القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ ٦

سورة التكاثر، الآية ٦مكية
في سورتها

القراءات

المختارةالكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها
الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججهامكي بن أبي طالب، ت ٤٣٧هـ

قوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ قرأ الكسائي وابن عامر بضم التاء.

وقرأ الباقون بالفتح.

وحجة من ضمّ أنه جعله فعلا رباعيا لم يسمّ فاعله، فتعدّى إلى مفعولين:

أحدهما قام مقام الفاعل، مضمر في «لترون» ، و «هم» اسم للمخاطبين.

والثاني هو الجحيم، وأصله «لتريون» على وزن «لتفعلن» مثل «تكرمن» فألقيت حركة الهمزة على الراء، فانفتحت وحذفت الهمزة كما تحذف من «ترى» بعد إلقاء حركتها على الساكن قبلها، وهو الراء، ثمّ لمّا تحركت الياء، وقبلها فتحة، قلبت ألفا، وحذفت لسكونها وسكون واو الجمع بعدها، فبقي «لترون» ، فلمّا دخلت النون المشددة لتأكيد القسم بني الفعل، فحذفت النون، التي هي علم الرفع للبناء وحذفت الواو لسكونها وسكون أوّل المشدّد، ولم يجز حذفها لالتقاء الساكنين، لأن قبلها فتحة، والفتحة لا تدلّ على الواو، وأيضا فقد حذفت الألف التي قبلها، ولو حذفت هي أيضا لاختلّ الفعل لزوال عينه ولامه وواو جمعه، فيصير الحذف إلى ثلاثة أشياء، وذلك اختلال ظاهر، وأيضا فإنها علم الجمع، وإنما تحذف الواو، التي هي علم الجمع، لالتقاء الساكنين، إذا بقيت قبلها ضمة، تدلّ على حذفها، نحو قوله: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ «النمل ٤٩» ، وقوله: ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ﴾ «القصص ٨٧» وشبهه. فإذا كان قبلها فتحة لم تحذف، وحرّكت لالتقاء الساكنين، وعلى ذلك حرّكت الواو وثبتت في قوله: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾ «البقرة ٢٣٧» ، وفي قوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ «البقرة ١٦» ، وشبهه كثير، فجرى على هذه الأصول، فاعرفها. مكي بن أبي طالب ٣/ ٣٨٧مكي بن أبي طالب ٣/ ٣٨٧

وحجة من قرأ بالفتح أنه جعله فعلا ثلاثيا تعدّى إلى مفعول واحد، وهو الجحيم، والفاعل مضمر، وهم المخاطبون، وهو من رأى، وعلته وأصله على ما ذكرنا من التعليل في القراءة بالضمّ .

قال أبو محمد مكي: وقد بقيت أحرف في باقي القرآن نحن نذكرها في باب مفرد بعللها.

باب

ما بقي من الاختلاف بعلله

من العصر الى آخر القرآن

وهو مكّيّ كله إلاّ المعوّذتين والنصر فإنهن مدنيات، واختلف في «تبّت» و «قل هو الله أحد» ، فقيل: مدنيتان، وقيل: مكيتان.

و «العصر» ثلاث آيات.

و «الهمزة» تسع آيات.

وسورة «الفيل» خمس آيات.

وسورة «قريش» أربع آيات في الكوفي، وخمس في المدني.

و «أرأيت» ست آيات في المدني، وسبع في الكوفي.

وسورة «الكوثر» ثلاث آيات.

وسورة «الكافرون» ست آيات.

وسورة «النصر» ثلاث آيات. مكي بن أبي طالب ٣/ ٣٨٨مكي بن أبي طالب ٣/ ٣٨٨

وسورة «تبّت» خمس آيات.

وسورة «الإخلاص» أربع آيات.

وسورة «الفلق» خمس آيات.

وسورة «الناس» ست آيات.

وكلّ ما سكتنا في العدد عن ذكر الاختلاف فهو اتفاق في المدني والكوفي.

وقد اختلف في المعوّذتين فقيل: هما مكيتان، وقيل: مدنيتان.

فمن ذلك قوله: ﴿جَمَعَ مالاً﴾ «الهمزة ٢» قرأه ابن عامر وحمزة والكسائي بالتشديد على معنى تكثير الجمع، أي: جمع شيئا بعد شيء. وكذلك يجمع المال شيئا بعد شيء. وقرأ الباقون بالتخفيف ، وفيه قرب وقت الجمع، كما قال: ﴿فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً﴾ «الكهف ٩٩» ، وقال:

﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ «الكهف ٤٧» ، فهذا يدلّ على جمعهم في أقرب الأوقات .

ومن ذلك قوله: ﴿فِي عَمَدٍ﴾ «الهمزة ٩» قرأه أبو بكر وحمزة والكسائي بضمتين، جعلوه جمع «عمود» ك «رسول ورسل، وزبور وزبر» . وقرأ الباقون بفتحتين، جعلوه أيضا جمع «عمود» ك «أديم وأدم» ، لأن الياء كالواو في البناء. وقيل: هو اسم للجمع، لأن «فعولا وفعلا» غير مستمرّين في الجموع، وإنما يأتي «فعل» جمعا لفاعل، ك «حارس وحرس، وغائب وغيب» .

ومن ذلك قوله: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ قرأه ابن عامر بغير ياء، بعد الهمزة، في الأول، جعله مصدر «ألف إلا فا» ، وقرأ الباقون بياء بعد الهمزة، جعلوه مصدر «آلف» ، وهما لغتان، يقال: ألفت كذا، وآلفت كذا. مكي بن أبي طالب ٣/ ٣٨٩مكي بن أبي طالب ٣/ ٣٨٩

وكل القراء قرؤوا الثاني بياء، بعد الهمزة، على أنه مصدر «آلفت» ، فكان ابن عامر جمع بين اللغتين في الكلمتين، كما قال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ﴾ «الطارق ١٧» ، فجمع بين اللغتين، لأنه يقال: مهّل وأمهل بمعنى، وكذلك يقال: ألفت كذا وآلفت كذا، بمعنى .

ومن ذلك قوله: ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ «الكافرون ٦» فتحها نافع وحفص وهشام، وعن البزّي الوجهان، وقد تقدّم ذكر إمالة (عابد، وعابدون) في هذه السورة خاصة، وعلته .

ومن ذلك قوله: ﴿أَبِي لَهَبٍ﴾ قرأه ابن كثير بإسكان الهاء، وقرأ الباقون بالفتح، وهما لغتان ك «النهر والنهر، والسمع والسمع» وإنما يكون هذا فيما كان حرف الحلق فيه عين الفعل أو لامه في هذا الوزن .

ومن ذلك قوله: ﴿حَمّالَةَ الْحَطَبِ﴾ قرأه عاصم بالنصب، على الذمّ لها، لأنها كانت قد اشتهرت بالنميمة، فجرت صفتها على الذمّ لها، لا للتخصيص، وفي الرفع أيضا ذم، لكن هو في النصب أبين، لأنك إذا نصبت لم تقصد إلى أن تزيدها تعريفا وتبيينا، إذ لم تجر الإعراب على مثل إعرابها، إنما قصدت إلى ذمّها، لا لتخصيصها من غيرها بهذه الصفة التي اختصصتها بها، وعلى هذا المعنى يقع النصب في غير هذا على المدح. وقرأ الباقون بالرفع على الصفة، أو على إضمار مبتدأ، أي: هي حمالة، أو على البدل من امرأته، أو على الخبر لامرأته . مكي بن أبي طالب ٣/ ٣٩٠مكي بن أبي طالب ٣/ ٣٩٠

وقد ذكرنا «كفوا» والاختلاف فيه، وعلة ذلك، وكيف يقف حمزة عليه، وعلته فيما تقدّم، فأغنى ذلك عن الإعادة. وقد روي عن أبي عمرو حذف التنوين من «أحد» لسكونه وسكون اللام من «الله» . وروي عنه أنه كان يقف على «أحد» ، والذي قرأت به له، كالجماعة، بالوصل وكسر التنوين، لالتقاء الساكنين، والوقف على «أحد» حسن جيد، لأنك تبتدئ بابتداء وخبر، فتقول: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾، على الابتداء والخبر، وإن شئت جعلت «الصمد» صفة، وجعلت الخبر (لم يلد ولم يولد) الجملة كلها .

باب

نذكر فيه التكبير

تفرّد ابن كثير، في رواية البزّي عنه خاصة، بالتكبير في الابتداء بكلّ سورة من خاتمة «والضحى» ، تقول (الله أكبر بسم الله الرّحمن الرحيم. ألم نشرح) . وكذلك في أول كلّ سورة إلى أول الحمد. ثم تقرأ بالحمد. فإذا تمّ لم يكبّر، وابتدأ بالبقرة، من غير تكبير، فقرأ منها خمس آيات.

وروي عن البزّي أنه كان يقول في تكبيره في أول كل سورة: لا إله إلاّ الله، والله أكبر، بسم الله الرّحمن الرّحيم. وبالأول قرأت [له] من خاتمة «والضحى» على ما ذكرنا.

وحجته في التكبير أنها رواية نقلها عن شيوخه من أهل مكة في الختم، يجعلون ذلك زيادة في تعظيم الله جلّ ذكره، مع التلاوة لكتابه، والتبرك بختم وحيه وتنزيله، والتنزيه له من السوء، لقوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ «المدثر ٣» ، ولقوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ﴾ «البقرة ١٨٥» ، ولقوله تعالى: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ «الإسراء ١١١» وقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾ «العنكبوت ٤٥» ، وقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ «الحجر ٩٨» وقوله: ﴿فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ﴾ «الطور ٤٩» فأمر نبيّه في كلّ ذلك بتكبيره وتنزيهه. مكي بن أبي طالب ٣/ ٣٩١مكي بن أبي طالب ٣/ ٣٩١

وحجته في الابتداء، في آخر ختمته بخمس آيات من البقرة، أنه اعتمد في ذلك على حديث صحيح مروي عن رسول الله ﷺ أنه سئل: أي الأعمال أفصل. فقال: «الحالّ المرتحل» . يعني الذي يرتحل من ختمة [أتمّها] ، ويحلّ في ختمة أخرى، أي: يفرغ من ختمة ويبتدئ بأخرى، وعلى ذلك أدرك أهل بلده بمكة. وروي أن أهل مكّة كانوا يكبّرون في آخر كلّ ختمة من خاتمة والضحى لكل القراء، لابن كثير وغيره، سنّة لنقلوها عن شيوخهم، لكنّ الذي عليه العمل عند القراء أن يكبّر في قراءة البزّي عن ابن كثير خاصّة وبذلك قرأت .

باب

في ترتيب وصل التكبير بآخر السور

اعلم أنّه إذا كان آخر السورة مخفوضا، ووصلته بالتكبير، رقّقت اللام من اسم «الله» جلّ ذكره، وتركت المخفوض على حاله، نحو: «الناس، الله أكبر، وحتى مطلع الفجر، الله أكبر» . فإن كان آخر السورة مفتوحا أو مضموما فخّمت اللام من اسم «الله» جلّ ذكره، وتركت المضموم والمفتوح على حاله، نحو: «الحاكمين، الله أكبر» ، ونحو: «خشي ربّه، الله أكبر» . مكي بن أبي طالب ٣/ ٣٩٢مكي بن أبي طالب ٣/ ٣٩٢

فإن كان آخر السورة ساكنا، تنوينا أو غيره، كسرته، ورقّقت اللام من اسم الله جلّ ذكره، نحو: «فارغب، الله أكبر، ونحو: حامية، الله أكبر، ومسد، الله أكبر» . وذلك أن تصل التكبير بآخر السورة. ولك أن تقف على آخر السورة وقفا خفيفا، غير منقطع، وتبتدئ بالتكبير. ولك أن تقف على آخر السورة وقفا منقطعا، ثم تبتدئ بالتكبير. وليس لك أن تصل التكبير بآخر السورة، وتقف عليه. ولا لك أن تقف على التسمية دون أول السورة في كل القرآن .

قال أبو محمد: قد أتينا على ما شرطنا، واختصرنا الكلام في العلل غاية ما قدرنا، من غير أن نكون قد أخللنا بعلة، أو تركنا حجة مشهورة، وأوجزنا العلل خوف التطويل، واختصرنا ذكر قراءة التابعين، ومن وافقهم لمن ذكرنا من القراء، لئلا يطول الكتاب فيعجز عن نسخه، ويحدث الملل في قراءته. ولو تقصّينا جميع العلل والحجج في كل حرف، وذكرنا قراءة التابعين، ومن وافقهم لكلّ حرف، وجاوبنا عن كل اعتراض يمكن أن يعترض به معترض، لصار الكتاب أمثاله، ولطال الكلام، وعظم الشرح، ولكن قد ذكرنا ما فيه إن شاء الله كفاية لمن فهم إشارتي وتعليلي، أسأل الله أن لا يحرمنا الأجر على ما تكلّفنا من ذلك، وأن لا يضيع العناء، وأن يرحمنا بالقرآن، وأن يجعلنا من أهله، ومن أتباعه، العاملين بما فيه، والقائمين بحقّه، التالين له حقّ تلاوته، وأن يصلّي على خير خلقه، محمد النبيّ، وعلى آله ، والنبيّين ولمرسلين أجمعين، وعلى أهل طاعته، وأوليائه من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المؤمنين، آمين، آمين، آمين. مكي بن أبي طالب ٣/ ٣٩٣مكي بن أبي طالب ٣/ ٣٩٣

تمّ الكتاب، والحمد لله ربّ العالمين، وهو كتاب «الكشف عن وجوه القراءات السبع» ، وهو شرح كتاب «التبصرة» .

وكتبه العبد الفقير إلى الله تعالى، وإلى عفوه ورحمته ومغفرته، الراجي منه، سبحانه، مغفرة ذنوبه، لطف الله به، وعامله بفضله، بمكة المشرفة زادها الله تشريفا وتعظيما، وفرغ منه في الثامن لشهر ربيع الأول المبارك عرّف الله بركته، عام خمسة وثلاثين وأربعمائة، فرحم الله كاتبه والآمر بكتبه وقارئه، ولمن دعا لهما ولوالديه وللمسلمين أجمعين، والحمد لله ربّ العالمين، وسلام على عباده الذين اصطفى .

********* مكي بن أبي طالب ٣/ ٣٩٤مكي بن أبي طالب ٣/ ٣٩٤