يُنَزِّلُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦٓ أَنْ أَنذِرُوٓا۟ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ ٢
القراءات
اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾، بالياءِ، وتشديدِ الزايِ، ونَصْبِ الملائكةِ، بمعنى: يُنَزِّلُ اللَّهُ الملائكةَ بالرُّوحِ . وقرَأ ذلك بعضُ البصريين وبعضُ المكيين: (يُنزِلُ المَلائِكَةَ) بالياءِ وتخفيفِ الزايِ، ونصبِ الملائكةِ . وحُكِى عن بعضِ الكوفيين أنه كان يَقْرَؤُه: (تُنَزَّلُ المَلائِكَةُ) بالتاءِ وتشديدِ الزايِ، والملائكةُ بالرفعِ ، على اختلافٍ عنه في ذلك، وقد رُوِى عنه موافقةُ سائرِ قرأةِ بلدِه. الطبري ١٤/ ١٦١الطبري ١٤/ ١٦١
وأولى القراءاتِ بالصوابِ في ذلك عندى قراءةُ مَن قرَأ: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾. بمعنى: يُنَزِّلُ اللَّهُ ملائكةً. وإنما اختَرت ذلك، لأن اللَّهَ هو المنزِّلُ ملائكتَه بوحيِه إلى رسلِه، فإضافةُ فعلِ ذلك إليه، أولى وأحقُّ. واختَرت "يُنَزِّلُ" بالتشديدِ على التخفيفِ، لأنه تعالى ذكرُه كان يُنَزِّلُ مِن الوحيِ على مَن نزَّله، شيئًا بعدَ شيءٍ، والتشديدُ به، إذ كان ذلك معناه، أولى مِن التخفيفِ. الطبري ١٤/ ١٦١الطبري ١٤/ ١٦١
اختلفوا في قوله تعالى: ينزل الملائكة [٢] في التخفيف، والتشديد، والتاء، والياء.
فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائي: ينزل الملائكة بالياء، غير أنّ ابن كثير وأبا عمرو أسكنا النون، وخفّفا الزاي وشدّدها
الباقون.
وروى الكسائيّ عن أبي بكر عن عاصم: (تنزل الملائكة) بالتاء مضمومة، وفتح الزاي. (الملائكة) رفع .
فاعل ينزل الضمير العائد إلى اسم الله تعالى، في أتى أمر الله [١] .
فأمّا إسكان النون في (ينزل) وتخفيفها وتشديدها، فكل واحد من القراءتين سائغ؛ قال: إنا نحن نزلنا الذكر [الحجر/ ٩] وقال: وأنزلنا إليك الذكر [النحل/ ٤٤] .
فأما ما روي عن عاصم من قوله: (تنزل الملائكة) فإنّه أنّث الفعل لإسناده إلى الملائكة، كما قال: إذ قالت الملائكة [آل عمران/ ٤٥] ، وبنى الفعل للمفعول، وأسند إليهم، والأوّل أبين. أبو علي الفارسي ٦/ ٥٣أبو علي الفارسي ٦/ ٥٣
[النحل: ١١]
قال: كلّهم قرأ: ينبت [١١] بالياء إلا عاصما، في رواية أبي بكر، فإنّه قرأ: (ننبت) بالنون، وروى حفص عنه بالياء .
ينبت بالياء، لتقدم قوله: هو الذي أنزل من السماء ماء [١٠] ، ينبت وينبت، أشكل لما تقدّم من الإفراد، والنون لا تمتنع أيضا ، ويقال: نبت البقل، وأنبته الله وقد روي: أنبت البقل، والأصمعي: يأبى إلا نبت، ويزعم أن قصيدة زهير التي فيها:
... حتى إذا أنبت البقل متّهمة. فأما قوله: تنبت بالدهن [المؤمنون/ ٢٠] فيجوز أن يكون الباء زائدة كقوله: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [البقرة/ ١٩٥] ، وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم [النحل/ ١٥] ، فعدّى (ألقى) مرّة بالياء، ومرّة بغيرها. أبو علي الفارسي ٦/ ٥٤أبو علي الفارسي ٦/ ٥٤
وإذا ثبت: أنبت، في معنى: نبت، جاز أن تكون الباء للتعدي، كما أنّها لو كانت مع نبت كان كذلك، ويجوز أن تكون الهمزة في أنبت، للتعدي، والمفعول محذوف، والباء للحال كأنه تنبت ثمرة الدّهن، فحذف المفعول، وبالدهن في موضع حال كأنه: تنبت بالدهن، أي: تنبت الثمر، وفيه دهن، ويجوز في تنبت بالدهن، أي: بذي الدّهن، أي تنبت ما فيه دهن.
قال: وقرأ ابن عامر: (والشمس والقمر والنجوم مسخرات) [٥٤] رفع كلّه، وقرأ الباقون: بنصب ذلك كلّه، وأبو بكر عن عاصم.
وروى حفص عن عاصم مثل قراءة ابن عامر في مسخرات وحدها، ونصب الباقي .
النصب في قوله: والشمس والقمر أحسن، ليكون معطوفا على ما قبله وداخلا في إعرابه، لاستقامته في المعنى، ألا ترى أن ما في التنزيل من نحو قوله: وكلا ضربنا له الأمثال [الفرقان/ ٣٩] ، وقوله: والظالمين أعد لهم عذابا أليما [الإنسان/ ٣١] يختار فيه النصب، ليكون مثل ما يعطف عليه، ومشاكلا له، فكذلك إذا حمل ذلك على التسخير، كان أشبه، فإن قلت: فكيف جاء (مسخرات) بعد هذه الأشياء المنصوبة المحمولة على (سخر) ؟ فإن ذلك لا يمتنع، لأنّ الحال تكون مؤكّدة ومجيء الحال مؤكّدة في التنزيل وفي غيره كثير، كقوله: أبو علي الفارسي ٦/ ٥٥أبو علي الفارسي ٦/ ٥٥
وهو الحق مصدقا [البقرة/ ٩١] ، و:
أنا ابن دارة معروفا و:
كفى بالنأي من أسماء كافي ويقوي النصب قوله: وسخر لكم الشمس والقمر دائبين [إبراهيم/ ٣٣] ، فكما حملا هنا على التسخير كذلك في الأخرى، وكذلك النجوم قد حملت على التسخير كذلك في وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر [الأنعام/ ٩٧] . أبو علي الفارسي ٦/ ٥٦أبو علي الفارسي ٦/ ٥٦
وكأنّ ابن عامر قطعه عن سخّر، لئلّا يجعل الحال مؤكّدة، فابتدأ الشمس والقمر والنجوم، وجعل مسخّرات خبرا عنها. ويدل على جواز ذلك أنه إذا جاء: سخر لكم الشمس والقمر علم من هذا أنهما مسخران، فجاز الإخبار بالتسخير عنها لذلك.
[النحل: ١٢]
ووجه ما روي عن عاصم من الرفع في مسخّرات وحدها، أنّه لم يجعلها حالا مؤكّدة، وجعلها خبر ابتداء محذوف، كأنّه لما قال: وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم [النحل/ ١٢] قال بعد: هي مسخرات، فحذف المبتدأ، وأضمره لدلالة الخبر عليه، وهو إذا جعله خبر ابتداء محذوف فقد علم ذلك بما تقدّم، كما أنّه إذا جعل مسخرات حالا مؤكدة فقد علم ذلك بما تقدم، وهذا المعنى في الحال أسوغ منه في الخبر، لأنّ الخبر ينبغي أن يكون مفيدا، لم يجيء إلّا كذلك، ألا ترى أنّه حمل قوله على الحال، ولم يحمله على الخبر، والحال قد جاءت مؤكّدة. أبو علي الفارسي ٦/ ٥٧أبو علي الفارسي ٦/ ٥٧
[النحل: ٢١، ٢٠، ١٩] أبو علي الفارسي ٦/ ٥٨أبو علي الفارسي ٦/ ٥٨
لا كتاب مختار.