجبني ثمرها، وإن لي لنخلا كثيرًا ما فيها نخلة أعجب إلي ثمرة من ثمرها. فذهب النبي ﷺ فتبعه رجل كان يسمع الكلام من رسول الله ﷺ ومن صاحب النخلة. فقال الرجل: يا رسول الله، إن أنا أخذت النخلة فصارت لي النخلة فأعطيتها أتعطيني بها ما أعطيته بها نخلة في الجنة؟ قال: "نعم" . ثم إن الرجل لقي صاحب النخلة، ولكلاهما نخل، فقال له: أخبرك أن محمدًا، [قد] أعطاني بنخلتي المائلة في دار فلان نخلة في الجنة، فقلت، له: قد أعطيتُ ولكن يعجبني ثمرها. فسكت عنه الرجلُ، فقال له: أتُراك إذا بعتها؟ قال: لا إلا أن أعطى بها شيئًا، ولا أظنني أعطاه. قال: وما مناك بها ؟ قال: أربعون نخلة. فقال الرجل: لقد جئتَ بأمر عظيم، نخلتك تطلب بها أربعين نخلة؟ ! ثم سكتا وأنشأ في كلام [آخر] ثم قال: أنا أعطيتك أربعين نخلة، فقال: أشهد لي إن كنت صادقا. فأمر بأناس فدعاهم فقال: اشهدوا أني قد أعطيته من نخلي أربعين نخلة بنخلته التي فرعها في دار فلان ابن فلان. ثم قال: ما تقول؟ فقال صاحب النخلة: قد رضيت. ثم قال بعدُ: ليس بيني وبينك بيع لم نفترق قال له: قد أقالك الله، ولست بأحمق حين أعطيتك أربعين نخلة بنخلتك المائلة. فقال صاحب النخلة: قد رضيتُ على أن تعطيني الأربعين على ما أريد. قال: تعطينيها على ساق. ثم مكث ساعة، ثم قال: هي لك على ساق وأوقف له شهودًا وعد له أربعين نخلة على ساق، فتفرقا، فذهب الرجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن النخلة المائلة في دار فلان قد صارت لي، فهي لك. فذهب رسول الله ﷺ إلى الرجل صاحب الدار فقال له: "النخلة لك ولعيالك" . قال عكرمة: قال ابن عباس: فأنزل الله عز وجل : (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) إلى قوله: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) إلى آخر السورة . Ibn Kathir 9/419Ibn Kathir 9/419

هكذا رواه ابن أبي حاتم، وهو حديث غريب جدًا.

قال ابن جرير: وذكر أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه : حدثني هارون بن إدريس الأصم، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناسًا ضعفاء، فلو أنك تعتق رجالا جُلَداء يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ ! فقال: أيْ أبَت، إنما أريد -أظنه قال - ما عند الله: قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية أنزلت فيه: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى * وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) . Ibn Kathir 9/420Ibn Kathir 9/420

وقوله: (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) قال مجاهد: أي إذا مات. وقال أبو صالح، ومالك عن زيد بن أسلم: إذا تردى في النار. Ibn Kathir 9/421Ibn Kathir 9/421

Jami‘ al-Bayan fi Tafsir al-Qur’anal-Iji · d. 905 AH
(وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَىon ayat 1 to 21al-Iji 4/499al-Iji 4/499

(وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) : الخليقة بظلامه (وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) : بَانَ وظهر (وَمَا خَلَقَ) أي: ومن خلق، وقيل: مصدرية (الذكَرَ وَالأنثَى) أي: صنفيهما، أو آدم وحواء (إِنَّ سعْيَكُمْ) : مساعيكم (لَشَتَّى) أي: أشتات مختلفة وأعمالكم متضادة، (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى) : ماله لوجه الله (وَاتَّقَى) : محارمه (وَصَدَّقَ بالْحُسْنَى): بالمجازاة وأيقن أن الله سيخلفه، أو بالكلمة الحسني، وهي كلمة التوحيد، أو بالجنة (فَسَنُيَسِّرُهُ) في الدنيا (لِلْيُسْرَى) : للخلة التي توصله إلى اليسر، والراحة في الآخرة، يعني للأعمال الصالحة، (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ) : بالإنفاق في الخيرات، (وَاستَغنَى) : بالدنيا عن العقبى، (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ) ، في الدنيا، (لِلْعُسْرَى) : للخلة المؤدية إلى الشدة في الآخرة، وهي: الأعمال السيئة، ولهذا قالوا: من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها، (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) : هلك، أو سقط وتردى في جهنم، (إِنَّ عَلَيْنَا) ، أي: واجب علينا بمقتضى حكمتنا، (لَلْهُدَى) : للإرشاد إلى الحق، أو طريقة الهدى علينا فمن سلكها وصل إلينا، (وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى) ، فنعطي ما نشاء لمن نشاء، ومن طلب من غيرنا فقد أخطأ، (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى) : تتلهب، وفي الصحيح (إن أهون أهل النار عذابًا رجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه) (لَا يَصْلَاهَا) : لا يلزمها مقاسيًا شدتها، (إِلَّا الْأَشْقَى) : الكافر، (الذِي كَذَّبَ) : بالحق، (وَتَوَلى) : عن الطاعة، وفي الحديث: (لا يدخل النار إلا شقي، قيل: ومن هو؟ قال: الذي لا يعمل بطاعة، ولا يترك لله معصية) al-Iji 4/499al-Iji 4/499

(وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى) : الذي اتقى عن الشرك والمعصية فلا يدخلها أصلاً، وأما من اتقى الشرك وحده فيمكن أن يدخلها، لكن لا يصلاها ولا يلزمها، (الذِي يُؤْتِي مَالَهُ) : يعطي ماله ويصرفه في طاعة الله، (يَتَزَكَّى) : يطلب تزكية نفسه وماله، بدل، أو حال، (وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى) : فيقصد بإيتائه مجازاتها، (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) ، أي: لكن يؤتي لطلب مرضاة الله، (وَلَسَوْفَ يَرْضَى) : من ربه حين يدخله في رحمته، وعن كثير من المفسرين: إن هذه السورة في الصديق - رضي الله عنه - وهو الأتقى، وأمية بن خلف هو الأشقى، فيكون الحصر ادعائيًا لا حقيقيًّا، لأن غير هذا الأشقى غير ضال وغير هذا الأتقى غير مجنب بالكلية. al-Iji 4/501al-Iji 4/501

والحمد لله على كل حال سورة الضُّحَى مكية al-Iji 4/502al-Iji 4/502

وهي إحدى عشرة آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ

(وَالضُّحَى) : وقت الضحى، وهو صدر النهار، أو المراد النهار، (وَالليْلِ إِذَا سجى) : سكن ظلامه، أو سكن أهله، (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ) ، جواب القسم، أى: ما تركك ترك المودع، (وَمَا قَلَى) : وما أبغضك، وحذف المفعول للعلم به، رعاية لفواصل الآي، اشتكى عليه السلام، فلم يقم ليلة أو ليلتين فأتت امرأة قيل امرأة أبي لهب، وقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا تركك، فنزلت، أو لما تأخر الوحي خمسة عشر يومًا أو أقل أو أكثر، قال المشركون: إن محمدًا قد قلاه ربه، لما رد الله كلام المشركين، ودفع عنه ما يسوءه، وعد له ما يسره فقال: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى) ، في الحديث (إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا) ، (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) ، عن ابن عباس أعطاه في الجنة ألف قصر، في كل منها ما ينبغي له من الأزواج والخدم، وعنه من رضاه عليه السلام أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار، وعن الحسن وغيره المراد الشفاعة، واللام لام التأكيد عند ابن الحاجب لا لام الابتداء، دخل على الخبر بعد حذف المبتدأ، ويكون تقديره: ولأنت سوف يعطيك، (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى) ، عدد عليه أياديه من أول نشئه، والمنصوبان مفعولا يجد، لأنه بمعنى العلم، أو الثاني حال، وهو بمعنى المصادفة، أي: فآواك ورباك وضمك إلى عمك، وهو مع كفره رعاك وحماك، (وَوَجَدَكَ ضَالًّا) : جاهلاً، (فهَدَى) : فعلمك، (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا) الآية [الشورى: ٥٢] ، وقيل: ضل في شعاب مكة وهو صغير، فهداه، وقيل: أضله إبليس في طريق الشام عن الطريق في ليلة ظلماء، فجاء جبريل فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى أرض الحبشة، ورده إلى القافلة، (وَوَجَدَكَ عَائِلًا) : فقيرًا ذا عيال، (فأَغنَى) : فأغناك بمال خديجة - رضي الله عنها -، ثم بالغنائم، أو فأغناك عمن سواه فجمع له بين مقامَي الفقير الصابر والغني الشاكر، (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ) كما كنت يتيمًا فآواك الله، كن لليتيم كالأب الرحيم (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ) كما كنت جاهلاً فعلمك، لا تزجر سائلاً مسترشدًا طَالب علم، ولما هداك إلى ما هو روحك لا تزجر من يطلب منك قوت بدنه، (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) ، فاشكر مولاك الذي أغناك، فإن من شكر النعم أن يحدث بها، ومن كفرها أن يكتمه، " ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله " ، أو ما جاءك من النبوة فحدث بها وادع إليها، أو من القرآن فاقرأه أو بلغه، أو ما عملت من خير فحدث إخوانك ليتابعوك، وجاز أن يكون نشرًا مشوشًا، ويكون " أما بنعمة ربك فحدث " في مقابلة هدية الله له بعد الضلال، والمراد من التحديث تعليم الشرائع والقرآن، وكيفية العبادة والدعوة إلى الإيمان، والسنة التكبير بلفظ الله أكبر، أو بزيادة لا إله إلا الله والله أكبر، من آخر والضحى، أو من آخر الليل إلى آخر القرآن، ونقل عن الشافعي: أنه سمع رجلاً يكبر هذا التكبير في الصلاة، فقال له: أحسنت وأصبت السنة. al-Iji 4/503al-Iji 4/503