القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْكَٰفِرُونَ ١

سورة الكافرون، الآية ١مكية
في سورتها

التفسير

المختارةجامع البيانالتفسير الميسرتفسير القرآن العظيم
التفسير الميسرنخبة من العلماء

قل -أيها الرسول- للذين كفروا بالله ورسوله: يا أيها الكافرون بالله.

جامع البيانالطبري
قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِعلى الآيات ١ إلى ٦الطبري ٢٤/ ٧٠٢الطبري ٢٤/ ٧٠٢

يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ وكان المشركون من قومه فيما ذُكر عَرَضوا عليه أن يعبُدوا اللَّهَ سَنةً، على أَنْ يَعْبُدَ نبيُّ اللَّهِ ﷺ آلهتهم سنةً، فأَنزَلَ اللَّهُ مُعَرِّفه جوابهم في ذلك -: قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ المشركين الذين سألوك عبادةَ آلهتِهم سنةً، على أن يَعْبُدوا إلهَك سنةً: ﴿يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ باللَّهِ،

﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ مِن الآلهةِ والأوثانِ الآنَ،

﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ الآنَ،

﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ﴾ فيما أستقبِلُ، ﴿مَا عَبَدْتُمْ﴾ فيما مضى،

﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ﴾ فيما تَستَقْبلون أبدًا، ﴿مَا أَعْبُدُ﴾ أنا الآنَ وفيما أستقبلُ.

وإنما قيل ذلك كذلك؛ لأنَّ الخطاب من اللَّهِ كان لرسوله ﷺ في أشخاصٍ بأعيانهم من المشركين، قد عُلم أنهم لا يؤْمِنون أبدًا، وسبَق لهم ذلك في السابقِ مِن علمِه، فأمَر نبيَّه ﷺ اللَّهِ أن يُؤْيِسَهم مِن الذي طَمِعوا فيه وحدَّثوا به أنفسهم، وأنَّ ذلك غيرُ كائنٍ منه ولا منهم في وقتٍ من الأوقاتِ، وآيَس نبيَّ اللَّهِ ﷺ مِن الطمعِ في إيمانِهم، ومن أنْ يُفلِحوا أبدًا، فكانوا كذلك لم يُفْلِحوا ولم يُنْجِحوا، إلى أنْ قُتِل بعضُهم يومَ بدرٍ بالسيفِ، وهلَك بعضٌ قبَل ذلك كافرًا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاءت به الآثارُ. ذكرُ مَن قال ذلك الطبري ٢٤/ ٧٠٢الطبري ٢٤/ ٧٠٢

روايتان بأسانيدهابن عباس، سعيد بن مينا مولى البختري
ابن عباس

إِنَّ قريشًا وَعَدُوا رسول اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعطوه مالًا فيكونَ أَغْنى رجلٍ بمكةَ، ويُزوِّجوه ما أراد مِن النساءِ، ويَطَئوا عَقِبَه، فقالوا له: هذا لك عندَنا يا محمدُ، وكُفَّ عن شتم آلهتنا، فلا تَذْكُرْها بسوءٍ، فإن لم تَفْعَلْ، فإِنا نَعْرِضُ عليك خَصْلَةً واحدةً، فهى لك ولنا فيها صلاحٌ. قال: "ما هي؟ " . قالوا: تعبُدُ آلهتنا سنةً؛ اللات والعُزَّى، ونعبُدُ إلهَك سنةً. قال: "حتى أَنْظُرَ ما يأتي مِن عندِ ربِّي" . فجاء الوَحْى من اللَّوح المحفوظ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ السورة، وأنزل اللَّهِ: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦] . الطبري ٢٤/ ٧٠٣الطبري ٢٤/ ٧٠٣

الإسناد رجلًا رجلًا
  1. الطبري
  2. حدثنيمحمد بن موسى الحرشي
  3. ثناأبو خلف
  4. ثناداودابن حجر: ثقة متقن، كان يهم بآخره التقريب ص ٢٠٠
  5. عنعكرمةابن حجر: ثقة ثبت عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا تثبت عنه بدعة
  6. عنابن عباسابن حجر: أحد المكثرين من الصحابة التقريب ص ٣٠٩

حدَّثني محمدُ بنُ موسى الحَرَشِيُّ، قال: ثنا أبو خلفٍ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمة، عن ابن عباس الطبري ٢٤/ ٧٠٣الطبري ٢٤/ ٧٠٣

سعيد بن مينا مولى البختري

قال: لقى الوليدُ بنُ المغيرةُ، والعاصُ بنُ وائلٍ، والأسودُ بنُ المطلبِ، وأميَّةُ بنُ خلف، رسول اللَّهِ ﷺ ، فقالوا: يا محمدُ، هلُمَّ فلنعبُدْ ما تعبُدُ، وتعبُدْ ما نعبُدُ، ونَشْرَكُك في أمرِنا كلِّه، فإن كان الذي جئتَ به خيرًا مما بأيدِينا، كنا قد شَرَكناك فيه، وأخَذْنا بحظِّنا منه، وإنْ كان الذي بأيدِينا خيرًا مما في يدَيك، كنتَ قد شَركْتَنا في أمرنا، وأخَذْتَ منه بحظِّك. فأنزَل اللَّهِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. حتى انقضَتِ السورة . الطبري ٢٤/ ٧٠٣الطبري ٢٤/ ٧٠٣

الإسناد رجلًا رجلًا
  1. الطبري
  2. حدثنييعقوبابن حجر: ثقة. التقريب ص ٦٠٧
  3. ثناابن عليةابن حجر: ثقة حافظ التقريب ص ١٠٥
  4. عنمحمد بن إسحاقابن حجر: صدوق يدلس، ورمي بالتشيع والقدر التقريب ص ٤٦٧
  5. ثنيسعيد بن مينا مولى البختري

حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثني سعيدُ بنُ مِينا مولى البخْتَرِيِّ الطبري ٢٤/ ٧٠٣الطبري ٢٤/ ٧٠٣

وقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لكم دينُكم فلا تَتْرُكونه أبدًا؛ لأنه قد خُتِم عليكم، وقضى ألا تَنْفَكُّوا عنه، وأنكم تموتون عليه، ولىَ ديني الذي أنا عليه، لا أَتْرُكُه أبدًا؛ لأنه قد مضَى في سابقِ علمِ اللَّهِ أنى لا أنتقِلُ عنه إلى غيرِه. الطبري ٢٤/ ٧٠٤الطبري ٢٤/ ٧٠٤

رواية واحدة بأسانيدهابن زيد
ابن زيد

في قولِ اللَّهِ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. قال: للمشركين. قال: واليهودُ لا يعبُدون إلا اللَّهِ ولا يشركون، إلا أنهم يكفُرون ببعضِ الأنبياءِ وبما جاءوا به من عندِ اللَّهِ، ويكفرون برسولِ اللَّهِ وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، وقتلوا طوائف الأنبياءِ ظلمًا وعُدْوانًا. قال: إلا العِصابَة التي بَقُوا حتى خرج بُخْتُنَصَّرَ، فقالوا: عُزيرٌ ابنُ اللَّهِ، دَعِيُّ اللَّهِ. ولم يعْبُدوه ولم يَفْعلوا كما فعَلتِ النصارى، قالوا: المسيحُ ابنُ اللَّهِ وعبَدوه. الطبري ٢٤/ ٧٠٤الطبري ٢٤/ ٧٠٤

الإسناد رجلًا رجلًا
  1. الطبري
  2. حدثنييونسابن حجر: ثقة التقريب ص ٦١٣
  3. أخبرناابن وهبابن حجر: ثقة حافظ، عابد التقريب ص ٣٢٨
  4. قالابن زيد

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ الطبري ٢٤/ ٧٠٤الطبري ٢٤/ ٧٠٤

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: كرَّر قوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ وما بعدَه على وجْهِ التوكيدِ، كما قيل: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦] . وكقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٦، ٧] . الطبري ٢٤/ ٧٠٤الطبري ٢٤/ ٧٠٤

تفسير القرآن العظيمابن كثير، ت ٧٧٤هـ
قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِعلى الآيات ١ إلى ٦ابن كثير ٩/ ٥٠٧ابن كثير ٩/ ٥٠٧

هذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون، وهي آمرة بالإخلاص فيه، فقوله: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) شمل كل كافر على وجه الأرض، ولكن المواجهين بهذا الخطاب هم كفارُ قريش.

وقيل: إنهم من جهلهم دَعَوا رسول الله ﷺ إلى عبادة أوثانهم سنة، ويعبدون معبوده سنة، فأنزل الله هذه السورة، وأمر رسوله ﷺ فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية، فقال: (لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) يعني: من الأصنام والأنداد، (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) وهو الله وحده لا شريك له. ف "ما" هاهنا بمعنى "من" .

ثم قال: (وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) أي: ولا أعبد عبادتكم، أي: لا أسلكها ولا أقتدي بها، وإنما أعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه؛ ولهذا قال: (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) أي: لا تقتدون بأوامر الله وشرعه في عبادته، بل قد اخترعتم شيئًا من تلقاء أنفسكم، كما قال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] فتبرأ منهم في جميع ما هم فيه، فإن العابد لا بد له من معبود يعبده، وعبادة يسلكها إليه، فالرسول وأتباعه يعبدون الله بما شرعه؛ ولهذا كان كلمة الإسلام "لا إله إلا الله محمد رسول الله" أي: لا معبود إلا الله ولا طريق إليه إلا بما جاء به الرسول ﷺ ، والمشركون يعبدون غير الله عبادة لم يأذن بها الله؛ ولهذا قال لهم الرسول ﷺ : (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] وقال: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص: ٥٥] . ابن كثير ٩/ ٥٠٧ابن كثير ٩/ ٥٠٧

وقال البخاري: يقال: (لَكُمْ دِينَكُمْ) الكفر، (وَلِيَ دِينِ) الإسلام. ولم يقل: "ديني" لأن الآيات بالنون، فحذف الياء، كما قال: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] و ﴿يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] وقال غيره: لا أعبد ما تعبدون الآن، ولا أجيبكم فيما بقي من عمري، ولا أنتم عابدون ما أعبد، وهم الذين قال: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤] .

انتهى ما ذكره.

ونقل ابن جرير عن بعض أهل العربية أن ذلك من باب التأكيد، كقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦] وكقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٦، ٧] وحكاه بعضهم -كابن الجوزي، وغيره-عن ابن قتيبة، فالله أعلم. فهذه ثلاثة أقوال: أولها ما ذكرناه أولا. الثاني: ما حكاه البخاري وغيره من المفسرين أن المراد: (لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) في الماضي، (وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) في المستقبل. الثالث: أن ذلك تأكيد محض.

وثم قول رابع، نصره أبو العباس بن تَيمية في بعض كتبه، وهو أن المراد بقوله: (لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) نفى الفعل لأنها جملة فعلية، (وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ) نفى قبوله لذلك بالكلية؛ لأن النفي بالجملة الاسمية آكد فكأنه نفى الفعل، وكونه قابلا لذلك ومعناه نفي الوقوع ونفي الإمكان الشرعي أيضا. وهو قول حسن أيضا، والله أعلم.

وقد استدل الإمام أبو عبد الله الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) على أن الكفر كله ملة واحدة تورثه اليهود من النصارى، وبالعكس؛ إذا كان بينهما نسب أو سبب يتوارث به؛ لأن الأديان -ما عدا الإسلام-كلها كالشيء الواحد في البطلان. وذهب أحمد بن حنبل ومن وافقه إلى عدم توريث النصارى من اليهود وبالعكس؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يتوارث أهل ملتين شتى" .

آخر تفسير سورة "قل يا أيها الكافرون" ولله الحمد والمنة. ابن كثير ٩/ ٥٠٨ابن كثير ٩/ ٥٠٨