أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًۭا ٧٨
التفسير
أقم الصلاة تامة من وقت زوال الشمس عند الظهيرة إلى وقت ظلمة الليل، ويدخل في هذا صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وأقم صلاة الفجر، وأَطِلِ القراءة فيها؛ إن صلاة الفجر تحضرها ملائكة الليل وملائكة النهار.
يقول تعالى لرسوله ﷺ آمرًا له بإقامة الصلوات المكتوبات في أوقاتها: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) قيل لغروبها. قاله ابن مسعود، ومجاهد، وابن زيد.
وقال هُشَيْم، عن مغيرة، عن الشعبي، عن ابن عباس: "دلوكها" : زوالها. ورواه نافع، عن ابن عمر. ورواه مالك في تفسيره، عن الزهري، عن ابن عمر. وقاله أبو بَرْزَة الأسلمي وهو رواية أيضًا عن ابن مسعود. ومجاهد. وبه قال الحسن، والضحاك، وأبو جعفر الباقر، وقتادة. واختاره ابن جرير، ومما استشهد عليه ما رواه عن ابن حميد، عن الحكم بن بشير، حدثنا عمرو بن قيس، عن ابن أبي ليلى، [عن رجل] ، عن جابر بن عبد الله قال: دعوت رسول الله ﷺ ومن شاء من أصحابه فطعموا عندي، ثم خرجوا حين زالت الشمس، فخرج النبي ﷺ فقال: "اخرج يا أبا بكر، فهذا حين دلكت الشمس" . ابن كثير ٦/ ١٠١ابن كثير ٦/ ١٠١
ثم رواه عن سهل بن بكار، عن أبي عَوَانة، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، عن جابر عن رسول الله ﷺ ، نحوه. فعلى هذا تكون هذه الآية دخل فيها أوقات الصلاة الخمسة فمن قوله: (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) وهو: ظلامه، وقيل: غروب الشمس، أخذ منه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقوله [تعالى] : (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) يعني: صلاة الفجر.
وقد ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ تواترًا من أفعاله وأقواله بتفاصيل هذه الأوقات، على ما عليه عمل أهل الإسلام اليوم، مما تلقوه خلفًا عن سلف، وقرنًا بعد قرن، كما هو مقرر في مواضعه، ولله الحمد.
(إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) قال الأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود -وعن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه ، عن النبي ﷺ في هذه الآية: (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) قال: "تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار" .
وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، عن أبي سلمة -وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر" . ويقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا أسباط، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ -وحدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) قال: "تشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار" .
ورواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ثلاثتهم عن عُبَيْد بن أسباط بن محمد، عن أبيه، به وقال الترمذي: حسن صحيح.
وفي لفظ في الصحيحين، من طريق مالك، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " يتعاقبون فيكم ملائكة الليل وملائكة النهار ، ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر، فَيَعْرُجُ الذين باتوا فيكم فيسألهم -وهو أعلم بكم -كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون" وقال عبد الله بن مسعود: يجتمع الحرسان في صلاة الفجر، فيصعد هؤلاء ويقيم هؤلاء. ابن كثير ٦/ ١٠٢ابن كثير ٦/ ١٠٢
وكذا قال إبراهيم النَّخَعي، ومجاهد، وقتادة، وغير واحد في تفسير هذه الآية.
وأما الحديث الذي رواه ابن جرير هاهنا -من حديث الليث بن سعد، عن زيادة، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عُبيد، عن أبي الدرداء، عن رسول الله ﷺ ، فذكر حديث النزول وأنه تعالى يقول: "من يستغفرني أغفر له، من يسألني أعطه ، من يدعني فأستجيب له حتى يطلع الفجر" . فلذلك يقول: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) فيشهده الله، وملائكة الليل، وملائكة النهار -فإنه تفرد به زيادة، وله بهذا حديث في سنن أبي داود .
وقوله: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ) أمر له بقيام الليل بعد المكتوبة، كما ورد في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه سئل: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: "صلاة الليل" .
ولهذا أمر تعالى رسوله بعد المكتوبات بقيام الليل، فإن التهجد: ما كان بعد نوم. قاله علقمة، والأسود وإبراهيم النخعي، وغير واحد وهو المعروف في لغة العرب. وكذلك ثبتت الأحاديث عن رسول الله ﷺ : أنه كان يتهجد بعد نومه، عن ابن عباس، وعائشة، وغير واحد من الصحابة، رضي الله عنهم ، كما هو مبسوط في موضعه ، ولله الحمد والمنة.
وقال الحسن البصري: هو ما كان بعد العشاء. ويحمل على ما بعد النوم.
واختلف في معنى قوله: (نَافِلَةً لَكَ) فقيل: معناه أنك مخصوص بوجوب ذلك وحدك، فجعلوا قيام الليل واجبًا في حقه دون الأمة. رواه العوفي عن ابن عباس، وهو أحد قولي العلماء، وأحد قولي الشافعي، رحمه الله ، واختاره ابن جرير.
وقيل: إنما جعل قيام الليل في حقه نافلة على الخصوص؛ لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وغيرهُ من أمته إنما يكفر عنه صلواته النوافل الذنوب التي عليه، قاله مجاهد، وهو في المسند عن أبي أمامة الباهلي، رضي الله عنه .
وقوله: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) أي: افعل هذا الذي أمرتك به، لنقيمك يوم القيامة مقاما يحسدك فيه الخلائق كلهم وخالقهم، تبارك وتعالى .
قال ابن جرير: قال أكثر أهل التأويل: ذلك هو المقام الذي يقومه ﷺ يوم القيامة للشفاعة للناس، ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زُفَر، عن حذيفة قال: يجمع الناس في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، حفاة عُراة كما خلقوا قيامًا، لا تكلم نفس إلا بإذنه، ينادى: يا محمد، فيقول: "لبيك وسعدَيك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهديّ من هَدَيْت، وعبدك بين يديك، وبك وإليك، لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت" . فهذا المقام المحمود الذي ذكره الله عز وجل . ابن كثير ٦/ ١٠٣ابن كثير ٦/ ١٠٣
ثم رواه عن بُنْدَار، عن غُنْدَر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، به . وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر والثوري، عن أبي إسحاق، به .
وقال ابن عباس: هذا المقام المحمود مقام الشفاعة. وكذا قال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد. وقاله الحسن البصري.
وقال قتادة: هو أول من تنشق عنه الأرض ، وأول شافع، وكان أهل العلم يرون أنه المقام المحمود الذي قال الله: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا)
قلت: لرسول الله ﷺ تسليمًا تشريفات [يوم القيامة] لا يشركه فيها أحد، وتشريفات لا يساويه فيها أحد؛ فهو أول من تنشق عنه الأرض ويبعث راكبا إلى المحشر، وله اللواء الذي آدم فمن دُونَه تحت لوائه، وله الحوض الذي ليس في الموقف أكثر واردًا منه، وله الشفاعة العظمى عند الله ليأتي لفصل القضاء بين الخلائق، وذلك بعدما يسأل الناس آدم ثم نوحًا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى، فكل يقول: "لست لها" حتى يأتوا إلى محمد ﷺ فيقول: "أنا لها، أنا لها" كما سنذكر ذلك مفصلا في هذا الموضع، إن شاء الله تعالى. ومن ذلك أنه يشفع في أقوام قد أمر بهم إلى النار، فيردون عنها. وهو أول الأنبياء يقضي بين أمته، وأولهم إجازة على الصراط بأمته. وهو أول شفيع في الجنة، كما ثبت في صحيح مسلم. وفي حديث الصور: أن المؤمنين كلهم لا يدخلون الجنة إلا بشفاعته وهو أول داخل إليها وأمته قبل الأمم كلهم. ويشفع في رفع درجات أقوام لا تبلغها أعمالهم. وهو صاحب الوسيلة التي هي أعلى منزلة في الجنة، لا تليق إلا له. وإذا أذن الله تعالى في الشفاعة للعصاة شفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، فيشفع هو في خلائق لا يعلم عدتهم إلا الله، ولا يشفع أحد مثله ولا يساويه في ذلك. وقد بسطت ذلك مستقصى في آخر كتاب "السيرة" في باب الخصائص، ولله الحمد والمنة. ابن كثير ٦/ ١٠٤ابن كثير ٦/ ١٠٤
ولنذكر الآن الأحاديث الواردة في المقام المحمود، وبالله المستعان:
قال البخاري: حدثنا إسماعيل بن أبان، حدثنا أبو الأحوص، عن آدم بن علي، سمعت ابن عمر [يقول] : إن الناس يصيرون يوم القيامة جُثًا، كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان اشفع، يا فلان اشفع حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ ، فذلك يوم يبعثه الله مقامًا محمودًا .
ورواه حمزة بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﷺ .
قال ابن جرير: حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا شعيب بن الليث، حدثنى الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر أنه قال: سمعت حمزة بن عبد الله بن عمر يقول: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ "إن الشمس لَتدنو حتى يبلغ العَرَقُ نصفَ الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم، فيقول: لست صاحب ذلك، ثم بموسى فيقول كذلك، ثم بمحمد فيشفع بين الخلق ، فيمشي حتى يأخذ بحلقة باب الجنة، فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا" . [يحمده أهل الجنة كلهم] .
وهكذا رواه البخاري في "الزكاة" عن يحيى بن بُكَيْر، وعبد الله بن صالح، كلاهما عن الليث بن سعد، به ، وزاد "فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا، بحمده أهل الجمع كلهم" .
قال البخاري: وحدثنا علي بن عَيَّاش، حدثنا شعيب بن أبي حَمْزة، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله ﷺ قال: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حَلَّت له شفاعتي يوم القيامة" . انفرد به دون مسلم .
حديث أبيّ:
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر الأزدي، حدثنا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة، كنت إمام الأنبياء وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم غير فَخْر" .
وأخرجه الترمذي، من حديث أبي عامر عبد الملك بن عَمْرو العَقَديّ، وقال: "حسن صحيح " . وابن ماجه من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل به. وقد قدمنا في حديث: "أبي بن كعب" في قراءة القرآن على سبعة أحرف، قال رسول الله ﷺ في آخره: "فقلت: اللهم، اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ فيه الخلق، حتى إبراهيم عليه السلام " . ابن كثير ٦/ ١٠٥ابن كثير ٦/ ١٠٥
حديث أنس بن مالك:
قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، حدثنا قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيلهمون ذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، فأراحنا من مكاننا هذا. فيأتون آدم فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كلّ شيء، فاشفع لنا إلى ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول لهم آدم: لست هناكم، ويذكر ذنبه الذي أصاب، فيستحيي ربه، عز وجل ، من ذلك، ويقول: ولكن ائتوا نوحًا، فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض. فيأتون نوحًا فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئة سؤاله ربه ما ليس له به علم، فيستحيي ربه من ذلك، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن. فيأتونه فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا موسى، عبدًا كلمه الله، وأعطاه التوراة. فيأتون موسى فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم النفس التي قتل بغير نفس فيستحيي ربه من ذلك، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته وروحه، فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدًا عبدًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتوني" . قال الحسن هذا الحرف : "فأقوم فأمشي بين سِماطين من المؤمنين" . قال أنس: "حتى أستأذن على ربي، فإذا رأيت ربي وقعت له - أو: خررت -ساجدًا لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني" . قال: "ثم يقال: ارفع محمد، قل يسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه. فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يُعَلِّمُنيه، ثم أشفع فيحدّ لي حدًا، فأدخلهم الجنة" : "ثم أعود إليه الثانية، فإذا رأيت ربي وقعت - أو: خررت -ساجدًا لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني. ثم يقال: ارفع محمد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يُعَلِّمُنيه، ثم أشفع فيحدّ لي حدًا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود في الثالثة؛ فإذا رأيت ربي وقعت - أو: خررت -ساجدًا لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع محمد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يُعَلِّمُنيه ثم أشفع فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة. ثم أعود الرابعة فأقول: يا رب، ما بقي إلا من حبسه القرآن" . فحدثنا أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "فيخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن بُرَّة ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة" .
أخرجاه [في الصحيح] من حديث سعيد، به وهكذا رواه الإمام أحمد، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بطوله . ابن كثير ٦/ ١٠٦ابن كثير ٦/ ١٠٦
وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حرب بن ميمون أبو الخطاب الأنصاري، عن النضر بن أنس، عن أنس قال: حدثني نبي الله ﷺ قال: "إني لقائم أنتظر أمتي تعبر الصراط، إذ جاءني عيسى، عليه السلام ، فقال: هذه الأنبياء قد جاءتك يا محمد يسألون - أو قال: يجتمعون إليك -ويَدْعُون الله أن يفرق بين جميع الأمم إلى حيث يشاء الله، لغمّ ما هم فيه، فالخلق مُلجَمون بالعرق، فأما المؤمن فهو عليه كالزكْمَة، وأما الكافر فيغشاه الموت، فقال: انتظر حتى أرجع إليك. فذهب نبي الله ﷺ فقام تحت العرش، فلقي ما لم يلق مَلَك مصطفى ولا نبي مرسل. فأوحى الله، عز وجل ، إلى جبريل: أن اذهب إلى محمد، وقل له: ارفع رأسك، وسل تُعطَه، واشفع تشفع. فشفَعتُ في أمتي: أن أخرج من كل تسعة وتسعين إنسانًا واحدًا. فما زلت أتردد إلى ربي، عز وجل ، فلا أقوم منه مقامًا إلا شفعت، حتى أعطاني الله من ذلك، أن قال: يا محمد، أَدْخِلْ [من أمتك] من خلق الله، عز وجل ، من شهد أن لا إله إلا الله يومًا واحدًا مخلصًا ومات على ذلك " .
حديث بريدة، رضي الله عنه :
قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا الأسود بن عامر، أخبرنا أبو إسرائيل، عن الحارث بن حَصِيرة، عن ابن بُرَيْدة، عن أبيه: أنه دخل على معاوية، فإذا رجل يتكلم، فقال بريدة: يا معاوية، تأذن لي في الكلام؟ فقال: نعم -وهو يرى أنه يتكلم بمثل ما قال الآخر - فقال بريدة: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إني لأرجو أن أشفع يوم القيامة عدد ما على الأرض من شجرة ومدرة" . قال: فترجوها أنت يا معاوية، ولا يرجوها عليّ، رضي الله عنه ؟! .
حديث ابن مسعود:
قال الإمام أحمد: حدثنا عارم بن الفضل، حدثنا سعيد بن زيد، حدثنا علي بن الحكم البُنَاني، عن عثمان، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن ابن مسعود قال: جاء ابنا مُلَيْكَة إلى النبي ﷺ فقالا إن أمَّنا [كانت] تكرم الزوج، وتعطف على الولد - قال: وذكر الضيف -غير أنها كانت وأدت في الجاهلية؟ فقال: "أمكما في النار" . قال: فأدبرا والسوء يرى في وجوههما، فأمر بهما فَرُدَّا، فَرَجَعَا والسرور يرى في وجوههما؛ رجاء أن يكون قد حدث شيء، فقال: "أمي مع أمكما" . فقال رجل من المنافقين: وما يغني هذا عن أمه شيئًا! ونحن نطأ عقبيه. فقال رجل من الأنصار -ولم أر رجلا قط أكثر سؤالا منه-: يا رسول الله، هل وعدك ربك فيها أو فيهما؟. قال: فظن أنه من شيء قد سمعه، فقال: "ما شاء الله ربي وما أطمعني فيه، وإني لأقوم المقام المحمود يوم القيامة" . فقالَ الأنصاري: يا رسول الله، وما ذاك المقام المحمود؟ قال: " ذاك إذا جيء بكم حفاة عراة غرلا فيكون أول من يكسى إبراهيم، عليه السلام ، فيقول: اكسوا خليلي. فيؤتى بريطتين بيضاوين، فيلبسهما ثم يقعده مستقبل العرش، ثم أوتي بكسوتي فألبسها، فأقوم عن يمينه مقامًا لا يقومه أحد، فيغبطني فيه الأولون والآخرون. ويفتح نهر من الكوثر إلى الحوض ". فقال المنافقون: إنه ما جرى ماء قط إلا على حال أو رضراض. فقال رسول الله ﷺ " حاله المسك، ورضراضه التُّوم ". [قال المنافق: لم أسمع كاليوم. قلَّما جرى ماء قط على حال أو رضراض، إلا كان له نبتة. فقال الأنصاري: يا رسول الله، هل له نبت؟ قال " نعم، قضبان الذهب "] . قال المنافق: لم أسمع كاليوم، فأنه قلما ينبت قضيب إلا أورق، وإلا كان له ثمر! قال الأنصاري: يا رسول الله، هل له ثمرة؟ قال: " نعم، ألوان الجوهر، وماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، من شرب منه شربةً لا يظمأ بعده، ومن حرمه لم يَرْوَ بعده " . ابن كثير ٦/ ١٠٧ابن كثير ٦/ ١٠٧
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا يحيى بن سَلَمَة بن كُهَيْل، عن أبيه، عن أبي الزّعْرَاء، عن عبد الله قال: ثم يأذن الله، عز وجل ، في الشفاعة، فيقوم روح القدس جبريل، ثم يقوم إبراهيم خليل الله، ثم يقوم عيسى أو موسى - قال أبو الزعراء: لا أدري أيهما - قال: ثم يقوم نبيكم ﷺ رابعًا، فيشفع لا يشفع أحد بعده أكثر مما شفع، وهو المقام المحمود الذي قال الله عز وجل : (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) .
حديث كعب بن مالك، رضي الله عنه :
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا محمد بن حرب، حدثنا الزبيدي، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله [بن كعب] بن مالك، عن كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "يبعث الناس يوم القيامة، فأكون أنا وأمتي على تل، ويكسوني ربي، عز وجل ، حلة خضراء ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود " .
حديث أبي الدرداء، رضي الله عنه :
قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن ابن جُبَير، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يؤذن له أن يرفع رأسه، فأنظر إلى ما بين يدي، فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي مثل ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك ". فقال رجل: يا رسول الله، كيف تعرف أمتك من بين الأمم، فيما بين نوح إلى أمتك؟ قال: " هم غرّ مُحَجَّلُون، من أثر الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يُؤتَونَ كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم تسعى بين أيديهم ذريتهم" . ابن كثير ٦/ ١٠٨ابن كثير ٦/ ١٠٨
حديث أبي هريرة، رضي الله عنه :
قال الإمام أحمد، رحمه الله : حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا أبو حَيَّان، حدثنا أبو زُرْعَة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، قال: أتي رسول الله ﷺ بلحم، فَرُفع إليه الذراع -وكانت تعجبه -فَنَهَسَ منها نَهْسة ، ثم قال: "أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون ممّ ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، يُسْمعهم الداعي ويَنفذُهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغمّ والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون. فيقول بعض الناس لبعض: [ألا ترون إلى ما أنتم فيه؟ ألا ترون إلى ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم عز وجل ؟ فيقول بعض الناس لبعض] : أبوكم آدم!.
فيأتون آدم، فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك؛ فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي، نفسي، نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح.
فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبدًا شكورًا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول نوح: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة على قومي، نفسي، نفسي، نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم.
فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم، أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، [اشفع لنا إلى ربك] ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، فذكر كذباته نفسي، نفسي، نفسي [اذهبوا إلى غيري] اذهبوا إلى موسى.
فيأتون موسى فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، اصطفاك الله برسالاته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسًا لم أومر بقتلها، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى.
فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه - قال: هكذا هو -وكلمت الناس في المهد، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنبا، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد. ابن كثير ٦/ ١٠٩ابن كثير ٦/ ١٠٩
فيأتوني فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأقوم فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربي، عز وجل ، ثم يفتح الله عليّ، ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبلي. فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأقول: يا رب، أمتي أمتي، يا رب أمتي أمتي، يا رب، أمتي أمتي! فيقال: يا محمد: أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سواه من الأبواب ". ثم قال: " والذي نفس محمد بيده لما بين مِصْراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وَهَجَر، أو كما بين مكة وبُصْرَى ". أخرجاه في الصحيحين .
وقال مسلم، رحمه الله : حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا هِقْلُ بن زياد، عن الأوزاعي، حدثني أبو عمار، حدثني عبد الله بن فرُّوخ، حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مُشَفَّع " .
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا وَكِيع، عن داود بن يزيد الزّعافري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) ، سئل عنها فقال: "هي الشفاعة " .
رواه الإمام أحمد عن وكيع وعن محمد بن عبيد، عن داود، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) قال: "هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه " .
وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، عن علي بن الحسين قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة، مدّ الله الأرض مدّ الأديم، حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدمه " . قال النبي ﷺ : " فأكون أول من يدعى، وجبريل عن يمين الرحمن والله ما رآه قبلها، فأقول رب، إن هذا أخبرني أنك أرسلته إلي. فيقول الله تبارك وتعالى : صدق، ثم أشفع. فأقول: يا رب عبادك عبدوك في أطراف الأرض "، قال: " فهو المقام المحمود" ، وهذا حديث مرسل. ابن كثير ٦/ ١١٠ابن كثير ٦/ ١١٠
قال الله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ أصل الدلوك: الميل والزوال، وهذا المعنى يصح أن يراد منه ميل الشمس عن كبد السماء، وزوالها عنه وقت الظهيرة، ويصح أن يراد منه ميلها وزوالها عن الأفق في وقت الغروب، ولعلّ هذا هو منشأ اختلاف العلماء في تعيين الوقت المأمور فيه بإقامة الصلاة لدلوك الشمس.
فقد ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، ومنهم ابن عباس وابن مسعود إلى أنّ المراد من دلوك الشمس غروبها.
بل لقد روى ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقسم على ذلك. فقد أخرج أن أبا عبيدة بن عبد الله كتب إلى عقبة بن عبد الغافر أن عبد الله بن مسعود كان إذا غربت الشمس صلّى المغرب، ويفطر إن كان صائما، ويقسم عليها يمينا ما يقسمه على شيء من الصلوات، بالله الذي لا إله إلا هو إنّ الساعة لميقات هذه الصلاة، ويقرأ فيها تفسيرها من كتاب الله أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ.
وأخرج أيضا عن مجاهد عن ابن عباس قال: دلوك الشمس غروبها.
وذهب آخرون إلى أن دلوكها ميلها إلى الزوال، وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر والحسن، وعليه الجمهور، قالوا: والصلاة التي أمر بها ابتداء من هذا الوقت هي صلاة الظهر، وقد أيّدوا هذا القول بوجوه:
منها ما
روي عن جابر أنه قال: طعم عندي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه، ثم خرجوا حين زالت الشمس، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «هذا حين دلكت الشمس» . محمد علي السايس ١/ ٤٨٦محمد علي السايس ١/ ٤٨٦
وهذا الحديث إن صحّ كان هو العمدة في الباب وابن جرير وإن كان من أنصار هذا الرأي ينصّ على أنّ الخبر ونحوه في إسناده شيء، وإن كان لم يعينه.
ومن الوجوه أيضا النقل عن أهل اللغة، فقد قالوا: إنّ الدلوك في كلام العرب الزوال، ولذا قيل الشمس إذا زالت دالكة. قال ابن جرير : وهذا تفسير أهل الغريب أبي عبيدة والأصمعي وأبي عمرو والشيباني وغيرهم، وقالوا أيضا:
إنّ أصل الدلوك مأخوذ من دلك العين حين تنظر ما لا تقوى على النظر إليه، وهذا إنما يكون عند الزوال لقوة الشمس فيه، حتى إنّ الناظر لا يستطيع أن ينظر، حتى يضع كفه على حاجبه، يمنع عن عينه شعاع الشمس.
على أنّ الدلوك لو كان اسما لمطلق الميل لكان حمله على ميلها إلى الزوال في وقت الظهر أولى، وذلك لأنّ الآية تكون قد دلّت على الأمر بإقامة الصلاة ابتداء من الظهر إلى دخول الظلمة، أو إلى نصف الليل، فتكون قد انتظمت أربع صلوات.
وَقُرْآنَ الْفَجْرِ دلت على الصلاة الخامسة، ولو حملنا الدلوك على الغروب تكون الآية قد دلّت على صلاتي المغرب والعشاء: إن لم نقل إنها تدل على صلاة واحدة هي صلاة المغرب.
وقد قالوا: كلما كان المدلول عليه كثيرا كان الحمل عليه أولى، فيكون حمل الدلوك على ميل الشمس إلى الزوال في الظهيرة أولى من حمله على الزوال للغروب.
واللام في قوله: لِدُلُوكِ الشَّمْسِ لام الوقت والأجل، لأنّ الوقت سبب الوجوب.
إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ قيل: غسق الليل سواده وظلمته، وقال بعضهم: غسق الليل دخول أوله. وأصله من غسقت العين إذا هملت بالدمع، والغاسق السائل، فمعنى غسق الليل انصب بظلامه، وذلك أن الظلمة كأنها تنصب على العالم.
فمعنى الآية والله أعلم: أدم إقامة الصلاة من الظهيرة إلى وقت هجوم الظلمة، أو إلى غيبوبة الشفق، أو إلى منتصف الليل على ما قيل في تفسير الغسق. وعلى هذا تكون هذه الآية والتي بعدها على ما يجيء قد دلتا على الأمر بالصلاة من الظهيرة إلى العشاء، وذلك أربع صلوات على حسب البيان الذي وردت به السنة العملية، وعلى الأمر بالصلاة في الفجر، وتلك هي الصلاة الخامسة. محمد علي السايس ١/ ٤٨٧محمد علي السايس ١/ ٤٨٧
ولقد أراد بعضهم أن يفهم من الأمر بإقامة الصلاة من دلوك الشمس إلى غسق الليل أنّ الله قد بين في الآيتين ثلاثة أوقات: وقت الدلوك، ووقت الغسق، ووقت الفجر، ووقت الدلوك فيه صلاتان، وهما: الظهر والعصر، ووقت الغسق فيه صلاتان: المغرب والعشاء، فدلّ ذلك على جواز الجمع بين الظهر والعصر، لأنّ وقتهما الدلوك، وجمع المغرب إلى العشاء، لأنّهما في الغسق، وهو استدلال عجيب، إذ إنّ كل ما في الآية أنّها أمرت بإقامة الصلاة من دلوك الشمس إلى الغسق، فهل هذا أمر يشغل كل هذا الوقت بالصلاة، أو أمر بفعل الصلاة في بعض أجزائه، وما مقدار هذا البعض؟ كل هذا خارج عن مدلول الآية، وقد بينته السنة، فإن كانت قد ورد فيها جمع الصلاتين، أو الصلوات من غير عذر، فبيانها هو الدليل، وإن كان قد ورد فيها أن الجمع بين الصلاتين لا يجوز إلا بشروط، وفي أوقات دون أخرى، كان ذلك هو الدليل على أن الجمع إنما يجوز بهذه الشروط.
وحيث إنه قد انجر الكلام إلى الجمع فنقول: قد روي عن ابن مسعود وابن عباس جواز جمع الظهر إلى العصر، والمغرب إلى العشاء مطلقا ولو من غير عذر، والجمهور على خلاف مذهبهما.
فالشافعية: يجيزون جمع التقديم والتأخير بشروط تعلم من كتبهم، والحنفية يقولون: لا جمع إلا في الظهر والعصر جمع تقديم يوم عرفة، والمغرب والعشاء جمع تأخير في مزدلفة، ويعرف ذلك من كتبهم أيضا.
وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً وَقُرْآنَ معطوف على الصلاة، أي وأقم قرآن الفجر، وقد قال أبو بكر الرازي : إنّ ذلك يدلّ على وجوب القراءة في الصلاة، ووجه الدلالة أن الآية تدلّ على الأمر بقرآن الفجر، ولا نعلم قراءة واجبة في الفجر إلا أن تكون القراءة في صلاة الفجر، وقد حمل بعضهم القرآن في قوله: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ على الصلاة في الفجر. قال أبو بكر الرازي: وهو عدول عن الحقيقة إلى المجاز من غير دليل، وذلك غريب من أبي بكر، فإنّ الدليل هو ما قاله: من أنا لا نعلم قرآنا واجبا في ذلك الوقت، وإن كان له أن يقول: إن الفجر فيه قرآن واجب، وهو قرآن الفجر، ولكن هذا إن أثبت له ما أراد فهو يثبت وجوب القراءة في الفجر، فمن أين وجبت في كل الصلوات، سيقول من دليل آخر، فنقول: ذلك هو الدليل على وجوب القراءة. محمد علي السايس ١/ ٤٨٨محمد علي السايس ١/ ٤٨٨
على أنا لا نرى أنّ حمل القرآن في قوله: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ على الصلاة يؤدي إلى الغرض الذي أراده الجصاص من هذا، وهو أخذ وجوب القراءة في الصلاة، فإنّ تسمية صلاة الفجر بالقرآن إنما كانت لأن القراءة جزء مهمّ فيها، كما سميت الصلاة بالركوع والسجود.
وقد أراد الفخر الرازي أن يأخذ من قوله: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ دليلا على مذهب الشافعية، في استحباب التغليس بالفجر، ويقول في وجه الدلالة: إنّه أمر بإقامة الصلاة في الفجر، والفجر إنما سمي فجرا، لأنّ نور الصبح يفجر ظلمة الليل، قال وظاهر الأمر للوجوب، فمقتضى هذا اللفظ وجوب إقامة الصلاة في أول وقت الفجر، إلا أنا أجمعنا على أنّ الوجوب غير حاصل، فيبقى الأمر للندب.
وأنت تعلم أنّ أمر تحديد الصلوات قد ثبت بالسنة في حديث جبريل، الذي بيّن فيه أول الوقت وآخره، فدلّ ذلك على الجواز في كل الوقت، فأفضلية التقديم على التأخير والعكس تحتاج إلى دليل مستقل، ك:
«أبردوا بالظهر»
، «ولا تزال أمتي بخير: ما عجّلوا المغرب وأخّروا العشاء»
، فالتغليس بالفجر والتنوير والإسفار به يحتاج إلى دليل مستقل، فالحكم هو ما يدلّ عليه ذلك الدليل.
وقد أخذ الفخر الرازي من تسمية صلاة الفجر بالقرآن الحثّ على تطويل القراءة في الصلاة، وهو وجيه.
إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً قالوا: إن معنى ذلك أنّ ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح خلف الإمام.
قال الفخر- بعد سوق هذا الكلام- ويحتمل أن يكون المراد من قوله: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً الترغيب في أن تؤدى هذه الصلاة بجماعة، ويكون المعنى:
كونها مشهودة بالجماعة الكثيرة، وهو حسن أيضا.
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً .
وَمِنَ اللَّيْلِ الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره، قم، و (من) للتبعيض، والمعنى: قم بعض الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ الهجود: النوم، ولكنه أريد منه هنا التيقظ، فقال بعضهم: هو من أسماء الأضداد، حتى قال أبو عبيدة: الهاجد النائم، والهاجد المصلي بليل. محمد علي السايس ١/ ٤٨٩محمد علي السايس ١/ ٤٨٩
وذهب بعضهم إلى أن إطلاق المتهجد على المصلي بليل إطلاق شرعي، كأنه إنما سمّي بذلك لأنه ألقى الهجود، وهو: النوم عن نفسه، كما قيل للعابد: متحنث، لأنّه ألقى الحنث عن نفسه، ومتحرّج ومتأثمّ ومتحوّب لمن ألقى الحرج والإثم والحوب عن نفسه.
ويرى بعضهم أن التهجد أخصّ من الصلاة بالليل، فلا يقال لكل من صلّى بالليل: متهجد، وإنما يقال لمن نام، ثم قام فصلّى، ثم رقد، فقام فصلّى، وهو مروي عن الحجاج بن عمر المازني قال: أيحسب أحدكم إذا قام من الليل فصلّى حتى يصبح أنه قد تهجد، إنما التهجد الصلاة بعد الرّقاد، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، هكذا كانت صلاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وحينئذ فلا يكون إطلاق التهجد على المصلي على هذا النحو مجازيا، لأنّ الهاجد هو النائم، والمتهجد طالب النوم، لأنّه كلما صلّى كان طالبا للنوم بعد الصلاة، فيكون التهجد في هذا المعنى حقيقيا بِهِ بالقرآن نافِلَةً لَكَ النفل الزيادة، وقد اختلف العلماء في معنى كون التهجد زيادة خاصة بالنبي صلّى الله عليه وسلّم لأن صلاة الليل ما تزال لكلّ من صلّى بليل، فذهب ابن جرير في جماعة من السلف إلى أنّ معنى زيادتها له، خاصة أنها فريضة عليه، زيدت على المكتوبات الخمس بالنسبة له خاصّة.
وذهب جماعة إلى أنّ معنى كونها نافلة له، أنّ النوافل إنما يحتاج إليها لتكون كفارة لذنوب من يفعلها، والنبي صلّى الله عليه وسلّم قد غفر له ما تقدم من ذنبه، فهي زائدة له، لأنّ غيره نافلته تكفّر ذنبه، وأما نافلة النبي صلّى الله عليه وسلّم فلا تلاقي ما تكفره، فمن هذا كانت زائدة، وهو مروي عن مجاهد وآخرين.
ولم يرتض هذا القول ابن جرير، وقال: نزلت سورة النصر قبل قبض الرسول صلّى الله عليه وسلّم وفيها أمره بالاستغفار وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [النصر: ٣] .
وقد روي عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يزيد في الاستغفار في اليوم على مئة مرة
، وكلما اشتد قرب العبد من ربه كلما زاد خوفه منه، وإن كان السيد قد أمنه، وذلك مقام يعرفه أهله.
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً كلمة (عسى) في كلام العرب تفيد التوقع، وهي هنا للوجوب، قالوا: إنما كانت للوجوب لأنّها تفيد الإطماع، ومن أطمع إنسانا في شيء، ثم حرمه منه كان غارّا، وهذا المعنى مستحيل على الله تعالى، وقد أفاض ابن جرير في بيان هذا المعنى. محمد علي السايس ١/ ٤٩٠محمد علي السايس ١/ ٤٩٠
والمقام المحمود: قال الواحدي: أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة العظمى في إسقاط العقاب.
وقد اختلف العلماء بعد هذا اختلافا يقصد منه إلى الكيفيات والتفاصيل، والمدار فيها على الأخبار الواردة، فما ورد منها من طريق صحيح كان المعوّل عليه في بيان كيفية الشفاعة والمقام المحمود، وكل ما تدلّ عليه الآية أن النبيّ عليه أفضل الصلاة والسلام سيبعثه الله مبعثا يحمده الناس عليه حمدا بالغا، وذلك لأنه منقذهم من هول العذاب. محمد علي السايس ١/ ٤٩١محمد علي السايس ١/ ٤٩١
[من سورة الحج]
قال الله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ
ينبغي قبل تفسير هذه الآيات أن نبيّن حكمة الحجّ، وتاريخ مشروعيته فنقول:
أ- حكمة الحج: لعلّك تكون في حاجة إلى إطالة القول في بيان الحكمة في شرح الحج، والسرّ الذي من أجله كتب الله هذه الفريضة على المسلمين، بعد ما عملته في دراساتك السابقة في هذا الشأن، وإذا فيكون تعرّضنا هنا لشيء من هذا البيان إنما نقصد به التذكير على وجه الإجمال، بما سبق لك من التفصيل.
شرع الله الحج إلى بيته الكريم لمنافع عظيمة تعود على المسلمين في دينهم ودنياهم:
١- فمناسك الحج من أعظم مظاهر الخشية والإخلاص لله في الذكر والدعاء والعبادة.
٢- وهي كذلك دلائل على التجرّد من زينة الدنيا، وبواعث على عدم التعلق بشهواتها وزخرفها.
٣- وهي بواعث على الرحمة والإحسان، والعدل والمساواة، إذ يكون الناس هناك في مستوى واحد، لا فرق بين أمير ومأمور، ولا بين غني وفقير.
٤- هذا إلى ما يعود على سكان مكة، وجزيرة العرب، والناس جميعا من المنافع المعيشية والتجارية، وما يتهيأ لهم هناك من الاجتماع والتعارف، والاتفاق على ما ينهض بالمسلمين في جميع بقاع الأرض.
ب- تاريخ مشروعية الحج: أما تاريخ مشروعيته فأنت تعلم أنّه كان مفروضا في زمن سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والآيات التي معنا من أقوى الدلائل على ذلك. محمد علي السايس ١/ ٤٩٢محمد علي السايس ١/ ٤٩٢
فإذا قلنا: إن فرضيته باقية لم تنسخ في عهد نبي بعده كانت الأوامر الواردة به في شريعتنا تأكيدا لهذه الفرضية، وإذا علمت أن نبينا محمدا صلّى الله عليه وسلّم قد حجّ حجتين قبل الهجرة، وحج بعد الهجرة حجة الوداع في السنة العاشرة، علمت أنّ أولى هذه الحجات وقعت عن فريضة الإسلام.
وإن قلنا: إن فرضيته قد نسخت بعد سيدنا إبراهيم، كان وجوبه علينا ثابتا بقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: ٩٧] إذ هي الآية الصريحة في هذا الوجوب.
وأما قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة: ١٩٦] عام الوفود على الراجح، وهذا العام هو الذي قدم فيه وفد نجران على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وصالحهم فيه على الجزية، ومعلوم أنّ مبدأ مشروعية الجزية كان عام غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة، وعلى هذا يكون مبدأ فرضية الحج في السنة التاسعة، وتكون الحجتان اللتان فعلهما النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل ذلك نافلتين، تطوّع بهما على دين سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
ولقائل أن يقول: فلماذا لم يبادر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأداء الحج في تلك السنة، وهو أفضل الخلق، وأسبقهم إلى الخيرات، وأسرعهم إلى تأدية فرائض الله، وكيف يرسل أبا بكر ليحج بالناس، ويؤخر هو حجته إلى السنة التي بعدها؟
والجواب على ذلك أنه رؤي أن الوقت الذي خرج فيه أبو بكر ليحج بالناس كان زمن النسيء، ولم يكن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض حتى تعود عشر ذي الحجة إلى مركزها الحقيقي من السنة، وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يعلم أنها ستعود إلى مركزها الحقيقي، وينضبط نظام السنين القمرية في السنة العاشرة فتأخر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى السنة العاشرة كان لحكمة عظيمة، كي يقع حجّة الذي سيكون منهاجا للناس جميعا في الوقت الحقيقي الذي فرض الله على الناس أن يقوموا فيه بتلك الشعيرة، وليس على أبي بكر ولا على غيره ممن كانوا معه من حرج في حجهم في ذلك الوقت ما دام أمر الزمان لم يتقرر بعد.
ونعود إلى التفسير:
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ الأذان والتأذين الإعلام برفع الصوت على نحو ما يكون للصلاة. والمراد هنا النداء في الناس بأنّ الله قد كتب عليهم الحجّ، ودعاهم إلى أدائه.
رِجالًا جمع راجل، كقيام جمع قائم، أي ماشين.
وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ الضامر النحيف الهزيل، والمراد به هنا الهزيل من مشقة السفر يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يأتين صفة لضامر، لأنه لما دخلت عليه أداة العموم صيّرته بمعنى ضوامر. والمعنى: وعلى ضوامر يأتين. محمد علي السايس ١/ ٤٩٣محمد علي السايس ١/ ٤٩٣
والفج أصله الطريق بين الجبلين، ثم استعمل في الطريق الواسع مطلقا. وتوسّع فيه حتى صار يستعمل في طريق.
والعميق أصله البعيد أسفل، أي بعيد القاع، فاستعمل في البعيد مطلقا، لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ المراد بالمنافع ما يصيبون من خير الدنيا والآخرة:
فخير الدنيا ما يصيبون من لحوم الذبائح، وأنواع التجارات، وما تكون في ذلك الاجتماع العظيم من التعارف، وأما خير الآخرة فهو ما يؤدون من تلك الشعائر التي هي سبب رضوان الله عليهم، وشهودها حضورها ونيلها.
فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ قيل: هي عشر ذي الحجة. وقيل: هي العاشر واليومان بعده، وقيل: والثلاثة بعده.
وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ قيل: المراد بذكر اسم الله حمده وشكره والثناء عليه، و (على) حينئذ للتعليل.
واختار الزمخشري أنّ ذكر اسم الله على البهيمة كناية عن ذبحها، و (على) حينئذ للاستعلاء، والبهيمة في الأصل اسم لكل ما له أربع قوائم، والمراد بها هنا ما يكون من الإبل والبقر والغنم.
الْبائِسَ الْفَقِيرَ البائس من أصابه بؤس وشدة. والفقير المحتاج، سواء أكان له بلغة من العيش أم لا.
ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ التفث القذر والوسخ، وقضاؤه إنهاؤه وإزالته، والمراد ما ينشأ عنه التفث من طول الشعر والأظفار.
وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ النذر: ما التزمه الإنسان من أعمال البر.
وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ العتيق الكريم، ومنه عتاق الإبل والخيل كرائمها، أو هو القديم، لأنّه أول بيت وضع للناس، أو هو العتيق بمعنى المعتق المتحرر من تسلط الجبارين واستيلائهم، فلا يريده أحد بعدوان إلا رده الله عنه، وجعل عاقبة بيته السلامة والحفظ.
المعنى: يأمر الله تعالى نبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام بعد ما فرغ من بناء البيت بأن ينادي في الناس، ليعلمهم أنّ الله قد كتب عليهم الحج إلى هذا البيت العتيق، ليدركوا فيه منافع وخيرات كثيرة، تعود عليهم في دينهم ودنياهم، ويؤدّوا شعائر الله، ويذكروا اسمه الكريم على الذبائح التي يذبحونها شكرا لله على توفيقه إياهم وإرشادهم إلى ما يصلحهم، وأنه لا حرج على أصحاب تلك الذبائح أن يأكلوا منها، بل ينبغي لهم أن يواسوا الفقراء والبائسين، وأن يشاركوهم في الأكل منها، ولا يترفّعوا عليهم، وأنه يجب عليهم أن يتحلّلوا من قيود الإحرام متى فرغوا من المناسك الواقعة قبل الطواف، وأنه يجب عليهم أيضا أن يوفوا بما التزموه بالنذر من ذبح وغيره. وأن يطوفوا بالبيت طواف الإفاضة، أو طواف الوداع على ما قيل. محمد علي السايس ١/ ٤٩٤محمد علي السايس ١/ ٤٩٤
قد يقال: إنه لم يكن حول الكعبة حينذاك أحد يسمع نداء سيدنا إبراهيم، فكيف يؤمر بهذا النداء الذي يذهب في الفضاء؟
والجواب أن الله سبحانه وتعالى قد أيدّ رسله بالمعجزات الخارجة عن مجرى العادات، فهو سبحانه قادر على أن يوصل صوت إبراهيم إلى من يشاء في تلك النواحي البعيدة، والأصقاع المترامية.
وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم عليه الصلاة والسلام من بناء البيت قال:
ربّ قد فرغت، فقال: أذّن في الناس بالحج. قال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال تعالى: أذّن وعليّ البلاغ. قال: رب كيف أقول، قال: قل يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فسمعه أهل السماء والأرض، ألا ترى أنهم يجيبون من أقصى البلاد، يلبون.
على أنا نشاهد اليوم آلات الإذاعة تنشر الأصوات في جميع بقاع الأرض، فلا تحجزها جبال، ولا تضعفها بحار ولا قفار، فمن يشاهد هذه الحقائق التي يستطيعها كل من يزاول علومها، لا يمكنه أن يكابر في معجزات الأنبياء.
هذا، وقيل إنّ المخاطب بالتأذين والدعوة إلى الحج هو نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم، وأنه أمر بذلك حينما عزم على الحج في السنة العاشرة من الهجرة، وأن نظم الآية مع التي قبلها لا يأباه، إذ المخاطب في قوله تعالى قبل هذه الآية: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ هو النبي صلّى الله عليه وسلّم، ويكون المعنى حينئذ: واذكر يا محمد إذ بوأنا لإبراهيم، وأذن في الناس بالحج، ولكنك ترى أنّ في الآية الأولى أوامر ونواهي كلها متوجهة إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فالظاهر أنّ الأمر بالتأذين أيضا لإبراهيم، إذ الغرض من تطهير البيت إعداده للطائفين والقائمين والركع السجود، فيكون دعاؤه الناس بعد ذلك للحج متناسبا غاية التناسب مع إعداد البيت وتطهيره.
وبعض العلماء ردّ احتمال توجيه الخطاب إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم بأن سورة الحج مكية، فنزولها قبل حجة الوداع بالضرورة، فلا يستقيم أن يكون المأمور بالدعاء هو النبي صلّى الله عليه وسلّم. محمد علي السايس ١/ ٤٩٥محمد علي السايس ١/ ٤٩٥
ولكن هذا الردّ ينهار متى علمت أنّ الراجح هو أن سورة الحج مدنية، ما عدا آية وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى وثلاث آيات بعدها، كما هو مروي عن قتادة، وفي رواية، عن ابن عباس أنّ السورة كلها مدنية، وهو قول الضحاك أيضا.
ما في الآيات من الأسرار:
إذا كان الغرض من دعاء الناس للحج أن يأتوا إلى البيت الحرام، فالسرّ في العدول عن ذلك إلى التعبير بالإتيان إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه هو الداعي، والقدوة لهم فيما يكون بعد. محمد علي السايس ١/ ٤٩٦محمد علي السايس ١/ ٤٩٦
لا كتاب مختار.