القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍۢ وَتَبَّ ١

سورة المسد، الآية ١مكية
في سورتها

التفسير

المختارةالكشاف عن حقائق غوامض التنزيلالتفسير الميسرتفسير القرآن العظيم
التفسير الميسرنخبة من العلماء

خسرت يدا أبي لهب وشقي بإيذائه رسول الله محمدا صلى الله عليه وسلم، وقد تحقق خسران أبي لهب.

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيلالزمخشري، ت ٥٣٨هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍعلى الآيات ١ إلى ٥الزمخشري ٤/ ٨١٣الزمخشري ٤/ ٨١٣

التباب: الهلاك. ومنه قولهم: أشابة أم تابة، أى: هالكة من الهرم والتعجيز. والمعنى:

هلكت يداه، لأنه فيما يروى: أخذ حجرا ليرمى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وَتَبَّ وهلك كله. أو جعلت يداه هالكتين. والمراد: هلاك جملته، كقوله تعالى بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ومعنى وَتَبَّ: وكان ذلك وحصل، كقوله:

جزانى جزاه الله شرّ جزائه … جزاء الكلاب العاويات وقد فعل ويدل عليه قراءة ابن مسعود: وقد تب، وروى أنه لما نزل وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ رقى الصفا وقال. يا صباحاه، فاستجمع إليه الناس من كل أوب. فقال: يا بنى عبد المطلب، يا بنى فهر، إن أخبرتكم أنّ بسفح هذا الجبل خيلا أكنتم مصدقىّ؟ قالوا: نعم، قال: فإنى نذير لكم بين يدي الساعة، فقال أبو لهب: تبا لك، ألهذا دعوتنا ؟ فنزلت. فإن قلت: لم كناه، والتكنية تكرمة؟ قلت: فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون مشتهرا بالكنية دون الاسم، فقد يكون الرجل معروفا بأحدهما، ولذلك تجرى الكنية على الاسم، أو الاسم على الكنية عطف بيان، فلما أريد تشهيره بدعوة السوء وأن تبقى سمة له، ذكر الأشهر من علميه ويؤيد ذلك قراءة من قرأ، يدا أبو لهب ، كما قيل، على بن أبو طالب. ومعاوية بن أبو سفيان، لئلا يغير منه شيء فيشكل على السامع، ولفليتة بن قاسم أمير مكة ابنان، أحدهما: عبد الله- بالجرّ، والآخر عبد الله- بالنصب. كان بمكة رجل يقال له: عبد الله- بجرّة الدال، لا يعرف إلا هكذا. والثاني: أنه كان اسمه عبد العزى، فعدل عنه إلى كنيته. والثالث: أنه لما كان من أهل النار ومآله إلى نار ذات لهب، وافقت حاله كنيته، فكان جديرا بأن يذكر بها. ويقال: أبو لهب، كما يقال: أبو الشر للشرير. وأبو الخير للخير، وكما كنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا المهلب: أبا صفرة، بصفرة في وجهه. وقيل كنى بذلك لتلهب وجنتيه وإشراقهما، فيجوز أن يذكر بذلك تهكما به، وبافتخاره بذلك. وقرئ أبى لهب، بالسكون. وهو من تغيير الأعلام، كقولهم: شمس بن مالك بالضم ما أَغْنى استفهام في معنى الإنكار، ومحله النصب أو نفى وَما كَسَبَ مرفوع. وما موصولة أو مصدرية بمعنى: ومكسوبه. أو: وكسبه. والمعنى: لم ينفعه ماله وما كسب بماله، يعنى: رأس المال والأرباح. أو ماشيته وما كسب من نسلها ومنافعها، وكان ذا سابياء . أو ماله الذي ورثه من أبيه والذي كسبه بنفسه. أو ماله التالد والطارف. وعن ابن عباس: ما كسب ولده. الزمخشري ٤/ ٨١٣الزمخشري ٤/ ٨١٣

وحكى أن بنى أبى لهب احتكموا إليه، فاقتتلوا، فقام يحجز بينهم، فدفعه بعضهم فوقع، فغضب، فقال: أخرجوا عنى الكسب الخبيث: ومنه قوله عليه السلام «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه» وعن الضحاك: ما ينفعه ماله وعمله الخبيث، يعنى كيده في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن قتادة: عمله الذي ظن أنه منه على شيء، كقوله وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ وروى أنه كان يقول: إن كان ما يقول ابن أخى حقا فأنا أفتدى منه نفسي بمالي وولدى سَيَصْلى قرئ بفتح الياء وبضمها: مخففا ومشددا، والسين للوعيد، أى: هو كائن لا محالة وإن تراخى وقته وَامْرَأَتُهُ هي أم جميل بنت حرب أخت أبى سفيان، وكانت تحمل حزمة من الشوك والحسك والسعدان فتنثرها بالليل في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: كانت تمشى بالنميمة: ويقال للمشاء بالنمائم المفسد بين الناس: يحمل الحطب بينهم، أى: يوقد بينهم النائرة ويورّث الشر. قال:

من البيض لم تصطد على ظهر لأمة … ولم تمش بين الحىّ بالحطب الرّطب

جعله رطبا ليدل على التدخين الذي هو زيادة في الشر، ورفعت عطفا على الضمير في سَيَصْلى أى: سيصلى هو وامرأته. وفِي جِيدِها في موضع الحال. أو على الابتداء، وفي جيدها:

الخبر. وقرئ: حمالة الحطب، بالنصب على الشتم، وأنا أستحب هذه القراءة، وقد توسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميل: من أحب شتم أم جميل. وقرئ: حمالة للحطب. وحمالة للحطب: بالتنوين، والرفع والنصب. وقرئ: ومريته بالتصغير. المسد: الذي فتل من الحبال فتلا شديدا، من ليف كان أو جلد، أو غيرهما. قال: الزمخشري ٤/ ٨١٥الزمخشري ٤/ ٨١٥

ومسد أمرّ من أيانق

ورجل ممسود الخلق مجدوله. والمعنى: في جيدها حبل مما مسد من الحبال، وأنها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون: تخسيسا لحالها، وتحقيرا لها، وتصويرا لها بصورة بعض الحطابات من المواهن، لتمتعض من ذلك ويمتعض بعلها، وهما في بيت العز والشرف. وفي منصب الثروة والجدة. ولقد عير بعض الناس الفضل بن العباس ابن عتبة ابن أبى لهب بحمالة الحطب، فقال:

ماذا أردت إلى شتمي ومنقصتي … أم ما تعيّر من حمّالة الحطب

غرّاء شادخة في المجد غرّتها … كانت سليلة شيخ ناقب الحسب ويحتمل أن يكون المعنى: أن حالها تكون في نار جهنم على الصورة التي كانت عليها حين كانت تحمل حزمة الشوك، فلا تزال على ظهرها حزمة من حطب النار من شجرة الزقوم أو من الضريع، وفي جيدها حبل من ما مسد من سلاسل النار: كما يعذب كل مجرم بما يجانس حاله في جرمه. الزمخشري ٤/ ٨١٦الزمخشري ٤/ ٨١٦

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة تبت رجوت أن لا يجمع الله بينه وبين أبى لهب في دار واحدة » . الزمخشري ٤/ ٨١٧الزمخشري ٤/ ٨١٧

تفسير القرآن العظيمابن كثير، ت ٧٧٤هـ
تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍعلى الآيات ١ إلى ٥ابن كثير ٩/ ٥١٤ابن كثير ٩/ ٥١٤

قال البخاري: حدثنا محمد بن سلام، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ خرج إلى البطحاء، فصعد الجبل فنادى: "يا صباحاه" . فاجتمعت إليه قريش، فقال: "أرأيتم إن حَدثتكم أن العدوّ مُصبحكم أو مُمْسيكم، أكنتم تصدقوني؟ " . قالوا: نعم. قال: "فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد" . فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبا لك. فأنزل الله: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) إلى آخرها .

وفي رواية: فقام ينفض يديه، وهو يقول: تبا لك سائر اليوم. ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) .

الأول دعاء عليه، والثاني خبر عنه. فأبو لهب هذا هو أحد أعمام رسول الله ﷺ واسمه: عبد العُزّى بن عبد المطلب، وكنيته أبو عُتبة. وإنما سمي "أبا لهب" لإشراق وجهه، وكان كثير الأذية لرسول الله ﷺ والبغضة له، والازدراء به، والتنقص له ولدينه. .

قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: أخبرني رجل - يقال له: ربيعة بن عباد، من بني الديل، وكان جاهليًا فأسلم - قال: رأيت النبي ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: "يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه أحولُ ذو غديرتين، يقول: إنه صابئ كاذب. يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا: هذا عمه أبو لهب .

ثم رواه عن سُرَيج، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، فذكره - قال أبو الزناد: قلت لربيعة: كنت يومئذ صغيرًا؟ قال: لا والله إني يومئذ لأعقل أني أزفر القربة. تفرد به أحمد .

وقال محمد بن إسحاق: حدثني حُسَين بن عبد الله بن عُبيد الله بن عباس قال: سمعت ربيعة بن عباد الديلي يقول: إني لمع أبي رجل شاب، أنظر إلى رسول الله ﷺ يتبع القبائل -ووراءه رجل أحول وضيء، ذو جُمَّة - يَقِفُ رسول الله ﷺ على القبيلة فيقول: "يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، آمركم أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا، وأن تصدقوني وتمنعوني حتى أنفِّذَ عن الله ما بعثني به" . وإذا فرغ من مقالته قال الآخر من خلفه: يا بني فلان، هذا يريد منكم أن تسلُخوا اللات والعزى، وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أُقَيْش، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له ولا تتبعوه. فقلت لأبي: من هذا؟ قال: عمه أبو لهب . ابن كثير ٩/ ٥١٤ابن كثير ٩/ ٥١٤

رواه أحمد أيضا، والطبراني بهذا اللفظ .

فقوله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) أي: خسرت وخابت، وضل عمله وسعيه، (وَتَبَّ) أي: وقد تب تحقق خسارته وهلاكه.

وقوله: (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ) قال ابن عباس وغيره: (وَمَا كَسَبَ) يعني: ولده. وَرُوي عن عائشة، ومجاهد، وعطاء، والحسن، وابن سيرين، مثله.

وذكر عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ لما دعا قومه إلى الإيمان، قال أبو لهب: إذا كان ما يقول ابن أخي حقا، فإني أفتدي نفسي يوم القيامة من العذاب بمالي وولدي، فأنزل الله: (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ) .

وقوله: (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ) أي: ذات شرر ولهيب وإحراق شديد.

(وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) وكانت زوجته من سادات نساء قريش، وهي: أم جميل، واسمها أروى بنتُ حرب بن أمية، وهي أخت أبي سفيان. وكانت عونًا لزوجها على كفره وجحوده وعناده؛ فلهذا تكون يوم القيامة عَونًا عليه في عذابه في نار جهنم. ولهذا قال: (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) يعني: تحمل الحطب فتلقي على زوجها، ليزداد على ما هو فيه، وهي مُهَيَّأة لذلك مستعدة له.

(فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) قال مجاهد، وعروة: من مَسد النار.

وعن مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والثوري، والسدي: (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) كانت تمشي بالنميمة، [واختاره ابن جرير] .

وقال العوفي عن ابن عباس، وعطية الجدلي، والضحاك، وابن زيد: كانت تضع الشوك في طريق رسول الله ﷺ ، واختاره ابن جرير.

قال ابن جرير: وقيل: كانت تعير النبي ﷺ بالفقر، وكانت تحتطب، فعيرت بذلك.

كذا حكاه، ولم يعزه إلى أحد. والصحيح الأول، والله أعلم.

قال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة فاخرة فقالت: لأنفقنها في عداوة محمد، يعني: فأعقبها الله بها حبلا في جيدها من مسد النار. ابن كثير ٩/ ٥١٥ابن كثير ٩/ ٥١٥

وقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا وكيع، عن سليم مولى الشعبي، عن الشعبي قال: المسد: الليف.

وقال عروة بن الزبير: المسد: سلسلة ذرعها سبعون ذراعًا.

وعن الثوري: هو قلادة من نار، طولها سبعون ذراعًا.

وقال الجوهري: المَسَدُ: الليف. والمَسَد أيضا: حبل من ليف أو خوص، وقد يكون من جلود الإبل أو أوبارها، ومسدت الحبل أمسدُهُ مَسْدًا: إذا أجْدتُ فَتله .

وقال مجاهد: (فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) أي: طوق من حديد، ألا ترى أن العرب يسمون البَكْرة مَسَدًا؟

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي وأبو زُرْعة قالا حدثنا عبد الله بن الزبير الحُمَيدي، حدثنا سُفيان، حدثنا الوليد بن كثير، عن ابن تدرس، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما نزلت: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب، ولها ولولة، وفي يدها فهر، وهي تقول:

مُذَممًا أبَينَا ودينَه قَلَينا وَأمْرَه عَصَينا

ورسول الله ﷺ جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، قد أقبلت وأنا أخاف عليك أن تراك. فقال رسول الله ﷺ : "إنها لن تراني" . وقرأ قرآنا اعتصم به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] . فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله ﷺ فقالت: يا أبا بكر، إني أخبرت أن صاحبك هجاني؟ قال: لا ورب هذا البيت ما هجاك. فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها. قال: وقال الوليد في حديثه أو غيره: فعثَرَت أم جميل في مِرْطها وهي تطوف بالبيت، فقالت: تَعس مُذَمَّم. فقالت أم حكيم بنت عبد المطلب: إني لحصانُ فما أكلَّم، وثَقَافُ فما أعلَّم، وكلنا من بني العم، وقريش بعد أعلم .

وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد وأحمد بن إسحاق قالا حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: لما نزلت: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) جاءت امرأة أبي لهب ورسول الله ﷺ جالس، ومعه أبو بكر. فقال له أبو بكر: لو تَنَحَّيت لا تُؤذيك بشيء. فقال رسول الله ﷺ : "إنه سَيُحال بيني وبينها" . فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر فقالت: يا أبا بكر، هجانا صاحبك. فقال أبو بكر: لا ورب هذه البنية ما نَطَق بالشعر ولا يتفوه به. فقالت: إنك لمصدق، فلما ولت قال أبو بكر، رضي الله عنه : ما رأتك؟ قال: "لا ما زال ملك يسترني حتى ولت" . ابن كثير ٩/ ٥١٦ابن كثير ٩/ ٥١٦

ثم قال البزار: لا نعلمه يُروَى بأحسنَ من هذا الإسناد، عن أبي بكر، رضي الله عنه .

وقد قال بعض أهل العلم في قوله تعالى: (فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) أي: في عنقها حبل في نار [جهنم] تُرفَع به إلى شفيرها، ثم يرمى بها إلى أسفلها، ثم كذلك دائما.

قال أبو الخطاب بن دَحْية في كتابه التنوير -وقد رَوَى ذلك-وعُبر بالمسد عن حبل الدلو، كما قال أبو حنيفة الدينوري في كتاب "النبات" : كلّ مَسَد: رشاء، وأنشد في ذلك:

وَبَكْرَةً ومِحْوَرًا صِرَارًا … وَمَسَدًا مِنْ أبق مُغَارًا

قال: والأبقُ: القنَّبُ.

وقال الآخر:

يا مَسَدَ الخُوص تَعَوّذْ مني … إنْ تَكُ لَدْنًا لَيّنا فإني

ما شئْتَ مِنْ أشْمَطَ مُقْسَئِنّ

قال العلماء: وفي هذه السورة معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوة، فإنه منذ نزل قوله تعالى: (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان، لم يقيض لهما أن يؤمنا، ولا واحد منهما لا ظاهرًا ولا باطنًا، لا مسرًا ولا معلنًا، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة على النبوة الظاهرة.

[آخر تفسير "تبت" ولله الحمد والمنة] ابن كثير ٩/ ٥١٧ابن كثير ٩/ ٥١٧