طه ١
لها في الأقسام:الدلائل
التفسير
(طه) سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.
أخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أول مَا أنزل عَلَيْهِ الْوَحْي كَانَ يقوم على صُدُور قَدَمَيْهِ إِذا صلى فَأنْزل الله: {طه مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى}
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه وَابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالُوا لقد شقي هَذَا الرجل بربه فَأنْزل الله: {طه مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى}
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا قَامَ من اللَّيْل يرْبط نَفسه بِحَبل كي لَا ينَام فَأنْزل الله عَلَيْهِ {طه مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى}
وَأخرج عبد بن حميد عَن مُجَاهِد قَالَ: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يرْبط نَفسه وَيَضَع إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى فَنزلت: {طه مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى}
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: لما نزل على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (يَا أَيهَا المزمل قُم اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا) (سُورَة المزمل آيَة ١) قَامَ اللَّيْل كُله حَتَّى تورمت قدماه فَجعل يرفع رجلا وَيَضَع رجلا فهبط عَلَيْهِ جِبْرِيل فَقَالَ: {طه} يَعْنِي: الأَرْض بقدميك يَا مُحَمَّد {مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى} وَأنزل (فاقرؤوا مَا تيَسّر من الْقُرْآن)
وَأخرج الْبَزَّار بِسَنَد حسن عَن عَليّ قَالَ: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يراوح بَين قَدَمَيْهِ يقوم على كل رجل حَتَّى نزلت {مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى}
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن الرّبيع بن أنس قَالَ: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا صلى قَامَ على رجل وَرفع الْأُخْرَى فَأنْزل الله {طه} يَعْنِي طأ الأَرْض يَا مُحَمَّد {مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى} السيوطي ٥/ ٥٤٩السيوطي ٥/ ٥٤٩
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن بَان عَبَّاس فِي قَوْله: {طه} قَالَ: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رُبمَا قَرَأَ الْقُرْآن إِذا صلى قَامَ على رجل وَاحِدَة فَأنْزل الله {طه} بِرِجْلَيْك {مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الضَّحَّاك قَالَ: لما أنزل الله الْقُرْآن على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَامَ بِهِ وَأَصْحَابه فَقَالَ لَهُ كفار قُرَيْش: مَا أنزل الله هَذَا الْقُرْآن على مُحَمَّد إِلَّا ليشقى بِهِ
فَأنْزل الله {طه مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {طه} قَالَ: يَا رجل
وَأخرج الْحَارِث بن أبي أُسَامَة وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {طه} بالنبطية أَي طا يَا رجل
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {طه} بالنبطية أَي طا يَا رجل
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {طه} قَالَ: هُوَ كَقَوْلِك يَا رجل
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن عِكْرِمَة قَالَ: {طه} يَا رجل بالنبطية
وَأخرج ابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: {طه} بالنبطية يَا رجل
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن الضَّحَّاك قَالَ: {طه} يَا رجل بالنبطية
وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: {طه} يَا رجل بالسُّرْيَانيَّة
وَأخرج الْحَاكِم عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي قَوْله: {طه} قَالَ: هُوَ كَقَوْلِك يَا مُحَمَّد بِلِسَان الْحَبَش
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن أبي حَاتِم عَن عِكْرِمَة رَضِي الله عَنهُ فِي قَوْله: {طه} قَالَ: هُوَ كَقَوْلِك يَا رجل: بِلِسَان الْحَبَشَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن أبي صَالح فِي قَوْله: {طه} قَالَ: كلمة عربت
وَأخرج عَن مُجَاهِد قَالَ: {طه} فواتح السُّور وَأخرج عَن مُحَمَّد بن كَعْب {طه} قَالَ: الطَّاء من ذِي الطول السيوطي ٥/ ٥٥٠السيوطي ٥/ ٥٥٠
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أبي الطُّفَيْل قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن لي عشرَة أَسمَاء عِنْد رَبِّي قَالَ أَبُو الطُّفَيْل: حفظت مِنْهَا ثَمَانِيَة: مُحَمَّد وَأحمد وَأَبُو الْقَاسِم والفاتح والخاتم والماحي وَالْعَاقِب والحاشر وَزعم سيف أَن أَبَا جَعْفَر قَالَ: الاسمان الباقيان {طه} وَيس
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن زر قَالَ: قَرَأَ رجل على ابْن مَسْعُود {طه} مَفْتُوحَة فَأَخذهَا عَلَيْهِ عبد الله {طه} مَكْسُورَة فَقَالَ لَهُ الرجل: إِنَّهَا بِمَعْنى ضع رجلك
فَقَالَ عبد الله: هَكَذَا قَرَأَهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهَكَذَا أنزلهَا جِبْرِيل
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَ: أول سُورَة تعلمتها من الْقُرْآن {طه} وَكنت إِذا قَرَأت {طه مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى} قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا شقيت يَا عائش
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {طه مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى} وَكَانَ يقوم اللَّيْل على رجلَيْهِ فَهِيَ بلغَة لعك إِن قلت لعكي يَا رجل لم يلْتَفت وَإِذا قلت {طه} الْتفت إِلَيْك
وَأخرج عبد بن حميد عَن عُرْوَة بن خَالِد رضى الله عَنهُ قَالَ: سَمِعت الضَّحَّاك وَقَالَ رجل من بني مَازِن بن مَالك: مَا يخفى عَليّ شَيْء من الْقُرْآن وَكَانَ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ شَاعِرًا فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاك: أَنْت تَقول ذَلِك أَخْبرنِي مَا {طه} قَالَ: هِيَ من أَسمَاء الله الْحسنى
نَحْو: طسم وحم فَقَالَ الضَّحَّاك: إِنَّمَا هِيَ بالنبطية يَا رجل
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن مَسْعُود عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: {طه} قسم أقسمه الله وَهُوَ من أَسمَاء الله
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد رَضِي الله عَنهُ فِي قَوْله: {مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى} يَقُول: فِي الصَّلَاة هِيَ مثل قَوْله: (فاقرؤوا مَا تيَسّر مِنْهُ) (المزمل آيَة ٢٠) قَالَ: وَكَانُوا يعلقون الحبال بصدروهم فِي الصَّلَاة وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة {مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى} يَا رجل {مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى} لَا وَالله مَا جعله الله شقياً وَلَكِن جعله الله رَحْمَة ونوراً ودليلاً إِلَى الْجنَّة {إِلَّا تذكرة لمن يخْشَى} قَالَ: إِن الله أنزل كِتَابه وَبعث رسله رَحْمَة رحم بهَا الْعباد لِيذْكُر ذَاكر وَينْتَفع رجل بِمَا سمع من كتاب الله وَهُوَ ذكر أنزلهُ الله فِيهِ حَلَاله وَحرمه السيوطي ٥/ ٥٥١السيوطي ٥/ ٥٥١
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مُحَمَّد بن كَعْب {وَمَا تَحت الثرى} مَا تَحت سبع أَرضين
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ثتادة قَالَ: {الثرى} كل شَيْء مبتل
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ: {وَمَا تَحت الثرى} قَالَ: هِيَ الصَّخْرَة الَّتِي تَحت الأَرْض السَّابِعَة وَهِي صَخْرَة خضراء وَهُوَ سِجِّين الَّذِي فِيهِ كتاب الْكفَّار
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الضَّحَّاك قَالَ: الثرى مَا حفر من التُّرَاب مبتلاً
وَأخرج أَبُو يعلى عَن جَابر بن عبد الله: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئِلَ مَا تَحت هَذِه الأَرْض قَالَ: المَاء
قيل: فَمَا تَحت المَاء قَالَ: ظلمَة
قيل: فَمَا تَحت الظلمَة قَالَ: الْهَوَاء
قيل: فَمَا تَحت الْهَوَاء قَالَ: الثرى
قيل: فَمَا تَحت الثرى قَالَ: انْقَطع علم المخلوقين عِنْد علم الْخَالِق
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر بن عبد اللله قَالَ: كنت مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوَة تَبُوك إِذْ عَارَضنَا رجل مترجب - يَعْنِي طَويلا فَدَنَا من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأخذ بِخِطَام رَاحِلَته فَقَالَ: أَنْت مُحَمَّد قَالَ: نعم
قَالَ: إِنِّي أُرِيد أَن أَسأَلك عَن خِصَال لَا يعلمهَا أحد من أهل الأَرْض إِلَّا رجل أَو رجلَانِ فَقَالَ: سل عَمَّا شِئْت
قَالَ: يَا مُحَمَّد مَا تَحت هَذِه - يَعْنِي الأَرْض - قَالَ: خلق
قَالَ: فَمَا تَحْتهم قَالَ: أَرض
قَالَ: فَمَا تحتهَا قَالَ: خلق قَالَ: فَمَا تَحْتهم قَالَ: أَرض حَتَّى انْتهى إِلَى السَّابِعَة
قَالَ: فَمَا تَحت السَّابِعَة قَالَ: صَخْرَة
قَالَ: فَمَا تَحت الصَّخْرَة قَالَ: الْحُوت
قَالَ: فَمَا تَحت الْحُوت قَالَ: المَاء
قَالَ: فَمَا تَحت المَاء قَالَ: الظلمَة
قَالَ: فَمَا تَحت الظلمَة قَالَ: الْهَوَاء
قَالَ: فَمَا تَحت الْهَوَاء قَالَ: الثرى
قَالَ: فَمَا تَحت الثرى فَفَاضَتْ عينا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالبكاء فَقَالَ: انْقَطع علم المخلوقين عِنْد علم الْخَالِق أَيهَا السَّائِل مَا المسؤول بِأَعْلَم من السَّائِل السيوطي ٥/ ٥٥٢السيوطي ٥/ ٥٥٢
قَالَ: صدقت أشهد أَنَّك رَسُول الله يَا مُحَمَّد أما إِنَّك لَو ادعيت تَحت الثرى شَيْئا لعَلِمت أَنَّك سَاحر كَذَّاب أشهد أَنَّك رَسُول الله ثمَّ ولى الرجل
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا أَيهَا النَّاس هَل تَدْرُونَ مَا هَذَا قَالُوا: الله وَرَسُوله أعلم
قَالَ: هَذَا جِبْرِيل
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي قَوْله: {يعلم السِّرّ وأخفى} قَالَ: السِّرّ مَا أسره ابْن آدم فِي نَفسه {وأخفى} مَا خَفِي ابْن آدم مِمَّا هُوَ فاعلة قبل أَن يُعلمهُ فَإِنَّهُ يعلم ذَلِك كُله فَعلمه فِيمَا مضى من ذَلِك وَمَا بَقِي علم وَاحِد وَجَمِيع الْخَلَائق عِنْده فِي ذَلِك كَنَفس وَاحِدَة وَهُوَ كَقَوْلِه: (مَا خَلقكُم وَلَا بعثكم إِلَّا كَنَفس وَاحِدَة) (لُقْمَان آيَة ٢٨)
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {يعلم السِّرّ وأخفى} قَالَ: السِّرّ مَا عَلمته أَنْت وأخفى مَا قذف الله فِي قَلْبك مِمَّا لم تعلمه
وَأخرج عبد الله بن أَحْمد فِي زَوَائِد الزّهْد وَأَبُو الشَّيْخ فِي العظمة وَالْبَيْهَقِيّ بِلَفْظ: يعلم مَا تسر فِي نَفسك وَيعلم مَا تعْمل غَدا
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد عَن قَتَادَة فِي قَوْله: {يعلم السِّرّ وأخفى} قَالَ: أخْفى من السِّرّ مَا حدثت بِهِ نَفسك وَمَا لم تحدث بِهِ نَفسك أَيْضا مِمَّا هُوَ كَائِن
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {يعلم السِّرّ وأخفى} قَالَ: الوسوسة والسر الْعَمَل الَّذِي تسرون من النَّاس
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن الْحسن قَالَ: السِّرّ مَا أسر الرجل إِلَى غَيره وأخفى من ذَلِك مَا أسر فِي نَفسه
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن سعيد بن جُبَير فِي الْآيَة
قَالَ: السِّرّ مَا تسر فِي نَفسك وأخفى من السِّرّ مَا لم يكن بعد وَهُوَ كَائِن
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن عِكْرِمَة فِي الْآيَة
قَالَ: السِّرّ مَا حدث بِهِ الرجل أَهله وأخفى مَا تَكَلَّمت بِهِ فِي نَفسك
وَأخرج عبد بن حميد عَن الضَّحَّاك فِي قَوْله: {يعلم السِّرّ وأخفى} قَالَ: السِّرّ مَا أسررت فِي نَفسك {وأخفى} مَا لم تحدث بِهِ نَفسك وَأخرج أَبُو الشَّيْخ فِي العظمة عَن زيد بن أسلم فِي قَوْله: {يعلم السِّرّ وأخفى} قَالَ: يعلم أسرار الْعباد {وأخفى} سره فَلَا نعلمهُ وَالله أعلم السيوطي ٥/ ٥٥٣السيوطي ٥/ ٥٥٣
وأخرح عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة فِي قَوْله: {إِنِّي آنست نَارا} أَي أحسست نَارا
{أَو أجد على النَّار هدى} قَالَ: من يهديني
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس - رَضِي الله عَنْهُمَا - فِي قَوْله: {أَو أجد على النَّار هدى} قَالَ: من يهديني إِلَى الطَّرِيق وَكَانُوا شَاتين فضلوا الطَّرِيق
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {أَو أجد على النَّار هدى} يَقُول: من يدل على الطَّرِيق
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {أَو أجد على النَّار هدى} قَالَ: يهديه الطَّرِيق
وَأخرج عبد بن حميد عَن عِكْرِمَة فِي قَوْله: {أَو أجد على النَّار هدى} قَالَ: هادٍ يهديني إِلَى المَاء
وَأخرج أَحْمد فِي الزّهْد وَعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن وهب بن مُنَبّه قَالَ: لما رأى مُوسَى النَّار انْطلق يسير حَتَّى وقف مِنْهَا قَرِيبا فَإِذا هُوَ بِنَار عَظِيمَة: تَفُور من ورق الشّجر خضراء شَدِيدَة الخضرة يُقَال لَهَا العليق لَا تزداد النَّار فِيمَا يرى إِلَّا عظما وتضرماً وَلَا تزداد الشَّجَرَة على شدَّة الْحَرِيق إِلَّا خضرَة وحسناً فَوقف ينظر لَا يدْرِي مَا يصنع إِلَّا أَنه قد ظن أَنَّهَا شَجَرَة تحترق وأوقد إِلَيْهَا موقد فنالها فاحترقت وَإنَّهُ إِنَّمَا يمْنَع النَّار شدَّة خضرتها وَكَثْرَة مَائِهَا وكثافة وَرقهَا وَعظم جذعها فَوضع أمرهَا على هَذَا فَوقف وَهُوَ يطْمع أَن يسْقط مِنْهَا شَيْء فيقتبسه فَلَمَّا طَال عَلَيْهِ ذَلِك أَهْوى إِلَيْهَا بضغث فِي يَده وَهُوَ يُرِيد أَن يقتبس من لهبها فَلَمَّا فعل ذَلِك مُوسَى مَالَتْ نَحوه كَأَنَّهَا تريده فاستأخر عَنْهَا وهاب ثمَّ عَاد فَطَافَ بهَا وَلم تزل تطمعه ويطمع بهَا ثمَّ لم يكن شَيْء بأوشك من خمودها فَاشْتَدَّ عِنْد ذَلِك عجبه وفكر مُوسَى فِي أمرهَا فَقَالَ: هِيَ نَار ممتنعة لَا يقتبس مِنْهَا وَلكنهَا تتضرم فِي جَوف شَجَرَة فَلَا تحرقها ثمَّ خمودها على قدر عظمها فِي أوشك من طرفَة عين
فَلَمَّا رأى ذَلِك مُوسَى قَالَ: إِن لهَذِهِ شَأْنًا
ثمَّ وضع أمرهَا على أَنَّهَا مأمورة أَو مصنوعة لَا يدْرِي من أمرهَا وَلَا بِمَا أمرت وَلَا من صنعها وَلَا لم صنعت فَوقف متحيراً لَا يدْرِي أيرجع أم يُقيم فَبينا هُوَ على ذَلِك إِذْ رمى بطرفه نَحْو فرعها فَإِذا هُوَ أَشد مِمَّا كَانَ خضرَة ساطعة فِي السَّمَاء ينظر إِلَيْهَا يغشى الظلام ثمَّ لم تزل الخضرة تنوّر وَتَصْفَر وتبيض حَتَّى صَارَت نورا ساطعاً عموداً بَين السَّمَاء وَالْأَرْض عَلَيْهِ مثل شُعَاع الشَّمْس تكل دونه الْأَبْصَار كلما نظر إِلَيْهِ يكَاد يخطف بَصَره فَعِنْدَ ذَلِك اشْتَدَّ خَوفه وحزنه فَرد يَده على عَيْنَيْهِ ولصق بِالْأَرْضِ وَسمع الحنين والوجس السيوطي ٥/ ٥٥٤السيوطي ٥/ ٥٥٤
إِلَّا أَنه سمع حِينَئِذٍ شَيْئا لم يسمع السامعون بِمثلِهِ عظما فَلَمَّا بلغ مُوسَى الكرب وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الهول نُودي من الشَّجَرَة فَقيل: يَا مُوسَى فَأجَاب سَرِيعا وَمَا يدْرِي من دَعَاهُ وَمَا كَانَ سرعَة إجَابَته إِلَّا استئناساً بالإنس فَقَالَ لبيْك مرَارًا إِنِّي لأسْمع صَوْتك وأحس حسك وَلَا أرى مَكَانك فَأَيْنَ أَنْت قَالَ: أَنا فَوْقك ومعك وخلفك وَأقرب إِلَيْك من نَفسك
فَلَمَّا سمع هَذَا مُوسَى علم أَنه لَا يَنْبَغِي هَذَا إِلَّا لرَبه فأيقن بِهِ فَقَالَ: كَذَلِك أَنْت يَا إلهي فكلامك اسْمَع أم رَسُولك قَالَ: بل أَنا الَّذِي أُكَلِّمك فادن مني فَجمع مُوسَى يَدَيْهِ فِي الْعَصَا ثمَّ تحامل حَتَّى اسْتَقل قَائِما فَرعدَت فرائصه حَتَّى اخْتلفت واضطربت رِجْلَاهُ وَانْقطع لِسَانه وانكسر قلبه وَلم يبْق مِنْهُ عظم يحمل آخر فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْمَيِّت إِلَّا أَن روح الْحَيَاة تجْرِي فِيهِ ثمَّ زحف على ذَلِك وَهُوَ مرعوب حَتَّى وقف قَرِيبا من الشَّجَرَة الَّتِي نُودي مِنْهَا
فَقَالَ لَهُ الرب تبَارك وَتَعَالَى: {وَمَا تِلْكَ بيمينك يَا مُوسَى} قَالَ: هِيَ عصاي
قَالَ: مَا تصنع بهَا - وَلَا أحد أعلم مِنْهُ بذلك - قَالَ مُوسَى: {أتوكأ عَلَيْهَا وأهش بهَا على غنمي ولي فِيهَا مآرب أُخْرَى} قد علمتها وَكَانَ لمُوسَى فِي الْعَصَا مآرب كَانَ لَهَا شعبتان ومحجن تَحت الشعبتين فَإِذا طَال الْغُصْن حناه بالمحجن وَإِذا أَرَادَ كَسره لواه بالشعبتين وَكَانَ يتَوَكَّأ عَلَيْهَا ويهش بهَا وَكَانَ إِذا شَاءَ أَلْقَاهَا على عَاتِقه فعلق بهَا قوسه وكنانته ومرجامه ومخلاته وثوبه وَزَادا إِن كَانَ مَعَه وَكَانَ إِذا ارتع فِي الْبَريَّة حَيْثُ لَا ظلّ لَهُ ركزها ثمَّ عرض بالوتد بَين شعبتيها وَألقى فَوْقهَا كساءه فاستظل بهَا مَا كَانَ مرتعاً وَكَانَ إِذا ورد مَاء يقصر عَنهُ رشاؤه وصل بهَا وَكَانَ يُقَاتل بهَا السبَاع عَن غنمه
قَالَ لَهُ الرب {ألقها يَا مُوسَى} فَظن مُوسَى أَنه يَقُول: ارفضها
فألقاها على وَجه الرَّفْض ثمَّ حانت مِنْهُ نظرة فَإِذا بأعظم ثعبان نظر إِلَيْهِ الناظرون يرى يلْتَمس كَأَنَّهُ يَبْتَغِي شَيْئا يُرِيد أَخذه يمر بالصخرة مثل الخلفة من الْإِبِل فيلتقمها ويطعن بالناب من أنيابه فِي أصل الشَّجَرَة الْعَظِيمَة فيجتثها عينان توقدان نَارا وَقد عَاد المحجن عرقاً فِيهِ شعر مثل النيازك وَعَاد الشعبتان فهما مثل القليب الْوَاسِع فِيهِ أضراس وأنياب لَهَا صريف فَلَمَّا عاين ذَلِك مُوسَى (ولى مُدبرا وَلم يعقل) (النَّمْل آيَة ١٠) فَذهب حَتَّى أمعن وَرَأى أَنه قد أعجز الْحَيَّة ثمَّ ذكر ربه فَوقف استحياء مِنْهُ ثمَّ {نُودي يَا مُوسَى} أَن ارْجع حَيْثُ كنت فَرجع وَهُوَ شَدِيد الْخَوْف فَقَالَ: خُذْهَا بيمينك وَلَا تخف سنعيدها سيرتها الأولى السيوطي ٥/ ٥٥٥السيوطي ٥/ ٥٥٥
قَالَ: وَكَانَ على مُوسَى حِينَئِذٍ مدرعة فَجَعلهَا فِي يَده فَقَالَ لَهُ ملك: أَرَأَيْت يَا مُوسَى لَو أذن الله بِمَا تحاذر أَكَانَت المدرعة تغني عَنْك شَيْئا قَالَ: لَا
وَلَكِنِّي ضَعِيف وَمن ضعف خلقت
فكشف عَن يَده ثمَّ وَضعهَا على فَم الْحَيَّة ثمَّ سمع حس الأضراس والأنياب ثمَّ قبض فَإِذا هِيَ عَصَاهُ الَّتِي عهدها وَإِذا يَده فِي موضعهَا الَّذِي كَانَ يَضَعهَا إِذا تؤكأ بَين الشعبتين
قَالَ لَهُ ربه: ادن
فَلم يزل يدينه - حَتَّى شدّ ظَهره بجذع الشَّجَرَة
فاستقر وَذَهَبت عَنهُ الرعدة وَجمع يَدَيْهِ فِي الْعَصَا وخضع بِرَأْسِهِ وعنقه ثمَّ قَالَ لَهُ: إِنِّي قد أقمتك الْيَوْم فِي مقَام لَا يَنْبَغِي لبشر بعْدك أَن يقوم مقامك
إِذْ أدنيتك وقربتك حَتَّى سَمِعت كَلَامي وَكنت بأقرب الْأَمْكِنَة مني فَانْطَلق برسالتي فَإنَّك بعيني وسمعي وَإِن مَعَك يَدي وبصري وَإِنِّي قد ألبستك جُبَّة من سلطاني لتكمل بهَا القوّة فِي أَمْرِي فَأَنت جند عَظِيم من جنودي بَعَثْتُك إِلَى خلق ضَعِيف من خلقي بطر من نعمتي وَأمن مكري وغرته الدُّنْيَا حَتَّى جحد حَقي وَأنكر ربوبيتي وعد من دوني وَزعم أَنه لَا يعرفنِي وَإِنِّي لأقسم بعزتي: لَوْلَا الْعذر وَالْحجّة الَّتِي وضعت بيني وَبَين خلقي
لبطشت بِهِ بطشة جَبَّار - يغْضب لغضبه السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال والبحار - فَإِن أمرت السَّمَاء حصبته وَإِن أمرت الأَرْض ابتلعته وَإِن أمرت الْبحار غرقته وَإِن أمرت الْجبَال دمرته وَلكنه هان عليّ وَسقط من عَيْني وَسعَهُ حلمي واستغنيت بِمَا عِنْدِي وَحقّ لي أَنِّي أَنا الْغَنِيّ لَا غَنِي غَيْرِي فَبَلغهُ رسالتي وادعه إِلَى عبادتي وتوحيدي وإخلاص اسْمِي وَذكره بآياتي وحذره نقمتي وبأسي وَأخْبرهُ أَنه لَا يقوم شَيْء لغضبي وَقل لَهُ فِيمَا بَين ذَلِك: {قولا لينًا لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى} وَأخْبرهُ أَنِّي أَنا الْعَفو وَالْمَغْفِرَة أسْرع مني إِلَى الْغَضَب والعقوبة وَلَا يروعنك مَا ألبسته من لِبَاس الدُّنْيَا فَإِن ناصيته بيَدي لَيْسَ يطرف وَلَا ينْطق وَلَا يتنفس إِلَّا بإذني وَقل لَهُ: أجب رَبك فَإِنَّهُ وَاسع الْمَغْفِرَة فَإِنَّهُ قد أمهلك أَرْبَعمِائَة سنة - فِي كلهَا أَنْت مبارزه بالمحاربة تتشبه وتتمثل بِهِ وتصد عباده عَن سَبيله وَهُوَ يمطر عَلَيْك السَّمَاء وينبت لَك الأَرْض لم تسقم وَلم تهرم وَلم تفْتَقر وَلم تغلب وَلَو شَاءَ أَن يَجْعَل لَك ذَلِك أَو يسلبكه فعل وَلكنه ذُو أَنَاة وحلم عَظِيم وجاهده بِنَفْسِك وأخيك وأنتما محتسبان بجهاده فَإِنِّي لَو شِئْت أَن آتيه بِجُنُود لَا قبل لَهُ بهَا فعلت وَلَكِن ليعلم هَذَا العَبْد الضَّعِيف الَّذِي قد أَعْجَبته نَفسه وجموعه: أَن الفئة القليلة وَلَا قَلِيل مني تغلب الفئة الْكَبِيرَة بإذني وَلَا يعجبنكما زينته وَلَا مَا متع بِهِ وَلَا تمدا إِلَى ذَلِك أعينكما فَإِنَّهَا زهرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا وزينة المترفين وَإِنِّي لَو شِئْت أَن أزينكما من الدُّنْيَا بزينة يعلم فِرْعَوْن - حِين ينظر إِلَيْهَا - أَن مقدرته تعجز عَن مثل مَا أوتيتما فعلت وَلَكِن أَرغب بكما عَن ذَلِك وأزويه عنكما وَكَذَلِكَ أفعل بأوليائي وَقد نما مَا حويت لَهُم من ذَلِك فَإِنِّي لأذودهم عَن نعيمها ورخائها كَمَا يذود الرَّاعِي الشفيق غنمه من مواقع الهلكة وَإِنِّي لأجنبهم شكوها وغنمها كَمَا يجنب الرَّاعِي الشفيق إبِله عَن مبارك الْغرَّة وَمَا ذَاك لهوَانِهم عليّ وَلَكِن ليستكملوا نصِيبهم من كَرَامَتِي سالما موفراً لم تكَلمه الدُّنْيَا وَلم يطغه الْهوى وَاعْلَم أَنه لم يتزين إليّ الْعباد بزينة السيوطي ٥/ ٥٥٦السيوطي ٥/ ٥٥٦
هِيَ أبلغ فِيمَا عِنْدِي من الزّهْد فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ زِينَة الْمُتَّقِينَ عَلَيْهِم مِنْهُ: لِبَاس يعْرفُونَ بِهِ من السكينَة والخشوع (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههم من أثر السُّجُود) (الْفَتْح آيَة ٢٩) أُولَئِكَ هم أوليائي حَقًا فَإِذا لقيتهم فاخفض لَهُم جناحك وذلل لَهُم قَلْبك وَلِسَانك وَاعْلَم أَنه من أهان لي وليا أَو أخافه فقد بارزني بالمحاربة وبادأني وَعرض لي نَفسه وَدَعَانِي إِلَيْهَا وَأَنا أسْرع شَيْء إِلَى نصْرَة أوليائي فيظن الَّذِي يحاربني أَو يعاديني أَن يعجزني أَو يظنّ الَّذِي يبارزني أَن يسبقني أَو يفوتني وَكَيف وَأَنا الثائر لَهُم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لَا أكل نصرتهم إِلَى غَيْرِي قَالَ: فَأقبل مُوسَى إِلَى فِرْعَوْن فِي مَدِينَة قد جعل حولهَا الْأسد فِي غيضة قد غرسها والأسد فِيهَا مَعَ ساستها إِذا أرسلها على أحد أَكلته وللمدينة أَرْبَعَة أَبْوَاب فِي الغيضة فَأقبل مُوسَى من الطَّرِيق الْأَعْظَم الَّذِي يرَاهُ فِرْعَوْن فَلَمَّا رَأَتْهُ الْأسد صاحت صياح الثعالب فَأنْكر ذَلِك الساسة وَفرقُوا من فِرْعَوْن فَأقبل مُوسَى حَتَّى انْتهى إِلَى الْبَاب الَّذِي فِيهِ فِرْعَوْن فقرعه بعصاه وَعَلِيهِ جُبَّة من صوف وَسَرَاويل فَلَمَّا رَآهُ البوّاب عجب من جراءته فَتَركه وَلم يَأْذَن لَهُ فَقَالَ: السيوطي ٥/ ٥٥٧السيوطي ٥/ ٥٥٧
هَل تَدْرِي بَاب من أَنْت تضرب إِنَّمَا أَنْت تضرب بَاب سيدك
قَالَ: أَنْت وَأَنا وَفرْعَوْن عبيد لرَبي فَأَنا ناصره فَأخْبر البوّاب الَّذِي يَلِيهِ من البوابين حَتَّى بلغ ذَلِك أَدْنَاهُم ودونه سَبْعُونَ حِجَابا كل حَاجِب مِنْهُم تَحت يَده من الْجنُود مَا شَاءَ الله حَتَّى خلص الْخَبَر إِلَى فِرْعَوْن فَقَالَ: أدخلوه عليّ فَأدْخل فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ لَهُ فِرْعَوْن: أعرفك قَالَ: نعم
قَالَ: {ألم نربك فِينَا وليدا} الشُّعَرَاء آيَة ١٨ قَالَ: فَرد إِلَيْهِ مُوسَى الَّذِي رد
قَالَ: فِرْعَوْن خذوه
فبادر مُوسَى (فَألْقى عَصَاهُ فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين) (الشُّعَرَاء آيَة ٣٢) فَحملت على النَّاس فَانْهَزَمُوا مِنْهَا فَمَاتَ مِنْهُم خَمْسَة وَعِشْرُونَ ألفا قتل بَعضهم بَعْضًا وَقَامَ فِرْعَوْن مُنْهَزِمًا حَتَّى دخل الْبَيْت فَقَالَ لمُوسَى: {فَاجْعَلْ بَيْننَا وَبَيْنك موعداً} نَنْظُر فِيهِ
قَالَ: مُوسَى: لم أُؤمر بذلك إِنَّمَا أمرت بمناجزتك وَإِن أَنْت لم تخرج إليّ دخلت عَلَيْك
فَأوحى الله إِلَى مُوسَى: أَن اجْعَل بَيْنك وَبَينه أَََجَلًا وَقل لَهُ: أَن يَجعله هُوَ
قَالَ فِرْعَوْن: اجْعَلْهُ إِلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَفعل
قَالَ: وَكَانَ فِرْعَوْن لَا يَأْتِي الْخَلَاء إِلَّا فِي كل أَرْبَعِينَ يَوْمًا مرّة فَاخْتلف ذَلِك الْيَوْم أَرْبَعِينَ مرّة
قَالَ: وَخرج مُوسَى من الْمَدِينَة فَلَمَّا مر بالأسد خضعت لَهُ بأذنابها وسارت مَعَ مُوسَى تشعيه وَلَا تهيجه وَلَا أحدا من بني إِسْرَائِيل السيوطي ٥/ ٥٥٨السيوطي ٥/ ٥٥٨
تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة "البقرة" بما أغنى عن إعادته.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسين بن محمد بن شنبة الواسطي، حدثنا أبو أحمد - يعني: الزبيري -أنبأنا إسرائيل عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: طه: يا رجل. وهكذا روي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، و [عطاء] ومحمد بن كعب، وأبي مالك، وعطية العوفي، والحسن، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن أبزى أنهم قالوا: "طه" بمعنى: يا رجل.
وفي رواية عن ابن عباس، وسعيد بن جبير والثوري أنها كلمة بالنبطية معناها: يا رجل. وقال أبو صالح هي مُعَرّبة.
وأسند القاضي عياض في كتابه "الشفاء" من طريق عبد بن حميد في تفسيره: حدثنا هاشم بن [القاسم] عن ابن جعفر، عن الربيع بن أنس قال: كان النبي ﷺ إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله تعالى (طه) ، يعني: طأ الأرض يا محمد، (مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) . ثم قال: ولا خفاء بما في هذا من الإكرام وحسن المعاملة . ابن كثير ٦/ ٢٧١ابن كثير ٦/ ٢٧١
وقوله (مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) قال جويبر، عن الضحاك: لما أنزل الله القرآن على رسوله، قام به هو وأصحابه، فقال المشركون من قريش: ما أنزل هذا القرآن على محمد إلا ليشقى! فأنزل الله تعالى: (طه * مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى) .
فليس الأمر كما زعمه المبطلون، بل من آتاه الله العلم فقد أراد به خيرًا كثيرًا، كما ثبت في الصحيحين، عن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ : "من يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" . .
وما أحسن الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في ذلك حيث قال:
حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا العلاء بن سالم، حدثنا إبراهيم الطالقاني، حدثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن سِمَاك بن حرب، عن ثعلبة بن الحكم قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده: إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم، ولا أبالي" .
إسناده جيد وثعلبة بن الحكم هذا [هو الليثي] ذكره أبو عمر في استيعابه، وقال: نزل البصرة، ثم تحول إلى الكوفة، وروى عنه سماك بن حرب .
وقال مجاهد في قوله: (مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) : هي كقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ﴾ [المزمل: ٢٠] وكانوا يعلقون الحبال بصدورهم في الصلاة.
وقال قتادة: (مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) : لا والله ما جعله شقاء، ولكن جعله رحمة ونورًا، ودليلا إلى الجنة.
إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى): إن الله أنزل كتابه، وبعث رسله .
رحمة، رحم بها العباد، ليتذكر ذاكر، وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله، وهو ذكر أنزل الله فيه حلاله وحرامه.
وقوله: (تَنزيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلا) أي: هذا القرآن الذي جاءك يا محمد [هو] تنزيل من [ربك] رب كل شيء ومليكه، القادر على ما يشاء، الذي خلق الأرض بانخفاضها وكثافتها، وخلق السموات العلى في ارتفاعها ولطافتها. وقد جاء في الحديث الذي صححه الترمذي وغيره. أن سُمْك كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبُعْد ما بينها والتي تليها [مسيرة] خمسمائة عام . ابن كثير ٦/ ٢٧٢ابن كثير ٦/ ٢٧٢
وقد أورد ابن أبي حاتم هاهنا حديث الأوعال من رواية العباس عم رسول الله ﷺ ورضي الله عنه.
وقوله (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) : تقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف، بما أغنى عن إعادته أيضًا، وأن المسلك الأسلم في ذلك طريقة السلف، إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تمثيل.
وقوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى) أي: الجميع ملكه وفي قبضته، وتحت تصريفه ومشيئته وإرادته وحكمه، وهو خالق ذلك ومالكه وإلهه، لا إله سواه، ولا رب غيره.
وقوله: (وَمَا تَحْتَ الثَّرَى) قال محمد بن كعب: أي ما تحت الأرض السابعة.
وقال الأوزاعي: إن يحيى بن أبي كثير حدثه أن كعبًا سُئِل فقيل له: ما تحت هذه الأرض؟ فقال: الماء. قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض. قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الماء. قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض، قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الماء. قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض، قيل: وما تحت الأرض؟ قال الماء. قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض، قيل: وما تحت الأرض؟ قال: صخرة. قيل: وما تحت الصخرة؟ قال: ملك. قيل: وما تحت الملك؟ قال: حوت معلق طرفاه بالعرش، قيل: وما تحت الحوت؟ قال: الهواء والظلمة وانقطع العلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله بن أخي بن وهب، حدثنا عمي، حدثنا عبد الله بن عَيَّاش، حدثنا عبد الله بن سليمان عن دَرَّاج، عن عيسى بن هلال الصَّدَفي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الأرضين بين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، والعليا منها على ظهر حوت، قد التقى طرفاه في السماء، والحوت على صخرة، والصخرة بيد الملك، والثانية سجن الريح، والثالثة فيها حجارة جهنم، والرابعة فيها كبريت جهنم، والخامسة فيها حيات جهنم والسادسة فيها عقارب جهنم، والسابعة فيها سَقَر، وفيها إبليس مُصَفّد بالحديد، يد أمامه ويد خلفه، فإذا أراد الله أن يطلقه لما يشاء أطلقه " . ابن كثير ٦/ ٢٧٣ابن كثير ٦/ ٢٧٣
هذا حديث غريب جدًا ورفعه فيه نظر.
وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا أبو موسى الهروي، عن العباس بن الفضل [قال] : قلت: ابن الفضل الأنصاري؟ قال: نعم، [عن القاسم] بن عبد الرحمن، عن محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله قال: كنت مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فأقبلنا راجعين في حر شديد، فنحن متفرقون بين واحد واثنين، منتشرين، قال: وكنت في أول العسكر: إذ عارضنا رجل فَسَلّم ثم قال: أيكم محمد؟ ومضى أصحابي ووقفت معه، فإذا رسول الله ﷺ قد أقبل في وسط العَسْكَر على جمل أحمر، مُقَنَّع بثوبه على رأسه من الشمس، فقلت: أيها السائل، هذا رسول الله قد أتاك. فقال: أيهم هو؟ فقلت: صاحب البَكْر الأحمر. فدنا منه، فأخذ بخطام راحلته، فكف عليه رسول الله ﷺ ، فقال : أنت محمد؟ قال: "نعم ". قال: إني أريد أن أسألك عن خصال، لا يعلمهن أحد من أهل الأرض إلا رجل أو رجلان، فقال رسول الله ﷺ : " سل عما شئت ". فقال: يا محمد، أينام النبي؟ فقال رسول الله ﷺ : " تنام عيناه ولا ينام قلبه ". قال: صدقت. ثم قال: يا محمد، مِنْ أين يشبه الولد أباه وأمه؟ " قال ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيّ الماءين غلب على الآخر نزع الولد ". فقال صدقت. فقال: ما للرجل من الولد وما للمرأة منه؟ فقال: " للرجل العظام والعروق والعصب، وللمرأة اللحم والدم والشعر " قال: صدقت. ثم قال: يا محمد، ما تحت هذه، يعني الأرض؟ فقال رسول الله ﷺ : " خلق ". فقال: فما تحتهم؟ قال: " أرض ". قال: فما تحت الأرض؟ قال " الماء " قال: فما تحت الماء؟ قال: " ظلمة ". قال: فما تحت الظلمة؟ قال: " الهواء ". قال: فما تحت الهواء؟ قال: " الثرى ". قال: فما تحت الثرى؟ ففاضت عينا رسول الله ﷺ بالبكاء، وقال: " انقطع علم المخلوقين عند علم الخالق، أيها السائل، ما المسئول عنها بأعلم من السائل ". قال: فقال: صدقت، أشهد أنك رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : " أيها الناس، هل تدرون من هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " هذا جبريل ﷺ " .
هذا حديث غريب جدًا، وسياق عجيب، تفرد به القاسم بن عبد الرحمن هذا، وقد قال فيه يحيى بن معين: "ليس يساوي شيئًا" وضعفه أبو حاتم الرازي، وقال ابن عدي: لا يعرف. ابن كثير ٦/ ٢٧٤ابن كثير ٦/ ٢٧٤
قلت: وقد خلط في هذا الحديث، ودخل عليه شيء في شيء، وحديث في حديث. وقد يُحْتَمل أنه تَعَمَّد ذلك، أو أدخل عليه فيه، فالله أعلم.
وقوله: (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) أي: أنزل هذا القرآن الذي خلق [الأرض والسموات العلى، الذي يعلم السر وأخفى، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي] السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦] .
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) قال: السر ما أسرّ ابن آدم في نفسه، (وَأَخْفَى) : ما أخفى على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعلمه فالله يعلم ذلك كله، فَعلْمه فيما مضى من ذلك وما بقي عِلْم واحد، وجميع الخلائق في ذلك عنده كنفس واحدة، وهو قوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] .
وقال الضحاك: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) قال: السر: ما تحدث به نفسك، وأخفى: ما لم تحدث به نفسك بعد.
وقال سعيد بن جبير: أنت تعلم ما تسر اليوم، ولا تعلم ما تسر غدًا، والله يعلم ما تسر اليوم، وما تسر غدًا.
وقال مجاهد: (وَأَخْفَى) يعني: الوسوسة.
وقال أيضًا هو وسعيد بن جبير: (وَأَخْفَى) أي: ما هو عامله مما لم يحدث به نفسه.
وقوله: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى) [أي: الذي أنزل القرآن عليك هو الله الذي لا إله إلا هو ذو الأسماء الحسنى] والصفات العلى.
وقد تقدم بيان الأحاديث الواردة في الأسماء الحسنى في أواخر سورة "الأعراف" ولله الحمد والمنة. ابن كثير ٦/ ٢٧٥ابن كثير ٦/ ٢٧٥
لا كتاب مختار.