القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

كٓهيعٓصٓ ١

سورة مريم، الآية ١مكية
في سورتها

التفسير

المختارةالمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيزالتفسير الميسرتفسير القرآن العظيم
التفسير الميسرنخبة من العلماء

{كهيعص} سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيزابن عطية، ت ٥٤٢هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّاعلى الآيات ١ إلى ٦ابن عطية ٤/ ٣ابن عطية ٤/ ٣

اختلف الناس في الحروف التي في أوائل السور على قولين فقالت فرقة: هو سر الله في القرآن لا ينبغي أن يعرض له، يؤمن بظاهره ويترك باطنه. وقال الجمهور بل ينبغي أن يتكلم فيها وتطلب معانيها فإن العرب قد تأتي بالحرف الواحد دالا على كلمة وليس في كتاب الله ما لا يفهم، ثم اختلف هذا الجمهور على أقوال قد استوفينا ذكرها في سورة البقرة، ونذكر الآن ما يختص بهذه السورة. قال ابن عباس وابن جبير والضحاك هذه حروف دالة على أسماء من أسماء الله تعالى الكاف من «كبير» ، وقال ابن جبير أيضا الكاف من «كاف» ، وقال أيضا هي من «كريم» فمقتضى أقواله أنها دالة على كل اسم فيه كاف من أسمائه تعالى. قالوا والهاء من «هاد» ، والياء من «علي» وقيل من «حكيم» ، وقال الربيع بن أنس هي من «يأمن» لا يجير ولا يجار عليه. قال ابن عباس والعين من «عزيز» وقيل من «عليم» وقيل من «عدل» ، والصاد من «صادق» وقال قتادة بل كهيعص بجملته اسم للسورة، وقالت فرقة بل هي اسم من أسماء الله تعالى.

وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يقول يا كهيعص اغفر لي، فهذا يحتمل أن تكون الجملة من أسماء الله تعالى ويحتمل أن يريد علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن ينادي الله تعالى بجميع الأسماء التي تضمنها كهيعص، كأنه أراد أن يقول «يا كريم يا هادي يا علي يا عزيز يا صادق» اغفر، فجمع هذا كله باختصار في قوله يا كهيعص. وقال ابن المستنير وغيره كهيعص عبارة عن حروف المعجم، ونسبه الزجاج إلى أكثر أهل اللغة، أي هذه الحروف منها ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا وعلى هذا يتركب قول من يقول ارتفع ذِكْرُ بأنه خبر عن كهيعص، وهي حروف تهج يوقف عليها بالسكون. وقرأ الجميع كاف بإثبات الألف والفاء. وقرأ نافع الهاء والياء وبين الكسر والفتح ولا يدغم الدال في الذال، وقرأ ابن كثير ونافع أيضا بفتح الهاء والياء، وقرأ الحسن بن أبي الحسن بضم الهاء وفتح الياء، وروي عنه ضم الياء، وروي عنه أنه قرأ كاف بضم الفاء. ابن عطية ٤/ ٣ابن عطية ٤/ ٣

قال أبو عمرو الداني: معنى الضم في الهاء والياء إشباع التفخيم وليس بالضم الخالص الذي يوجب القلب، وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، وقرأ عاصم بكسرها، وقرأت فرقة بإظهار النون من عين وهي قراءة حفص عن عاصم وهو القياس إذ هي حروف منفصلة، وقرأ الجميع غيره بإخفاء النون جعلوها في حكم الاتصال، وقرأ الأكثر بإظهار الدال من صاد، وقرأ أبو عمرو بإدغامه في الذال من قوله ذِكْرُ، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بإظهار هذه الحروف كلها وتخليص بعضها من بعض. وارتفع قوله ذِكْرُ فيما قالت فرقة بقوله كهيعص وقد تقدم وجه ذلك، وقالت فرقة: ارتفع على خبر ابتداء تقديره «هذا ذكر» ، وقالت فرقة: ارتفع بالابتداء والخبر مقدر تقديره فيما أوحي إليك ذكر، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن يعمر «ذكر رحمة ربك» بفتح الذال والكاف والراء على معنى هذا المتلو ذكر «رحمة» بالنصب، هذه حكاية أبي الفتح. وحكى أبو عمرو الداني عن ابن يعمر أنه قرأ «ذكّر رحمة» بفتح الذال وكسر الكاف المشددة ونصب الرحمة و «عبده» نصب ب «الرحمة» التقدير ذكر أن رحم ربك عبده» ، ومن قال في الكلام تقديم وتأخير فقد تعسف. وقرأ الجمهور «زكرياء» بالمد، وقرأ الأعمش ويحيى وطلحة «زكريا» بالقصر وهما لغتان وفيه لغات غيرهما. وقوله نادى معناه بالدعاء والرغبة. واختلف في معنى «إخفائه» هذا النداء، فقال ابن جريج ذلك لأن الأعمال الخفية أفضل وأبعد من الرياء، ومنه قول النبي عليه السلام «خير الذكر الخفي» وقال غيره يستحب الإخفاء بين العبد ومولاه في الأعمال التي يزكو بها البشر. وفي «الدعاء» الذي هو في معنى العفو والمغفرة لأنه يدل من الإنسان على أنه خير فإخفاؤه أبعد من الرياء وأما دعاء زَكَرِيَّا وطلبه فكان في أمر دنياوي وهو طلب الولد فإنما إخفاؤه لئلا يلومه الناس في ذلك، وليكون على أول أمره إن أجيب نال بغيته وإن لم يجب لم يعرف أحد بذلك، ويقال وصف بالخفاء لأنه كان في جوف الليل. ووَهَنَ معناه ضعف، والوهن في الشخص أو الأمر الضعف وقرأ الأعمش «وهن» بكسر الهاء وَاشْتَعَلَ مستعارة للشيب من اشتعال النار على التشبيه به.

وشَيْباً نصب على المصدر في قول من رأى اشْتَعَلَ بمعنى شاب، وعلى التمييز في قول من لا يرى ذلك بل رآه فعلا آخر، فالأمر عنده كقولهم: تفقأت شحما وامتلأت غيظا. وقوله وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا شكر لله تعالى على سالف أياديه عنده معناه أي قد أحسنت إلي فيما سلف وسعدت بدعائي إياك فالإنعام يقتضي أن يشفع آخره أوله. وقوله تعالى: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ الآية، اختلف الناس في المعنى الذي من أجله خاف الْمَوالِيَ، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح خاف أن يرثوا ماله وأن ترثه الكلالة فأشفق من ذلك، وروى قتادة والحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «يرحم الله أخي زكرياء ما كان عليه ممن يرث ماله» . وقالت فرقة إنما كان مواليه مهملين للدين، فخاف بموته أن يضيع الدين، فطلب وَلِيًّا يقوم بالدين بعده حكى هذا القول الزجاج وفيه أنه لا يجوز أن يسأل «زكريا» من يرث ماله إذ الأنبياء لا تورث.

قال القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية رضي الله عنه: وهذا يؤيد قول النبي عليه السلام «إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة» ، ويوهنه ذكر «العاقر» . والأكثر من المفسرين على أنه أراد وراثة المال، ويحتمل قول النبي صلى الله عليه وسلم «إنا معشر الأنبياء لا نورث» أن لا يريد به العموم بل على أنه غالب أمرهم فتأمله، والأظهر الأليق «بزكريا» عليه السلام أن يريد وراثة العلم والدين فتكون الوراثة مستعارة، ألا ترى أنه إنما طلب وَلِيًّا، ولم يخصص ولدا فبلغه الله أمله على أكمل الوجوه. وقال أبو صالح وغيره: قوله يَرِثُنِي يريد المال، وقوله وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ يريد العلم والنبوة. وقال السدي: ابن عطية ٤/ ٤ابن عطية ٤/ ٤

رغب «زكريا» في الولد. وخِفْتُ من الخوف هي قراءة الجمهور وعليها هو هذا التفسير، وقرأ عثمان بن عفان رضي الله عنه وزيد بن ثابت وابن عباس وسعيد بن العاصي وابن يعمر وابن جبير وعلي بن الحسين وغيرهم «خفّت» بفتح الخاء والفاء وشدها وكسر التاء على إسناد الفعل إلى الْمَوالِيَ والمعنى على هذا انقطع أوليائي وماتوا، وعلى هذه القراءة فإنما طلب وَلِيًّا يقول بالدين، والْمَوالِيَ بنو العم والقرابة الذين يلون بالنسب. وقوله مِنْ وَرائِي أي من بعدي في الزمن فهم الولاء على ما بيناه في سورة الكهف، وقال أبو عبيدة في هذه الآية أي من بين يدي ومن أمامي وهذا قلة تحرير. وقرأ ابن كثير «من ورائي» بالمد والهمز وفتح الياء، وقرأ أيضا ابن كثير «من وراي» بالياء المفتوحة مثل عصاي، والباقون همزوا ومدوا وسكنوا الياء. و «العاقر» من النساء التي لا تلد من غير كبرة وكذلك العاقر من الرجال.

ومنه قول عامر بن الطفيل:

لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا ... جبانا فما عذري لدى كل محضر

و «زكريا» عليه السلام لما رأى من حاله إنما طلب وَلِيًّا ولم يصرح بولد لبعد ذلك عنده بسبب المرأة، ثم وصف الولي بالصفة التي هي قصده وهو أن يكون وارثا. وقالت فرقة: بل طلب الولد ثم شرط أن تكون الإجابة في أن يعيش حتى يرثه تحفظا من أن تقع الإجابة في الولد لكن يخترم فلا يتحصل منه الغرض المقصود. وقرأ الجمهور «ويرثني» برفع الفعلين على معنى الصفة للولي وقرأ أبو عمرو والكسائي «يرثني ويرث» بجزم الفعلين، وهذا على مذهب سيبويه ليس هو جواب «هب» إنما تقديره «إن تهبه يرثني» ، والأول أصوب في المعنى لأنه طلب وارثا موصوفا، ويضعف الجزم أنه ليس كل موهوب يرث. وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما «يرثني وارث من آل يعقوب» ، قال أبو الفتح هذا هو التجريد، التقدير: يرثني منه أو به وارث، وقرأ مجاهد «يرثني ويرث» بنصب الفعلين، وقرأت فرقة «يرثني أو يرث من آل يعقوب» على التصغير. وقوله من آلِ يَعْقُوبَ يريد يرث منهم الحكمة والحبورة والعلم والنبوءة والميراث في هذه كلها استعارة ورَضِيًّا معناه مرضي فهو فعيل بمعنى مفعول.

قوله عز وجل: ابن عطية ٤/ ٥ابن عطية ٤/ ٥

تفسير القرآن العظيمابن كثير، ت ٧٧٤هـ
كهيعص ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّاعلى الآيات ١ إلى ٦ابن كثير ٦/ ٢١١ابن كثير ٦/ ٢١١

أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة.

وقوله: (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ) أي: هذا ذكر رحمة الله بعبده زكريا.

وقرأ يحيى بن يعمر "ذَكَّرَ رحمة ربك عَبْدَهُ زَكَريَّا" .

[و] (زَكَرِيَّا) : يمد ويقصر قراءتان مشهورتان. وكان نبيًّا عظيمًا من أنبياء بني إسرائيل. وفي صحيح البخاري: أنه كان نجارًا، أي: كان يأكل من عمل يديه في النجارة.

وقوله: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا) : قال بعض المفسرين: إنما أخفى دعاءه، لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره. حكاه الماوردي.

وقال آخرون: إنما أخفاه لأنه أحب إلى الله. كما قال قتادة في هذه الآية (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا) : إن الله يعلم القلب التقي ، ويسمع الصوت الخفي.

وقال بعض السلف: قام من الليل، عليه السلام ، وقد نام أصحابه، فجعل يهتف بربه يقول خفية: يا رب، يا رب، يا رب فقال الله: لبيك، لبيك، لبيك.

(قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) أي: ضعفت وخارت القوى، (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) أي اضطرم المشيب في السواد، كما قال ابن دُرَيد في مقصورته : ابن كثير ٦/ ٢١١ابن كثير ٦/ ٢١١

إمَّا تَرَى رأسِي حَاكى لونُهُ … طُرَّةَ صُبْحٍ تَحتَ أذْيَال الدُّجى

واشْتَعَل المُبْيَض في مُسْوَدّه … مِثْلَ اشتِعَال النَّارِ في جمر الغَضَا

والمراد من هذا: الإخبار عن الضعف والكبر، ودلائله الظاهرة والباطنة.

وقوله: (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) أي: ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردني قط فيما سألتك.

وقوله: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي) : قرأ الأكثرون بنصب "الياء" من (الْمَوَالِيَ) على أنه مفعول، وعن الكسائي أنه سكن الياء، كما قال الشاعر:

كَأنَّ أيْديهنّ في القَاع الفَرقْ … أيدي جَوَارٍ يَتَعَاطَينَ الوَرقْ

وقال الآخر:

فَتَى لو يُبَاري الشَّمسَ ألْقَتْ قِنَاعَها … أو القَمَرَ السَّاري لألْقَى المقَالدَا

ومنه قول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي:

تَغَاير الشَّعرُ فيه إذ سَهرت لَهُ … حَتَّى ظَنَنْتُ قوافيه ستَقتتلُ

وقال مجاهد، وقتادة، والسدي: أراد بالموالي العصبة. وقال أبو صالح: الكلالة.

وروي عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه ، أنه كان يقرؤها: "وإني خَفَّت الموالي من ورائي" بتشديد الفاء بمعنى: قلت عصباتي من بعدي.

وعلى القراءة الأولى، وجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا [من] بعده في الناس تصرفًا سيئًا، فسأل الله ولدا، يكون نبيًّا من بعده، ليسوسهم بنبوته وما يوحى إليه. فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدرًا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده أن يأنف من وراثة عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد، فيحوز ميراثه دونه دونهم. هذا وجه.

الثاني: أنه لم يذكر أنه كان ذا مال، بل كان نجارا يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالا ولا سيما الأنبياء، عليهم السلام ، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.

الثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه: أن رسول الله ﷺ قال: "لا نُورَث، ما تركنا فهو صدقة " وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح: " نحن معشر الأنبياء لا نورث " وعلى هذا فتعين حمل قوله: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي) على ميراث النبوة؛ ولهذا قال: (وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) ، كما قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ [النمل: ١٦] أي: في النبوة؛ إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة ". ابن كثير ٦/ ٢١٢ابن كثير ٦/ ٢١٢

قال مجاهد في قوله: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) [قال] : كان وراثته علمًا وكان زكريا من ذرية يعقوب.

وقال هشيم: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) قال: [قد] يكون نبيًّا كما كانت آباؤه أنبياء.

وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن: يرث نبوته وعلمه.

وقال السُّدِّي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب.

وعن مالك، عن زيد بن أسلم: (وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) قال: نبوتهم.

وقال جابر بن نوح ويزيد بن هارون، كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) قال: يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة.

وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره.

وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة: أن رسول الله ﷺ قال: "يرحم الله زكريا، وما كان عليه من ورثة، ويرحم الله لوطًا، إن كان ليأوي إلى ركن شديد "

وقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا جابر بن نوح، عن مبارك -هو ابن فضالة - عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "رحم الله أخي زكريا، ما كان عليه من ورثة ماله حين يقول: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) ابن كثير ٦/ ٢١٣ابن كثير ٦/ ٢١٣

وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح، والله أعلم.

وقوله: (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) أي مرضيا عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه. ابن كثير ٦/ ٢١٤ابن كثير ٦/ ٢١٤