القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍۢ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍۢ وَٱجْعَل لِّى مِن لَّدُنكَ سُلْطَٰنًۭا نَّصِيرًۭا ٨٠

سورة الإسراء، الآية ٨٠مكية
في سورتها

التفسير

المختارةتفسير القرآن الكريمالتفسير الميسرتفسير القرآن العظيم
التفسير الميسرنخبة من العلماء

وقل: ربِّ أدخلني فيما هو خير لي مدخل صدق، وأخرجني مما هو شر لي مخرج صدق، واجعل لي مِن لدنك حجة ثابتة، تنصرني بها على جميع مَن خالفني.

تفسير القرآن الكريمابن القيم، ت ٧٥١هـ
وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراًعلى الآيات ٨٠ إلى ٨٢ابن القيم ١/ ٣٦٠ابن القيم ١/ ٣٦٠

وأخبر عن خليله إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم: أنه سأله أن يهب له لسان صدق في الناس. فقال: ٢٦: ٨٤ وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ وبشر عباده: أن لهم عنده قدم صدق. ومقعد صدق. فقال تعالى: ١٠: ٢ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ وقال: ٥٤: ٥٤، ٥٥ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.

وهذه خمسة أشياء: مدخل الصدق، ومخرج الصدق، ولسان الصدق، وقدم الصدق، ومقعد الصدق.

وحقيقة الصدق في هذه الأشياء: هو الحق الثابت المتصل بالله، الموصل إلى الله. وهو ما كان به وله، من الأقوال والأعمال، وجزاء ذلك في الدنيا والآخرة.

فمدخل الصدق ومخرج الصدق: أن يكون دخوله وخروجه حقا ثابتا بالله، ولله، وفي مرضاته، متصلا بالظفر بالبغية، وحصول المطلوب، ضد مخرج الكذب ومدخله، الذي لا غاية له يوصل إليها، ولا له ساق ثابتة يقوم عليها. كمخرج أعدائه يوم بدر، ومخرج الصدق: كمخرجه صلّى الله عليه وسلّم هو وأصحابه في تلك الغزوة. وكذلك مدخله المدينة كان مدخل صدق بالله، ولله، وابتغاء مرضاة الله. فاتصل به التأييد والظفر والنصر، وإدراك ما طلبه في الدنيا والآخرة، بخلاف مدخل الكذب الذي رام أعداؤه أن يدخلوا به المدينة يوم الأحزاب. فإنه لم يكن لله، ولا بالله، بل كان محادة لله ولرسوله. فلم يتصل به إلا الخذلان والبوار. ابن القيم ١/ ٣٦٠ابن القيم ١/ ٣٦٠

وكذلك مدخل من دخل من اليهود والمحاربين لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم حصن بني قريظة فإنه لما كان مدخل كذب أصابهم معه ما أصابهم.

فكل مدخل ومخرج كان بالله ولله وابتغاه مرضاة الله: فصاحبه ضامن على الله. فهو مدخل صدق ومخرج صدق.

وكان بعض السلف إذا خرج من داره رفع رأسه إلى السماء وقال:

اللهم إني أعوذ بك أن أخرج مخرجا لا أكون فيه ضامنا عليك. يريد أن لا يكون المخرج مخرج صدق. ولذلك فسر مدخل الصدق ومخرجه: بخروجه صلّى الله عليه وسلّم من مكة، ودخوله المدينة. ولا ريب أن هذا على سبيل التمثيل. فإن هذا المدخل والمخرج من أجلّ مداخله ومخارجه صلّى الله عليه وسلّم. وإلا فمداخله ومخارجه كلها مداخل صدق ومخارج صدق، إذ هي لله وبالله وبأمره، ولابتغاء مرضاته.

وما خرج أحد من بيته ودخل سوقه أو أي مدخل آخر إلا بصدق أو بكذب. فمخرج كل واحد ومدخله لا يعدو الصدق والكذب. والله المستعان.

وأما لسان الصدق: فهو الثناء الحسن عليه صلّى الله عليه وسلّم من سائر الأمم بالصدق، ليس ثناء بالكذب. كما قال عن إبراهيم وذريته من الأنبياء والرسل عليهم صلوات الله وسلامه ١٩: ٥٠ وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا. ابن القيم ١/ ٣٦١ابن القيم ١/ ٣٦١

والمراد باللسان هاهنا: الثناء الحسن. فلما كان الصدق باللسان، وهو محله، أطلق الله سبحانه ألسنة العباد بالثناء على الصادق، جزاء؟ وعبر به عنه.

فإن اللسان يراد به ثلاثة معان: هذا، واللغة، لقوله تعالى: ١٤:

٥ وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ وقوله: ٣٠: ٢٢ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ وقوله: ١٦: ١٠٣ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ.

ويراد به الجارحة نفسها كما في قوله: ٧٥: ١٦ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ.

وأما قدم الصدق: ففسر بالجنة، وفسر بمحمد صلّى الله عليه وسلّم. وفسر بالأعمال الصالحة.

وحقيقة القدم: ما قدموه، ويقدمون عليه يوم القيامة. وهم قدموا الأعمال والإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، ويقدمون على الجنة التي هي جزاء ذلك.

فمن فسره بها أراد ما يقدمون عليه. ومن فسره بالأعمال وبالنبي صلّى الله عليه وسلّم فإنهم قدموها وقدموا الايمان به بين أيديهم. فالثلاثة قدم صدق.

وأما مقعد الصدق: فهو الجنة عند الرب تبارك وتعالى.

ووصف ذلك كله بالصدق مستلزم لثبوته واستقراره، وأنه حق مستلزم لدوامه ونفعه وكمال عائدته. فإنه متصل بالحق سبحانه، كائن به وله. فهو صدق غير كذب، وحق غير باطل. ودائم غير زائل، ونافع غير ضار. وما للباطل ومتعلقاته إليه سبيل ولا مدخل.

قول الله تعالى: ١٧: ٤٥ وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً وقوله: ٤١: ٥ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ ابن القيم ١/ ٣٦٢ابن القيم ١/ ٣٦٢

على أصح القولين. والمعنى: جعلنا بين القرآن إذا قرأته وبينهم حجابا يحول بينهم وبين فهمه وتدبره، والأيمان به، وبيّنه قوله: ١٧: ٤٥ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً.

وهذه الثلاثة هي الثلاثة المذكورة في قوله: ٤١: ٥ وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فأخبر سبحانه أن ذلك جعله.

فالحب يمنع من رؤية الحق، والأكنة تمنع من فهمه، والوقر يمنع من سماعه.

وقال الكلبي: الحجاب هاهنا مانع يمنعهم من الوصول إلى رسول الله بالأذى من الرعب ونحوه مما يصدهم عن الإقدام عليه.

ووصفه بكونه مستورا فقيل: بمعنى ساتر. وقيل: على النسب، أي في ستر والصحيح: أنه على بابه، أي مستورا عن الأبصار فلا يرى. ومجيء مفعول بمعنى فاعل لا يثبت. والنسب في مفعول لم يشتق من فعله، كمكان محول أي ذي حول، ورجل مرطوب، أي ذي رطوبة. فأما مفعول فهو جار على فعله فهو الذي وقع عليه الفعل. كمضروب ومجروح ومستور. ابن القيم ١/ ٣٦٣ابن القيم ١/ ٣٦٣

تفسير القرآن العظيمابن كثير، ت ٧٧٤هـ
وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًاعلى الآيات ٨٠ إلى ٨١ابن كثير ٦/ ١١١ابن كثير ٦/ ١١١

قال الإمام أحمد: حدثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظَبْيَان، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ بمكة ثم أمر بالهجرة، فأنزل الله: (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا) .

وقال الحسن البصري في تفسير هذه الآية: إن كفار أهل مكة لما ائتمروا برسول الله ﷺ ليقتلوه أو يطردوه أو يوثقوه، وأراد الله قتال أهل مكة، فأمره أن يخرج إلى المدينة، فهو الذي قال الله عز وجل : : (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ)

وقال قتادة: (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ) يعني: المدينة (وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) يعني: مكة.

وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وهذا القول هو أشهر الأقوال.

وقال: العوفي عن ابن عباس: (أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ) يعني: الموت (وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) يعني: الحياة بعد الموت. وقيل غير ذلك من الأقوال. والأول أصح، وهو اختيار ابن جرير.

وقوله: (وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا) قال الحسن البصري في تفسيرها: وعده ربه لينزعن ملك فارس، وعز فارس، وليجعلنه له، وملك الروم، وعز الروم، وليجعلنه له.

وقال قتادة فيها إن نبي الله ﷺ ، علم ألا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانًا نصيرًا لكتاب الله، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله؛ فإن السلطان رحمة من الله جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، فأكل شديدهم ضعيفهم.

قال مجاهد: (سُلْطَانًا نَصِيرًا) حجة بينة.

واختار ابن جرير قول الحسن وقتادة، وهو الأرجح؛ لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه؛ ولهذا قال [سبحانه و] تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥] وفي الحديث: "إن الله لَيَزَع بالسلطان ما لا يَزَعُ بالقرآن" أي: ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام، ما لا يمتنع كثيرٌ من الناس بالقرآن، وما فيه من الوعيد الأكيد، والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع.

وقوله: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) تهديد ووعيد لكفار قريش؛ فإنه قد جاءهم من الله الحق الذي لا مرية فيه ولا قبل لهم به، وهو ما بعثه الله به من القرآن والإيمان والعلم النافع. وزَهَقَ باطلهم، أي اضمحل وهلك، فإن الباطل لا ثبات له مع الحق ولا بقاء ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨] . ابن كثير ٦/ ١١١ابن كثير ٦/ ١١١

وقال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن أبي مَعْمر، عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبي ﷺ مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نُصُبٍ، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) ، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد " .

وكذا رواه البخاري أيضًا في غير هذا الموضع، ومسلم، والترمذي، والنسائي، كلهم من طرق عن سفيان بن عيينة به. [وكذا رواه عبد الرزاق عن الثوري عن ابن أبي نجيح] .

وكذا رواه الحافظ أبو يعلى: حدثنا زهير، حدثنا شَبَابة، حدثنا المغيرة، حدثنا أبو الزبير، عن جابر رضي الله عنه ، قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ مكة، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنمًا يعبدون من دون الله. فأمر بها رسول الله ﷺ فأكبت لوجهها، وقال: "جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا" . ابن كثير ٦/ ١١٢ابن كثير ٦/ ١١٢