القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

أَفِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوٓا۟ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُۥ ۚ بَلْ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٥٠

سورة النور، الآية ٥٠مدنية
في سورتها

اللغة والإعراب

المختارةمعاني القرآنإعراب القرآن
معاني القرآنالفراء، ت ٢٠٧هـ

وقوله عَزَّ وَجَلَّ: أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ الله عليهم ورسوله [٥٠] فجعل الحيف منسوبا إلى الله وإلى رسوله، وإنما المعنى للرسول، ألا ترى أَنَّهُ قَالَ (وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) ولم يقل (ليحكما) وإنّما بدئ بالله إعظامًا لَهُ، كما تَقُولُ: ما شاء الله وشئت وأنت تريد ما شئت، وكما تَقُولُ لعبدك: قد أعتقك الله وأعتقتك. الفراء ٢/ ٢٥٧الفراء ٢/ ٢٥٧

وقوله: إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ [٥١] لَيْسَ هَذَا بخبر ماض يُخبر عَنْهُ، كما تَقُولُ: إنَّما كنتُ صبيًّا، ولكنه: إنَّما كَانَ ينبغى أن يكون قول المؤمنين إذ دُعُوا أن يقولوا سمعنا. وهو أدب من الله. كذا جاء التفسير.

وقوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا [٥٤] واجه القوم ومعناه: فإن تتَولَّوا. فهي فِي موضع جزم. ولو كانت لقومٍ غير مخاطبين كانت نَصْبًا لأنها بِمنزلة قولك: فإن قَامُوا. والجزاء يصلح فِيهِ لفظ فَعَل ويَفعل، كما قال (فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .

وقوله (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ) هَؤُلَاءِ غير مُخاطبين. وأنت تعرف مجزومه من منصوبه بالقراءة بعده ألا ترى قوله (فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ) ولم يقل: وعليهم. وقال (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ) فهذا يدل عَلَى فعلوا.

وقوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ [٥٥] الْعِدَة قول يصلح فيها أنْ وجواب اليمين. فتقول: وعدتك أن آتيك، ووعدتك لآتينَّكَ. ومثله (ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ) وإنّ أنْ تصلح فِي مثله من الكلام. وقد فُسِّرَ فِي غير هَذَا الموضع.

وقوله (وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ) قرأها عَاصِم بن أبي النجود والأعمش (وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ) بالتشديد. وقرأ الناس (وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ) خَفيفة وهما متقاربان. وإذا قلت للرجل قد بُدّلت فمعناه غُيِّرت وغَيِّرت حالك ولم يأت مكانك آخر. فكل ما غُيِّر عَن حاله فهو مُبَدَّل بالتشديد. وقد يَجوز مُبْدَل بالتخفيف وليس بالوجه: وإذا جعلت الشيء مكان الشيء قلت: قد أبدلته كقولك (أبدل لي ) هَذَا الدرهم أي أعطني مَكَانه. وبَدّل جائزة فمن قال (وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً) فكأنه جعل سبيل الخوف أمْنًا. ومن قَالَ (وليُبْدِلَنّهم) بالتخفيف قَالَ: الأمن خلاف الخوف فكأنه جَعل مكان الخوف أَمْنًا أي ذهبَ بالخوفِ وَجَاءَ بالأمن. وهذا من سعة العربية وقال أَبُو النجم: الفراء ٢/ ٢٥٨الفراء ٢/ ٢٥٨

عزل الأمير للأَمير المبدَل

فهذا يوضح الوجهين جَميعًا.

وقوله: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [٥٧] قرأها حَمْزَةُ (لا يَحْسَبنَّ) بالياء هاهنا . وموضع (الَّذِينَ) رفع. وهو قليلٌ أن تعطل (أظنّ) من الوقوع عَلَى أن أو عَلَى اثنين سِوَى مرْفوعها.

وكأنه جَعَلَ (مُعْجِزِينَ) اسمًا وجعل (فِي الْأَرْضِ) خبرًا لَهم كما تَقُولُ: لا تحسبنّ ١٢٩ ب الَّذِينَ كفروا رجالًا فِي بيتك، وهم يريدون أنفسهم. وهو ضعيف فِي العربية. والوجه أن تُقرأ بالتاء لكون الفعل واقعًا عَلَى (الَّذِينَ) وَعَلَى (معجزين) وكذلك قرأ حَمْزَةُ فِي الأنفال (ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا) . الفراء ٢/ ٢٥٩الفراء ٢/ ٢٥٩

وقوله: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [٥٨] يعني الرجال والنساء. ثُمَّ قَالَ (وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ) الصبيان (ثَلاثَ مَرَّاتٍ) ثُمَّ فسرهُنَّ فقال (مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ) عند النوم. ثم قال (ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ) فنصبها عَاصِم والأعمش، ورفع غيرهما. والرفع فِي العربية أحبُّ إليّ. وكذلك أقرأ. وَالْكِسَائي يقرأ بالنصب لأنه قد فسرها فِي المرات وفيما بعدها فكرهت أن تُكر ثالثة واخترت الرفع لأن المعنى- والله أعلم- هَذِه الخصال وقت العورات لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ. فمعها ضمير يرفع الثلاث. كأنك قلت: هَذِه ثلاث خصال كما قال (سُورَةٌ أَنْزَلْناها) أي هذه سورة، وكما قَالَ (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ) .

وأمّا قوله (طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ) فإنه أيضا مُستأنف كقولك فِي الكلام: إنما هم خَدَمكم، وطوَّافون عليكم. ولو كَانَ نصْبًا لكان صوابًا تخرجه من (عليهم) لأنها معرفةو (طَوَّافُونَ) نكرة ونصبه كما قَالَ (مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا) فنصب لأن فِي الآية قبلها ذكرهم معرفة، و (مَلْعُونِينَ) نكرة.

وقوله: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [٥٩] يقول:

لا يدخلن عليكم فِي هَذِه الساعات إلا بإذن ولا فِي غير هَذِه الساعات إلا بإذن. وقوله (كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) يريد الأحرار. الفراء ٢/ ٢٦٠الفراء ٢/ ٢٦٠

وقوله: وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً [٦٠] لا يطمعن فِي أن يتزوجن من الكبر (فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ) و (من ثيابِهنّ) وهو الرداء. فرخّص للكبيرة أن تضعه، لا تريدُ لذلك التزين. ثُمَّ قال (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ) فلا يضعن الأردية (خَيْرٌ لَهُنَّ) وَفِي قراءة عبد الله (أن يضعن من ثيابهم) .

وقوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ [٦١] إلى آخر الآية، كانت الأنصار يتنزهون عَن مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض، ويقولون: نُبصر طيب الطعام ولا يبصره فنسبقه إِلَيْهِ، والأعرج لا يستمكن من القعود فينال ما ينال الصحيح، والمريض يضعف عَن الأكل. فكانوا يعزلونَهم.

فنزل: ليس عليكم فى مؤاكلتهم حرج. و (فى) تصلح مكان (على) هاهنا كما تقول: ليس عَلَى صلة الرحم وإن كانت قاطعة إثم، وليس فيها إثم، لا تبالي أيَّهما قلت.

ثُمَّ قَالَ (وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) إلى آخر الآية. لَمّا أنزل الله (لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً) ترك الناس مؤاكلة الصغير والكبير ممن أذن الله فِي الأكل معه ومنه، فقال: وليس عليكم (فِي أنفسكم ) فِي عيالكم أن تأكلوا منهم ومعهم إلى قوله (أَوْ صَدِيقِكُمْ) معناهُ: أو بيوت صديقكم، وقبلها (أَوْ بُيُوتِ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ) يعني بيوت عبيدكم وأموالهم فذلك قوله (مَفاتِحَهُ) خزائنه وواحد المفاتِح مَفتح إِذَا أردت بِهِ المصدر وإِذَا كَانَ من المفاتيح التي يفتح بِهَا- وهو الإقليد- فهو مِفْتَح ومفتاح.

وقوله (فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ) إِذَا دخلَ عَلَى أهله فليُسَلّم. فإن لَمْ يكن فى بيته أحد فليقل السّلام علينا من ربنا، وإذا دخل المسجد قَالَ: السلامُ عَلَى رسول الله، السلامُ علينا وَعَلَى خيار عباد الله الصالِحين، ثُمَّ قَالَ: (تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي من أمر الله أمركم بِها تفعلون تَحيَّة منه وطاعةً لَهُ. ولو كانت رفعًا ١٣٠ اعلى قولك: هي تَحيَّةٌ من عند الله (كَانَ صوابًا) وقوله: وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ [٦٢] كَانَ المنافقونَ يشهدونَ الْجُمُعَةَ مع النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيذكرهم ويعيبهم بالآيات التي تنزل فيهم، فيضجرونَ من ذَلِكَ. فإن خفي لأحدهم القيام قامَ فذلك قوله: قَدْ يَعْلَمُ الله الذين يتسلّلون منكم لواذا [٦٣] أي يستتر (هذا بهذا) وإنّما قالوا: لو إذا لأنها مصدر لاوَذت، ولو كانت مصدرًا لِلُذْتُ لكانت لِيَاذًا أي لذت لياذًا، كما تَقُولُ: الفراء ٢/ ٢٦١الفراء ٢/ ٢٦١

قمت إِلَيْهِ قيامًا، وقاومتك قِوَامًا طويلًا. وقوله: (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً) يقول: لا تَدْعوه يا مُحَمَّد كما يدعو بعضكم بعضًا. ولكن وقِّروه فقولوا: يا نبي اللَّه يا رَسُول اللَّه يا أبا القاسم.

[ومن سورة الفرقان]

قوله: تَبارَكَ [١] : هُوَ من البركة. وهو فِي العربية كقولك تقدَّس ربُّنا. البركة والتقدس العظمة وهما بعد سواء.

وقوله: لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ [٧] جواب بالفاء لأن (لولا) بمنزلة هلّا. الفراء ٢/ ٢٦٢الفراء ٢/ ٢٦٢

قوله: أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ [٨] له مرفوعان عَلَى الردِّ عَلَى (لولا) كقولك فِي الكلام أو هلّا يُلقى إِلَيْهِ كنز وقد قرئت (نأكُلُ منها) و (يأكلُ بالياء والنون) .

وقوله: فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [٩] يقول: لا يستطيعونَ فِي أمرك حيلةً.

وقوله: تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ [١٠] جزاء (وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً) مجزومة مردودة على (جعل) و (جعل) فِي معنى جَزْمِ، وقد تكون رفعًا وهي فى ذلك مجزومة لأنها لام لقيت لام فسكنت. وإن رفعتها رفعًا بيّنًا فجائز (ونصبها جائز على الصّرف) .

وقوله: تَغَيُّظاً وَزَفِيراً [١٢] هُوَ كتغيظ الآدميّ إِذَا غضب فَغَلَى صَدْرُه وظهر فى كلامه.

وقوله: ثُبُوراً واحِداً [١٣] الثبور مصدر، فلذلك قال (ثُبُوراً كَثِيراً) لأن المصادر لا تُجمع:

ألا ترى أنك تَقُولُ: قعدت قُعُودًا طويلًا، وضربته ضربًا كثيرًا فلا تُجمع. والعربُ تَقُولُ: ما ثَبَرَك عَن ذا؟ أي ما صَرفك عَنْهُ. وكأنهم دَعَوا بما فعلوا، كما يقول الرجل: وا ندامتاه.

وقوله: كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا [١٦] يقول: وعدهم الله الجنة فسألوها إيّاهُ فِي الدُّنْيَا إذ قالوا (رَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ) يريدُ عَلَى ألسنة رسلك، وهو يوم القيامة غير مسئول. وقد يكون فِي الكلام أن تَقُولَ: لأعطينَّكَ ألفًا وعدًا مسئولًا أي هُوَ واجبٌ لك فتسأله لأن المسئول واجب، وإن لَمْ يُسْأَلْ كالدَّين.

وقوله: سُبْحانَكَ مَا كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ [١٨] . الفراء ٢/ ٢٦٣الفراء ٢/ ٢٦٣

قالت الأصنام: ما كَانَ لنا أن نعبد غَيْرَكَ فكيفَ ندعُو إلى عبادتنا! ثُمَّ قالت: ولكنك يا رب متَّعْتَهُمْ بالأموال والأولاد حَتَّى نَسُوا ذكرك. فقال الله للآدميين (فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ) يقول: (كذّبتكم الآلهة بما تقولون) وتقرأ (بِما يقولون) بالياء (والتاء ) فمن قرأ بالتاء فهو كقولك كذّبكَ يكذّبك. ومن قرأ بالياء قَالَ: كذّبوكم بقولهم. والقراء مجتمعة عَلَى نصب النون فِي (نَتَّخِذَ) إلا أبا جَعْفَر المدنيّ فإنه قرأ (أن نُتَّخَذَ) بضم النون (من دُونِكَ) فلو لَمْ تكن فِي الأولياء (مِنْ) كَانَ وَجهًا جيدًا، وهو عَلَى (شذوذه و) قلّة من قرأ بِهِ قد يَجوز عَلَى أن يَجعل الاسم فِي (من أولياء) وإن كانت قد وقعت فى موقع الفعل ١٣٠ ب وإنَّما آثرت قول الجماعة لأن العرب إنما تُدخل (من) فِي الأسماء لا فِي الأخبار ألا ترى أنهم يقولون: ما أخذت من شيء وما عندي من شيء، ولا يقولون ما رأيتُ عبد الله من رجل. ولو أرادوا ما رأيت من رجل عبد الله فجعلوا عبد الله هُوَ الفعل جاز ذَلِكَ. وهو مذهب أبي جَعْفَر المدني.

وقوله (قَوْماً بُوراً) والبور مصدر واحد وجمع والبائر الَّذِي لا شيء فِيهِ. تَقُولُ: أصبحت منازلهم بورًا أي لا شيء فيها. فكذلك أعمال الكفار باطل. ويُقال: رجل بُور وقوم بُور.

وقوله: إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ [٢٠] (لَيَأْكُلُونَ) صلة لاسم متروك اكتفى بِمن المرسلين منه كقيلك فِي الكلام: ما بعثت إليك من الناس إلا من إنه ليطيعُكَ، ألا ترى أن (إنه ليطيعَكَ) صلة لمن. وجازَ ضميرها كما قَالَ (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) معناه- والله أعلم- إلا من له مقام وكذلك قوله (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) ما منكم إلا من يردها، ولو لَمْ تكن اللام جوابا لإنّ كانت إنّ مكسورة أيضا، لأنها مبتدأة، إذ كانت صلة. الفراء ٢/ ٢٦٤الفراء ٢/ ٢٦٤

وقوله (وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) كَانَ الشريف من قريش يقول: قد أسلم هَذَا من قبلي- لمن هُوَ دونه- أفأسْلم بعده فتكون لَهُ السابقة فذلك افتتان بعضهم ببعض. قال الله (أَتَصْبِرُونَ) قَالَ الفراء يقول: هُوَ هَذَا الَّذِي ترون.

وقوله: لا يَرْجُونَ لِقاءَنا [٢١] .

لا يَخافونَ لقاءنا وهي لغة تِهامية: يضعونَ الرجاء فِي موضع الخوف إِذَا كَان معه جحد . من ذَلِكَ قول الله (مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً) أي لا تخافون له عظمة. وأنشدنى بعضهم:

لا ترتجِي حِينَ تلاقي الذائدا ... أسَبْعَةً لاقَتْ مَعًا أم وَاحِدَا

يريد: لا تَخاف ولا تبالي. وقال لآخر:

إِذَا لسعته النحل لَمْ يَرْج لَسْعَهَا ... وحَالَفَها فِي بيتِ نُوب عَوَامِلِ

يُقال: نَوْب ونُوب. ويُقال: أَوْب وأُوب من الرجوع قَالَ الفراء: والنُّوب ذكر النحل.

وقوله (وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً) جاء الْعُتُوُّ بالواو لأنه مصدر مصرح. وقال فِي مريم (أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا) فَمَن جَعَله بالواو كَانَ مصدرًا محضًا. ومن جعله بالياء قَالَ: عاتٍ وعُتِيّ فلمّا جَمَعُوا بُني جمعهم عَلَى واحدهم. وجازَ أن يكون المصدر بالياء أيضًا لأن المصدر والأسماء تتفق فِي هَذَا المعنى: ألا ترى أنهم يقولون: قاعد وقوم قعود، وقعدت قعودًا. فلمّا استويا هَاهُنَا فِي الْقُعُود لَمْ يبالوا أن يستويا فى العتو والعتىّ. الفراء ٢/ ٢٦٥الفراء ٢/ ٢٦٥

وقوله: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ [٢٢] اليوم لَيْسَ بصلة للبشرى فيكون نصبهُ بِهَا. ولكنك مضمر للفاء كقيلك فِي الكلام: أمّا اليوم فلا مال. فإذا ألقيت الفاء فأنت مضمر لمثل اليوم بعد لا . ومثله فِي الكلام: عندنا لا مال إن أردت لا مال عندنا فقدّمت (عندنا) لَمْ يجز. وإن أضمرت (عندنا) ثانية بعد (لا مالَ) صلح ألا ترى أنك لا تَقُولُ: زيدًا لا ضارب (يا هَذَا ) كما تَقُولُ: لا ضارِبَ زيدا.

وقوله: (وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً) حَرَامًا محرّمًا أن يكون لَهم البشرى. وَالْحِجْرُ: الحرام، كما تَقُولُ: حَجَر التاجر عَلَى غُلامه، وحجر عَلَى أهله. وأنشدني بعضهم:

فهممتُ أن ألقى إليها مَحْجَرًا ... وَلِمثلِها يُلْقى إِلَيْهِ المحجرُ

قال الفراء: ألقى وإلقى من لقيت أي مثلها يُركب منه المحرم.

وقوله: وَقَدِمْنا إِلى ١٣١ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ [٢٣] عمدنا بفتح العين: (فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً) أي باطلا، والهباء ممدود غير مهموز فِي الأصل يصغر هُبَيٌّ كما يصغر الكساء كُسَيّ. وجُفَاء الوادي مهموز فِي الأصل إن صغرته قلت هذا جفىء. مثل جُفَيع ويُقاس عَلَى هذين كلُّ ممدود من الْهَمْز ومن الياء ومن الواو .

وقوله: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [٢٤] قَالَ: بعض المحدثين يُرَون أَنَّهُ يفرغ من حساب الناس فِي نصف ذَلِكَ اليوم فيقيل أهل الجنة فِي الجنة وأهل النار فِي النار. فذلك قوله (خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا) وأهل الكلام إِذَا اجتمع لَهُم أحمق وعاقل لَمْ يستجيزوا أن يقولوا: هَذَا أحمق الرجلين ولا أعقل الرجلين، ويقولون لا نَقُولُ: هَذَا أعقل الرجلين إلا لعاقلين تفضّل أحدهما عَلَى صاحبه. وقد سمعت قول الله (خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا) فجعل أهل الجنة خيرًا مستقرًا من أهل النار، وليس فِي مستقر أهل النار شيء من الخير فاعرف ذَلِكَ من خَطائهم. الفراء ٢/ ٢٦٦الفراء ٢/ ٢٦٦

وقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [٢٥] ويقرأ (تَشَقَّقُ) بالتشديد وقرأها الأعمش وَعَاصِم (تَشَقَّقُ السَّماءُ) بتخفيف الشِّين فمن قَرَأ تَشَّقق أراد تتشقق بتشديد الشِّين والقاف فأدغم كما قَالَ (لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى) ومعناهُ- فيما ذكروا- تشُّقق السماء (عَن الغمام ) الأبيض ثُمَّ تنزل فِيهِ الملائكة وَعَلَى وعن والياء فِي هَذَا الموضع (بمعنى واحد) لأن العرب تَقُولُ:

رميت عَن القوس وبالقوس وَعَلَى القوس، يُراد بِهِ معنًى واحد.

وقوله: لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ [٢٩] يُقال: النَّبِيّ ويُقال: القرآن. فِيهِ قولان.

وقوله: وَقالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً [٣٠] مَتروكًا.

ويُقال: إنهم جعلوهُ كالهَذيان والعربُ تَقُولُ (هَجَر الرجل) فِي منامه إِذَا هَذَى أو رَدَّدَ الكلمة.

وقوله: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا [٣١] يقول: جعلنا بعض أمة كل نبي أشدَّ عَلَيْهِ من بعض وَكَانَ الشديد العداوة للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو جهل بن هشام.

وقوله: لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ [٣٢] يُقال: إنها من قول المشركين.

أي هلا أنزل عَلَيْهِ القرآن جملةً، كما أنزلت التوراة على موسى. قال الله (وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا) لنثبّت به فؤادك. كان ينزّل الآية والآيتين فمكان بَيْنَ نُزول أوله وَآخره عشرون سنة (وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا) الفراء ٢/ ٢٦٧الفراء ٢/ ٢٦٧

نَزلناهُ تنزيلًا. ويُقال: إن (كذلك) من قول الله، انقطعَ الكلام من قِيلهم (جُمْلَةً وَاحِدَةً) قَالَ الله: كذلك أنزلناهُ يا مُحَمَّد متفرقًا لنثبّت به فؤادك.

وقوله: وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [٣٣] بمنزلة قوله (أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا) فِي معنى الكلام والنصب.

وقوله: فَقُلْنَا اذْهَبا [٣٦] وَإِنَّما أُمِر موسَى وحده بالذهاب فِي المعنى، وهذا بمنزله قوله (نَسِيا حُوتَهُما) ، وبمنزلة قوله (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) وإنَّما يَخرج من أحدهما وقد فُسِّرَ شأنه.

وقوله: وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ [٣٧] نصبتهم بأغرقناهم وإن شئت بالتدمير المذكور قبلهم.

وعادا وثمود وأصحاب الرّسّ وقرونا [٣٨] منصوبون بالتدمير قَالَ الفراء يُقال: إن الرس بئر.

وقوله: وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً [٣٩] أهلكناهم وأبدناهم إبادَةً.

وقوله: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [٤٣] كَانَ أحدهم يَمرُّ بالشيء الْحَسَن من الحجارة فيعبده فذلك قوله (اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ) .

وقوله: كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [٤٥] ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. وقوله (وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً) يقول دائمًا. وقوله (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا) يقول: إذا كان فى موضع ١٣١ ب شمس كَانَ فِيهِ قبل ذَلِكَ ظِلّ، فجعلت الشمس دليلًا عَلَى الظل.

ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قبضا يسيرا [٤٦] يعني الظل إِذَا لحقته الشمس قُبِضَ الظل قبضا يسيرا، يقول: هيّنا خفيّا. الفراء ٢/ ٢٦٨الفراء ٢/ ٢٦٨

وقوله: وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً [٤٨] قرأ أصحاب عبد الله (الرياح) ثلاثة مواضع.

منها حرفان فِي قراءتنا، وحرف فِي النحل وليس فِي قراءتنا، مكان قوله (وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ) (والرياح مُسَخَّراتٍ بأمرِهِ) وَهذَا وَاحدٌ يعني الَّذِي فِي الفرقان. والآخر فِي الروم (الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ) وَكَانَ عَاصِم يقرأ ما كَانَ من رحمة الرياح وما كَانَ من عذاب قرأه ريح.

وقد اختلف القراء فِي الرحمة فمنهم من قرأ الريح ومنهم من قرأ الرياح ولم يختلفوا فِي العذاب بالريح ونرى أنهم اختاروا الرياح للرحمة لأن رياح الرحمة تكون من الصبا والجنوب والشمال من الثلاث) المعروفة. وأكثر ما تأتي بالعذاب وما لا مطر فِيهِ الدَّبُورُ لأن الدَّبُور لا تكاد تُلْقِح فسميت ريحًا موحدة لأنها لا تدور كما تدور اللواقح.

حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي قيس بْن الربيع عَن أَبِي إِسْحَاقَ عَن الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ومسروق بن الأجدع أنهما قرءا (نَشْرًا ) وقد قرأت القراء (نُشُرًا ) و (نُشْرًا ) وقرأ عاصم (بُشْراً) حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي قَيْس عَن أبي إسحاق عَن أبي عبد الرحمن أَنَّهُ قرأ (بُشُرًا) كأنه بشيرة وبُشُر.

وقوله: وَأَناسِيَّ كَثِيراً [٤٩] واحدهم إنْسِيّ وإن شئت جعلته إنسانًا ثُمَّ جَمَعته أناسيّ فتكون الياء عوضًا من النون والإنسان فِي الأصل إنْسِيَان لأن العرب تصغره أنيسيان. وإذا قالوا: أناسين فهو بيِّن مثل بُستانٍ وبَساتِينَ، وإذا قالوا (أَناسِيَّ كَثِيراً) فخففوا الياء أسقطوا الياء التي تكون فيما بين عين الفعل ولامه مثل قراقير وقراقر، ويبين جواز أناسي بالتخفيف قول العرب أناسيةٌ كثيرة ولم نسمعه فِي القراءة. الفراء ٢/ ٢٦٩الفراء ٢/ ٢٦٩

وقوله: وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً [٥٣] البرزخ: الحاجز، جعل بينهما حاجزًا لئلا تغلب الملوحة العذوبة.

وقوله: (وَحِجْراً مَحْجُوراً) (من ذَلِكَ أي) حرامًا مُحرّمًا أن يغلب أحدهما صاحبه.

وقوله: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً [٥٤] فأما النسب فهو النَّسَب الَّذِي لا يحل نكاحه، وأما الصهر فهو النسب الَّذِي يحل نكاحه كبنات العم والخال وأشباههن من القرابة التي يَحل تزويجها.

وقوله: وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً [٥٥] المظاهر المعاون والظهير الْعَوْن.

وقوله: قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ [٦٠] ذكروا أن مسيلمة كَانَ يُقالُ لَهُ الرحمن، فقالوا: ما نعرفُ الرحمن إلا الَّذِي باليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب، فأنزلَ الله (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) .

وقوله: (أَنَسْجُدُ لِما يأمُرُنا) و (تَأْمُرُنا ) فمن قرأ بالياء أراد مُسيلمة: ومن قرأ بالتاء جاز أن يريد (مسيلمة أيضًا) ويكون للأمر أنَسْجُدُ لأمرك إيّانا ومن قرأ بالتاء والياء يُراد بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وهو بِمنزلة قوله ) (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ) و (سَيغلبونَ) والمعنى لمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم. الفراء ٢/ ٢٧٠الفراء ٢/ ٢٧٠

وقوله: وجَعَلَ فيها سُرُجًا [٦١] قراءة العوام (سِراجاً ) حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا [الْفَرَّاءُ] قَالَ حَدَّثَنِي هُشَيْم عَن مُغِيرَة عَن إِبْرَاهِيم أَنَّهُ قرأ (سُرُجًا) . وكذلك قراءة أصحاب عبد الله فمن قرأ (سراجًا) ذهبَ إلى الشمس وهو وجه حسَن لأنه قد قال (وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً) ومن قَالَ (سُرُجًا) ذهب إلى المصابيح إذ كانت يُهتدى بِهَا، جعلها كالسُرُج والمصباح كالسراج فى كلام العرب ١٣٢ اوقد قال الله (الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ) وقوله: جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً [٦٢] يذهب هَذَا ويجيء هَذَا، وقال زُهير فِي ذَلِكَ:

بِها العينُ والآرام يَمْشِينَ خِلْفَةً ... وأطلاؤهَا يَنْهَضْنَ من كل مَجْثَم

فمعنى قولُ زهير: خلفة: مختلفتات فِي أنها ضربان فِي ألوانِها وهيئتها، وتكون خلفة فِي مشيتها. وقد ذُكِرَ أن قوله (خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ) أي من فاته عمل من الليل استدركه بالنهار فجَعَل هَذَا خَلَفًا من هَذَا.

وقوله: (لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ) وهي فِي قراءة أُبَيّ (يَتَذكَّر) حجة لِمن شدّد وقراءة أصحاب عبد الله وَحَمْزَة وكثير من الناس (لِمَنْ أراد أن يَذْكُرَ) بالتخفيف، ويَذْكُر ويتذكر يأتيان بِمعنى واحدٍ، وَفِي قراءتنا (وَاذْكُرُوا ما فِيهِ) وَفِي حرف عبد الله (وتَذكَّروا ما فِيهِ) .

وقوله: عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [٦٣] حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي شَريك عَن جابر الْجُعْفِيّ عَن عكرمة ومُجاهد في قوله (الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً) قَالَ: الفراء ٢/ ٢٧١الفراء ٢/ ٢٧١

بالسكينة والوقار.

وقوله (وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً) كَانَ أهل مكة إِذَا سَبُّوا المسلمين رَدُّوا عليهم رَدًّا جَميلًا قبل أن يؤمروا بقتالِهم.

وقوله: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً [٦٤] جاء فِي التفسير أن من قرأ شيئًا من القرآن فِي صلاة وإن قلت، فقد بات ساجدًا وقائمًا. وذكروا أنَّهما الركعتان بعد المغرب وبعد العشاء ركعتان.

وقوله: إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً [٦٥] يقول مُلِحًّا دائمًا. والعرب تَقُولُ: إن فلانًا لَمُغْرَم بالنِّسَاء إِذَا كَانَ مولعًا بهنّ، وإني بك لمغرمٌ إِذَا لَمْ تصبر عَن الرجل ونُرَى أن الغريم إنما سُمّي غريمًا لأنه بطلب حَقّه ويُلح حَتَّى يقبضه.

وقوله: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا [٦٧] بكسر التاء. قرأ أَبُو عبد الرحمن وَعَاصِم (ولم يُقْتِروا) من أقترت. وقرأ الْحَسَن (وَلَمْ يَقْتُرُوا) وهي من قَتَرت كقول من قرأ يَقْتُروا بضم الياء. واختلافهما كاختلاف قوله (يَعْرِشُونَ ) و (يعرشون) و (يَعْكُفُونَ) و (يعكفون) ومعناهُ (لَمْ يُسْرِفُوا ) فيجاوزوا فِي الإنفاق إلى المعصية (وَلَمْ يَقْتُرُوا) : لَمْ يقصروا عمّا يَجب عليهم (وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً) ففي نصب القوام وجهان إن شئت نصبت القوام بضمير اسم فِي كَانَ (يكون ذَلِكَ الاسم من الإنفاق) أي وَكَانَ الإنفاق (قَوَامًا بين ذلك) كقولك: الفراء ٢/ ٢٧٢الفراء ٢/ ٢٧٢

عدلًا بين ذَلِكَ أي بين الإسراف والإقتار. وإن شئت جعلت (بين) فِي معنى رفع كما تَقُولُ:

كَانَ دونَ هذا كافيًا لك، تريد: أقلُّ من هَذَا كَانَ كافيًا لك، وتجعل (وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ) كَانَ الوسط من ذَلِكَ قَوَامًا. والقوَام قَوَام الشيء بين الشيئين. ويُقال للمرأة: إنَّها لحسنة الْقَوَام فِي اعتدالها. ويُقال: أنت قِوَام أهلِكَ أي بك يَقوم أمرُهم وشأنهم وقيَام وَقِيَمٌ وَقَيِّمٌ فِي معنى قِوَامٍ.

وقوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً [٦٨] يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ [٦٩] قرأت القراء بِجزم (يُضاعَفْ) ورفعه عَاصِم بن أبي النجود. والوجه الجزم. وَذَلِكَ أن كُلّ مجزوم فسَّرته ولم يكن فعلًا لِما قبله فالوجه فِيهِ الجزم، وما كَانَ فعلًا لِما قبله رَفَعْته. فأما المفسر للمجزوم فقوله (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً) ثُمَّ فسر الأثام، فقال (يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ) ومثله فِي الكلام:

إن تكلمني تُوصِني بالخير والبِرّ أقبل منك ألا ترى أنك فسّرت الكلام بالبر ولم يكن فعلًا لَهُ، فلذلك جزمت. ولو كَانَ الثاني فِعلًا للأوّل لرفعته، كقولك إن تأتنا تطلب الخير تَجده ألا ترى أنك تجد (تطلب) فعلا للاتيان ١٣٢ ب كقيلك: إن تأتنا طالبًا للخير تَجده.

قَالَ الشاعر :

مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نَارِهِ ... تَجِد خير نار عندَهَا خَيْرُ موقِد

فرفع (تَعْشو) لأنه أراد: متى تأته عاشيًا. ورفع عاصم (يضاعف له) لأنه أراد الاستئناف كما تَقُولُ: إن تأتنا نُكرمك نعطيك كل ما تريد، لا عَلَى الجزاء.

وقوله: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ [٧٢] يقول: لا يحضرون مجالس الكذب والمعاصي. الفراء ٢/ ٢٧٣الفراء ٢/ ٢٧٣

ويُقال (أعياد المشركين لا يشهدونها) لأنها زُور وكذب إذ كانت لغير الله. وقوله (بِاللَّغْوِ مرّوا كراما) ذُكِر أنهم كانوا إِذَا أجَروا ذكر النساء كَنَّوْا عَن قبيح الكلام فيهنَّ. فذلك مرورهم بِهِ.

وقوله: (لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً) [٧٣] يُقال: إِذَا تُلي عليهم القرآن لَمْ يقعدوا عَلَى حالِهم الأولى كأنهم لَمْ يسمعُوه. فذلك الخرور. وسمعتُ العرب تَقُولُ: قَعَدَ يشتمني، وأقبلَ يشتمني.

وأنشدني بعض العرب:

لا يُقنع الجارية الْخِضَابُ ... ولا الوشاحَان ولا الْجِلْبَابُ

من دون أن تلتقِيَ الأرْكَابُ ... وَيَقْعُدَ الْهَنُ لَهُ لُعَابُ

قَالَ الفراء: يُقال لموضع المذاكير: رَكَب. ويقعد كقولك: يصير.

وقوله: وَذُرِّيَّاتِنا [٧٤] قرأ أصحابُ عبد الله (وَذُرِّيَّتِنَا) والأكثر (وَذُرِّيَّاتِنَا) وقوله (قُرَّةَ أَعْيُنٍ) ولو قيل: (عَيْنٍ) كَانَ صَوَابًا كما قالت (قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ) ولو قرئت: قُرَّاتِ أَعْيُن لأنَّهم كَثِير كَانَ صَوَابًا. والوجه التقليل (قُرَّةَ أَعْيُنٍ) لأنه فعلٌ والفِعْلُ لا (يَكاد يجمع ) ألا ترى أَنَّهُ قَالَ (لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً) فلم يجمعه وهو كثيرٌ.

والقُرَّة مَصْدَرٌ. تَقُولُ: قرّت عينك قرّة.

وقوله (لِلْمُتَّقِينَ إِماماً) ولم يقل: أئمةً وهو واحد يَجوز فِي الكلام أن تَقُولَ: أصحاب مُحَمَّد أئمة الناس وإمام الناس كما قالِ نَّا رَسُولُ

بِّ الْعالَمِينَ) للاثنين ومَعناهُ: اجعلنا أئمة يُقتدى بنا. وقال مجاهد: اجعلنا يقتدى بِمن قبلنا حَتَّى يَقْتَدِي بنا من بعدنا. الفراء ٢/ ٢٧٤الفراء ٢/ ٢٧٤

وقوله: وَيُلَقَّوْنَ [٧٥] و (يلقّون فيها) كل قد قُرئ بِهِ و (يَلْقَوْنَ) أَعْجَبُ إِليّ لأن القراءة لو كانت عَلَى (يُلقَّون) كانت بالباء فِي العربية لأنك تَقُولُ: فلان يُتَلقّى بالسلام وبالخير.

وهو صواب يُلَقَّوْنه ويلقون بِهِ كما تَقُولُ: أخذت بالخطام وأخذته.

وقوله: ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي [٧٧] ما استفهام أي ما يصنعُ بكم (لَوْلا دُعاؤُكُمْ) لولا دعاؤُه إياكم إلى الإسلام (فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً) نصبت اللزام لأنك أضمرت فِي (يكون) اسمًا إن شئت كَانَ مجهولًا فيكون بمنزلة قوله فِي قراءة أُبَيّ (وإنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ) وإن شئت جعلت فسوف يكون تكذيبكم عذابًا لازمًا ذكر أنه ما نزل بهم يوم بَدْر. والرفعُ فِيهِ جائز لو أتى. وقد تَقُولُ الْعَرب: لأضربَنَّكَ ضَرْبةً تكون لَزَام يا هَذَا، تخفض كما تَقُولُ:

دَراكِ ونَظَار. وأنشد.

لا زلت مُحتمِلًا عليّ ضغينةً ... حَتَّى المماتِ تكونُ مِنْكَ لَزَامِ

قَالَ : أنشدناهُ فِي المصادر.

[ومن سورة الشعراء]

قوله: باخِعٌ نَفْسَكَ [٣] قاتل نفسك (أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) موضع (أن) نصب لأنها جزاء، كأنك قلت: إن لَمْ يؤمنوا فأنتَ قاتل نفسك. فلمّا كَانَ ماضيًا نصبت (أن) كما تَقُولُ أتيتك أن أتيتني. ولو لَمْ يكن ماضيًا لقلت: آتيك إن تأتنِي. ولو كانت مجزومة وكسرت (إن فيها كَانَ صوابًا.) ومثله قول الله (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ) و (إن صدّوكم) . وقوله (من الشهداء أن تضلّ) و (إن تَضِلّ) وكذلك (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذكر صَفْحًا إن كنتم) و (أن كنتم) وَجْهَان جَيِّدَان. الفراء ٢/ ٢٧٥الفراء ٢/ ٢٧٥

وقوله: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً [٤] ثم قال (فظلّت) ولم يقل (فَتَظلل) كما قَالَ (ننزل) وَذَلِكَ صواب: أن تعطف عَلَى مجزوم الجزاء بِفَعَلَ لأن الجزاء يصلح فِي موضع فعل يفعل، وَفِي موضع يفعَل فعل، ألا ترى أنك تَقُولُ: إن زرتني زرتكَ وإن تَزرني أزركَ والمعنى واحد. فلذلك صلح قوله (فَظَلَّتْ) مَرْدودة عَلَى يفعل، وكذلك قوله (تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ) ثم قال (وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً) فردّ يفعل عَلَى فعل وهو بمنزلة رده (فظلّت) على (ننزّل) وكذلك جواب الجزاء يُلقى يفعْل بِفَعَل، وفَعَل بيفعل كقولك: (إن قمت أقم، وإن تقم قمت. وأحسن الكلام أن تَجعل جواب يفعل بمثلها، وفعل بمثلها كقولك: إن تَتْجُرْ تَرْبَح، أحسن من أن تَقُولُ: إن تَتْجُر ربِحْتَ. وكذلك إن تجرت ربجت أحسن من أن تَقُولُ: إن تَجَرت تربح. وهما جائزان. قَالَ الله (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ) فقال (نُوَفِّ) وهي جواب لكان. وقال الشاعر :

إن يَسْمَعُوا سُبَّةً طارُوا بِهَا فرَحًا ... مني وما يَسْمَعُوا من صَالِح دَفَنوا

فَرَدّ الجواب بفعل وقبله يَفْعَل قَالَ الفراء : إن يسمعوا سُبّة عَلَى مثال غيَّة) .

وقوله: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [٤] والفعْل للأعناق فيقول القائل: كيف لَمْ يقل: الفراء ٢/ ٢٧٦الفراء ٢/ ٢٧٦

خاضعة: وَفِي ذَلِكَ وُجُوه كلها صواب. أوّلها أن مُجاهدًا جعلَ الأعناق: الرجال الكبراء. فكانت الأعناق هاهنا بمنزلة قولك: ظلت رءوسهم رءوس القوم وكبراؤهم لَهَا خاضعين للآية . والوجه الآخر أن تجعل الأعناق الطوائف، كما تَقُولُ: رأيتُ الناس إلى فُلان عُنقًا واحدة فتجعل الأعناق الطوائف والعُصَبَ وأحبُّ إليّ من هذين الوجهين فِي العربية أن الأعناق إِذَا خضعت فأربابها خاضعونَ فجعلت الفعل أولًا للأعناق ثُمَّ جعلت (خاضِعِينَ) للرجال كما قَالَ الشاعر:

عَلَى قَبْضة مَوْجُوءة ظهرُ كَفّه ... فلا المرء مُسْتحيٍ ولا هُوَ طَاعِمُ

فأنث فعل الظهر لأن الكف تَجمع الظهر وتكفي منه: كما أنك تكتفي بأن تَقُولَ: خَضَعت لك رَقبتي ألا ترى أن العرب تَقُولُ: كلُّ ذي عينٍ ناظرٌ وناظِرَةٌ إليك لأن قولك: نظرت إليك عيني ونظرتُ إليك بِمعنى واحد فتُركَ (كُلّ) وله الفعل ورُدّ إلى الْعَين. فلو قلت: فظلت أعناقهم لَهَا خاضعة كَانَ صوابًا. وقد قَالَ الْكِسَائي: هَذَا بمنزلة قول الشاعر:

تَرى أرْباقَهُم متقلّديها ... إذا صدىء الحديدُ على الْكُمَاةِ

ولا يشبه هَذَا ذَلِكَ لأن الفعل فِي المتقلدين قد عاد بذكر الأرباق فصلح ذَلِكَ لعودة الذكر. ومثل هَذَا قولك: ما زالت يدُك باسطها لأن الفعل مِنْكَ عَلَى اليد واقعٌ فَلَا بُدَّ من عودة ذكر الَّذِي فِي أول الكلام. ولو كانت فظلت أعناقهم لَهَا خاضعيها كَانَ هَذَا البيت حُجّة لَهُ. فإذا أوقعت الفعل عَلَى الاسم ثُمَّ أضفته فلا تكتف بفعل المضاف إلا أن يوافق فعل الأول كقولك ما زالت يدُ عبد الله منفقًا ومنفقة فهذا من الموافق ١٣٣ ب لأنك تَقُولُ يدُه منفقة وهو منفقٌ ولا يجوز كانت يده باسطًا لأنه باسط لليد واليد مبسوطة، فالفعل مختلف، لا يكفي فعل ذا من ذا، فإن أعدت ذكر اليد صلح فقلت: ما زالت يده باسطها. الفراء ٢/ ٢٧٧الفراء ٢/ ٢٧٧

وقوله: أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [٧] يقول: حسن، يقال: هُوَ كما تَقُولُ للنخلة:

كريمة إِذَا طابَ حِمْلها، أو أكثر كما يُقال للشاة وللناقة كريمة إِذَا غَزُرتا. قَالَ الفراء: مِن كل زوجٍ من كل لَون.

وقوله: فى كلّ هذه السّورة (وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) فِي علم الله. يقول: لَهم فِي القرآن وتنزيله آية ولكن أكثرهم فِي علم الله لن يؤمنوا.

وقوله: قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ [١١] .

فقوله: (أَلا يَتَّقُونَ) لو كَانَ مكانها: ألا تتقون كَانَ صوابًا لأن موسى أُمِرَ أن يقول لَهم ألا تتقون. فكانت التاء تَجوز لِخطابِ موسى إياهم. وجازت الياء لأن التنزيل قبل الخطاب، وهو بمنزلة قول الله (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ) و (سيغلبون) .

وقوله: وَيَضِيقُ صَدْرِي [١٣] مرفوعة لأنها مردودة عَلَى (أخاف) ولو نُصبت بالرد على (يكذبون) كانت نصبًا صوابًا. والوجه الرفع لأنه أخبر أن صدره يضيق وذكر العلة التي كانت بلسانه، فتلك مِمَّا لا تَخاف لأنَّها قد كانت.

وقوله: (فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ) ولم يذكر معونة ولا مؤازرة. وَذَلِكَ أن المعنى معلوم كما تَقُولُ: لو أتاني مكروهٌ لأرسلت إليك، ومعناهُ: لتعينني وتغيثني. وإذا كَانَ المعنى معلومًا طُرح منه ما يرد الكلام إلى الإيجاز.

وقوله: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ [١٩] قتله النفس فالفعلة منصوبة الفاء لأنها مرة واحدة.

ولا تكون وهي مرة فعلة. ولو أريد بِهَا مثل الجلسة والمشية جاز كسرها. حدّثنا أبو العباس قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي موسى الْأَنْصَارِيّ عَن السري بن إِسْمَاعِيل عَن الشعبي أَنَّهُ قرأ (وَفَعَلت فِعْلَتكَ) بكسر الفاء ولم يقرأ بِهَا غيره. الفراء ٢/ ٢٧٨الفراء ٢/ ٢٧٨

وقوله: (وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ) وأنت الآن من الكافرين لنعمتي أي لتربيتي إياكَ وهي فِي قراءة عبد الله (قَالَ فعلتها إذًا وأنا من الجاهلين) والضالين والجاهلين يكونان بِمعنى واحد لأنك تَقُولُ: جهلت الطريق وضللته. قَالَ الفراء: إِذَا ضاعَ منك الشيء فقد أضللته.

وقوله: فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً [٢١] التوراة.

وقوله: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ [٢٢] يقول: هى- لعمرى- نعمة إذ رَبَّيْتَنِي ولم تستعبدني كاستعبادك بني إسرائيل. فأن تدل عَلَى ذلك. ومثله فِي الكلام أن تترك أحد عبديك أن تضربه وتضرب الآخر، فيقول المتروك هَذِه نعمة عَليّ أن ضربت فلانا وتركتنى. ثم يحذف (وتركتنى) والمعنى قائم معروف. والعربُ تَقُولُ: عبَّدت العبيد وأعبدتهم.

أنشدني بعض العرب:

علام يُعْبِدُني قَومي وقد كثرت ... فيهم أبا عرُمَا شاءُوا وعِبْدان

وقد تكون (أن) رفعًا ونصبًا. أمّا الرفع فعلى قولك وتلك نعمة تَمُنّها عليّ: تعبيدُك بني إسرائيل والنصب: تمنَّها عَليَّ لتعبيدك بني إسرائيل.

ويقول القائل: أين جَواب قوله: (قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ) [٢٥] فيقال: إنه إنَّما أراد بقوله: (أَلا تَسْتَمِعُونَ) إلى قول موسى. فردّ موسى لأنه المراد بالجواب فقال: الَّذِي أدعوكم إلى عبادته (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ)

[٢٦] وكذلك قوله: (قال ربّ المشرق والمغرب)

[٢٨] يقول: أدعوكم إلى عبادة ربّ المشرق والمغرب وما بينهما. الفراء ٢/ ٢٧٩الفراء ٢/ ٢٧٩

وقوله: أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ [٥١] وجه الكلام أن تفتح (أَنْ) لأنَّها ماضية وهي فِي مذهب جزاء. ولو كُسرت ونُوي بِما بعدها الجزم كَانَ صوابًا. وقوله: (كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) يقولون: أول مؤمني أهل زماننا.

وقوله: إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ. [٥٤] يقول عُصْبَة قليلة وقليلون وكثيرون وأكثر كلام العرب أن يقولوا: قومك قليل وقومنا كَثِير. وقليلونَ وكثيرونَ جائز عربي وإنما جازَ لأن الْقِلّة إنّما تدخلهم جَميعًا. فقيل: قليل، وأوثر قليل عَلَى قليلين. وجازَ الجمع إذ كانت الْقِلة تلزم جَميعهم فِي المعنى فظهرت أسماؤهم عَلَى ذَلِكَ. ومثله أنتم حَيٌّ واحد وحيّ واحِدُونَ. وَمَعْنَى وَاحِدُونَ واحدٌ كما قَالَ الكميت:

فردّ قواصِي الأحياء منهم ... فقد رَجَعوا كحيّ واحدينا

وقوله: حاذِرُونَ [٥٦] وحِذرُونَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو لَيْلَى السِّجِسْتَانِيُّ عَنْ أَبِي جَرِيرٍ قَاضِي سِجِسْتَانَ أَنَّ ابن مسعود قرأ (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ) يَقُولُونَ: مُؤَدُّونَ فِي السِّلاحِ. يقول: ذَوو أداةِ من السلاح. و (حَذِرُونَ) وَكَأنَ الحاذِر: الَّذِي يَحذرك الآن. وكأن الحذِر: المخلوق حَذِرًا لا تلقاه إلّا حذرا.

وقوله: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [٦١] وَ (لَمُدركونَ ) مفتعلونَ من الإدراك كما تَقُولُ: حفرت واحتفرت بمعنى واحد، فكذلك (لمدركون) و (لمدّركون) معناهما واحد والله أعلم. الفراء ٢/ ٢٨٠الفراء ٢/ ٢٨٠

وقوله: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ [٧٧] أي كُلَّ آلهةٍ لَكم فلا أعبدها إلا رب العالمين فإني أعبده. ونصبه بالاستثناء، كأنه قَالَ هم عدوّ غير معبود إلا رب العالمين فإني أعبده. وإنما قالوا (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي) أي لو عبدتم كانوا لي يوم القيامة ضِدًّا وَعَدُوًّا.

وقوله: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [٨٤] حَدَّثَنِي عَمْرو بن أبي المقدام عَن الحكم عَن مجاهد قَالَ: ثناء حسنًا.

وقوله: وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ [١١١] وذُكِرَ أن بعض القراء قرأ: وأتباعك الأرذلونَ ولكني لَمْ أجده عَن القراء المعروفين وهو وجه حسن.

وقوله: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ [١٢٨] و (رَيْع) لغتان مثل الرِّيرِ والرار وهو المخّ الردئ.

وتقول رَاعَ الطَّعَامُ إِذَا كَانَ لَهُ رَيْعٌ .

وقوله: وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ [١٢٩] معناه: كيا تخلدوا.

وقوله: وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ [١٣٠] : تقتلونَ عَلَى الغضب. هَذَا قول الكلبي. وقال غيره (بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) بالسوط.

[قوله: خُلُقُ الْأَوَّلِينَ [١٣٧] وقراءة الْكِسَائي (خَلْق الأوَّلِينَ) قَالَ الفراء: وقراءتي (خلق الأولين) فمن قرأ (خلق) يقول: اختلاقهم وكذبهم ومن قرأ (خلق الأولين) يقول: عادة الأولين أي وراثة أبيكَ عَن أول. والعربُ تَقُولُ: حَدِّثنا بأحاديث الْخَلْق وهي الخرافات المفتعلة وأشباهها فلذلك اخترت الخلق. الفراء ٢/ ٢٨١الفراء ٢/ ٢٨١

وقوله: هَضِيمٌ [١٤٨] يقول: مادام فِي كوافيره وهو الطَّلْع. والعرب تُسَمِّي الطلع الْكُفُرِّي والكوافِيرُ واحدته كافورة، وكُفُراةٌ واحدة الْكُفُرّي.

وقوله: بُيُوتاً فارِهِينَ [١٤٩] حَاذِقينَ و (فَرِهينَ) أشِرِين.

وقوله: إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ [١٥٣] قالوا لَهُ: لست بِمَلك إنّما أنت بشر مثلنا. والمسحّر:

المجوّف، كأنه- والله أعلم- من قولك: انتفخ سَحْركَ أي أنك تأكل الطعام والشراب وتُسَحّر بِهِ وتعلّل. وقال الشاعر :

فإن تسألينا فيم نحنُ فإنّنا ... عصافير من هذا الأنام المسحّر

١٣٤ ب/ يريدُ: المعَلَّل والمخدوع. ونرى أنّ الساحر من ذلك أخذ.

وقوله: لَها شِرْبٌ [١٥٥] لَهَا حظ من الماء. والشِّرْب والشُّرْب مصدران. وقد قالت العرب:

آخرها أقلّها شُرْبًا وَشِرْبًا وَشَرْبًا.

وقوله: وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ [١٦٦] ما جعلَ لكم من الفروج. وَفِي قراءة عبد الله (ما أصلح لكم ربكم) .

وقوله: إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ [١٧١] والغابرون الباقون. ومن ذَلِكَ قول الشاعر: وهو الحارث بن حِلِّزَة:

لا تكْسَعِ الشَّوْلَ بأغبارهَا ... إنّك لا تدرى من الناتج الأغبارها هنا بقايا اللبن فِي ضروع الإبل وغيرها، واحدها غُبْر. قَالَ وأنشدني بعض بني أسد وهو أَبُو الْقَمْقام: الفراء ٢/ ٢٨٢الفراء ٢/ ٢٨٢

تَذُبُّ منها كُلَّ حَيزَبُونِ ... مَانِعَةٍ لغبرها زبون

وقوله: وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ [١٨٤] قرأها عَاصِم والأعمش بكسر الجيم وتشديد اللام، ورفعها آخرون. واللام مشدّدة فِي القولين: (وَالْجِبِلَّةَ) .

وقوله: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ [١٩٧] يقول: يعلمونَ عِلْم مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نبي فِي كتابِهم. (الآية) منصوبة و (أن) فِي موضع رفع. ولو قلت:

أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ آيةٌ) بالرفع (أَنْ يعلمه) تجعل (أنْ) فِي موضع نصب لَجازَ ذَلِكَ.

وقوله: وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ [١٩٨] الأعجم فِي لسانه. والأعجمي المنسوب إلى أصله إلى العجم وإن كَانَ فصيحًا. ومن قَالَ: أعجم قال للمرأة عجماء إِذَا لَمْ تُحْسن العربية ويَجوز أن تَقُولُ عَجَمي تريد أعجمي تنسبه إلى أصله.

وقوله: كَذلِكَ سَلَكْناهُ [٢٠٠] يقول: سلكنا التكذيب فِي قلوب المجرمين كي لا يؤمنوا بِهِ (حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ) وإن كَانَ موقع كي فِي مثل هَذَا (لا) وأن جميعًا صلح الجزم فِي (لا) والرفع. والعربُ تَقُولُ: ربطت الفرس لا يتفَلَّتْ جزمًا ورفعًا. وأوثقت العبد لا يَفِرر جزمًا ورفعًا. وإنما جزم لأن تأويله إن لَمْ أربطه فَرَّ فجزم عَلَى التأويل. أنشدني بعضُ بني عُقَيْلٍ:

وحتى رأينا أحسن الفعل بيننا ... مساكتة لا يقرف الشرّ قارف يُنْشَدُ رفعًا وجزمًا. وقال آخر: الفراء ٢/ ٢٨٣الفراء ٢/ ٢٨٣

لو كنتَ إذ جئتنا حَاولت رُؤْيتنا ... أو جئتنا ماشيًا لا يُعْرف الفرسُ

رفعًا وجزمًا وقوله:

لطالما حلأ نماها لا ترد ... فخلّياها والسِّجالَ تبتردْ

من ذَلِكَ.

وقوله: نَزَلَ بِهِ الرّوح الأمين [١٩٣] كذا قرأها القراء. وقرأها الأعمش وَعَاصِم والحسن (نَزَّلَ بِهِ) بالتشديد. ونصبوا (الرُّوحَ الأمِين) وهو جبريل (عَلى قَلْبِكَ) يتلوه عليك. ورَفع أهل المدينة (الرُّوحُ الْأَمِينُ) وخَفَّفُوا (نَزَلَ) وهما سواء فِي المعنى.

وقوله: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [١٩٦] وإنّ هَذَا القرآن لفي بَعض زُبُر الأولين وكتبهم.

فقال: (فى زبر) وإنَّما هُوَ فِي بعضها، وَذَلِكَ واسع لأنك تَقُولُ: ذهب الناس وإنما ذهب بعضهم.

وقوله: إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ [٢٠٨] .

وَفِي موضع آخر: (إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ) وقد فُسر هَذَا.

وقوله: ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ [٢٠٩] ذكرى فِي موضع نصب أي ينذرونهم تذكرة وذِكْرى. ولو قلت: (ذِكْرى) فِي موضع رفع أصبت، أي: ذَلِكَ ذكرى، وتلك ذكرى.

وقوله: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ [٢١٠] ترفع النون. الفراء ٢/ ٢٨٤الفراء ٢/ ٢٨٤

قَالَ الفراء: وجاء عَن الْحَسَن (الشياطون) وكأنه من غلط الشيخ ظنّ أنه بِمنزلة المسلمين والمسلمون.

وقوله: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [٢١٢] يعني الشياطين برجْم الكواكب.

وقوله: يَراكَ حِينَ تَقُومُ

[٢١٨] وتقلّبك فى السّاجدين [٢١٩] يقول: يرى تقلبك ١٣٥ افى المصلين. وتقلّبه قيامُهُ وركوعُهُ وسُجُوده.

وقوله: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ [٢٢١] كانت الشياطين قبل أن تُرجم تأتي الكهنة مثل مسيلمة الكذاب وطُليحة وسجاح فيُلقونَ إليهم بعض ما يسمعون ويكذبون. فذلك

(يُلْقُون) إلى كهنتهم (السّمع) الذي سمعوا (وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ) .

وقوله: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ [٢٢٤] نزلت فِي ابن الزّبَعْري وأشباهه لأنهم كانوا يهجون النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمين.

وقوله: (يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ) غُواتهم الَّذِينَ يرونَ سَبَّ النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَام.

ثُمَّ استثنى شعراء المسلمين فقال: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [٢٢٧] لأنهم رَدُّوا عليهم: فذلك قوله:

(وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا) وقد قرئت (يتّبعهم الغاوون) و (يتبعهم ) وكل صواب.

[ومن سورة النمل]

تلك آيات القرآن وكتاب مبين. خَفْض (وَكِتابٍ مُبِينٍ) يريد: وآيات كتاب مبين، ولو قرىء (وكتابٌ مبينٌ) بالردّ عَلَى الآيات يريد: وَذَلِكَ كتاب مبين. ولو كان نصبا عَلَى المدح كما يُقال: مررت عَلَى رجل جَميل وطويلًا شَرْمَحًا ، فهذا وجه، والمدحُ مثل قوله: الفراء ٢/ ٢٨٥الفراء ٢/ ٢٨٥

إلى الملك القرم وابنِ الْهُمَام ... وليثَ الْكَتِيبة فِي المزدَحَمْ

والمدح تنصب معرفته ونكرته.

وقوله: هُدىً وَبُشْرى [٢] رفع. وإن شئت نصبت. النصب عَلَى القطع ، والرفع عَلَى الاستئناف. ومثله فِي البقرة: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) وفى لقمان: (هدى ورحمة) للمحسنين) مثله.

وقوله: أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ [٧] نوَّن عَاصِم والأعمش فِي الشهاب والقبس، وأضافه أهل المدينة: (بِشِهابٍ قَبَسٍ) وهو بمنزلة قوله: (وَلَدارُ الْآخِرَةِ) مِمّا يُضاف إلى اسمه إِذَا اختلف أسماؤه .

وقوله: نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ [٨] تجعل (أَنْ) فِي موضع نصب إِذَا أضمرت اسم موسى فِي (نُودِيَ) وإن لَمْ تُضمر اسم موسى كانت (أن) فِي موضع رفع: نودي ذَلِكَ . وَفِي حرف أُبَيّ:

(أَنْ بُورِكَتِ النار) (وَمَنْ حَوْلَها) يعني الملائكة. والعربُ تَقُولُ: باركك الله وبارك فيك وبارك عليك. الفراء ٢/ ٢٨٦الفراء ٢/ ٢٨٦

وقوله: إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ [٩] هَذِه الْهَاء هَاء عِمَاد. وهو اسم لا يظهر. وقد فسّر. وقوله: [كَأَنَّها جَانٌّ [١٠] ] الجانّ: الحيَّة: التي ليست بالعظيمة ولا الصغيرة. وقوله: (وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ) :

لَمْ يلتفت.

وقوله: (إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) ثُمَّ استثنى فقال: (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ) ثُمَّ بدّل حسنا بعد سوء) [١١] فهذا مغفورٌ لَهُ. فيقول القائل. كيف صُيِّرَ خائفا؟ قلت: فى هذه وجهان: أحدهما أن تَقُولُ:

إن الرّسَل معصُومة مغفورٌ لَهَا آمنة يوم القيامة. ومن خلطَ عَمَلًا صالِحًا وآخر سَيّئًا فهو يَخاف ويرجو:

فهذا وجه. والآخر أن تجعل الاستثناء من الَّذِينَ تُركوا فِي الكلمة لأن المعنى: لا يخافُ المرسلونَ إنما الخوف عَلَى غيرهم.

ثُمَّ استثنى فقال: إلّا من ظلم فإن هَذَا لا يخاف يقول: كَانَ مشركًا فتابَ وعمل حَسَنًا فذلك مغفورٌ لَهُ لَيْسَ بِخائف.

وقد قَالَ بعضُ النحويين: إن (إلا) فِي اللغة بِمنزلة الواو، وإنّما مَعْنَى هَذَه الآية: لا يَخافُ لَديّ المرسلونَ ولا من ظلم ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا. وَجَعلوا مثله قول الله: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي ولا الَّذِينَ ظلموا. ولم أجد العربية تحتمل ما قالوا، لأني لا أجيزُ قام الناس إلا عبد الله، وهو قائم إنما الاستثناء أن يخرج الاسم الَّذِي بعد إلا من معنى الأسماء قبل إلا. وقد أُرَاهُ جائزًا أن تَقُولَ: عليك ألف سوى ألف آخر، فإن وضعت (إِلَّا) فِي هَذَا الموضع صَلَحت وكانت (إِلا) فِي تأويل مَا قالوا. فأمّا مجرّدة ١٣٥ ب قد استُثني قليلها من كثيرها فلا. ولكن مثله مما يكون فِي معنى إلا كمعنى الواو وليست بها. الفراء ٢/ ٢٨٧الفراء ٢/ ٢٨٧

قوله: (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) هُوَ فِي المعنى:

إلا الَّذِي شاء ربك من الزيادة. فلا تجعل إلا (فِي منزلة) الواو ولكن بمنزلة سِوَى. فإذا كانت سوى فِي موضع إلا صلحت بِمعنى الواو لأنك تَقُولُ: عندي مال كَثِير سوى هَذَا أي وهذا عندي كأنك قلت: عندي مالٌ كَثِير وهذا. وهو فِي سوى أنفذ منه فِي إلا لأنك قد تَقُولُ: عندي سوَى هَذَا، ولا تقول: إلّا هذا.

وقوله: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ [١٢] معناهُ: افعل هَذَا فهي آية فِي تسع. ثم قال (إِلى فِرْعَوْنَ) ولم يقل: مرسل ولا مبعوث لأن شأنه معروف أَنَّهُ مبعوث إلى فرعون. وقد قَالَ الشاعر:

رأتني بحبليها فصَدَّت مخافةً ... وَفِي الحبل رَوْعَاء الفؤاد فَرُوق

أراد: رأتني أقبلت بحبليها: بحبلي النّاقة فأضمرَ فعلًا، كأنه قَالَ: رأتني مقبلا.

وقوله (وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً) نصب بإضمار (أرسلنا) .

وقوله: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا [١٤] يقول: جحدوا بالآيات التسع بعد ما استيقنتها أنفسهم أنّها من عند الله، ظلمًا وَعُلُوًّا. وَفِي قراءة عَبْدِ الله (ظُلْمًا وَعُليًّا) مثل قوله:

(وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) و (عتيّا) .

وقوله: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [١٦] كان لداوود- فيما ذكروا- تسعة عشر ولدًا ذكرًا، وإنّما خُصَّ سُلَيْمَان بالوراثة لأنها وراثة الْمُلك.

وقوله (عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ) : معنى كلام الطير، فجعله كمنطق الرجل إذ فهم، وقد قال الشاعر: الفراء ٢/ ٢٨٨الفراء ٢/ ٢٨٨

عجبتُ لَهَا أَنَّى يكون غِناؤها ... رَفيعًا ولم تَفتح بِمنطقها فما

فجعله الشاعر كالكلام لَمّا ذهبَ بِهِ إلى أنها تبكي.

وقوله: وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [١٧] كانت هَذِه الأصناف مع سُلَيْمَان إِذَا ركب (فَهُمْ يُوزَعُونَ) يُرد أولهم عَلَى آخرهم حَتَّى يَجتمعوا. وهي من وزعت الرجل، تَقُولُ: لأزعَنَّكم عَن الظلم فهذا من ذلك.

وأمّا قوله: أَوْزِعْنِي [١٩] فمعناه: ألهمنى.

وقوله: فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ [٢٢] قرأها الناس بالضم، وقرأها عَاصِم بالفتح: فَمَكَثَ. وهي فِي قراءة عبد الله (فتمكَّث) ومعنى (غَيْرَ بَعِيدٍ) غير طويل من الإقامة. والبعيد والطويل متقاربان.

وقوله (فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ) قَالَ بعض العرب: أَحَطُّ فأدخل الطَّاء مكانَ التاء. والعربُ إِذَا لقيت الطاءُ التاء فسكنت الطَّاء قبلها صيَّروا الطَّاء تاء، فيقولون: أَحَتُّ، كما يحوّلونَ الظاء تاء فِي قوله (أَوَعَتَّ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ) والذال والدال تاء مثل (أَخَتُّمْ) ورأيتُها فِي بعض مصاحف عبد الله (وَأَخَتُّمْ) ومن العرب من يُحَوِّلُ التاء إِذَا كانت بعد الطَّاء طاء فيقول: أَحَط.

وقوله (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) القراء عَلَى إجراء (سَبأ) لأنه- فيما ذكروا- رجل وكذلك فأجره إن كَانَ اسمًا لجبل. ولم يُجرِهِ أَبُو عمرو بن العلاء. وزعم الرؤاسيّ أَنَّهُ سأل أبا عَمْرو عَنْهُ فقال: لست أدري ما هُوَ. وقد ذهبَ مذهبًا إذ لَمْ يَدْر ما هُوَ لأن العرب إِذَا سمَّت بالاسم المجهول تركوا إجراءه كما قال الأعشى: الفراء ٢/ ٢٨٩الفراء ٢/ ٢٨٩

وتدفن منه الصّالحات وإن يسىء ... يكن ما أساء النارَ فِي رأسِ كَبْكَبا

١٣٦ افكأنه جهل الكبكَبَ. وسَمعت أبا السَّفاح السَّلُولي يقول: هَذَا أَبُو صُعْرورَ قد جاء، فلم يُجره لأنه لَيْسَ من عادتهم فِي التسمية.

قَالَ الفرّاء: الصعرور شبيه بالصمغ.

وقال الشاعر فِي إجْرائه:

الواردونَ وتيم فِي ذرا سبإ ... قد عض أعناقهم جلد الجواميس

ولو جعلته اسمًا للقبيلة إن كَانَ رجلًا أو جعلته اسمًا لِمَا حوله إن كَانَ جبلًا لَمْ تُجره أيضًا.

وقوله: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ [٢٥] تقرأ (ألّا يَسْجدوا) ويكون (يَسْجُدُوا) فِي موضع نصب، كذلك قرأها حَمْزَةُ. وقرأها أَبُو عبد الرحمن السلمي والحسن وحُمَيْد الأعرج مخففة (أَلَا يَسْجُدُوا) عَلَى معنى أَلَا يا هَؤُلَاءِ اسْجُدُوا فيضمر هَؤُلَاءِ، ويكتفي منها بقوله (يا) قَالَ: وسمعتُ بعض العرب يقول: أَلَا يا ارحمانا، أَلَا يا تَصَدَّقا علينا قَالَ: يعنيني وزميلي.

وقال الشاعر- وهو الأخطل-

ألا يا اسلمي يا هند هندَ بني بَدْر ... وإن كَانَ حَيَّانَا عِدًى آخِر الدهر

حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي بعضُ المشيخة- وهو الْكِسَائي- عَن عيسى الهمداني قَالَ: ما كنت أسمع المشيخة يقرءونها إلا بالتخفيف عَلَى نية الأمر. وهي فِي قراءة عبد الله (هَلّا تَسجدونَ لله) بالتاء فهذه حُجّة لمن خَفّف. وَفِي قراءة أُبَيّ (أَلَا تَسْجدونَ لله الَّذِي يعلم سِرّكم وما تَعلنون) وهو وجه الكلام لأنها سَجدة ومن قرأ (أَلّا يَسْجُدوا) فشدّد فلا ينبغي لَهَا أن تكون سجدة لأن المعنى: زين لهم الشيطان ألّا يسجدوا والله أعلم بذلك. الفراء ٢/ ٢٩٠الفراء ٢/ ٢٩٠

وقوله (يُخْرِجُ الْخَبْءَ) مهموز. وهو الغيب غيبُ السموات وغيب الأرض. ويُقال: هُوَ الماء الَّذِي يَنزلُ من السماء والنبت من الأرض وهي فِي قراءة عبد الله (يخرج الخبء من السّموات) وصلحت (فِي) مكان (من) لأنك تَقُولُ: لأستخرجنّ العلم الَّذِي فيكم منكم، ثُمَّ تُحذف أيّهما شئت أعنى (من) و (فى) فيكون المعنى قائِمًا عَلَى حالِه.

وقوله: ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ [٢٨] يقول القائل: كيف أمره أن يتولّى عنهم وقد قال (فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ) وَذَلِكَ فِي العربية بيّن أَنَّهُ استحثّه فَقَالَ: اذهب بكتابي هذا وعجّل ثم أخّر (فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ) ومعناها التقديم. ويقال: إنه أمر الهدهد أن يُلقي الكتاب ثُمَّ يتوارى عنها ففعل: ألقى الكتاب وطار إلى كوة فِي مجلسها. والله أعلم بصواب ذَلِكَ.

وقوله: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ [٢٩] جعلته كريمًا لأنه كَانَ مختومًا، كذلك حُدّثت.

ويُقال: وصفت الكتاب بالكرم لقومها لأنها رأت كتابَ مَلِكٍ عندها فجعلته كريمًا لكرم صاحبه.

ويُقال: إنها قالت (كَرِيمٌ) قبل أن تعلم أَنَّهُ من سُلَيْمَان. وما يعجبني ذَلِكَ لأنها كانت قارئة قد قرأت الكتاب قبل أن تخرج إلى ملئها.

وقوله: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [٣٠] مكسورتانِ أعني إنّ وإنّ. ولو فُتحتا جَميعًا كان جائزا، على قولك: أُلقِيَ إليّ أَنَّهُ من سُلَيْمَان وأنه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فموضعهما رفع عَلَى التكرير عَلَى الكتاب: ألقي إليّ أَنَّهُ من سُلَيْمَان وإن شئت كانتا فِي موضع نصب لسقوط الخافض منهما. وهي فِي قراءة أُبَيّ (وَأَنْ بِسمِ الله الرحمن الرحيم) ففي ذَلِكَ حُجّة لِمن فتحهما لأن (أَنْ) إِذَا فُتِحَت ألقها مع الفعل أو ما يُحكى لَمْ تكن إلّا مخفّفة النون.

وأما قوله: أَلَّا تَعْلُوا [٣١] فألفها مفتوحة لا يَجوز كسرها. وهي فِي موضع رفع إِذَا كررتها عَلَى (أُلْقِيَ) ونصب عَلَى: ألقِي إلى الكتاب بذا، وألقيت الباء فنصبت. وهي فِي قراءة عبد الله (وإنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) فهذا يدلُ عَلَى الكسر لأنها معطوفة عَلَى: إنى ألقى إليّ وإنه من سُلَيْمَان. ويكون فِي قراءة أُبَيّ أن تجعل (أَن) التي فِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هي (أن) التي فِي قوله (أَنْ لا تَعْلُوا عَلَى) كأنها فِي المعنى. ألقي إليّ أن لا تعلوا عليّ. فلمّا وُضعت فِي (بسم الله) كُرِّرت عَلَى موضعها فِي (أَنْ لا تَعْلُوا) كما قَالَ الله (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ) فأنكم مكررة ومعناها واحد والله أعلم. ألا ترى أن المعنى: أيعدكم أنكم مخرجونَ إِذَا كنتم ترابا وعظاما. الفراء ٢/ ٢٩١الفراء ٢/ ٢٩١

وقوله: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي [٣٢] جعلت المشورة فُتْيا. وَذَلِكَ جائز لسعة العربية.

وقوله (ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً) وَفِي قراءة عبد الله (ما كنتُ قاضيةً أمرا) والمعنى واحد. تَقُولُ لا أقطع أمرًا دونَكَ، ولا أقضي أمرًا دونكَ.

وقوله: قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً [٣٤] جواب لقولهم (نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ) فقالت: إِنّهم إن دخلوا بلادكم أذلوكم وأنتم ملوك. فقال الله (وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ) .

وقوله: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ [٣٥] نقصت الألف من قوله (بِمَ) لأنها فِي معنى بأي شيء يرجع المرسلون وإذا كانت (مَا) فِي موضع (أيّ) ثُمَّ وصلت بحرف خافض نُقصت الألف من (ما) ليعرف الاستفهام من الخبر. ومن ذَلِكَ قوله: (فِيمَ كُنْتُمْ) و (عَمَّ يَتَساءَلُونَ ) وإن أتممتها فصواب. وأنشدنى المفضّل:

إنا قتلنا بقتلانا سَراتكم ... أهلَ اللِّوَاءِ ففِيما يكثر الْقِيلُ

وأنشدني المفضَّل أيضًا:

عَلَى ما قام يشتمنَا لَئِيمٌ ... كخنزير تمرَّغ فِي رماد وقوله: إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ [٣٥] وهي تعني سُلَيْمَان كقوله (عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ) وقالت (بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ) وَكَانَ رسولُها- فيما ذكروا- امرأة واحدة فجمعت وإنما هُوَ رسول، لذلك قال (فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ) يريد: فلما جاء الرسول سُلَيْمَان، وهي فِي قراءة عبد الله (فلما جاءوا سُلَيْمَان) لِمَا قَالَ (الْمُرْسَلُونَ) صلح (جاءوا) وصلح (جاء) لأن المرسل كَانَ واحدًا. الفراء ٢/ ٢٩٢الفراء ٢/ ٢٩٢

يدلّ عَلَى ذَلِكَ قول سليمان (ارْجِعْ إِلَيْهِمْ) .

وقوله: لا قِبَلَ لَهُمْ بِها [٣٧] وهي فِي مصحف عبد الله (لَهُمْ بهم) وهو سَواء.

وقوله: أَتُمِدُّونني بِمَالٍ [٣٦] هي فِي قراءة عبد الله بنونين وباء مثبتة. وقرأها حَمْزَةُ.

(أَتُمِدُّونِّي بِمالٍ) يريد قراءة عبد الله فأدغم النون فِي النون فَشَدَّدَها. وقرأ عَاصِم بن أبي النَّجُود (أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ) بنونين بغير ياء. وكلٌّ صَواب.

وقوله: (فما آتَانِ اللهُ) ولم يقل (فَما آتانِيَ اللَّهُ) لأنها محذوفة الياء من الكتاب. فمَنْ كَانَ ممن يستجيز الزيادة فِي القرآن من الياء والواو اللاتي يحذفن مثل قوله (وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ) فيثبتُ الواو وليست فِي المصحف، أو يقول المنادى للمناد جاز له أن يقول فى (أَتُمِدُّونَنِ) بإثبات الياء، وجاز لَهُ أن يُحرّكها إلى ١٣٧ االنصب كما قيل (وَما لِيَ لا أَعْبُدُ) فكذلك يجوز (فَما آتانِيَ اللَّهُ) ولست أشتهي ذَلِكَ ولا آخذ بِهِ. اتّباعُ المصحف إِذَا وجدتُ لَهُ وجهًا من كلام العرب وقراءة القرّاء أحَبُّ إليّ من خلافه. وقد كَانَ أَبُو عَمْرو يقرأ (إِنَّ هذينِ لساحران) ولست أجترئ عَلَى ذَلِكَ وقرأ (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُونَ) فزاد وَاوًا فِي الكتاب. ولست أَسْتحبُّ ذَلِكَ. الفراء ٢/ ٢٩٣الفراء ٢/ ٢٩٣

قوله: ارْجِعْ إِلَيْهِمْ [٣٧] هَذَا من قول سُلَيْمَان لرسولها، يعني بلقيس. وَفِي قراءة عبد الله (ارجعوا إليهم) وهو صَوَاب عَلَى ما فسّرت لك من قوله (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ) من الذهاب بالواحد إلى الَّذِينَ مَعَهُ، فِي كثيرٍ من الكلام.

وقوله: عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ [٣٩] والعِفريت: القويّ النافذ. ومن العرب من يقول للعفريت: عِفْرية. فمن قَالَ: عِفْرِية قَالَ فِي جمعه: عَفَارٍ . ومنْ قالَ: عِفْريت قَالَ: عفاريت وَجَازَ أن يقول: عَفَارٍ وَفِي إحدى القراءتين (وَمَا أُهِلَّ بِهِ للطواغِي) يريد جمع الطاغوت.

وقوله (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ) يعني أن يقوم من مجلس القضاء. وَكَانَ يجلس إلى نصف النهار. فقال: أريد أعجل (من ذَلِكَ) .

وقوله: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [٤٠] يقول: قبل أن يأتيك الشيء من مدّ بصرك فقال ابن عباس في قوله (عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ) (يا حَيُّ يا قيُّوم) فذُكِرَ أنّ عرشها غارفى موضعه ثُمَّ نَبَع عند مجلس سُلَيْمَان.

وأمّا قوله: نَكِّرُوا لَها عَرْشَها [٤١] فإنه أمرهم بتوسعته ليمتحِنَ عقلها إِذَا جاءت. وَكَانَ الشياطين قد خافت أن يتزوَّجَها سُلَيْمَان فقالوا: إن فِي عقلها شيئًا، وإن رِجْلها كرجل الحمارِ: فأمر سُلَيْمَان بتغيير العرش لذلك، وأمر بالماء فأجري من تحت الصَّرْح وَفِيهِ السمك. فلمّا جاءت قيل لها (أَهكَذا عَرْشُكِ) فعرفت وأنكرت. فلم تقل، هُوَ هُوَ، ولا ليس به. فقالت (كَأَنَّهُ هُوَ) ثُمَّ رفعت ثوبَها عَن ساقيها، وظنّت أنها تسلكُ لُجَّةً، واللُّجَّة: الماء الكثير. فنظر إلى أحسن ساقين ورجلين: وَفِي قراءة عبد الله (وَكَشَفَتْ عَنْ رِجْلَيْهَا) . الفراء ٢/ ٢٩٤الفراء ٢/ ٢٩٤

وقوله: وَصَدَّها مَا كانَتْ تَعْبُدُ [٤٣] يَقولُ: هي عاقلة وإنّما صدها عَن عبادة الله عبادة الشمس والقمر. وَكَانَ عادة من دين آبائها، معنى الكلام: صدّها من أن تعبد الله ما كانت تعبدُ أي عبادتها الشمس والقمر. و (ما) فِي موضع رفعٍ. وقد قبلَ: (إن صدَّها) منَعَها سُلَيْمَان ما كانت تعبد. موضع (ما) نصب لأن الفعل لسليمان. وقال بعضهم: الفعل لله تعالى: صَدَّهَا الله ما كانت تعبد.

وقوله: (إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ) كُسرت الألف عَلَى الاستئناف. ولو قرأ قارئ (أنَّها) يردّهُ عَلَى موضع (ما) فِي رفعِه: صدّها عَن عبادة الله أنها كانت من قوم كافرين. وهو كقولك: منعني من زيارتك ما كنت فِيهِ من الشغل: أنَى كنت أغدُو وأروح. فأنّ مفسّرة لِمعنى ما كنت فيه من الشغل.

وقوله: فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ [٤٥] ومعنى (يَخْتَصِمُونَ) مختلفون : مؤمن ومُكذب.

وقوله: قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ [٤٧] يقول: فِي اللوح المحفوظ عند الله. تشاءمون بي وتَطَيَّرُونَ بي، وَذَلِكَ كله من عند الله. وهو بمنزلة قوله (قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ) أي لازم لكم ما كَانَ من خيرٍ أو شَر فهو فِي رقابكم لازم. وقد بيّنه الله فِي قوله (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) . الفراء ٢/ ٢٩٥الفراء ٢/ ٢٩٥

وقوله: قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ [٤٩] وهي فِي قراءة عبد الله (تَقاسَمُوا بِاللَّهِ) ليس فيها (قالوا) .

وقوله: (لَنُبَيِّتَنَّهُ) التاء والنون والياء كلّ قد قرىء به فمن قال (تَقاسَمُوا) فجعل (تَقاسَمُوا) خبرًا فكأنه قَالَ: قالوا متقاسمين: لنُبَيِّتَنَّهُ بالنون. ثُمَّ يَجوز الياء عَلَى هَذَا المعنى فتقول: قالوا ليبيتُنّه بالياء، كما تَقُولُ: قالوا لنقومنّ وليقومنّ. ومن قال: تقاسموا فجعلها فِي موضع جَزْمِ فكأنه قَالَ: تحالفوا وأقسموا لتبيّتنه بالتاء والنون تجوز من هَذَا الوجه لأن الَّذِي قَالَ لَهُم تَقاسموا معهم فِي الفعل داخل، وإن كَانَ قد أمرهم ألا ترى أنك تَقُولُ: قومُوا نذهب إلى فلان، لأنه أمرهم وهو معهم فِي الفعل. فالنون أعجب الوجوه إليّ، وإن الْكِسَائي يقرأ بالتاء، والعوامّ عَلَى النون.

وهي فِي قراءة عبد الله (تَقاسَمُوا) (ثُمَّ لنُقْسِمَنَّ ما شَهِدْنَا مَهْلِكَ أهله) وقد قَالَ الله (تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ) لأنهم دَعوهم ليفعلوا جَميعًا ما دَعَوا إِلَيْهِ. وقرأها أهل المدينة وَعَاصِم والحسن بالنون، وأصحابُ عبد الله بالتاء. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي سفيان ابن عيينة عَن حميد الأعرج عَن مجاهد أَنَّهُ قرأ (ليُبَيِّتُنَّهُ) باليَاء.

وقوله: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ [٥١] تقرأ بالكسر عَلَى الاستئناف مثل قوله: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ) يستأنف وهو يفسر بِهِ ما قبله وإن ردّه عَلَى إعراب ما قبله قَالَ (أَنَّا) بالفتح فتكون (أَنَّا) فِي مَوْضِع رفع، تجعلها تابعة للعاقبة.

وإن شئت جَعَلتها نصبًا من جهتين: إحداهما أن تردَّها عَلَى موضع (كيف) والأخرى أن تَكُرَّ (كَانَ) كأنّك قلت: كَانَ عاقبة مكرهم تدميرنا إيَّاهم. وإن شئت جَعَلتها كلمةً واحدة فجعلت (أَنَّا) فِي موضع نصبٍ كأنّك قلت: فانظر كيف كَانَ عاقبة مكرهم تدميرنا إياهم. وقوله: وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ تعلمون أنها فاحشة. الفراء ٢/ ٢٩٦الفراء ٢/ ٢٩٦

وقوله: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى [٥٩] .

قيل للوط: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) على هلاك من هلك (وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى) (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا تُشْرِكُون) يقول: أعبادةُ الله خير أم عبادة الأصنام:

وقوله: فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ [٦٠] فقال: (ذاتَ) ولم يقل: ذوات وكل صواب.

وإنّما جازَ أن يقول (ذات) للحدائق وهي جمع لأنك تَقُولُ، هَذِه حدائق كما تَقُولُ: هذه حديقة.

ومثله قول الله (وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) ولم يقل الحسن و (الْقُرُونِ الْأُولى ) ولو كانت حدائق ذوات بَهجة كَانَ صوابًا. وقال الأعشى فِي توحيدها:

فسوف يُعقبُنيهِ إن ظفرت بِهِ ... ربٌّ غفورٌ وبِيض ذات أطهار

ولم يقل: ذوات أطهار. وإنما يُقال: حديقة لكل بستان عَلَيْهِ حَائط. فما لَمْ يكن عَلَيْهِ حائط لَمْ يقل لَهُ: حديقة.

وقوله: (أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ) مردود على قوله (أَمَّنْ خَلَقَ) كذا وكذا. ثُمَّ قَالَ (أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ) خلَقَه. وإن شئت جعلت رفعه بِمع كقولك: أمع الله ويلكم إله! ولو جاء نصبًا أإلَهًا مع الله عَلَى أن تضمر فعلًا يكون بِهِ النصب كقولك: أتجعلونَ إلهًا مع الله، أو أتتّخذونَ إلهًا مع الله.

والعربُ تَقُولُ: أثعلبًا وتفرّ كأنهم أرادوا: أتُرَى ثعلبًا وتَفِرّ. وقال بعض الشعراء:

أَعبدًا حلَّ فِي شعبى غريبا ... ألؤما لا أبالك واغترابَا

يريد: أتجمع اللؤم والاغتراب. وسمعت بعض العرب يقول لأسير أسره ليلا، فلمّا ١٣٨ ا أصبح رَآه أسود، فقال أعبدًا سائر الليلة، كأنه قَالَ: ألا أراني أسَرْت عبدًا منذ ليلتى. وقال آخر: الفراء ٢/ ٢٩٧الفراء ٢/ ٢٩٧

أجخفا تميميًّا إِذَا فتنة خَبَتْ ... وجُبْنًا إِذَا ما المشرفيّة سُلَّت

فهذا فِي كل تعجُّب خَاطَبُوا صاحبه، فإذا كَانَ يتعجب من شيء ويُخاطب غيره أعملوا الفعل فقالوا: أثعلب ورجل يفرّ منه، لأن هَذَا خطاب لغير صاحب الثعلب. ولو نصب عَلَى قوله أيفرّ رَجُل من ثعلب فتجعل العطف كأنه السَّابق. يُبْنَى عَلَى هذا. وسمعتُ بعض بني عُقَيل ينشد لِمجنون بني عَامِر:

أألبرق أم نارا لليلى بدت لنَا ... بِمُنْخَرقٍ من سَارياتِ الجنائبِ

وأنشدني فيها:

بَلِ البرقَ يبدو فِي ذرَى دفئية ... يضيء نشاصًا مشمخرّ الْغَواربِ

وأنشدني فيها:

ولو نارَ ليلى بالشريف بدت لنا ... لحُبَّت إلينا نارُ من لَمْ يصاقِب

فنصب كل هَذَا ومعه فعله عَلَى إضمار فعل منه، كأنه قَالَ أأرى نارًا بَلْ أرى البرق. وكأنه قَالَ.

ولو رأيتُ نار ليلى. وكذلك الآيتان الآخريان فِي قوله (أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ) .

وقوله: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [٦٥] رفعت ما بعد (إلا) لأن فِي الَّذِي قبلها جحدًا وهو مرفوع. ولو نصبت كَانَ صوابًا. وَفِي إحدى القراءتين (ما فعلوهُ إلا قليلًا منهم) بالنصب. وَفِي قراءتنا بالرفع. وكل صواب، هَذَا إِذَا كَانَ الجحد الَّذِي قبل إلا مع أسماء معرفة فإذا كَانَ مع نكرة لَمْ يقولوا إلا الإتباع لِمَا قبل (إلّا) فيقولون: ما ذهب أحد إلّا أبوك، ولا يقولون: إلا أباكَ. وَذَلِكَ أن الأب كأنه خلف من أحد لأن ذا واحد وذا واحد فآثروا الإتباع، والمسألة الأولى ما قبل (إلا) جمع وما بعد (إلا) واحد منه أو بعضه، وليس بكلّه. الفراء ٢/ ٢٩٨الفراء ٢/ ٢٩٨

وقوله: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ) [٦٦] معناهُ: لعلَّهم تدارك علمهم. يقول: تتابع علمهم فِي الآخرة. يريد: بعلم الآخرة أنها تكون أو لا تكون، لذلك قَالَ (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ) وهي فِي قراءة أُبي (أَم تدارك عِلْمُهُم فِي الآخرة) بأَمْ. والعربُ تجعل (بَلْ) مكان (أم) و (أم) مكان (بل) إذا كان فى أوّل الكلام استفهام، مثل قول الشاعر:

فو الله ما أدْرِي أَسَلْمَى تَغَوّلَتْ ... أَمِ النَّوْمُ أَمْ كلّ إلى حَبيبُ

فمعناهن: بَلْ. وقد اختلف القراء فِي (ادّارك) فقرأ يَحْيَى والحسن وشيبة وَنَافِع (بَلِ ادَّاركَ) وقرأ مُجاهد وَأَبُو جَعْفَر المدني (بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخرة) من أدركت ومَعناهُ، كأنه قَالَ: هَلْ أدرك علمهم علم الآخرة. وبلغني عَن ابن عباس أَنَّهُ قرأ (بَلَى أَدَّارك) يستفهم ويشدد الدَّال ويَجعل فِي (بَلى) ياء. وهو وجه جيد لأنه أَشبه بالاستهزاء بأهل الجحد كقولك للرجل تكذبه: بَلَى لعمري لقد أدركت السلف فأنت تروي ما لا نروي وأنت تكذبه.

وقرأ القراء أإنّا لمخرجون [٦٧] و (إنَّنَا) وهي فِي مصاحف أهل الشام (إنَّنا) .

وقوله: عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ: [٧٢] جاء فِي التفسير: دنا لكم بعضُ الَّذِي تستعجلون، فكأن اللام دخلت إِذْ كَانَ المعنى دنا كما قال الشاعر:

١٣٨ ب فقلت لَهَا الحاجَاتُ يطرحن بالفتى ... وهمٌّ تعَنّاني مُعَنًّى ركائبُهُ

فأدخل الباء فِي الفتى لأن معنى (يَطرحن) يرمين، وأنت تَقُولُ: رَميت بالشيء وطرحته، وتكون اللام داخلة: والمعنى ردفكم كما قَالَ بعضُ العرب: نفذت لَهَا مائة وهو يريد: نفذتها مائة. الفراء ٢/ ٢٩٩الفراء ٢/ ٢٩٩

وقوله: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [٧٦] وَذَلِكَ أن بني إسرائيل اختلفوا حَتَّى لَعَنَ بعضهم بعضًا، فقال الله: إنّ هَذَا القرآن ليقصّ عليهم الهدى مما اختلفوا فِيهِ لو أخذوا بِهِ:

وقوله: وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ [٨١] لو قلت بهادٍ العميَ كَانَ صوابًا. وقرأ حَمْزَةُ (ومَا أنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ عَن ضلالَتِهم) لأنها فِي قراءة عبد الله (وما إن تهدي العمي) وهما جحدان اجتمعا كما قَالَ الشاعر- وهو دريد بن الصمة-:

ما إنْ رَأَيْتُ ولا سَمعتُ بِهِ ... كاليوم طالِيَ أيْنق جرب

وقوله: وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ [٨٢] معناهُ إِذَا وجب السَّخط عليهم وهو كقوله (حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) فِي موضع آخر. وقوله (أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ) اجتمعَ القراء عَلَى تشديد (تكلّمهم) وهو من الكلام. وَحَدَّثَنِي بعضُ المحدثين أَنَّهُ قَالَ (تُكَلِّمهم) و (تَكْلِمُهم) وقوله (أن الناسَ) تفتح وتكسر. فمن فَتَحها أوقع عليها الكلام: تكلمهم بأن الناس، وموضعها نصب. وَفِي حرف عبد الله (بأن الناس) وَفِي حرف أبي (تُنَبِّئهم أن الناس) وهما حُجّة لمن فتح وأهل المدينة (تكلِّمُهُم إِنّ الناسَ) فتكون (إنّ) خبرًا مسْتأنفًا ولكنه معنى وقوع الكلام. ومثله (فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إلى طعامه) من قال (أنّا) جَعَله مخفوضًا مردودًا عَلَى الطعام إلى أَنَّا صببنا الماء. ومن كسره قَالَ: إنا أخبر بسبب الطعام كيف قدره الله.

وقوله: (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ) [٨٧] ولم يقل فيفزعُ، فجعل فَعَل مردودة عَلَى يفعل. الفراء ٢/ ٣٠٠الفراء ٢/ ٣٠٠

وَذَلِكَ أَنَّهُ فِي المعنى: وإذا نفخ فِي الصُّور ففزع ألا ترى أن قولك. أقوم يوم تقوم كقولك: أقوم إذا تقوم، فأجيبت بفَعَل، لأن فعل ويفعل تصلحان مع إِذَا. فإن قلت فأين جواب قوله (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فى الصّور) ؟ قلت: قد يكون فِي فَعَل مضمر مع الواو كأنه قَالَ: وَذَلِكَ يوم ينفخ فِي الصور.

وإن شئت قلت: جوابه متروك كما قَالَ (وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ) .

وقوله (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) [٨٧] قد تُرك جوابه. والله أعلم.

وقوله (وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ) الْقُرَّاء عَلَى تطويل الألف يريدونَ: فاعلوه. وقصرها حَمْزَةُ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ حَدَّثَنِي عِدَّةٌ مِنْهُمُ الْمُفَضَّلُ الضَّبِّيُّ وَقَيْسٌ وَأَبُو بَكْرٍ كُلُّهُمْ عَنْ جَحْشِ بْنِ زِيَادٍ الضَّبِّيِّ عَنْ تَمِيمِ بْنِ حَذْلَمٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ (وَكُلٌّ آتَوْهُ دَاخِرِينَ) بِتَطْوِيلِ الأَلِفِ. فَقَالَ (وَكُلٌّ أَتَوْهُ) بِغَيْرِ تَطْوِيلِ الأَلِفِ وهو وجه حسن مردود على قوله (فَفَزِعَ) كما تَقُولُ فِي الكلام: رآني ففرّ وَعَاد وهو صَاغِر. فكان ردُّ فَعَل عَلَى مثلها أعجب إليّ مع قراءة عبد الله. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ وَحَدَّثَنِي عبد الله بن إدريس عَن الأعمش عَن تَميم عَن عبد الله بِمثل حديث أبي بكر وأصحابه.

وقوله: وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [٨٩] قراءة القراء بالإضافة. فقالوا (وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ) و (يَوْمَئِذٍ) وقرأ عبد الله بن مسعود فِي إسنادٍ بعضهم بعض الَّذِي حدثتك (مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ) قرأها عليهم تَميم هكذا (وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ) فأخذها بالتنوين والنصب. والإضافة أعجبُ إليّ وإن كنت أقرأ بالنصب لأنه فَزَع معلوم، ألا ترى أَنَّهُ قَالَ (لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) فصيّره ١٣٩ امعرفة. فإن أضِيفَهُ فيكون معرفةً أعجبُ إليّ. وهو صواب.

وقوله: وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ [٩٢] وَفِي إحدى القراءتين (وَأَنِ اتْلُ) بغير واو مجزومة على جهة الأمر. قد أسقطت منها الواو للجزم عَلَى جهة الأمر كما قَالَ (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ) فجعل الواو مردودة بالنهي عَلَى حرف قد نصب بأن لأن المعنى يأتي فِي (أمرت) بالوجهين جَميعًا، ألا ترى أنك تَقُولُ: أَمَرْت عبد الله أن يقوم، وأَنْ قُمْ. وقال الله (وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ) فهذا مثل قوله (وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ) . الفراء ٢/ ٣٠١الفراء ٢/ ٣٠١

[ومن سورة القصص]

قوله: وَيَرَى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما [٦] هكذا قراءة أصحاب عبد الله بالياء والرفع.

والناس بعد يقرءونها بالنّون: (وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما) بالنصب. ولو قرئت بالياء ونصب فرعون، يريد: ويُرِيَ الله فرعونَ كَانَ الفعل لله. ولم أسمع أحدًا قرأ بِهِ.

وقوله: عَدُوًّا وَحَزَناً [٨] هذه لأصحاب عبد الله والعوامّ (حزنا) وكأن الْحُزْن الاسمُ والْغَمّ وما أشبهه، وكأن الحزن مصدر. وهما بمنزلة الْعُدم والعَدَم.

وقوله: وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ [٩] رفعت (قُرَّتُ عَيْنٍ) بإضمار (هُوَ) ومثله فِي القرآن كَثِير يرفع بالضمير.

وقوله: (لا تَقْتُلُوهُ) وَفِي قراءة عبد الله (لا تقتلوهُ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَك) وإنما ذكرت هَذَا لأني سَمِعْتُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ ابْنُ مَرْوَانَ السُّدِّيُّ يَذْكُرُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عبّاس أنه قال: إنها قالت (قرة عين لى ولك لا) وَهُوَ لَحْنٌ . وَيُقَوِّيكَ عَلَى رَدِّهِ قِرَاءَةُ عَبْدِ الله. الفراء ٢/ ٣٠٢الفراء ٢/ ٣٠٢

وقوله: (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) يعني بني إسرائيل. فهذا وجه . ويَجوز أن يكون هَذَا من قَوْل الله. وَهُمْ لا يشعرون بأن موسى هُوَ الَّذِي يسلبهم مُلكهم.

وقوله: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً [١٠] قد فَرَغَ لهمّه، فليس يَخلط هَمّ موسى شىء وقوله (إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ) يعني باسم موسى أَنَّهُ ابنُها وَذَلِكَ أن صدرها ضاقَ بقول آل فرعون: هُوَ ابن فرعون، فكادت تُبدي [بِهِ] أي تظهره. وَفِي قراءة عبد الله (إِنْ كادت لَتُشعِرُ بِهِ) وَحَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي يَحْيَى بِإِسْنَادٍ لَهُ أَنَّ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ قَرَأَ (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَزِعًا ) مِنَ الْفَزَعِ.

وقوله: وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ [١١] قصّى أثره. (فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ) . يقول: كانت على شاطىء البحر حَتَّى رأت آل فرعون قد التقطوه. وقوله (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) يعني آل فرعون لا يشعرون بأخته.

وقوله: وحرّمنا عليه المراضع يقول: منعناه من قبول ثدى إلّا ثدى أُمّه.

وقوله: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ [١٥] وإنّما قَالَ (عَلَى) ولم يقل: ودخل المدينة حين غفلة، وأنت تَقُولُ: دخلت المدينة حين غفل أهلها، ولا تَقُولُ: دخلتها عَلَى حين غفل أهلها. وَذَلِكَ أن الغفلة كانت تُجزئ من الحين، ألا ترى أنك تَقُولُ: دخلت عَلَى غفلة وجئتُ عَلَى غفلة، فلما كَانَ (حين) كالفضل فِي الكلام، والمعنى: فِي غفلة أدخلت فِيهِ (عَلَى) ولو لَمْ تكن كانَ صوابًا. ومثله قول الله (عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ) ولو كَانَ عَلَى حين فترة من الرسل لكان بمنزلة هَذَا. ومثله قوله العجير:

..... ومن يكن ... فتى عامَ عام الماءِ فَهْو كبير كذلك أنشدني الْعُقَيْلِي. فالعام الأول فَضْل. الفراء ٢/ ٣٠٣الفراء ٢/ ٣٠٣

وقوله: (فَوَكَزَهُ مُوسى) يريد: فلكزه»

. وفى قراءة عبد الله (فنكزه) ووهزه أيضًا لغة. كلٌّ سواء. وقوله (فَقَضى عَلَيْهِ) يعني قتله.

وندم موسى فاستغفرَ الله فغفر لَهُ.

وقوله: رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ [١٧] قَالَ ابن عباس: لَمْ يستثن فابتُلِي، فجعل (لَنْ) خبرًا لموسى. وَفِي قراءة عبد الله (فَلَا تَجْعَلْنِي ظَهِيرًا) فقد تكون (لَنْ أكُونَ) عَلَى هَذَا المعنى دُعاءً من موسى: اللَّهُمَّ لن أكون لَهُمْ ظهيرًا فيكون دعاءً وَذَلِكَ أنّ الَّذِي من شيعته لقيه رجل بعد قتله الأول فتسخر الَّذِي من شيعة موسى، فمرّ بِهِ موسى عَلَى تِلْكَ الحال فاستصرخه- يعني استغاثه- فقال لَهُ موسى: (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) أي قد قتَلت بالأمس رجلًا فتدعوني إلى آخر. وأقبل إليهما فظنّ الَّذِي من شيعته أَنَّهُ يريده. فقالَ (أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ) ولم يكن فرعون علم من قتل القبطي الأول. فترك القبطي الثاني صاحب موسى من يده وأخبر بأن موسى القاتل. فذلك قول ابن عباس: فابتلي بأن صاحبه الَّذِي دَلّ عليه.

وقوله: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ [٢٢] يريد: قصَد ماءَ مَدْيَنَ. ومَدْين لَمْ تصرف لأنها اسم لتلك البلدة. وقال الشاعر

رُهبانُ مَدْينَ لو رأوكِ تَنَزَّلُوا ... والعُصْمُ من شَعَفِ العقولِ الفادر

وقوله (أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ) : الطريق إلى مدين ولم يكن هاديًا لطريقها. الفراء ٢/ ٣٠٤الفراء ٢/ ٣٠٤

وقوله عَزَّ وَجَلَّ. وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تذودان [٢٣] : تحبسَان غنمهما. ولا يَجوز أن تَقُولُ ذُدْتُ الرجل: حبسته. وإنَّما كَانَ الذِّيَادُ حَبْسًا للغنم لأن الغنم والإبل إذا أراد شىء منها أن يشذّ ويذهب فرددته فذلك ذَوْد، وهو الحبس. وَفِي قراءة عبد الله (وَدُونَهُمُ امْرَأَتَانِ حَابِسَتَانِ) فَسَألَهُمَا عَن حبسهما فقالتا: لا نقوى عَلَى السقي مع الناس حَتَّى يُصْدِروا. فأتى أهل الماء فاستوهبهم دَلْوًا فقالوا: استقِ إن قويت، وكانت الدلو يحملها الأربعونَ ونَحوهم. فاستقى هُوَ وحدَهُ، فسَقي غنمهما، فذلك قول إحدى الجاريتين

(إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) فقُوّته إخراجه الدلو وَحده، وأمانته أن إحدى الجاريتين قالت: إن أبى يدعوك، فقامَ معها فمرّت بين يديه، فطارت الريحُ بثيابِها فألصقتها بجسدها، فقال لَهَا: تأخّري فإن ضللت فدُليني. فمشت خلفه فتلك أمانته.

وقوله: عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ [٢٧] يقول: أن تجعل ثوابي أن ترعى عليّ غنمي ثماني حجج (فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ) يقول: فهو تطوّع. فذكر ابن عباس أَنَّهُ قضى أكثر الأجلين وأطيبهما.

وقوله: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ [٢٨] فجعل (ما) وهي صلة من صلات الجزاء مع (أيّ) وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه (أيَّ الأجلينَ مَا قضَيْت فَلَا عُدْوَانَ عَلَيّ) وهذا أكثر فِي كلام العرب من الأوّل.

وقال الشاعر:

وأيّهما ما أتبَعَنَّ فإنني ... حَريصٌ عَلَى إثْرِ الَّذِي أنَا تابِعُ

وسمع الْكِسَائي أعرابيًا يقول: فأيُّهم ما أخذها ركب عَلَى أيِّهم، يريدُ فِي لُعبة لَهُم. وَذَلِكَ جائز أيضًا حسن.

وقوله: أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ [٢٩] قرأها عاصم (أو جذوة) بالفتح والقراءة بكسر الجيم أو ١٤٠ ابرفعها. وهي مثل أوطأتك عِشوة وعُشوةً وعَشَوة والرّغوة والرُّغوة والرِّغْوة. ومنه رَبْوةً ورُبْوة ورِبْوة. الفراء ٢/ ٣٠٥الفراء ٢/ ٣٠٥

وقوله: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ [٣٢] و (الرَّهَبِ) قرأها أهل المدينة (الرّهَب) وَعَاصِم والأعمش (الرُّهْبِ) .

وقوله: رِدْءاً يُصَدِّقُنِي [٣٤] تقرأ جزمًا ورفعًا . من رفعها جعلها صلة للردء ومن جزم فعلى الشرط. والرِّدْءُ: الْعَوْن. تَقُولُ: أردأت الرجل: أعنته. وأهل المدينة يقولونَ (رِدًا يُصَدِّقْنِي) بغير هَمزٍ والجزم عَلَى الشرط: أرسله معى يصدّقنى مثل (يَرِثُنِي وَيَرِثُ) .

وقوله: فَذانِكَ بُرْهانانِ [٣٢] اجتمع القراء عَلَى تخفيف النون من (ذَانِكَ) وكثير من العرب يقول (فذانّك) و (هذانّ) قائمان (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ) فيشدِّدونَ النون.

وقوله: (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ) يريد عَصَاهُ فِي هَذَا الموضع. والجناح فِي الموضع الآخر: ما بين أسفل الْعَضد إلى الرُّفع وهو الإبط.

وقوله: فَأَوْقِدْ لِي يَا هامانُ عَلَى الطِّينِ [٣٨] يقول: اطبخ لي الآجُر وهو الأجور والآجُرّ. وأنشد:

كأنّ عينيه من الغوّور ... قَلْتان فِي جَوف صَفًا منقور

عُولي بالطين وبالأجور

وقوله: قالوا سحران تظاهر [٤٨] يعنون التوراة والقرآن، ويُقال (سَاحرَان تَظَاهَرَا) يعنونَ مُحَمَّدًا وموسى صلى الله عليهما وسلم. وقرأ عاصم والأعمش (سِحْرانِ) . الفراء ٢/ ٣٠٦الفراء ٢/ ٣٠٦

حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ، قَالَ وَحَدَّثَنِي غير واحد عَن إسماعيل ابن أبي خالد عَن أبي رزين أَنَّهُ قرأ (سحران تظاهرا) .

قَالَ: وقال سفيان بن عيينة عَن حميد قَالَ: قَالَ مجاهد: سألتُ ابن عباس وعنده عكرمة فلم يجبني، فلمّا كانت فِي الثالثة قَالَ عكرمة أكثرت عَلَيْهِ (سَاحِرَان تَظَاهَرَا) فلم ينكر ابن عباس، أو قَالَ: فلو أنكرها لغيّرها. وكان عكرمة يقرأ (سِحْرانِ) بغير ألف ويَحتج بقوله: (قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ) وقرأها أهلُ المدينة والحسن (سَاحِرَان تَظَاهَرَا) .

وقوله: أَتَّبِعْهُ [٤٩] رَفْع لأنها صلة للكتاب لأنه نكرة وإذا جزمت - وهو الوجه- جعلته شرطًا للأمر.

وقوله: وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ [٥١] يقول: أنزلنا عليهم القرآن يتبع بعضه بعضًا.

وقوله: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [٥٣] يُقال: كيف أسلموا قبل القرآن وقبل مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَذَلِكَ أنهم كانوا يجدونَ صفة النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كتابِهم فصدقوا بِهِ.

فذلك إسلامهم.

و (مِنْ قَبْلِهِ) هَذِه الْهَاء للنبي عَلَيْهِ السَّلَام. ولو كانت الهاء كناية عن القرآن كان صوابًا، لأنهم قد قالوا: إنه الحق من ربنا، فالهاء هاهنا أيضًا تكون للقرآن ولمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وقوله: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [٥٦] يكون الحبّ عَلَى جهتين هاهنا:

إحداهما: إنك لا تهدي من تُحبَّه للقرابة.

والوجه الآخر يريد: إنك لا تهدي من أحببت أن يَهتدي كقولك: إنك لا تَهدي من تريد، كما تراه كثيرا فِي التنزيل (وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) أن يهديه. الفراء ٢/ ٣٠٧الفراء ٢/ ٣٠٧

وقوله: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً [٥٧] قالت قريش: يا مُحَمَّد ما يمنعنا أن نؤمن بك ونصدقك إلا أن العرب عَلَى ديننا، فنخاف أن نصطلم إِذَا آمنا بك. فأنزل الله (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ) نسكنهم (حَرَماً آمِناً) لا يخاف من دخله أن يقام عَلَيْهِ حَدّ ولا قصاص فكيف يخافون أن تستحل العرب قتالهم فِيهِ.

وقوله: (يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ) و (تُجْبَى ) ذُكِّرت يُجبى، وإن كانت الثمرات مؤنثة لأنك فرقت بينهما بإليه، كما قَالَ الشاعر:

١٤٠ ب إن امرأ غَرَّهُ منكُنَّ واحدة ... بعدي وَبَعْدَك فِي الدُّنْيَا لَمغرور

وقال آخر :

لقد ولد الأخيطل أمُّ سَوْءٍ ... عَلَى قمَع اسْتِها صُلُب وشامُ

وقوله: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها [٥٨] بطرتها: كفرتَها وخسِرتها ونصبك المعيشة من جهة قوله (إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) إنما المعنى والله أعلم- أبطرتها معيشتها كما تَقُولُ:

أبطرك مالك وَبطِرتَه، وأسْفهك رأيك فسفهته. فذُكرت المعيشة لأن الفعل كَانَ لَهَا فِي الأصل، فحوّل إلى ما أضيفت إِلَيْهِ. وكأن نصبه كنصب قوله (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً) ألا ترى أن الطيب كَانَ للنفس، فلمّا حوَّلته إلى صاحب النفس خرجت النفسُ منصوبة لتفسِّر معنى الطيب. وكذلك ضقنا بِهِ ذَرْعًا إنما كان المعنى: ضاق به ذرعنا. الفراء ٢/ ٣٠٨الفراء ٢/ ٣٠٨

وقوله: (لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا) معناهُ: خرِبت من بعدهم فلم يُعمر منها إلا القليل، وسائرها خراب. وأنت ترى اللفظ كأنَّها سُكنت قليلًا ثُمَّ تُركت، والمعنى عَلَى ما أنبأتك بِهِ مثله:

ما أعطيتك دراهمك إلَّا قليلًا، إنّما تريد: إلا قليلًا منها.

وقوله: (حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها) [٥٩] أُمّ الْقُرَى مكة. وإنّما سميت أمّ القرى لأن الأرض- فيما ذكروا- دحِيت من تَحتها.

وقوله: فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ [٦٦] يقول القائل: قَالَ الله (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) كيف قال هنا: (فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ) فإن التفسير يقول: عَمِيت عليهم الحجَج يومئذ فسكتوا فذلك قوله (فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ) فِي تِلْكَ الساعة، وهم لا يتكلمون.

قوله: فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ [٦٧] وكل شيء فِي القرآن من (عسى) فذُكر لنا أنها واجبة.

وقوله: مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [٦٨] يُقال الْخِيرة والخَيْرَة والطِّيرَة والطَّيْرة. والعربُ تَقُولُ:

أعطني الْخَيْرَة منهن والخِيَرَة منهن والخِيَرة وكل ذَلِكَ الشيء المختار من رجل أو امرأة أو بَهيمة، يَصْلُح إحدى هَؤُلَاءِ الثلاث فِيهِ.

وقوله: إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً [٧١] دائما لانهار معه. ويقولون: تركته سَرْمَدًا سمْدًا، إتباع.

وقوله: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [٧٣] . إن شئت جعلت الْهَاء راجعة عَلَى الليل خاصة وأضمرت للابتغاء هاء أخرى تكون للنهار، فذلك جائز. وإن شئت جعلت الليل والنهار كالفعلين لأنَّهما ظُلْمة وضوء، فرجعت الْهَاء فِي (فيه) عليهما جميعا، كما تقول: الفراء ٢/ ٣٠٩الفراء ٢/ ٣٠٩

إقبالك وإدبارك يؤذيني لأنهما فعل والفعل يَرَدّ كثيره وتثنيته إلى التوحيد، فيكون ذَلِكَ صوابًا.

وقوله: إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ [٧٦] وكان ابن عمّه (فَبَغى عَلَيْهِمْ) وبَغْيه عليهم أَنَّهُ قَالَ: إِذَا كانت النبوة لموسى، وَكَانَ المذبح والقُرْبَان الَّذِي يُقرّب فِي يد هارون فما لى؟

وقوله: (وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ) نَوؤها بالعُصْبة أن تُثقلهم، والعُصْبة هاهنا أربعونَ رجلًا ومفاتِحه: خزائنه. والمعنى: ما إن مفاتحه لتُنيء العصبة أي تميلهم من ثقلها فإذا أدخلت الباء قلت: تنوء بِهم وتُنيء بهم، كما قال (آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) والمعنى: ائتوني بقِطْرٍ أُفرغ عَلَيْهِ، فإذا حذفت الباء زدت فِي الفعل ألفًا فِي أوله. ومثله (فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ) معناهُ: فجاء بِهَا المخاض. وقد قَالَ رجلٌ من أهل العربية: إن المعنى : ما إن الْعُصْبَة لتنوءُ بِمفاتِحه فحوّل الفعل إلى المفاتِح كما قَالَ الشاعر:

إن سراجًا لكريم مفخره ... تَحْلَى بِهِ الْعَيْنُ إِذَا ما تَجْهَرُه

وهو الَّذِي يَحْلَى بالعينِ. فإن كَانَ سَمِعَ بِهذا أثرًا فهو وجه. وإلا فإن الرجل جَهل المعنى. ولقد أنشدني بعض العرب:

حَتَّى إِذَا ما التأمت مَوَاصِلُهْ ... وناءَ فِي شقّ الثِّمالِ كاهِلُهْ

يعني الرامي لِمَا أخذ القوس ونزع مال عَلَى شِقّه. فذلك نَوْؤه عليها. ونُرى أن قول العرب:

ما ساءك وناءك من ذَلِكَ، ومعناهُ ما سَاءك وأناءك، إلا أَنَّهُ ألقى الألف لأنه مُتبع لساءك، كما قالت العرب: أكلت طعامًا فهنأني ومرأني، ومعناهُ، إِذَا أفردت: وأمرأني، فحذفت منه الألف لِمَا أن أتبع ما لا ألف فيه. الفراء ٢/ ٣١٠الفراء ٢/ ٣١٠

وقوله: (إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ) ذكروا أن موسى الَّذِي قَالَ لَهُ ذَلِكَ لأنه من قومه وإن كَانَ عَلَى غير دينه. وجمعه هاهنا وهو واحد كقول الله (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) وإنَّما كَانَ رَجُلًا من أشجع وقوله (الْفَرِحِينَ) ولو قيل: الفارحين كَانَ صوابًا، كأنَّ الفارحين: الَّذِينَ يفرحونَ فيما يستقبلونَ، والفرحين الَّذِينَ هم فِيهِ الساعة، مثل الطامع والطمع، والمائت والميت، والسالس والسَّلس. أنشدني بعض بني دُبَيْر، وهم فصحاء بني أسد:

ممكورةٌ غَرْثَى الوشاحِ السَّالِسِ ... تضحك عَن ذي أُشُر عُضارس

العضارس البارد وهو مأخوذ من الْعَضْرس وهو البرد. يُقال: سَالِس وسلِس.

وقوله: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي [٧٨] : عَلَى فضلٍ عندي، أي كنت أهله ومستحقًا لَهُ، إذ أعطيته لفضل علمي. ويُقال: (أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ) ثُمَّ قَالَ (عِنْدِي) أي كذاك أرى كما قَالَ (إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ) .

وقوله: (وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) يقول: لا يسأل المجرم عَن ذنبه. الْهَاء والميم للمجرمين. يقول: يعرفون بسيماهم. وهو كقوله: (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) ثم بيّن فقال: (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ)

وقوله: وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ [٨٠] يقول: ولا يلقى أن يقول ثَوَابُ اللَّهِ خير لمن آمن وعمل صالحا إلا الصابرون. ولو كانت: ولا يلقاه لكان صوابًا لأنه كلام والكلام يُذهب بِهِ إلى التأنيث والتذكير. وَفِي قراءة عبد الله (بَل هي آيَاتٌ بيِّنات) وَفِي قراءتنا (بَلْ هُوَ آيات) فمن قال (هي) ذهبَ إلى الآيات، ومن قَالَ (هُوَ) ذهبَ إلى القرآن. وكذلك (تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ) و (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ ) ومثله فِي الكلام: قد غمّني ذاك وغمّتني تلك منك. الفراء ٢/ ٣١١الفراء ٢/ ٣١١

وقوله: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ [٨٢] فِي كلام العرب تقرير. كقول الرجل: أما ترى إلى صنع الله.

وأنشدني:

ويكأن من يكن له نشب يح ... بب ومن يفتقر يعش عيش ضُرّ

قَالَ الفراء: وأخبرني شيخ من أهل البصرة قَالَ: سمعت أعرابية تَقُولُ لزوجها: أين ابنك ويلك؟ فقال: ويكأنه وراء البيت. معناهُ: أما ترينه وراء البيت. وقد يذهب بعض النحويين إلى أنهما كلمتان يريد وَيْكَ أَنَّهُ، أراد ويلك، فحذف اللام وجعل (أنّ) مفتوحة بفعل مضمر، كأنه قَالَ: ويلك أعلم أَنَّهُ وراء البيت، فأضمر (أعلم) . ولم نَجد العرب تُعمل الظن والعلم بإضمار مضمر فِي أنّ. وَذَلِكَ أَنَّهُ يبطل إِذَا كَانَ بين الكلمتين أو فِي آخر ١٤١ ب الكلمة، فلمّا أضمره جرى مَجْرَى الترك ألا ترى أَنَّهُ لا يَجوز فِي الابتداء أن تَقُولَ: يا هَذَا أنك قائم، ولا يا هَذَا أن قمت تريد: علمت أو أعلم أو ظننت أو أظن. وأمّا حذف اللام من (ويلك) حَتَّى تصير (ويك) فقد تقوله العرب لكثرتها فِي الكلام قَالَ عنترة:

ولقد شفى نفسي وَأبرأ سُقمها ... قولُ الفوارس وَيْكَ عَنْتَرَ أقدم

وقد قَالَ آخرون: إن معنى (وَيْكَأَنَّ) أنّ (وَيْ) منفصلة من (كأنّ) كقولك للرجل:

وَيْ، أمَا ترى ما بين يديك، فقال: وَيْ، ثُمَّ استأنف (كأن) يعني (كأن الله يبسط الرزق) وهى تعجّب، و (كأنّ) فِي مذهب الظن والعلم. فهذا وجه مستقيم. ولم تكتبها العرب منفصلة، ولو كانت عَلَى هَذَا لكتبوها منفصلة. وقد يَجوز أن تكون كَثر بِهَا الكلام فوصلت بما ليست منه كما اجتمعت العرب عَلَى كتاب (يا بن أمّ) (يا بنؤمّ) قال: وكذا رأيتها فِي مُصحف عبد الله. وهي فِي مصاحفنا أيضا. الفراء ٢/ ٣١٢الفراء ٢/ ٣١٢

وقوله: لَخَسَفَ بِنا [٨٢] قراءة العامة (لَخَسَفَ) وقد قرأها شَيْبَة والحسن- فيما أعلم- (لَخَسَفَ بِنا) وهى فى قراءة عبد الله (لا نخسف بنا) فهذا حجّة لمن قرأ (لخسف) .

وقوله: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ [٨٥] .

يقول: أَنْزَلَ عليك القرآن (لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ) ذكروا أن جبريل قَالَ يا مُحَمَّد أشتقت إلى مولدك ووطنك؟ قَالَ: نعم. قَالَ فقال لَهُ ما أنزل عَلَيْهِ (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ) يعني إلى مكة. والمعاد هاهنا إنما أراد بِهِ حَيْثُ ولدت وليس من العود . وقد يكون أن يجعل قوله (لَرادُّكَ) لمصيرك إلى أن تعود إلى مكة مفتوحة لك فيكون المعاد تعجّبا (إِلى مَعادٍ) أَيّما مَعاد! لِمَا وعده من فتح مكة.

وقوله: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [٨٦] : إلا أن ربك رحمك (فأنزل عليك) فهو استثناء منقطع. ومعناهُ: وما كنت ترجو أن تعلم كتب الأولين وقصصهم تتلوها عَلَى أهل مكة ولم تحضرها ولم تشهدها. والشاهد عَلَى ذلك قوله فى هذه السّورة (وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا) أي إنك تتلو عَلَى أهل مكة قصص مدين وموسى ولم تكن هنالك ثاويًا مقيمًا فنراه وتسمعه. وكذلك قوله (وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ) وهأنت ذا تتلو قصصهم وأمرهم. فهذه الرحمة من ربّه. الفراء ٢/ ٣١٣الفراء ٢/ ٣١٣

وقوله: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [٨٨] إلا هُوَ.

وقال الشاعر:

أستغفرُ اللَّه ذنبًا لستُ مُحْصِيهُ ... رَبّ الْعِبَادِ إِلَيْهِ الْوَجْهُ وَالْعَمَلُ

أي إليه أوجّه عملى.

[ومن سورة العنكبوت]

قوله: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا [٢] (يُتركوا) يقع فيها لام الخفض، فإذا نزعتها منها كانت منصوبة. وقلمّا يقولون: تركتك أن تذهب، إنما يقولون: تركتك تذهب. ولكنها جُعلت مكتفية بوقوعها عَلَى الناس وحدهم. وإن جعلت (حَسِبَ) مَكرورة عليها كَانَ صوابًا كأن المعْنى:

أحسب الناس أن يتركوا، أحسبوا (أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) .

وقوله: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ [١٢] هُوَ أمر فِيهِ تأويل جزاء، كما أن قوله (ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ) نَهْي فِيهِ تأويل الجزاء. وهو كَثِير فِي كلام العرب.

قَالَ الشاعر :

فقلتُ ادعِي وَأَدْعُ فإنّ أندى ... لصوتٍ أن يُنادي داعيان

أراد: ادعِي ولأَدْعُ فإن أندى. فكأنه قَالَ: إن دعوت دعوت.

وقوله: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ [١٣] يعنى أوزارهم ١٤٢ ا (وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ) يقول: أوزار من أضلّوا. الفراء ٢/ ٣١٤الفراء ٢/ ٣١٤

وقوله: إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً [١٧] (إنّما) فِي هَذَا الموضع حرف واحد، وليست على معنى (الذي) (وتخلقون إفكا) مردودة عَلَى (إنما) كقولك: إنما تفعلونَ كذا، وإنما تفعلون كذا. وقد اجتمعوا عَلَى تخفيف (تَخْلُقُونَ) إِلا أبا عَبْد الرَّحْمَن السُّلَميّ فإنه قَرَأَ (وتَخَلّقُونَ إِفْكا) ينصب التاء ويُشدد اللام وهما فى المعنى سواء.

وقوله: النَّشْأَةَ [٢٠] القراء مجتمعونَ عَلَى جزم الشِّين وقصرها، إلا الْحَسَن الْبَصْرِيّ فإنه مدها فِي كل القرآن فقال (النشَاءَة) ومثلها مما تقوله العرب الرأفة، والرآفة، والكَأبة والكآبة كلٌّ صواب.

وقوله: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ [٢٢] يقول: القائل: وكيف وصفهم أنهم لا يعجزون فِي الأرض ولا فِي السماء، وليسوا من أهل السماء؟ فالمعنى- والله أعلم- ما أنتم بِمعجزين فِي الأرض ولا من فِي السماء بِمعجزٍ. وهو من غامض العربية للضمير الَّذِي لَمْ يظهر فِي الثاني.

ومثله قول حسان:

أمَن يهجو رسول الله منكم ... ويَمدحُهُ وينصرهُ سَوَاءُ

أراد: ومن ينصره ويَمدحه فأضمر (مَنْ) وقد يقع فِي وَهْم السَّامِعِ أن المدح والنصر لمن هَذِه الظاهرة. ومثله فِي الكلام: أكرِم مَن أتاكَ وأتى أباك، وأكرم مَن أتاك ولم يأت زيدًا، تريد:

ومن لَمْ يأتِ زيدًا.

وقوله: وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ [٢٥] نصبها حَمْزَةُ وأضافها ونصبها عَاصِم وأهل المدينة، ونوَّنوا فيها (أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ) ورفع ناسٌ منهم الْكِسَائي بإضافة. وقرأ الْحَسَن (مَوَدّةٌ بَيْنَكُمْ) يرفع ولا يضيف. وهي فِي قراءة أُبَيّ (إنّما مودّة بينهم فى الحياة الدّنيا) الفراء ٢/ ٣١٥الفراء ٢/ ٣١٥

وَفِي قراءة عَبْد اللَّه (إنّما مَوَدَّةُ بَيْنِكم) وهما شاهدان لِمن رَفَع. فمن رفع فإنما يرفع بالصفة بقوله (فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) وينقطع الكلام عند قوله (إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً) ثُمَّ قَالَ: ليست مودتكم تِلْكَ الأوثان ولا عبادتكم إيّاها بشيء، إنّما مودة ما بينكم فِي الحياة الدُّنْيَا ثُمَّ تنقطع. ومن نصب أوقع عليها الاتخاذ: إنما اتخذتموها مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فى الحياة الدنيا.

وقد تكون رفعًا عَلَى أن تجعلها خبرًا لِمَا وتجعل (ما) عَلَى جهة (الَّذِي) كأنك قلت: إن الَّذِينَ اتخذتموهم أوثانًا مودة بينكم فتكون المودة كالخبر، ويكون رفعها عَلَى ضمير (هي) كقوله (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ) ثُمَّ قَالَ (بَلاغٌ) أي هَذَا بلاغ، ذَلِكَ بلاغ. ومثله (إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) ثم قال (مَتاعٌ فِي الدُّنْيا) أي ذَلِكَ متاع فِي الحياة الدُّنْيَا وقوله (يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ) : يتبرأ بعضكم من بعض والعابد والمعبود فِي النار.

وقوله: إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي [٢٦] هذا من قيل إِبْرَاهِيم. وَكَانَ مهاجره من حَرَّان إلى فلسطين.

وقوله: وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا [٢٧] الثناء الْحَسَن وأن أهل الأديان كلهم يتولَّونه. ومن أجره أن جعلت النبوة والكتاب فِي ذرّيته.

وقوله: وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ [٢٩] قَطْعه: أنهم كانوا يعترضونَ الناس من الطرق بعلمهم الخبيث، يعني اللواط. ويُقال: وتقطعُونَ السبيل: تقطعُونَ سبيلَ الْوَلَد بتعطيلكم/ ١٤٢ النساء وقوله (وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) فى مجالسكم. والمنكر منه الحذف ، والصفير، ومضغ الْعِلك، وحَلّ أزرار الأقبية والقُمُصِ، والرمي بالبُنْدُق . ويُقال : هي ثماني عشرة خَصْلة من قول الكلبي لا أحفظها. وقال غيره: هي عشرٌ. الفراء ٢/ ٣١٦الفراء ٢/ ٣١٦

وقوله: وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ [٣٨] فِي دينهم. يقول: ذوو بصائر.

وقوله: كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً [٤١] ضربه مثلًا لِمن اتخذ من دون الله وَلِيًّا أَنَّهُ لا ينفعه ولا يضره، كما أن بيت العنكبوتِ لا يقيها حرًّا ولا بردًا. والعنكبوت أنثى. وقد يُذكرها بعضُ العرب. قَالَ الشاعر:

عَلَى هَطّالهم منهم بيوتٌ ... كأنَّ العنكبوت هُوَ ابتناهَا

وقوله: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [٤٥] . يقول: ولذكر الله إياكم بالثواب خيرٌ من ذكركم إياهُ إِذَا انتهيتم. ويكون: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر وأحقّ أن يَنْهَى.

وقوله: فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [٤٧] بِمحمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ويُقال: إنه عبد الله بن سلام (وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ) يعني الَّذِينَ آمنوا من أهل مكة.

وقوله: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ [٤٨] من قبل القرآن (مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) ولو كنت كذلك (لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ) يعني النصارى الَّذِينَ وجدوا صفته ويكون (لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ) أي لكان أشد لريبة من كذب من أهل مكة وغيرهم.

ثُمَّ قَالَ: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ [٤٩] يريد القرآن وَفِي قراءة عبد الله (بَلْ هي آيَاتٌ) يريد:

بَلْ آيات القرآن آيات بيّنات: ومثله (هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ) ولو كانت هَذِه بصائر للناس كَانَ صوابًا.

ومثله (هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي) لو كان: هذه رحمة لجاز. الفراء ٢/ ٣١٧الفراء ٢/ ٣١٧

وقوله: وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى [٥٣] يقول: لولا أن الله جعَل عذاب هَذِه الأمة مؤخرًا إلى يوم القيامة- وهو الأجل- لجاءهم العذاب. ثم قال (وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً) يعني القيامة فذكر لأنه يريد عذاب القيامة. وإن شئت ذكرته عَلَى تذكير الأجل. ولو كانت وَلَتأْتِيَنَّهُم كَانَ صوابًا يريدُ القيامة والساعة.

وقوله: وَيَقُولُ ذُوقُوا [٥٥] وهي فِي قراءة عبد الله (ويُقال ذوقوا) وقد قرأ بعضهم (وَنَقُولُ) بالنون وكل صواب.

وقوله: يَا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ

[٥٦] هَذَا لمسلمة أهل مكة الَّذِينَ كانوا مقيمين مع المشركين. يقول (إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ)

يعني المدينة أي فلا تُجاوروا أهل الكفر.

وقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ [٥٨] قرأها العوام (لنبوّئنّهم) وَحَدَّثَنِي قَيْسٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأَهَا (لَنُثْوِيَنَّهُمْ) وقرأها كذلك يَحْيَى بن وثّاب وكلّ حسن بوّأته منزلا وأثويته منزلا.

وقولوا: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ [٦٠] نزلت فِي مؤمني أهل مكة، لَمَّا أمروا بالتحول عنها والخروج إلى المدينة قالوا: يا رسول الله لَيْسَ لنا بالمدينة منازل ولا أموال فمن أين المعاش؟ فأنزل الله (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا) لا تدّخرُ رزقها ولا تَجمعه، أي كذلك جميع هوام الأرض كلها إلا النملة فإنها تدّخرُ رزقها لسنتها.

وقوله: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ [٦٤] حياة لا موت فيها.

وقوله: إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ [٦٥] يقول: يُخلصون الدعاء والتوحيد إلى الله فِي البحر، فإذا نجّاهم صاروا إلى عبادة الأوثان. الفراء ٢/ ٣١٨الفراء ٢/ ٣١٨

وقوله: وَلِيَتَمَتَّعُوا [٦٦] قرأها عَاصِم والأعمش عَلَى جهة الأمر والتوبيخ بجزم اللام وقرأها أهل الحجاز (وليتمتّعوا) مكسورة على جهة كى.

[ومن سورة الروم]

[قوله: غُلِبَتِ الرُّومُ [٢] القراء مجتمعون على (غُلِبَتِ) إلا ابن عمر فإنه قرأها (غُلِبَتِ الرُّومُ) فقيل لَهُ: علامَ [١٤٣] غَلَبُوا؟ فقال: عَلَى أدنى رِيف الشأم. والتفسير يرد قول ابن عمر.

وَذَلِكَ أن فارس ظفرت بالروم فحزن لذلك المسلمون، وفرح مشركو أهل مكة لأن أهل فارس يعبدونَ الأوثان ولا كتاب لَهُم، فأحبهم المشركون لذلك، ومال المسلمون إلى الروم، لأنهم ذَوو كتاب ونبوة. والدليل عَلَى ذَلِكَ قول الله (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) ثُمَّ قَالَ بعد ذَلِكَ:

ويوم يغلبون يَفْرَحُ المؤمنون إِذَا غَلَبوا. وقد كَانَ ذَلِكَ كله.

وقوله: (مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ) كلامُ العرب غَلبته غَلَبةً، فإذا أضافوا أسقطوا الْهَاء كما أسقطوها فِي قوله (وَإِقامَ الصَّلاةِ) والكلامُ إقامة الصلاة.

وقوله: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [٤] القراءة بالرفع بغير تنوين لأنَّهما فِي المعنى يراد بهما الإضافة إلى شيء لا محالة. فلمّا أدّتا عَن معنى ما أُضيفتا إِلَيْهِ وسَمُوهما بالرفع وهما مخفوضتان ليكون الرفع دليلًا عَلَى ما سقطَ مما أضفتهما إِلَيْهِ. وكذلك ما أشبههما، كقول الشاعر:

إنْ تأتِ من تحت أجئها من عل ومثله قول الشاعر : الفراء ٢/ ٣١٩الفراء ٢/ ٣١٩

إذا أنا لم أو من عليك ولم يَكُنْ ... لقاؤكِ إلا من وراءُ وَرَاءُ

ترفع إِذَا جعلته غاية ولم تذكر بعده الَّذِي أضفته إِلَيْهِ فإن نويت أن تُظهره أو أظهرته قلت: لله الأمر من قبل ومن بعد: كأنك أظهرت المخفوض الَّذِي أسندت إِلَيْهِ (قَبْل) و (بعد) .

وسمع الْكِسَائي بعض بني أسد يقرؤها (لله الأمرُ من قبل ومن بعدُ) يخفض (قبل) ويرفع بعد) عَلَى ما نوى وأنشدني (هُوَ يعني) الْكِسَائي:

أكابِدَها حتى أعرّس بعد ما ... يكون سُحُيْرًا أو بُعَيْدَ فأهْجَعَا

أراد بُعَيْدَ السّحر فأضمره. ولو لَمْ يُرد ضمير الإضافة لرفع فقال: بُعَيْدُ. ومثله قول الشاعر :

لَعَمْرُكَ ما أدري وإنى لأوجل ... على أيّنا تعدو المنَّيةُ أوّلُ

رفعت (أول) لأنه غاية ألا ترى أنها مسندة إلى شيء هي أوله كما تعرف أن (قبل) لا يكون إلا قبل شيء، وأنّ (بعد) كذَلِكَ. ولو أطلقتهما بالعربية فنوَّنت وفيهما معنى الإضافة فخفضت فِي الخفض ونوَّنت فِي النصب والرفع لكان صوابًا، قد سُمع ذَلِكَ من العرب، وجاء فِي أشعارها، فقال بعضهم:

وساغَ لي الشرابُ وكنتُ قبلا ... أكاد أغصّ بالماء الحميم

فنوَّنَ وكذلك تَقُولُ: جئتك من قبل فرأيتك. وكذلك قوله: الفراء ٢/ ٣٢٠الفراء ٢/ ٣٢٠

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا ... كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ

فهذا مخفوض. وإن شئت نوّنت وإن شئت لَمْ تنون عَلَى نيتك. وقال الآخر فرفع:

كَأنَّ مِحَطّا فِي يَدي حارثيَّةٍ ... صَنَاعٍ علت منّي بِهِ الْجِلدَ من علُ

الْمِحَطّ: منقاش تشم بِهِ يدها.

وأمّا قول الآخر:

هتكت بِهِ بيوتَ بني طريفٍ ... عَلَى ما كَانَ قبلٌ من عِتاب

فنوَّن ورفع فإن ذَلِكَ لضرورة الشعر، كما يُضطّر إِلَيْهِ الشاعر فينون فِي النداء المفرد فيقول:

يا زيدٌ أقبل قَالَ:

قَدَّمُوا إذْ قيل قيسٌ قَدِّمُوا ... وارفعُوا المجدَ بأطرافِ الْأَسَل

وأنشدني بعض بني عُقيل:

ونحنُ قتلنا الْأَسْدَ أسد شَنُوءَة ... فما شرِبُوا بعدٌ عَلى لذة خَمْرَا

ولو رده إلى النصب إذ نون كَانَ وجهًا كما قَالَ:

وساغَ لي الشراب وكنت قبلًا ... أكادُ أغَصَّ بالماءِ الْحَميمِ

وكذلك النداء لو رُدّ إلى النصب إِذَا نُوِّن فِيهِ كَانَ وجهًا كما قَالَ:

فطِر خالدًا إن كنتَ تَسْطيع طَيْرةً ... وَلَا تَقَعَنْ إِلَّا وقلبُكَ حَاذِرُ

ولا تنكرنَّ أن تضيف قبل وبعد وأشباههما وإن لَمْ يظهر فقد قَالَ :

إِلَّا بُدَاهةَ أو عُلالَة ... سابح نهد الجزاره وقال الآخر: الفراء ٢/ ٣٢١الفراء ٢/ ٣٢١

يا من يرى عارِضًا أكفكفُهُ ... بين ذِرَاعيْ وَجَبْهةِ الْأَسَدِ

وسمعت أبا ثَرْوَان الْعُكْلِيّ يقول: قطع الله الغداة يد ورجل من قاله. وإنّما يَجوز هَذَا فِي الشيئين يَصْطَحبان مثل اليد والرجل، ومثل قوله: عندي نصف أو ربع درهمٍ، وجئتك قبل أو بعد العصر. ولا يجوز فِي الشيئين يتباعدان مثل الدار والغلام: فلا تُجيزنّ: اشتريت دارَ أو غُلام زيد ولكن عَبْدَ أَوْ أَمَةَ زيدٍ، وعين أو أذُن، ويد أو رِجْل، وما أشبهه.

وقوله: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا [٧] يعني أهل مكة. يقول: يعلمون التجارات والمعاش، فجعل ذَلِكَ علمهم. وأمَّا بأمْرِ الآخرة فعَمون .

وقوله: إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى [٨] يقول: ما خلقناهما (إِلَّا بِالْحَقِّ) للثواب والعقاب والعمَل (وَأَجَلٍ مُسَمًّى) : القيامة.

وقوله: وَأَثارُوا الْأَرْضَ [٩] : حرثوها (وَعَمَرُوها أَكْثَرَ) مما كانوا يعمرون. يقول: كانوا يعمرون أكثر من تعمير أهل مكة فأُهلكوا.

وقوله: ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى [١٠] .

تنصب العاقبة بكان، وتجعل مرفوع (كَانَ) فِي (السّوءى) . ولو رفعت العاقبة ونصبت (السّوءى) كان صوابا. و (السّوءى) فِي هَذَا الموضع: العذاب، ويقال: النار.

وقوله (أَنْ كَذَّبُوا) لتكذيبهم، ولأن كذبوا. فإذا ألقيت اللام كَانَ نصبا.

وقوله: يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ [١٢] : ييأسونَ من كل خير، وينقطع كلامهم وحججهم. وقرأ أَبُو عبد الرحمن السلمي (يُبْلَسُ المجرمُونَ) بفتح اللام. والأولى أجود. قَالَ الشاعر : الفراء ٢/ ٣٢٢الفراء ٢/ ٣٢٢

يا صاحِ هَلْ تعرف رَسْمًا مُكْرَسَا ... قَالَ نعم أعرفه وأبلسا

وقوله: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ [١٧] يقول: فصلّوا الله (حِينَ تُمْسُونَ) وهى المغرب والعشاء (وَحِينَ تُصْبِحُونَ) صلاة الفجر (وَعَشِيًّا) صلاة العصر (وَحِينَ تُظْهِرُونَ) صلاة الظهر.

وقوله: لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ [٢٢] يريد العالم من الجن والإنس ومن قرأها (لِلْعالِمِينَ) فهو وجه جيد لأنه قد قَالَ (لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) و (لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ) .

وقوله: وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً [٢٤] .

وقبل ذَلِكَ وبعده (أَنْ أَنْ) وكلٌّ صواب. فمن أظهر (أنْ) فهي فِي موضع اسم مرفوع كما

قَالَ (وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ) فإذا حذفت (أنْ) جعلت (من) مؤدية عَن اسم متروك يكون الفعل صلة لَهُ كقول الشاعر :

وما الدهر إلا تارتانِ فمنهُما ... أمُوتُ وأخرى أبتغى العيش أكدح

١٤٤ ب/ كأنه أراد: فمنهما ساعة أموتها، وساعة أعيشها. وكذلك من آياته آية للبرق وآية لكذا. وإن شئت: يريكم من آياته البرق فلا تضمر (أن) ولا غيره.

وقوله: أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ [٢٥] يقول: أَنْ تَدُومَا قائمتين بأمره بغير عَمَدٍ.

وقوله: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [٢٧] حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حدث الْحَسَن بن عمارة عَن الحكم عَن مجاهد أَنَّهُ قَالَ: الإنشاءة أهونُ عَلَيْهِ من الابتداء. قَالَ أَبُو زكريّاء: الفراء ٢/ ٣٢٣الفراء ٢/ ٣٢٣

ولا أشتهي ذَلِكَ والقولُ فِيهِ أَنَّهُ مثل ضربه الله فقال: أتكفرونَ بالبعث، فابتداء خلقكم من لا شيء أشد. فالإنشاءة من شيء عندكم يأهل الكفر ينبغي أن تكون أهون عَلَيْهِ. ثُمَّ قال (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى) فهذا شاهدٌ أَنَّهُ مثل ضربه الله. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) : عَلَى الْمَخْلُوقِ، لأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: كُنْ فَيَكُونُ وَأَوَّلُ خَلْقِهِ نُطْفَةٌ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ.

وقوله: كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [٢٩] نصبتَ الأنفس لأن تأويل الكاف والميم فِي (خِيفَتِكُم) مرفوع. ولو نويت بِهِ- بالكاف والميم- أن يكون فِي تأويل نصب رفعت ما بعدها. تَقُولُ فِي الكلام: عجبتُ من موافقتك كثرة شرب الماء، وعجبتُ من اشترائك عبدًا لا تَحتاج إِلَيْهِ.

فإذا وقع مثلها فِي الكلام فأجره بالمعنى لا باللفظ. والعرب تَقُولُ: عجبت من قيامكم أجمعون وأجمعين، وقيامكم كُلُّكم وكُلِّكم. فمن خفض أتبعه اللفظ لأنه خفض فِي الظاهر. ومن رفع ذهب إلى التأويل. ومثله (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ) أوقعت الفعل من قريش عَلَى (رِحْلَةَ) والعربُ تَقُولُ: عجبتُ من تساقطها بعْضُها فوق بعض، وبعضها، على مثل ذلك: هذا إذا كنوا. فإذا قالوا سمعت قرع أنيابه بعضِها بَعْضًا خفضوا (بعض) وهو الوجه فِي الكلام لأن الَّذِي قبله اسم ظاهر، فأتبعوه إيَّاه. ولو رفعت (بعضها) كان على التأويل.

وقوله: فِطْرَتَ اللَّهِ [٣٠] يريد: دين الله منصوب عَلَى الفعل، كقوله (صِبْغَةَ اللَّهِ) .

وقوله (الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها) يقول: المولود عَلَى الْفِطرة حَتَّى يكون أبواهُ اللذان ينصرانه أو يهوِّدانهِ. ويُقال فطرة الله أن الله فطرَ العباد عَلَى هَذَا: عَلَى أن يعرفوا أنّ لهم ربّا ومدبّرا. الفراء ٢/ ٣٢٤الفراء ٢/ ٣٢٤

وقوله: مُنِيبِينَ [٣١] منصوبة عَلَى الفعل، وإن شئت عَلَى القطع.

فَأَقِمْ وجهك ومن معك مُنيبين مقبلين إِلَيْهِ.

وقوله: (وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) . (مِنَ الَّذِينَ فارقوا دِينَهُمْ) فهذا وجهٌ. وإن شئت استأنفت فقلت: من الَّذِينَ فارقوا دينهم وكانوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لديهم فرحون. كأنك قلت: الَّذِينَ تفرقوا وتشايعوا كل حزب بما فِي يده فرح.

وقوله: (أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً) [٣٥] كتابًا فهو يأمرهم بعبادة الأصنام وشركهم.

وقوله: لِيَرْبُوَا [٣٩] قرأها عَاصِم والأعمش وَيَحْيَى بن وثاب بالياء ونصب الواو. وقرأها أهل الحجاز (لتربو) أنتم. وكلّ صواب ومن قرأ (لِيَرْبُوَا) كَانَ الفعل للربا. ومن قَالَ (لتُرْبُوا) فالفعل للقوم الَّذِينَ خُوطبوا. دَلّ عَلَى نصبه سُقوط النون. ومعناهُ يقول : وما أعطيتم من شيء لتأخذوا أكثر منه فليس ذَلِكَ بزاك عند الله (وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ) بها (وَجْهَ اللَّهِ) فتلك تربو للتضعيف.

وقوله: (هُمُ الْمُضْعِفُونَ) أهل للمضاعفة كما تَقُولُ العرب أصبحتم مُسْمِنين معطِشين إِذَا عطشت إبلهم أو سَمنت. وسمع الْكِسَائي العرب تَقُولُ: أصبحت مُقْويًا أي إبلك قوية، وأصبحت مُضعفًا أي إبلك ضعاف تريد ضعيفة من الضُّعف.

وقوله: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ [٤١] يقول: أجدَبَ الْبَرّ، وانقطعت مادة البحر بذنوبِهم، وَكَانَ ذَلِكَ ليذاقوا الشدة بذنوبِهم فِي العاجل.

وقوله: يَصَّدَّعُونَ [٤٣] : يتفرقون. قَالَ: وسمعت العرب تَقُولُ: صدعت غنمي صدعتين كقولك: فرقتها فرقتين. الفراء ٢/ ٣٢٥الفراء ٢/ ٣٢٥

وقوله: إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ [٥٠] قرأها عَاصِم والأعمش (آثَارِ) وأهل الحجاز (أَثرَ) وكلّ صواب.

وقوله: فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا [٥١] يخافون هلاكه بعد اخضراره، يعني الزرع.

وقوله: بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ [٥٣] و (من ضلالتهم) . كل صَواب. ومن قَالَ (عَنْ ضَلالَتِهِمْ) كأنه قَالَ: ما أنت بصارف العمى عَن الضلالة. ومن قَالَ (مِنْ) قَالَ: ما أنت بمانعهم من الضلالة.

وقوله: يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ [٥٥] يَحلفونَ حين يخرجون: ما لبثوا فِي قبورِهم إلا ساعة. قَالَ الله: كذبوا فِي هَذَا كما كذبوا فِي الدُّنْيَا وجحدوا. ولو كانت: ما لبثنا غير ساعة كَانَ وجهًا لأنه من قولهم كقولك فِي الكلام: حلفوا ما قاموا، وحلفوا ما قمنا.

[ومن سورة لقمان]

قوله: هُدىً وَرَحْمَةً [٣] أكثر القراء عَلَى نصب الْهُدَى والرحمة عَلَى القطع. وقد رفعها حَمْزَةُ عَلَى الائتِناف لأنّها مُسْتَأنَفَة فِي آية منفصلة من الآية قبلها. وهي فِي قراءة عبد الله (هُدًى وبُشْرَى) .

وقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ [٦] نزلت فِي النضر بن الحارث الداريّ. وَكَانَ يشتري كتب الأعاجم فارسَ والروم وكتب أهل الحيرة (ويحدّث ) بها أهل مكة وإذا سمع القرآن أعرض عَنْهُ واستهزأ بِهِ. فذلك قوله (وَيَتَّخِذَها هُزُواً) وقد اختلف القراء فى (وَيَتَّخِذَها) الفراء ٢/ ٣٢٦الفراء ٢/ ٣٢٦

فرفع أكثرهم، ونصبها يَحْيَى بن وثاب والأعمش وأصحابه. فمن رفع ردّها على (يشترى) ومن نصبها ردّها عَلَى قوله (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) : وليتَّخذهَا.

وقوله (وَيَتَّخِذَها) يذهب إلى آيات القرآن. وإن شئت جعلتها للسبيل لأن السَّبيل قد تؤنّث قال (قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ) وَفِي قراءة أُبَيّ (وَإِنْ يَرَوْا سَبيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخذوها سَبيلًا وإِنْ يَرَوْا سبيلَ الغيّ يَتّخذوهَا سبيلًا) .

حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي حبان عَن ليث عَن مجاهد فِي قوله (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) قَالَ: هُوَ الْغِناء قَالَ الفراء: والأوّل تفسيره عَن ابن عباس.

وقوله: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [١٠] لئلّا تميد بكم. و (أن) فِي هَذَا الموضع تكفي من (لا) كما قَالَ الشاعر:

والمهرُ يأبى أن يزال مُلْهِبا

معناهُ: يأبى أن لا يزال.

وقوله: هَذَا خَلْقُ اللَّهِ [١١] من ذِكْره السموات والأرضُ وإنزاله الماء من السماء وإنباته (فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ) تعبدون (مِنْ دُونِهِ) يعني: آلهتهم. ثُمَّ أكذبهم فقال (بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) .

[قوله: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ [١٢] حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حدّثنا الفراء قال: ١٤٥ احدّثنى حِبَّان عَن بعض من حدَّثه قَالَ: كَانَ لقمان حبشيّا مجدّعا ذا مشفر . الفراء ٢/ ٣٢٧الفراء ٢/ ٣٢٧

وقوله: وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً [١٥] أي أحسن صحبتهما.

وقوله: يَا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ [١٦] يَجوز نصب المثقال ورفعُه.

فمن رفع رفعه بتكُنْ واحتملت النكرة ألا يكون لَهَا فعل فِي كَانَ وليس وأخواتها. ومن نصب جعل فِي (تكن) اسمًا مضمرًا مجهولًا مثل الْهَاء التي فى قوله (إِنَّها إِنْ تَكُ) ومثل قوله (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ) وجاز تأنيث (تَكُ) والمثقال ذكر لأنه مُضاف إلى الحبة والمعنى للحبة، فذهب التأنيث إليها كما قَالَ:

وتشرق بالقول الَّذِي قد أَذَعتَه ... كما شَرِقت صَدْرُ القناة من الدمِ

ولو كَانَ: (إن يَكُ مثقالَ حَبَّةٍ) كَانَ صوابًا وجازَ فِيهِ الوجهان . وقوله فتكن فى صخرة يقال: إنّها الصخرة التي تحت الأرض: وهي سِجِّين: وتُكتب فيها أعمال الكفار. وقوله (يَأْتِ بِهَا اللَّهُ) فيجازي بِهَا.

وقوله: وَلَا تُصَاعِرْ [١٨] قرأها أهلُ المدينة وَعَاصِم بن أبي النجود والحسن: (تُصَعِّرْ) بالتشديد: وقرأها يَحْيَى وأصحابه بالألف (ولا تُصاعِرْ) يقول: لا تَمَيِّلْ خَدَّكَ عَن الناس من قولك: رجل أصعر. ويَجوز ولا تُصْعِر ولم أسمع بِهِ.

وقوله: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [١٩] يقول: إِنّ أَقْبَحَ الأصواتِ لَصَوْتُ الحمير.

وأنت تَقُولُ: لَهُ وجه منكر إِذَا كَانَ قبيحًا. وقال (لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) ولو قيل: أصوات الحمير لكان صوابًا. ولكن الصوت وإن كَانَ أُسْنِدَ إلى جمع فإن الجمع فِي هَذَا الموضع كالواحد.

وقوله: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [٢٠] حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قال: حدّثنا محمد، قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْن عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَصِيفٍ الْجَزَرِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ (نِعَمَهُ) وَاحِدَةً . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَوْ كَانَتْ (نِعَمَهُ) لَكَانَتْ نِعْمَةٌ دُونَ نِعْمَةٍ أَوْ قَالَ نِعْمَةٌ فَوْقَ نِعْمَةٍ، الشَّكُّ مِنَ الْفَرَّاءِ. وقد قرأ قومٌ (نعمه) عَلَى الجمع. وهو وجه جيد لأنه قد قال (شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ) فهذا جَمع النَّعَم وهو دليلٌ عَلَى أنّ (نعمه) جَائِز. الفراء ٢/ ٣٢٨الفراء ٢/ ٣٢٨

وقوله: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ [٢٢] قرأها القرّاء بالتخفيف، إلا أبا عبد الرَّحْمَن فإنه قرأها (وَمَنْ يُسْلِمْ) وهو كقولك للرجل أسْلِم أمرك إلى الله وسَلِّم.

وقوله: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ [٢٧] ترفع (الْبَحْرُ) ولو نصبته كَانَ صوابًا كما قرأت القراء (وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها) و (الساعةَ) وَفِي قراءة عبد الله (وبَحْر يمدّه سبعة أبحر) يقول: يكون مدادا كالمداد المكتوب بِهِ.

وقول عبد الله يقوي الرفع. والشيء إِذَا مَدَّ الشيء فزاد فكان زيادةً فِيهِ فهو يَمُدُّه تَقُولُ دجلة تَمُدّ بئارنا وأَنْهارنا، والله يُمِدّنا بِهَا. وتقول: قد أمددتك بألفٍ فَمَدُّوكَ، يُقاس عَلَى هَذَا كل ما ورد.

وقوله: مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ [٢٨] إلا كبعث نفس واحدة. أضمرَ البعث لأنه فعل كما قَالَ (تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ (مِنَ الْمَوْتِ) المعنى- والله أعلم-:

كدوران عين الَّذِي يُغْشَى عليه/ ١٤٥ ب من الموت، فأضمرَ الدوران والعين جَميعًا.

وقوله: بِنِعْمَتِ اللَّهِ [٣١] وقد قرئت (بِنِعماتِ الله) وقلَّما تفعل العرب ذَلِكَ بِفعلةٍ: أن تُجمع عَلَى التاء إنَّما يَجمعونَها عَلَى فعل مثل سِدْرَة وسِدْرَ، وخِرْقة وخِرَق. وإنَّما كرهوا جَمْعه بالتاء لأنهم يُلزمونَ أنفسهم كسر ثانية إِذَا جُمِعَ كما جمعوا ظُلمة ظلمات فرفعوا ثانيها إتباعًا لرفعة أولها، وكما قالوا: الفراء ٢/ ٣٢٩الفراء ٢/ ٣٢٩

حسراتٌ فأتبَعُوا ثانيها أولها. فلمّا لزمهم أن يقولوا: بِنِعِمات استثقلوا أن تتوالى كسرتان فِي كلامهم لأنّا لَمْ نجد ذَلِكَ إلا فِي الإبل وحدها. وقد احتمله بعضُ العرب فقال: نِعِماتٌ وسِدِراتٌ.

قوله: كُلُّ خَتَّارٍ [٣٢] الختّار: الغدّار وقوله (مَوْجٌ كَالظُّلَلِ) فشبّهه بالظلل والموج واحد لأن الموج يركب بعضه بعضًا، ويأتي شيء بعد شيء فقال (كَالظُّلَلِ) يعنى السحاب.

وقوله: بِاللَّهِ الْغَرُورُ [٣٣] ما غَرّكَ فهو غَرُور، الشيطان غَرور، والدنيا غَرور. وتقول غررته غُرورًا ولو قرئت ولا يغرنّكم بالله الغرور يريد زينة الأشياء لكان صوابًا.

وقوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ [٣٤] فِيهِ تأويل جحد المعنى: ما يعلمه غيره (وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً) خرج هَذَا عَلَى الجحد. والمعنى الظاهرُ والأوَّل معروف بالضمير للجحد.

وقوله (بِأَيِّ أَرْضٍ) وبأيّة أرض. فمن قال (بِأَيِّ أَرْضٍ) اجتزأ بتأنيث الأرض من أن يُظهِر فِي أيّ تأنيثًا آخر، ومن أنَّث قَالَ قد اجتزءوا بأي دون ما أضيفَ إِلَيْهِ، فلا بدّ من التأنيث كقولك: مررتُ بامرأة، فتقول: أيّة، ومررت برجلين فتقول أيّين:

[ومن سورة السجدة]

قوله: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [٧] يقول: أحسنه فجعله حسنًا. ويقرأ (أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) قرأها أَبُو جَعْفَر المدني كأنه قَالَ: ألهم خَلْقه كل ما يحتاجون إِلَيْهِ فالخلق، منصوبون بالفعل الَّذِي وقع عَلَى (كلّ) كأنك قلت أعلمهم كل شيء وأحسنهم. وقد يكون الخلق منصوبًا كما نُصب قوله (أَمْراً مِنْ عِنْدِنا ) فِي أشباه لَهُ كثيرة من القرآن كأنك قغت: كلَّ شيء خَلْقًا منه وابتداء بالنعم. الفراء ٢/ ٣٣٠الفراء ٢/ ٣٣٠

وقوله: ضَلَلْنا [١٠] و (ضَلِلْنا ) لغتان. وقد ذكر عَن الْحَسَن وغيره أَنَّهُ قرأ (إِذَا صَلِلنا) حَتَّى لقد رُفعت إلى عليّ (صَلِلنا) بالصاد ولست أعرفها، إلا أن تكون لغةً لَمْ نسمعها إنما تَقُولُ العرب: قد صَلّ اللحمُ فهو يَصِلّ، وأصلّ يُصِلّ، وخَمّ يَخِمّ وأخمّ يُخمُّ. قَالَ الفراء: لو كانت:

صللنا بفتح اللام لكان صوابًا، ولكني لا أعرفها بالكسر.

والمعنى فِي (إذا ضللنا فى الأرض ) يقول: إِذَا صارت لحومنا وعظامنا ترابًا كالأرض. وأنت تَقُولُ: قد ضلّ الماء فِي اللبن، وضلّ الشيء فِي الشيء إِذَا أخفاهُ وغلبه.

وقوله: إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً [١٥] كَانَ المنافقونَ إِذَا نودي بالصلاة فإنْ خَفُوا عَن أعين المسلمين تركوها، فأنزل الله. (إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها) إِذَا نودوا إلى الصلاة أتوها فركعوا وسَجدوا غير مستكبرين..

وقوله: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ [١٦] يُقال: هُوَ النوم قبل العشاء. كانوا لا يضعون جنوبَهم بين المغرب والعِشَاء حَتَّى يُصلّوها. ويُقال: إنَّهم كانوا فِي ليلهم كلِّه (تَتَجافى ) : تقلق (عَنِ الْمَضاجِعِ) عَن النوم فِي الليل/ ١٤٦ اكلّه (خَوْفاً وَطَمَعاً) . الفراء ٢/ ٣٣١الفراء ٢/ ٣٣١

وقوله: ما أُخْفِيَ [١٧] وكلّ ينصب بالياء لأنه فعل ماض كما تَقُولُ: أُهلِكَ الظالِمون.

وقرأها حَمْزَةُ (ما أُخْفِيَ لَهم من قُرَّةِ أَعْيُنٍ) بإرسال الياء. وَفِي قراءة عبد الله (ما نُخْفِي لَهُمْ من قُرَّةِ أَعْيُنٍ) فهذا اعتبار وقوّة لِحمزة. وكل صواب. وإذا قلت (أخفى لهم) وجعلت (ما) فِي مذهب (أي) كانت (ما) رفعًا بِمَا لَمْ تُسَمّ فاعله. ومن قرأ (أُخْفِيَ لَهم) بإرسال الياء وجعل (ما) فِي مذهب (أيّ) كانت نصبًا فِي (أُخْفِيَ) و (نُخْفِي) ومن جعلها بمنزلة الشيء أوقعَ عليها (تَعْلَمُ) فكانت نصبًا فِي كل الوجوه. وقد قرئت (قُرَّاتِ أَعْيُنٍ) ذُكرت عَن أبي هريرة.

وقوله: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ [١٨] ولم يقل: يستويان لأنها عام، وإذا كان الاثنان غير مصمود لهما ذَهَبَا مذهب الجمع تَقُولُ فِي الكلام: ما جعل الله المسلم كالكافر فلا تسوّينّ بينهم، وبينما. وكل صواب.

[قوله: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى [٢١] ] حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ الله عَن منصور عَن إِبْرَاهِيم أو عَن مجاهد- شك الفراء- فِي قوله (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى) قَالَ مصائبُ تصيبهم فِي الدُّنْيَا دون عذاب الله يوم القيامة.

[قوله: وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا [٢٤] ] القراء جَميعًا عَلَى (لَمَّا صَبَرُوا) بتشديد الميم ونصب اللام. وهي فِي قراءة عبد الله (بِما صَبَروا) وقرأها الْكِسَائي وَحَمْزَة (لِمَا صَبروا) عَلَى ذَلِكَ. وموضع (ما) خَفض إِذَا كسرت اللام. وإذا فتحت وشدَّدت فلا موضع لَهَا إنما هى أداة. الفراء ٢/ ٣٣٢الفراء ٢/ ٣٣٢

وقوله: (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا) [٢٦] (كم) فِي موضع رفع ب (يَهْدِ) كأنك قلت:

أولم تهدهم القرون الْهَالِكة. وَفِي قراءة عبد الله فى سورة طه (أولم يَهْد لَهم من أهلكنا) وقد يكون (كَمْ) فِي موضع نصب بأهلكنا وَفِيهِ تأويل الرفع فيكون بمنزلة قولك: سواء عليّ أزيدًا ضربتَ أم عمرًا، فترفع (سواء) بالتأويل.

وتقول: قد تبيّن لي أقام زيد أم عَمْرو، فتكون الجملة مرفوعة فِي المعنى كأنك قلت:

تبيَّن لي ذاك.

وقوله: إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ [٢٧] والجُرُز: التي لا نباتَ فيها: ويُقال للناقة: إنها لَجُرَاز إِذَا كانت تأكل كل شيء، وللإنسان: إنه لَجرُوز إِذَا كَانَ أكولًا، وسيف جُرَاز إِذَا كَانَ لا يُبقي شيئًا إلا قطَعَهُ. ويُقال : أرضُ جُرُز وجُرْز، وأرْض جَرَز وَجَرْزٌ، لبني تَميم، كل لو قرئ بِهِ لكان حَسَنًا. وهو مثل الْبُخُل والبُخْل والبَخُل والبَخْل والرُغب والرهب والشغل فِيهِ أربع مثل ذلك.

وقوله: قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ [٢٩] يعني فتح مكة (لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ) فذكر ذَلِكَ لمن قتله خالد بن الوليد من بني كنانة يومئذ، قالوا: قد أسلمنا، فقال خالد: إن كنتم أسلمتم فضَعُوا السلاح ففعلوا، فلمّا وضعوهُ أثْخَنَ فيهم لأنهم كانوا قتلوا عوفًا أبا عبد الرحمن بن عوف وجدًّا لِخالد قبل ذَلِكَ: المغيرة. ولو رفع (يَوْمَ الْفَتْحِ) عَلَى أول الكلام لأن قوله (مَتى هذَا الْفَتْحُ) (مَتَى) فِي موضع رفع ووجه الكلام أن يكون (متى) فِي موضع نصب وهو أكثر.

[ومن سورة الأحزاب]

[قوله: اتَّقِ اللَّهَ] (قَالَ الفراء ) يقول القائل فِيمَ أُمِرَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بالتقوى. الفراء ٢/ ٣٣٣الفراء ٢/ ٣٣٣

فالسبب فِي ذَلِكَ أَنَّ أبا سفيان بن حَرْب وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السّلمىّ قدموا إلى المدينة، فنزلوا عَلَى عبد الله بن أُبيّ بن سَلُول ونظرائه من المنافقين، فسألوا رسول الله أشياء يكرهها، فهمّ بهم المسلمون فنزل (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ) فِي نقض العهد لأنه كانت بينهم موادَعة فأُمِرَ بأَلَّا ينقض العهد (وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ) من أهل مكّة (وَالْمُنافِقِينَ) من أهل المدينة فيما سألوكَ.

وقوله: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [٤] إنّما جرى ذكر هَذَا لرجل كَانَ يُقال لَهُ جميل بن أوس ويكنى أبا معمرٍ. وَكَانَ حافظًا للحديث كثيرهُ، فكان أهل مكة يقولون: لَهُ قلبان وعقلان من حفظه فانهزم يوم بدر، فمَرّ بأبي سفيان وهو فِي العير، فقال: ما حالُ الناس يا أبا معمر؟ قَالَ: بين مقتول وهارب. قَالَ: فما بالُ إحدى نعليك فِي رجلك والأخرى فِي يدك؟

قَالَ: لقد ظننت أنهما جَميعًا فِي رِجْليّ فعلم كذبهم فِي قولهم: لَهُ قلبانِ. ثُمَّ ضم إِلَيْهِ (وَما جَعَلَ) .

وقوله: وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ [٤] أي هَذَا باطل كما أن قولكم فِي جَميل باطل. إِذَا قَالَ الرجل: امرأته عَلَيْهِ كظهر أمه فليس كذلك، وَفِيهِ من الكفارة ما جعل الله. وقوله (تُظاهِرُونَ) خفيفة قرأها يَحْيَى بن وثاب. وقرأها الْحَسَن (تُظَهِّرُونَ) مشدّدةً بغير ألفٍ. وقرأها أهل المدينة (تَظَّهَّرُونَ) بنصب التاء، وكلّ صَوَاب معناه متقارب العرب تقول: عقّبت وعاقبت ، (عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ) و (عاقدتم) (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ ) الفراء ٢/ ٣٣٤الفراء ٢/ ٣٣٤

و (لا تصاعر) اللهمّ لا تراءبى ، وترأبّى. وقد قرأ بذلك قوم فقالوا: (يراءون ) و (يُرءُّون) مثل يُرَعُّونَ. وقد قرأ بعضهم (تَظَاهَرُونَ) وهو وجه جَيِّد لا أعرفُ إسْنَاده.

قوله: (وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ) .

كَانَ أهل الجاهلية إِذَا أعجب أحدهم جَلَدُ الرجل وظُرْفُه ضمَّة إلى نفسه، وَجَعَل لَهُ مثل نصيب ذكر من ولده من ميراثه. وكانوا ينسبونَ إليهم، فيُقال: فلان بن فلان للذي أقطعه إِلَيْهِ. فقال الله (ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ) . وهو باطل (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ) غير ما قُلتم.

ثُمَّ أمرهم فقال: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ [٥] أي انسبُوهم إلى آبائِهم. وقوله (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ) فانسبوهم إلى نسبة مواليكم الَّذِينَ لا تعرفونَ آباءهم: فلان بن عبد الله، بن عبد الرحمن ونحوه.

وقوله: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ) فيما لم تقصدوا له من الخطأ، إنما الإثم فيما تعمَّدتم. وقوله (وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (ما) فِي موضع خفض مردودة عَلَى (ما) التي مع الخطأ.

وقوله: (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ) وَفِي قراءة عبد الله أو أُبي (النَّبِيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لَهُم) ، وكذلك كل نبي. وجرى ذَلِكَ لأن المسلمين كانوا متواخين ، وَكَانَ الرجل إِذَا مات عَن أخيه الَّذِي آخاهُ وَرِثه دون عصبته وقرابته فأنزل الله (النَّبِيُّ أَوْلى) من المسلمين بِهذه المنزلة، وليس يرثهم، فكيف يرث المؤاخي أخاه! وأنزل (وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ) فى الميراث (فِي كِتابِ اللَّهِ) أي ذَلِكَ فِي اللوح المحفوظ عند الله.

وقوله (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ) . إن شئت جعلت (من) دخلت ل (أولى) بعضهم أولى ببعض من الْمُؤْمِنِين والمهاجرين بعضهم ببعض، وإن شئت جعلتها- يعني مِن- يراد بِهَا: وأولو الأرحام من الْمُؤْمِنِين والمهاجرين أولى بالميراث. الفراء ٢/ ٣٣٥الفراء ٢/ ٣٣٥

وقوله: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها [٩] يريد: وأرسلنا جنودًا لَمْ تروها من الملائكة. وهذا يوم الخندق وهو يوم الأحزاب.

وقوله: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ [١٠] ممّا يلى مكّة (وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) مما يلي المدينة. وقوله (وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ) : زاغت عَن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوّها. وقوله (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ) ذُكر أن الرجل منهم كانت تنتفخ رئته حَتَّى ترفع قلبه إلى حنجرته من الفزع. وقوله (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) ظنون المنافقين.

ثم قال الله: هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً [١١] . يقول: حُرِّكُوا تَحريكًا إلى الفتنة فعُصِمُوا.

وقوله: ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [١٢] وهذا قول مُعَتِّب بن قُشير الْأَنْصَارِيّ وحده.

ذكروا أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخذ معولًا من سلمان فِي صخرة اشتدّت عليهم، فضرب ثلاث ضربات، مع كل واحدة كلمع البرق. فقال سلمان: والله يا رسول الله لقد رأيت فيهنّ عجبًا قَالَ فقال النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَام: لقد رأيت فِي الضربة الأولى أبيض المدائن، وَفِي الثانية قصُور اليمن، وَفِي الثالثة بلاد فارس والروم. وليفتحنّ الله عَلَى أمتي مبلغ مَدَاهُنّ. فقال معتَّبٌ حين رأى الأحزاب:

أيعدُنا مُحَمَّد أن يُفتح لنا فارس والروم وأحدُنا لا يقدر أن يضرب الخلاء فَرَقًا ؟ ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا.

وقوله: لا مُقامَ لَكُمْ [١٣] قراءة الْعَوامّ بفتح الميم إلا أبا عبد الرحمن فإنه ضَمّ الميم فقال (لا مقام لكم) فمن قَالَ (لا مُقامَ) فكأنه أراد: لا موضع قيام. ومن قرأ (لا مُقام) كأنه أراد: لا إقامة لكم (فَارْجِعُوا) . الفراء ٢/ ٣٣٦الفراء ٢/ ٣٣٦

كل القراء الَّذِينَ نعرف عَلَى تسكين الواو من (عَوْرَةٌ) وذُكر عَن بعض القراء أَنَّهُ قَرأ (عَوِرة) عَلَى ميزان فعلة وهو وجه. والعرب تَقُولُ: قد أعور منزلك إِذَا بدت منه عَوْرة، وأعور الفارس إِذَا كَانَ فِيهِ موضع خَلَل للضرب. وأنشدني أَبُو ثَرْوان.

لَهُ الشَّدَّةُ الْأُولى إذا القرن أعورا

يعنى الأسد. وإنما أرادوا بقولهم: إن بيوتنا عورة أي مُمْكِنة للسُرَّاق لخلوتِها من الرجال.

فأكذبهم الله، فقال: ليست بعورة.

وقوله: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها [١٤] يعنى نواحى المدينة (ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ) يقول:

الرجوع إلى الكفر (لَآتَوْها) يقول. لأعطُوا الفتنة. فقرأ عَاصِم والأعمش بتطويل الألف. وقصرها أهل المدنية: (لأتَوْها) يريد: لفعلوها. وَالَّذِينَ طَوَّلوا يقولون: لمَّا وقع عليها السؤال وقع عليها الإعطاء كما تَقُولُ: سألتني حاجةً فأعطيتُكها وآتيتكها.

وقد يكون التأنيث فى قوله (لَآتَوْها) للفَعْلة، ويكون التذكير فِيهِ جائزًا لو أتى، كما تَقُولُ عند الأمر يفعله الرجل: قد فعلتها، أما والله لا تذهب بِهَا، تريد الْفَعْلةَ.

وقوله: (وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً) يقول: لَمْ يكونوا ليلبثوا بالمدينة إلا قليلًا بعد إعطاء الكفر حَتَّى يهلكوا.

وقوله: وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ [١٦] مرفوعة لأن فيها الواو وإذا كانت الواو كَانَ فِي الواو فعل مضمر، وَكَانَ معنى (إذًا) التأخير، أي ولو فعلوا ذَلِكَ لا يلبثونَ خلافك إلا قليلًا إذًا. وهي فِي إحدى الْقِراءتين (وإذًا لا يَلْبَثوا) بطرح النون يراد

بِهَا النصب. وَذَلِكَ جائز، لأن الفعل متروك فصارت كأنها لأوَّل الكلام، وإن كانت فيها الواو. والعربُ تَقُولُ: إذًا أكسر أنفك، إذًا أضربك، إذًا أغُمَّكَ إِذَا أجابوا بِهَا متكلمًا. فإذا قالوا: أنا إذًا أضربُك رفعوا، وجعلوا الفعل أولى باسمه من إذًا كأنَّهم قالوا: أضربك إذًا ألا ترى أنهم يقولون: أظنُّكَ قائما، فيعملون الظنّ إذا بدءوا به/ ١٤٧ ب وإذا وقع بين الاسم وخبره أبطلوه، وإذا تأخر بعد الاسم وخبره أبطلوه. وكذلك اليمين يكون لَهَا جواب إِذَا بُدئ بِهَا فيُقال: والله إنك لعاقل، فإذا وقعت بين الاسم وخبره قالوا: الفراء ٢/ ٣٣٧الفراء ٢/ ٣٣٧

أنت والله عاقل. وكذلك إِذَا تأخرت لَمْ يكن لَهَا جواب لأن الابتداء بغيرها. وقد تنصب العرب بإذًا وهي بين الاسم وخبره فِي إنّ وحدها، فيقولون: إني إذًا أضربك، قَالَ الشاعر:

لا تَترُكنِّي فِيهم شطيرًا ... إني إذًا أهلِكَ أوْ أطيرَا

والرفع جائز. وإنّما جاز في (إنّ) ولم يَجز فِي المبتدأ بغير (إنّ) لأن الفعل لا يكون مقدمًا فِي إنَّ، وقد يكون مقدّمًا لو أسقطت.

وقوله: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ [١٩] منصوب عَلَى القطع

، أي مِنَ

الأسماء التي ذُكِرت: ذكر منهم. وإن شئت من قوله: يعوِّقون هاهنا عند القتال ويشحون عَن الإنفاق عَلَى فقراء المسلمين.

وإن شئت من القائلين لإخوانهم (هَلُمَّ) وهم هكذا. وإن شئت من قوله: (وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا أَشِحَّةً) يقول: جُبَنَاء عند الْبَأس أشِحَّةً عند الإنفاق عَلَى فقراء المسلمين. وهو أحبها إليّ.

والرفعُ جائز عَلَى الائتنَاف ولم أسمع أحدًا قرأ بِه و (أَشِحَّةً) يكون عَلَى الذم، مثل ما تنصب من الممدوح عَلَى المدح مثل قوله (مَلْعُونِينَ) . الفراء ٢/ ٣٣٨الفراء ٢/ ٣٣٨

وقوله: (سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ) . آذوكم بالكلام عند الأمن (بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ) : ذَرِبَةٍ.

والعربُ تَقُولُ: صَلقُوكم. ولا يَجوز فِي القراءة لِمخالفتها إيّاه: أنشدني بعضهم:

أصْلَق نَابَاهُ صِيَاح الْعُصْفور ... إِنْ زَلّ فوه عَن جَواد مئشير

وَذَلِكَ إِذَا ضرب النّابُ الناب فسمعتَ صَوْته.

وقوله: يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ [٢٠] عَن أنباء العسكر الَّذِي فِيهِ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وقرأها الْحَسَن (يَسَّاءلون) والعوامّ على (يَسْئَلُونَ) لأنّهم إنّما يسْألونَ غيرهم عَن الأخبار، وليسَ يسأل بعضهم بعضًا.

وقوله: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ [٢١] كَانَ عَاصِم بن أبي النجود يقرأ (أُسْوَةٌ) برفع الألف فِي كلّ القرآن وَكَانَ يَحْيَى بن وثاب يرفع بعضًا ويكسرُ بعضًا. وهما لغتان: الضَّمُّ فِي قيس.

والحسنُ وَأهْل الحجاز يقرءون (إسْوَةٌ) بالكسر فِي كلّ القرآن لا يختلفونَ. ومعنى الْأُسوة أنهم تَخَلّفوا عَنْهُ بالمدينة يوم الخندق وهم فِي ذَلِكَ يُحبونَ أن يظفر النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إشفاقًا عَلَى بلدتهم، فقال: لقد كَانَ فِي رسول الله إِسْوة حسنة إذ قاتل يوم أحد. وَذَلِكَ أيضًا قوله (يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا) فهم فِي خوف وفَرَق (وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ) (يقول فِي غير

المدينة) وهي فِي قراءة عبد الله (يحسبونَ الأحزابَ قد ذهبوا، فإذا وجدوهم لَمْ يذهبوا وَدُّوا لو أنهم بادُونَ فى الأعراب) .

وقوله (لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ) خَصَّ بِهَا الْمُؤْمِنِين. ومثله فِي الخصوص قوله: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ

) هذا

(لِمَنِ اتَّقى) قتل الصّيد. الفراء ٢/ ٣٣٩الفراء ٢/ ٣٣٩

وقوله: (وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ [٢٢] صَدَّقوا فقالوا (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ) كَانَ النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَام قد أخبرهم بمسيرهم إليهم فذلك قوله (وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً) ولو كانت

:

وما زادوهم يريد الأحزاب.

وقوله: (وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً) أي ما زادهم النظر/ ١٤٨ اإلى الأحزاب إلّا إيمانا.

وقال فى سورة أُخْرَى: (لَوْ خَرَجُوا

فِيكُمْ مَا زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا) ولو كانت: ما زادكم إلا خبالًا كَانَ صَوَابًا، يريد: ما زادكم خروجهم إلا خبالًا. وهذا من سعة العربية التي تسمع بِهَا.

وقوله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [٢٣] رفع الرجال ب (من) (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ) : أجله. وهذا فِي حَمْزَةَ وأصحابه.

وقوله: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ [٢٥] وقد كانوا طمعوا أن يصطلموا المسلمين لكثرتهم، فسَلَّط الله عليهم رِيحًا باردة، فمنعت أحدهم من أن يُلجم دابته. وجالت الخيل فِي العسكر، وتقطعت أطنابهم

فهزمهم الله بغير قتال، وضربتهم الملائكة.

فذلك قوله: (إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها) يعني الملائكة.

وقوله: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [٢٦] هؤلاء بنو قريظة. كانوا يهودا، وكانوا قد آزروا أهل مكة عَلَى النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَام. وهي فِي قراءة عبد الله (آزروهم) مكان (ظاهَرُوهُمْ) (مِنْ صَياصِيهِمْ) : من حصُونهم. وواحدتها صَيصِية

وهي طرَف الْقَرْن والجبل.

وصيصية غير مهموز. الفراء ٢/ ٣٤٠الفراء ٢/ ٣٤٠

وقوله: (فَرِيقاً تَقْتُلُونَ) يعني قَتل رجالهم واستبقاء ذراريهم.

وقوله: (وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً) كل الْقُراء قد اجتمعوا عَلَى كسر السِّين. وتأسُرُون لغة ولم

يقرأ بِهَا أحد.

وقوله: وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها [٢٧] عَنَى خَيْبَر، ولم يكونوا نالوها، فوعدهم إيّاها الله.

قوله: مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ [٣٠] اجتمعت القراء عَلَى قراءة (مَنْ يَأْتِ) بالياء واختلفوا فِي قوله

: (وَيَعْمَلْ صالِحاً) فقرأها عَاصِم والحسن وأهل المدينة بالتاء: وقرأها الأعمش

وَأَبُو عبد الرحمن السُّلَمِيّ بالياء. فالذين قرءوا بالياء أتْبَعُوا الفعل الآخر ب (يَأْتِ

) إذْ كَانَ مذكرًا.

وَالَّذِينَ أنّثوا قالوا لَمّا جاء الفعل بعدهنّ

عُلِمَ أَنَّهُ للأنثى، فأخرجناهُ عَلَى التأويل. والعربُ تَقُولُ:

كم بيع لك جارية، فإذا قالوا: كم جاريةً بيعت لك أنّثوا، والفعل فِي الوجهين جَميعًا لكم، إلا أن الفعل لَما أتى بعد الجارية ذُهِبَ بِهِ إلى التأنيث، ولو ذكر كَانَ صوابًا، لأن الجارية مفسِّرة لَيْسَ الفعل لَهَا، وأنشدني بعض العرب:

أيا أُمَّ عَمْرو مَنْ يكن عُقْرَ دارِهِ ... جواءُ عدِيّ يأكلِ الحشرات

ويسودَّ من لفح السموم جبينه ... ويعرو إن كانوا ذوي بكرات

وجواءَ عَدِيٍّ.

قَالَ الفراء: سمعتها أيضًا نصبًا ولو قَالَ: (وإن كَانَ) كَانَ صوَابًا وكل حَسَنٌ.

ومن يَقْنُت [٣١] بالياء لم يختلف القراء فيها. الفراء ٢/ ٣٤١الفراء ٢/ ٣٤١

وقوله: (نُؤْتِها) قرَأها أهل الحجاز بالنون. وقرأها يَحْيَى

بن وثّاب والأعمش وَأَبُو عبد الرحمن السُّلَميّ بالياء.

وقوله: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ [٣٢] يقول: لا تُلَيِّن

القول (فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) أي الفجور (وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً) : صَحِيحًا لا يُطْمِع فاجرًا.

[قوله] : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [٣٣] من الوقار. تَقُولُ للرجل: قد وَقَرَ فِي منزله يقر وُقورًا.

وقرأ عَاصِم وأهل

المدينة (وَقَرْنَ) بالفتح. ولا يكون ذَلِكَ من الوقار، ولكنا

نُرى أنهم أرادوا: وَاقْرَرْن فِي بيوتكنّ فحذفوا الرّاء الأولى، فحوَّلت فَتَحها فِي القاف كما قالوا: هَلْ أحَسْتَ صاحبك، وكما قَالَ (فَظَلْتُمْ

) يريد: فظلِلْتم.

ومن العرب من يقول: واقرِرْنَ فِي بيوتكُنّ، فلو قَالَ قائل: وقِرنَ بكسر القاف يريد واقررن/ ١٤٨ ب بكسر الرَّاء فيحوّل كسرة الرَّاء (إِذَا سقطت

) إلى القاف كَانَ وجهًا. ولم نَجد ذَلِكَ فِي الوجهين جَميعًا مستعملًا فِي كلام العرب إلّا فى فعلت وفعلتم وفعلن فأمّا فِي الأمر والنهي المستقبل فلا. إلا أنا جَوَّزْنَا ذَلِكَ لأن اللام فِي النسوة ساكنة فِي فعلن ويفعلن فجازَ ذَلِكَ

. وقد قَالَ أعرابيّ من بني نُمَيْر: يَنْحَطْنَ من الْجَبَل يريد: ينحططن. فهذا يقوّي ذَلِكَ.

وقوله: (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى) قَالَ

: ذَلِكَ فِي زمن ولد فِيهِ إِبْرَاهِيم النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَام. كانت المرأة إِذْ ذاك تلبس الدرع

من اللؤلؤ غير مَخيط الجانبين. ويقال: كانت تلبس الثياب تبلغ الفراء ٢/ ٣٤٢الفراء ٢/ ٣٤٢

المال لا تواري جَسَدها، فأُمِرْنَ ألا يفعلنَ مثل ذَلِكَ.

قوله: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ [٣٥] ويقول القائل: كيف ذكر المسلمين والمسلمات والمعنى بأحدهما كافٍ؟

وَذَلِكَ أنّ امرأة قالت: يا رسول الله: ما الخير إلا للرجال. هم الذين يؤمرونَ ويُنهون. وذكرت غير ذَلِكَ من الحج والجهاد. فذكرهن الله لذلك.

وقوله: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [٣٦] نزلت فِي زينب بنت جَحْش الأسدية. أراد رَسُول اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يزوِّجها زيد بن حارثة، فذكر لَهَا ذَلِكَ، فقالت: لا لعمر الله، أنا بنت عمتك وأيِّم نساء قريش. فتلا عليها هَذِه الآية، فرضيت وسَلَّمت، وتزوَّجها زيد. ثُمَّ إن النبي عَلَيْهِ السَّلَام أتى منزل زيد لِحاجة، فرأى زينب وهي فِي درعٍ وخمارٍ، فقال: سبحان مقلب القلوب. فلمّا أتى زيدٌ أهله أخبرته زينب الخبر، فأتى النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يشكوها إِلَيْهِ. فقال: يا رسول الله إنّ في زينب كِبْرًا، وإنّها تؤذيني بلسانِها فلا حاجة لي فيها. فقال لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اتّق الله وأمسك عليك زوجك. فأبى، فطلّقها، وتزوّجها النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَام بعد ذَلِكَ، وَكَانَ الوجْهَان جَميعًا: تزوجها زيد والنبي عَلَيْهِ السَّلَام من بَعْد، لأن الناس كانوا يقولون: زيد بن مُحَمَّد وإنما كَانَ يتيمًا فِي حِجره. فأراهم الله أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ بأبٍ، لأنه قد كَانَ حَرَّمَ أن ينكح الرجل امرأة أبيه، أو أن ينكح الرجلُ امرأة ابنه إِذَا دخل بِهَا.

وقوله: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ [٣٧] من تزويجها (مَا اللَّهُ) مظهره. (وَتَخْشَى النَّاسَ) يقول:

تستحى من الناس (وَاللَّهُ أَحَقُّ) أَن تستحي منه.

ثُمَّ قَالَ: (لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ) . الفراء ٢/ ٣٤٣الفراء ٢/ ٣٤٣

وقوله: مَا كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ [٣٨] من هَذَا ومن تسع النسوة، ولم تحلّ لغيره وقوله: (سُنَّةَ اللَّهِ) يقول: هَذِه سُنَّة قد مضت أيضًا لغيرك. كان لداوود وسليمان مِنَ النساء ما قد ذكرناهُ، فُضِّلا بِهِ، كذلك أنت.

ثُمَّ قَالَ: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ [٣٩] فضّلناهم بذلك، يعنى الأنبياء. و (الذين) فِي موضع خفض إن رددته عَلَى قوله: (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ) وإن شئت رفعت عَلَى الاستئناف. ونصبُ

السُّنَّةِ عَلَى القطع، كقولك: فعل ذَلِكَ سُنة. ومثله كَثِير فِي القرآن. وفي قراءة عبد الله: (الَّذِينَ بَلَّغُوا رِسَالات اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ) هَذَا مثل قوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا

وَيَصُدُّونَ) يُرَدّ يفعل عَلَى فعَل، وفَعَل عَلى يفعل. وكلٌّ صواب.

وقوله: مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ [٤٠] دليل على أمر تزوّج زينب (وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ) معناهُ: ولكن كَانَ رسول الله. ولو رفعت عَلَى: ولكن هُوَ رسول الله كَانَ صوابًا وقد قرئ بِهِ

. والوجه النصب.

وقوله: (وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ) كسرها الأعمش وأهل الحجاز، ونصبها- يعني التاء- عَاصِم والحسن وهي فِي قراءة عبد الله: (ولكن نبيًّا خَتَم النبيِّين) فهذه حُجَّةٌ لِمَن قَالَ (خاتم) بالكسر، ومن قَالَ (خاتَمَ) أراد هُوَ آخر النبيين، كما قرأ علقمة فيما ذُكِرَ عَنْهُ (خاتَمُهُ مِسْكٌ) أي آخره مسك. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأحوص سَلَّام ابن سُليم عَن الأشعث بن أبي الشعثاء المحاربيّ قَالَ: كَانَ عَلقمة يقرأ (خاتَمُهُ مِسْكٌ) ويقول: أمَا سمعتَ المرأة تَقُولُ للعطّار: اجْعل لي خاتمه مسكا أي آخره. الفراء ٢/ ٣٤٤الفراء ٢/ ٣٤٤

وقوله: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ [٤٣] يغفر لكم، ويستغفر لكم ملائكته.

قوله: وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ [٥٠] وَفِي قراءة عبد الله (وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ وَاللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ) فقد تكون المهاجرات من بنات الخال والخالة، وإن كَانَ فِيهِ الواو، فقال: (واللَّاتِي) . والعرب تنعَت بالواو وبغير الواو كما قَالَ الشاعر:

فإنّ رُشيدًا وابنَ مَرْوان لَمْ يكن ... ليفعل حَتَّى يُصدر الأمرَ مُصْدَرَا

وأنت تَقُولُ فِي الكلام: إن زرتني زرتُ أخاكَ وابن عمك القريب لك، وإن قلت: والقريب لكَ كَانَ صوابًا.

وقوله (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً) نصبتها ب (أحللنا) وَفِي قراءة عبد الله (وامْرَأَةً مُؤْمِنَةً وَهَبَتْ) لَيْسَ فيها (إِنْ) ومعناهما واحد كقولك فِي الكلام: لا بأسَ أن تسترقَّ عبدًا وُهب لك، وعبدًا إن وهب لك، سواء. وقرأ بعضهم (أنْ وَهَبَتْ) بالفتح عَلَى قوله: لا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنكحها فِي أن وهبت، لا جُناحَ عَلَيْهِ فِي هبتها نفسها. ومن كسر جعله جزاء. وهو مثل قوله (لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ) و (إن صدّوكم) (إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ) مكسورة لم يختلف فيها.

وقوله (خالِصَةً لَكَ) يقول: هَذِه الخصلة خالصة لك ورُخصة دون الْمُؤْمِنِين، فليس للمؤمنين أن يتزوَّجوا امرأة بغير مهر. ولو رفعت (خالصة) لك عَلَى الاستئناف كَانَ صوابًا كما قَالَ (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ) أي هَذَا بلاغ: وما كَانَ من سُنّة الله، وصبغة الله وشبهه فإنه منصوب لاتصاله بِما قبله عَلَى مذهب حقًّا وشبهه. والرفعُ جائز لأنه كالجواب ألا ترى أن الرجل يقول: قد قام عبد الله، فتقول: حقًّا إِذَا وصلته. وإذا نويت الاستئناف رفعته وقطعته مِمّا قبله. وهذه محض القطع الَّذِي تسمعه من النحويين. الفراء ٢/ ٣٤٥الفراء ٢/ ٣٤٥

وقوله: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ [٥١] بِهمز وغير همز. وكلّ صواب (وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ) هَذَا أيضًا مِمّا خُصّ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أن يَجعل لمن أحبّ منهن يومًا أو أكثر أو أقلّ، ويعطّل من شاء منهن فلا يأتيه . وقد كَانَ قبل ذَلِكَ لكل امرأة من نسائه يوم وليلة.

وقوله: (ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ) يقول: إِذَا لَمْ تجعل لواحدة منهنَّ يومًا وكنّ فى ذلك/ ١٤٩ ب سواء، كَانَ أحرى أن تطيب أنفسهن ولا يحزن. ويُقال: إِذَا علمن أن الله قد أباحَ لك ذَلِكَ رَضِين إذْ كَانَ من عند الله. ويُقال: إنه أدنى أن تقرّ أعينهنّ إِذَا لَمْ يحلّ لك غيرهنّ من النساء وكلّ حَسَن.

وقوله: (وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ) رفع لا غير، لأن المعنى: وترضى كل واحدة.

ولا يَجوز أن تجعل (كلّهن) نعتًا للهاء فِي الإيتاء لأنه لا معنى لَهُ ألا ترى أنك تَقُولُ: لأكرمنّ القوم ما أكرموني أجمعين، وليس لقولك (أجمعون) معنًى. ولو كَانَ لَهُ مَعنى لَجازَ نصبه.

وقوله: وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ [٥٢] (أَنْ) فِي موضع رفع كقولك: لا يحلّ لك النساء والاستبدال بِهنّ. وقد اجتمعت القراء على (لا يَحِلُّ) بالياء. وَذَلِكَ أن المعنى: لا يَحلّ لك شيء من النساء، فلذلك اختيرَ تذكير الفعل. ولو كَانَ المعنى للنساء جَميعًا لكان التأنيث أجود فِي العربية. والتاء جائزة لظهور النساء بغير من.

وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ. فغير منصوبة لأنها نعت للقوم، وهم معرفة و (غير) نكرة فنصبت على الفعل كقوله (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) ولو خفضت (غَيْرَ ناظِرِينَ) كَانَ صوابًا لأن قبلها (طَعامٍ ) وهو نكرة، فتجعل فعلهم تابعًا للطعام لرجوع ذكر الطعام فِي (إِناهُ) كما تَقُولُ العرب: رأيت زيدًا مع امرأة محسن إليها، ومحسنًا إليها. فمن قَالَ: (محسنًا) جعله من صفة زيد، ومن خفضه فكأنه قَالَ: رأيتُ زيدًا مع التي يُحسن إليها. فإذا صَارت الصلة للنكرة أتبعتها، وإن كَانَ فعلًا لغيرها. وقد قَالَ الأعشى: الفراء ٢/ ٣٤٦الفراء ٢/ ٣٤٦

فقلتُ لَهُ هَذِه هَاتِهَا ... فجاء بأدماءَ مقتَادِهَا

فجعل المقتاد تابعًا لإعراب الأدماء لأنه بمنزلة قولك: دماء يقتادَها فخفضته لأنه صلة لَهَا.

وقد ينشد بأدماء مقتادِها تخفض الأدماء لإضافتها إلى المقتاد. ومعناهُ: بملء يَدَيْ من اقتادها ومثله فِي العربية أن تَقُولُ: إِذَا دعوت زيدًا فقد استغثت بزيد مستغيثه. فمعنى زيد مدح أي أنه كافى مستغيثه.

ولا يَجوز أن تخفض عَلَى مثل قولك: مررت عَلَى رجل حسَنِ وجهه لأن هَذَا لا يصلح حَتَّى تسقط راجع ذكر الأول فتقول: حسن الوجه. وخطأ أن تَقُولَ: مررت عَلَى امرأة حسنةِ وجهِها وحسنةِ الوجه صواب.

وقوله: (وَلا مُسْتَأْنِسِينَ) فِي موضع خفض تُتبعه الناظرين كما تَقُولُ: كنت غير قائم ولا قاعدٍ وكقولك للوصي: كُلْ من مال اليتيم بالمعروف غير متأثّل مالًا، ولا وَاقٍ مالكَ بِماله.

ولو جعلت المستأنسين فِي موضع نصب تتوهَّم أن تُتبعه بغير لَمّا أن حُلْت بينهما بكلام. وكذلك كل معنى احتمل وجهين ثُمَّ فرّقت بينهما بكلام جازَ أن يكون الآخر معربًا بخلاف الأول. من ذَلِكَ قولك: ما أنت بِمحسن إلى مَن أحسن إليكَ ولا مُجْمِلًا، تنصب المجمل وتخفضه: الخفض على إتباعه المحسن والنصب أن تتوهم أنك قلت: ما أنت مُحسنًا. وأنشدني بعضُ العرب: الفراء ٢/ ٣٤٧الفراء ٢/ ٣٤٧

ولستُ بذي نَيْرب فِي الصديق ... ومنَّاعَ خَيْرٍ وسبّابهَا

ولا من إِذَا كَانَ فِي جانِب ... أضاعَ العشيرة واغتابها

وأنشدني أَبُو القمقام:

أَجِدُّكَ لستَ الدهر رائي رامةٍ ... ولا عاقِلٍ إلا وأنت جَنيب

ولا مصعد فِي الْمُصْعِدينَ لَمنعِجٍ ... ولا هابطًا ما عشت هَضْب شَطِيب

ويُنشد هَذَا البيت:

مُعَاوِيَ إننا بَشَرٌ فَأسْجحْ ... فلسنا بالجبالِ ولا الحديدَا

ويُنشد (الحديدا) خفضًا ونصبًا. وأكثر ما سمعته بالخفض. ويكون نصب المستأنسين عَلَى فعلٍ مُضمر، كأنه قَالَ: فادخلوا غير مستأنسين. ويكون مع الواو ضميرُ دخولٍ كما تَقُولُ: قم ومطيعًا لأبيكَ.

والمعنى فِي تفسير الآية أنّ المسلمين كانوا يدخلونَ عَلَى النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَام فِي وقت الْغَدَاء، فإذا طعِمُوا أطالوا الجلوس، وسَألوا أزواجه الحوائج. فاشتد ذَلِكَ عَلَى النبىّ صلى الله عليه وسلم، حتّى أنزل الله هَذِه الآية، فتكلم فِي ذَلِكَ بعضُ الناس، وقال: أننهى أن ندخل عَلَى بناتِ عَمِّنا إِلَّا بإذنٍ، أو من وراء حجاب. لئن مَاتَ مُحَمَّد لأتَزوَّجَنَّ بعضهنّ. فقام الآباء أَبُو بكر وذووه، فقالوا: الفراء ٢/ ٣٤٨الفراء ٢/ ٣٤٨

يا رسول الله، ونحنُ أيضًا لا ندخل عليهن إلَّا بإذن، ولا نسألهن الحوائج إلا من وراء حجاب، فأنزلَ الله (لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ) إلى آخر الآية. وأَنْزَلَ فِي التزويج (وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً) .

وقوله: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا [٥٨] نزلت فِي أهل الفسق والفجور، وكانوا يتبعون الإماء بالمدينة فيفجرونَ بِهنّ، فكان المسلمونَ فِي الأخبية لَمْ يَبْنوا ولم يستقروا. وكانت المرأة من نساء المسلمين تتبرّز للحاجة، فيعرض لَهَا بعض الفجّار يُرى أنها أمَة، فتصيح بِهِ، فيذهب. وَكَانَ الزِّيُّ واحدًا فأُمِرَ النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَام (قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ ) والجِلباب: الرداء.

حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ، قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ الْمُهَلَّبِ أَبُو كُدَيْنة عَن ابن عون عَن ابن سيرين فِي قوله: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ [٥٩] .

هكذا: قَالَ تُغَطّي إحدى عينيها وجبهتها والشِّق الآخر، إلّا العين.

وقوله: لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ [٦٠] المرجفونَ كانوا من المسلمين. وَكَانَ المؤلفة قلوبهم يُرجفونَ بأهل الصُّفّة. كانوا يشنعونَ عَلَى أهل الصُّفَّة أنهم هم الَّذِينَ يتناولونَ النساء لأنهم عُزّاب. وقوله (لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) أي لنسلّطَنَّكَ عليهم، ولنُولعنّك بهم.

وقوله: مَلْعُونِينَ [٦١] منصوبة عَلَى الشتم، وَعَلَى الفعل أي لا يجاورونك فيها إلا ملعونين. الفراء ٢/ ٣٤٩الفراء ٢/ ٣٤٩

والشتم عَلَى الاستئناف، كما قال: (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) لمن نصبه. ثُمَّ قَالَ (أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا) فاستأنف. فهذا جزاء.

وقوله. (إِلَّا قَلِيلًا) [٦٠] .

حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ ١٥٠ ب حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا يَسِيرًا، حَتَّى يَهْلَكُوا. وقد يَجوز أن تجعل القلة من صفتهم صفة الملعونين، كأنك قلت: إلا أقلاء ملعونين لأنّ قوله (أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا) يدلّ عَلَى أنَّهم يَقِلّون ويتفرّقون.

قوله: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ [٦٦] والقراء عَلَى (تُقَلَّبُ) ولو قرئت (تَقَلَّبُ) و (نقلّب) كانا وجهين.

وقوله: وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا [٦٦] يوقف عليها بالألف. وكذلك (فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) و (الظُّنُونَا) يوقف عَلَى الألف لأنها مثبتة فيهنّ، وهي مع آيات بالألف، ورأيتها فِي مصاحف عبد الله بغير ألف. وَكَانَ حَمْزَةُ والأعمش يقفانِ عَلَى هَؤُلَاءِ الأحرف بغير ألف فيهنّ. وأهل الحجاز يقفونَ بالألف. وقولهم أحبّ إلينا لاتّباع الكتاب. ولو وُصلت بالألف لكان صوابًا لأن العرب تفعل ذَلِكَ. وقد قرأ بعضهم بالألف فِي الوصل والقطع وقوله: إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا [٦٧] واحدة منصوبة. وقرأ الْحَسَن (سَاداتنا) وهي فِي موضع نصب. الفراء ٢/ ٣٥٠الفراء ٢/ ٣٥٠

وقوله: لَعْنًا كثيرًا [٦٨] قراءة العوام بالثاء ، إلا يَحْيَى بن وثّاب فإنه قرأها (وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً ) بالباء . وهي فِي قراءة عبد الله. قَالَ الفراء: لا نجيزه. يعني كثيرًا.

وقوله: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ ... وَيَتُوبَ [٧٣] بالنصب عَلَى الإتباع وإن نويت بِهِ الائتناف رفعته، كما قَالَ (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ) إلا أن القراءة (وَيَتُوبَ) بالنصب.

[ومن سورة سبا]

قوله: عَلَّامِ الْغَيْبِ [٣] قَالَ رأيتها فِي مصحف عبد الله (عَلَّامِ) عَلَى قراءة أصحابه .

وقد قرأها عاصم (عالِمِ الْغَيْبِ) خفضًا فِي الإعراب من صفة الله. وقرأ أهل الحجاز (عالِم الْغَيْبِ) رفعًا عَلَى الائتناف إذ حالَ بينهما كلام كما قَالَ: (رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ) فرفع. والاسم قبله مخفوض فِي الإعراب. وكلٌّ صواب.

وقوله: (لا يَعْزُبُ عَنْهُ) و (يَعْزِبُ) لغتان قد قُرِئ بهما. والكسرُ أحبّ إلي.

وقوله: عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ [٥] قراءة القراء بالخفض . ولو جُعل نعتًا للعذاب فرفع لَجاز كما قرأت القراء (عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ) و (خضر) وقرءوا (فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) لِلَّوح و (مَحْفُوظٍ ) للقرآن. وكل صواب. الفراء ٢/ ٣٥١الفراء ٢/ ٣٥١

وقوله: وَيَرَى الَّذِينَ [٦] (يرى) فِي موضع نصب. معناهُ: ليجزي الَّذِينَ، وليرى الَّذِينَ (قرأ الآية ) وإن شئت استأنفتَهَا فرفعتها، ويكون المعنى مُستأنفًا لَيْسَ بِمردود عَلَى كيْ.

وقوله (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) نصبت (العلم) لَخروجه مِمَّا لَم نُسمّ فاعله. ورفعت (الذينَ) ب (يرى) . وإنّما مَعْناهُ: ويرى الَّذِينَ أوتوا التوراة: عبد الله بن سَلام وأصحابُه من مُسْلمة أهل الكتاب. وقوله (هُوَ الْحَقَّ) (هُوَ) عماد للذي. فتنصب (الحق) إِذَا جعلتها عمادًا. ولو رفعت (الحق) عَلَى أن تجعل (هُوَ) اسمًا كَانَ صوابًا. أنشدني الْكِسَائي:

ليت الشباب هُوَ الرجِيعُ عَلَى الفتى ... والشيبَ كَانَ هو البديء الأوّل

فرفع فِي (كَانَ) ونصب فِي (ليت) ويَجوز النصب فِي كل ألف ولام، وَفِي أفعل منك وجنسه. ويَجوز فِي الأسماء الموضوعة للمعرفة. إلا أن الرفع فِي الأسماء أكثر. تَقُولُ: كَانَ عبدُ الله هُوَ أخوك، أكثر من، كَانَ عبد الله هُوَ أخاك. قَالَ الفراء: يجيز هَذَا ولا يجيزه غيره من النحويين.

وَكَانَ أبو مُحَمَّد هُوَ زيدٌ كلامُ العرب الرفع. وإنما آثروا الرفع فِي الأسماء لأن الألف واللام أحدثنا ١٥١ اعمادا لِمَا هي فِيهِ. كما أحدثت (هُوَ) عمادًا للاسم الَّذِي قبلها. فإذا لَمْ يَجدوا فِي الاسم الَّذِي بعدها ألفًا ولامًا اختاروا الرفع وشبَّهوها بالنكرة لأنهم لا يقولون إلا كان عبد الله هُوَ قائم.

وإنما أجازوا النصب فِي أفضل منك وجنسه لأنه لا يوصل فِيهِ إلى إدخال الألف واللام، فاستجازوا إعمال معناهما وإن لَمْ تظهر . إذ لَمْ يمكن إظهارها . وأما قائم فإنك تقدر فِيهِ عَلَى الألف واللام، فإذا لَمْ تأتِ بهما جعلوا هُوَ قبلها اسما ليست بعماد إذ لم يُعمد الفعل بالألف واللام قَالَ الشاعر: الفراء ٢/ ٣٥٢الفراء ٢/ ٣٥٢

أَجِدَّك لَن تزال نجِيَّ هَمّ ... تبيتُ اللَّيْلَ أنت لَهُ ضَجيعُ

وقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ [٧] العرب تدغم اللام عند النون إِذَا سكنت اللام وتحركت النون. وَذَلِكَ أنها قريبة المخرج منها. وهي كثيرة فِي القراءة. ولا يقولون ذَلِكَ في لامٍ قد تتحرَّك فِي حال مثل ادخل وقل لأن (قل) قد كَانَ يُرفع ويُنصب ويدخل عَلَيه الجزم، وهل وبل وأَجَلْ مجزومات أبدًا، فشُبِّهْنَ إِذَا أُدْغِمن بقوله (النار) إِذَا أدغمت اللام من النار فِي النون منها. وكذلك قوله (فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ) تدغم اللام عند التاء من بَلْ وهل وأجل. ولا تدغم فِي اللام التي قد تتحرك فِي حال. وإظهارهما جائز لأن اللام ليست بموصولة بما بعدها كاتصال اللام من النار وأشباه ذَلِكَ. وإنما صرت أختار (هَلْ تستطيع) و (بَلْ نَظُنُّكُمْ) فأظهر لأن القراءة من المولّدين مصنوعة لَمْ يأخذوها بطباع الأعراب، إنما أخذوها بالصنعة. فالأعرابي ذَلِكَ جائز لَهُ لِمَا يجري عَلَى لسانه من خفيف الكلام وثقيله. ولو اقتسْتُ فِي القراءة عَلَى ما يخفّ عَلَى ألسن العرب فيخففون أو يدغمون لخفّفت قوله (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً) فقلتُ: أَيْش أكبر شهادة، وهو كلام العرب. فليس القراءة عَلَى ذَلِكَ، إنما القراءة عَلَى الإشباع والتمكين ولأن الحرف لَيْسَ بِمتصل مثل الألف واللام: ألا ترى أنك لا تقف على الألف واللام مما هي فِيهِ. فلذلك لَمْ أظهر اللام عند التاء وأشباهها. وكذلك قوله: (اتَّخَذْتُمُ ) و (عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ) تظهر وتدغم. والإدغام أحبّ إليّ لأنها متصلة بحرف لا يوقف عَلَى ما دونه. فأما قوله (بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ) فإن اللام تدخل فِي الرَّاء دخولًا شديدًا، ويثقل عَلَى اللسان إظهارها فأدغمت. وكذلك فافعل بِجميع الإدغام: فما ثقل عَلَى اللسان إظهاره فأدغم، وما سهل لك فِيهِ الإظهار فأظهر ولا تدغم. الفراء ٢/ ٣٥٣الفراء ٢/ ٣٥٣

وقوله: لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [٧] أَفْتَرَى على الله كذبا [٨] هَذِه الألف استفهام. فهي مقطوعة فِي القطع والوصل لأنها ألف الاستفهام، ذهبت الألف التي بعدها لأنها خفيفة زائدة تذهب فِي اتصال الكلام. وكذلك قوله: (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ) وقوله (أَسْتَكْبَرْتَ) قرأ الآية مُحَمَّد بن الجهم، وقوله (أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ) ولا يَجوز أن تكسر الألف هاهنا لأن الاستفهام يذهب. فإن قلت: هَلّا إِذَا اجتمعت ألفان طوّلت كما قال (آلذَّكَرَيْنِ (آلْآنَ) قلت: إنما طولت الألف فِي الآن وشبهه لأن ألفها كانت مفتوحة، فلو أذهبتها لم تجد بين الاستفهام والخبر/ ١٥١ ب فَرقًا، فجعل تطويل الألف فرقًا بين الاستفهام والخبر، وقوله (أَفْتَرى) كانت ألفها مكسورة وألف الاستفهام مفتوحة فافترقا، ولم يحتاجا إلى تطويل الألف. الفراء ٢/ ٣٥٤الفراء ٢/ ٣٥٤

وقوله: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [٩] يقول: أما يعلمونَ أنهم حيثما كانوا فهم يرون بين أيديهم من الأرض والسماء مثل الَّذِي خلفهم، وأنهم لا يخرجون منها.

فكيف يأمنون أن نخسف بِهم الأرض أو نُسقط عليهم من السماء عذابًا.

وقوله: يَا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [١٠] اجتمعت القراء الَّذِينَ يُعرفونَ عَلَى تشديد (أَوِّبِي) ومعناهُ: سبّحي. وقرأ بعضهم (أُوبِي مَعَهُ) من آب يؤوب أي تصرّفى معه. و (الطَّيْرَ) منصوبة عَلَى جهتين: إحداهما أن تنصبها بالفعل بقوله: ولقد آتينا داود منا فضلًا. وسخَّرنا لَهُ الطير.

فيكون مثل قولك: أطعمته طعامًا وماءً، تريدُ: وسقيته ماءً. فيجوز ذَلِكَ. والوجهُ الآخر بالنداء، لأنك إِذَا قلت: يا عَمْرو والصَلْت أقبِلا، نصبت الصلت لأنه إنما يدعى بيا أيّها، فإذا فقدتها كَانَ كالمعدولِ عَن جهته فنُصب. وقد يَجوز رفعه عَلَى أن يتبع ما قبله. ويَجوز رفعه عَلَى: أوِّبي أنت والطير. وأنشدني بعض العرب فِي النداء إِذَا نُصب لفقده يا أيّها:

ألا يا عَمْرو والضحاك سِيرَا ... فقد جاوزتما خَمرَ الطريقِ

الخَمَر: ما سترك من الشجر وغيرها (وقد يجوز ) نصب (الضحاك) ورفعه. وقال الآخر:

يا طلحة الكامل وابن الكامل

والنعت يجري فِي الحرف المنادي، كما يجري المعطوف: يُنصَب ويرفع، ألا ترى أنك تَقُولُ:

إن أخاك قائم وزيد، وإن أخاك قائم [و ] زيدا فيُجرى المعطوف فِي إنّ بعد الفعل مجرى النعت بعد الفعل.

وقوله: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) أسِيلَ لَهُ الحديد، فكان يعمل بِهِ ما شاء. كما يعمل بالطين. الفراء ٢/ ٣٥٥الفراء ٢/ ٣٥٥

وقوله- عزّ وجلّ- أن أعمل سابغات [١١] الدروع (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) يقول: لا تجعل مسمار الدرع دقيقا فيقلق، ولا غليظًا فيقصِم الْحَلَق.

وقوله: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ [١٢] منصوبة عَلَى: وسخرنا لسليمان الريح. وهي منصوبة فى الأنبياء (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً) أضمر: وسَخَّرنا- والله أعلم- وقد رفع عَاصِم - فيما أعلم- (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ) لَما لَمْ يظهر التسخير أنشدني بعضُ العرب:

ورأيتم لِمُجاشعٍ نَعَمًا ... وبني أبيه جَامِلٌ رُغُب

يريد: ورأيتم لبني أبيه، فلما لَمْ يظهر الفعل رُفع باللام.

وقوله: (غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ) يقول: غدوّها إلى انتصاف النهار مسيرة شهر وروحتها كذلك.

وقوله: (وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) مثل (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) والقِطْر: النحاس.

وقوله: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ) [١٣] ذُكر أنها صور الملائكة والأنبياء، كانت تصور فِي المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادةً. والمحاريب: المساجد.

وقوله: (وَجِفانٍ) وهى القصاع الكبار (كَالْجَوابِ) الحياض التي للإبل (وَقُدُورٍ راسِياتٍ) يقول: عظام لا تُنزل عَن مواضعها.

وقوله: تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ [١٤] همزها عَاصِم والأعمش. وهي العصا العظيمة التي تكون مع الراعي: أُخذت من نسأت البعير: زجرته ليزداد سيره كما يُقال: نَسأت اللبن إذا صببت عليه الماء وهو النّسىء. ونُسئت المرأة إِذَا حبلت. ونسأ الله فِي/ ١٥٢ اأجلك أي زاد الله فِيهِ، ولم يهمزها أهلُ الحجاز ولا الْحَسَن. ولعلهم أرادوا لغة قريش فإنهم يتركون الهمز. وزعم لى أَبُو جَعْفَر الرؤاسي أَنَّهُ سأل عنها أبا عَمْرو فقال (مِنْساتَهُ) بغير همزٍ، فقال أَبُو عمرو: لأني لا أعرفها فتركتُ همزها. ولو جاء فِي القراءة: مِن سِاتِهِ فتجعل (سَاةً) حرفًا واحدًا فتخفضه بِمن. الفراء ٢/ ٣٥٦الفراء ٢/ ٣٥٦

قَالَ الْفَرَّاءُ: وَكَذَلِكَ حَدَّثَنِي حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: تَأْكُلُ مَنْ عصاه. والعرب تسمّى رأس القوس السّية، فيكون من ذلك، يجوز فتحها وكسرها، يعنى فتح السين، كما يقال: إنّ به لضعة وضعة، وقحة وقحة من الوقاحة ولم يقرأ بها أحد علمناه.

وقوله: (دَابَّةُ الْأَرْضِ) : الأرضة.

وقوله: (فَلَمَّا خَرَّ) سُلَيْمَان. فيما ذكر أكلت العصا فَخَرّ. وقد كَانَ الناس يُرونَ أنَّ الشياطين تعلم السرّ يكون بين اثنين فلما خرّ تبين أمرُ الجن للإنس أنهم لا يعلمون الغيب، ولو علموهُ ما عملوا بين يديه وهو ميت. و (أَنْ) فِي موضع رفع: (تبيّن) أَنْ لو كانوا. وذُكِرَ عَن ابن عباس أَنَّهُ قَالَ: تبينت الإنس الجن، ويكون المعنى: تبينت الإنس أمر الجن، لأن الجن إِذَا تبيّن أمرها للإنس فقد تبيّنها الإنس، ويكون (أَنْ) حينئذٍ فِي موضع نصب بتبيَّنت. فلو قرأ قارئ تَبَيَّنَتِ الجنّ أن لو كانوا بجعل الفعل للإنس ويضمرهم فِي فعلهم فينصب الجن يفعل الإنس وتكون (أن) مكرورة عَلَى الجن فتنصبها.

وقرأ قوله: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ [١٥] يحيى (فِي مَسْكَنِهِمْ) وهي لغة يَمانيّة فصيحة. وقرأ حَمْزَةُ فِي (مَسْكَنِهِمْ) وقراءة العوام (مَسَاكِنِهِمْ) يريدونَ: منازلهم. وكلّ صواب. والفراء يقرأ قراءة يحيى. الفراء ٢/ ٣٥٧الفراء ٢/ ٣٥٧

وقوله: (آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ) والمعنى: عَن أيمانِهم وشمائلهم. والجنتان مرفوعتان لأنهما تفسير للآية. ولو كَانَ أحد الحرفين منصوبًا بكان لكان صوابا.

وقوله: (وَاشْكُرُوا لَهُ) انقطع هاهنا الكلام (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ) هَذِه بلدة طيبة ليست بسبخة.

وقوله: سَيْلَ الْعَرِمِ [١٦] كانت مُسَنَّاة كانت تحبس الماء عَلَى ثلاثة أبواب منها، فيسقونَ من ذَلِكَ الماء من الباب الأول، ثُمَّ الثاني، ثُمَّ الآخر، فلا بنفد حَتَّى يثوب الماء من السنة المقبلة. وكانوا أنعم قوم عيشًا. فلما أعرضوا وجحدوا الرسل بثق الله عليهم الْمُسَنَّاة، فغرَّقت أرضهم ودفن بيوتَهم الرمل، ومُزّقوا كل مُمَزّق، حَتَّى صاروا مثلًا عند العرب. والعربُ تَقُولُ:

تفرقوا أيادي سبا وأيدي سَبًا قَالَ الشاعر :

عينًا ترى النّاس إليها نَيْسَبَا ... من صَادرٍ ووارِدٍ أيدي سَبَا

يتركونَ همزها لكثرة ما جرى عَلَى ألسنتهم ويُجرونَ سَبَا، ولا يُجرونَ: من لَمْ يُجر ذهب إلى البلدة. ومن أجرى جعل سَبَا رجلًا أو جبلًا، ويهمز. وهو فِي القراءة كَثِير بالهمز لا أعلم أحدًا ترك همزه أنشدني:

الواردونَ وتَيْم فِي ذرى سبأٍ ... قد عَضَّ أعناقَهم جِلْدُ الجواميس

وقوله (ذَواتَيْ أُكُلٍ) يثقّل الْأُكُل. وخفّفه بعض أهل الحجاز. وقد يقرأ بالإضافة وغير/ ١٥٢ ب الإضافة. فأما الأعمش وَعَاصِم بن أبي النجود فثقلا ولم يضيفا فنوّنا. وذكروا فِي التفسير أَنَّهُ البرير وهو ثمر الأراك. وأما الأثل فهو الَّذِي يعرف، شبيه بالطرفاء، إلا أَنَّهُ أعظم طولًا. الفراء ٢/ ٣٥٨الفراء ٢/ ٣٥٨

وقوله: (وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ) قَالَ الفراء ذكروا أَنَّهُ السَّمُر واحدته سَمُرَة.

وقوله: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ [١٧] هكذا قرأه يَحْيَى وَأَبُو عبد الرحمن أيضًا.

والعوام : (وَهَلْ يُجَازَى إلا الْكَفُور) .

وقوله: (ذلِكَ جَزَيْناهُمْ) موضع (ذلك) نصب ب (جزيناهم) .

يقول القائل: كيف خصّ الكفور بالمجازاة والمجازاة للكافر وللمسلم وكل واحد؟ فيقال: إن جازيناهُ بمنزلة كافأناه، والسيئة للكافر بمثلها، وأما المؤمن فيُجزَى لأنه يزاد ويتفضَّل عَلَيْهِ ولا يُجازى. وقد يُقال: جازيت فِي معنى جزَيت، إلا أن المعنى فِي أبين الكلام عَلَى ما وصفت لك ألا ترى أَنَّهُ قد قال (ذلِكَ جَزَيْناهُمْ) ولم يقل (جازيناهم) وقد سمعت جازيت فِي معنى جزيت وهي مثل عاقبت وعقبت، الفعل منك وحدك. و (بناؤها) - يعني- فاعلتُ عَلَى أن تَفَعل ويُفعل بكَ.

وقوله: وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ [١٨] جعل ما بين القرية إلى القرية نصف يوم، فذلك تقديره للسير.

وقوله: رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [١٩] قراءة العوام. وتقرأ عَلَى الخبر (رَبُّنَا بَعَّدَ بَيْنَ أسفارنا) و (باعِدْ) وتقرأ عَلَى الدعاء (رَبَّنَا بَعِّدْ) وتقرأ (رَبَّنَا بَعُدَ بَيْن أسفارنا) تكون (بَيْنَ) فِي موضع رفع وهي منصوبة. فمن رفعها جعلها بمنزلة قوله (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) وقوله: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ [٢٠] نصبت الظن بوقوع التصديق عَلَيْهِ. ومعناهُ أَنَّهُ قَالَ (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) قَالَ الله: صدّق عليهم ظنّه لأنه إنما قاله بظنّ لا بعلم. وتقرأ (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) نصبت الظن عَلَى قوله: ولقد صَدَق عليهم فِي ظنه. ولو قلت: ولقد صدق عليهم إبليس ظنُّه ترفع إبليس والظن كَانَ صوابًا عَلَى التكرير: صدق عليهم ظنّه، كما قال (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ) يريد: عَن قتال فِيهِ، وكما قَالَ (ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ) ولو قرأ قارئ ولقد صدق عليهم إبليس ظنُّه يريد: الفراء ٢/ ٣٥٩الفراء ٢/ ٣٥٩

صدقه ظنُّه عليهم كما تَقُولُ صدقك ظنّك والظنّ يخطىء ويُصيب.

وقوله: وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ [٢١] يُضلّهم بِهِ حُجّة، إلا أنا سلَّطناهُ عليهم لنعلم من يؤمن بالآخرة.

فإن قَالَ قائل: إن الله يعلم أمرهم بتسليط إبليس وبغير تسليطه. قلت: مثل هَذَا كَثِير فِي القرآن. قَالَ الله (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) وهو يعلم المجاهد والصابر بغير ابتلاء، ففيه وجهان. أحدهما أن العرب تشترط للجاهل إِذَا كلمته بشبه هَذَا شرطًا تُسنده إلى أنفسها وهي عالمة ومخرج الكلام كأنه لمن لا يعلم. من ذَلِكَ أن يقول القائل:

النار تُحرق الحطب فيقول الجاهل: بَلِ الحطب يُحرق النار، ويقول العالم: سنأتي بحطب ونار لنعلم أيّهما يأكل صاحبه فهذا وجهٌ بَيّن. والوجه/ ١٥٣ االآخر أن تقول (لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ) معناهُ: حَتَّى نعلم عندكم فكأن الفعل لَهُم فِي الأصل. ومثله مما يدلك عَلَيْهِ قوله (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) الفراء ٢/ ٣٦٠الفراء ٢/ ٣٦٠

عندكم يا كفرة ولم يقل: (عندكم) يعني: وليس فِي القرآن (عندكم) وَذَلِكَ معناهُ. ومثله قوله (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) عند نفسك إذ كنت تقوله فِي دنياك. ومثله ما قَالَ الله لعيسى (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ) وهو يعلم ما يقول وما يجيبه بِهِ فردّ عَلَيْهِ عيسى وهو يعلم أن الله لا يحتاج إلى إجابته. فكما صلح أن يسأل عما يعلم ويلتمس من عبده ونبيه الجواب فكذلك يشرط من فعل نفسه ما يعلم، حَتَّى كأنه عند الجاهل لا يعلم.

وقوله: إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [٢٣] أي لا ينفع شفاعة ملك مقرّب، ولا نبيّ حَتَّى يُؤذن لَهُ فِي الشفاعة.

ويقال: حَتَّى يؤذن لَهُ فيمن يشفع، فتكون (مَنْ) للمشفوع له.

وقوله: (حَتَّى إِذا فُزِّعَ) قراءة الأعمش وَعَاصِم بن أبي النجود وأبي عبد الرحمن السُّلمي وأهل المدينة. وقراءة الْحَسَن البصري (فرّغ) وقراءة مجاهد (حتّى إذا فزّغ) يجعل الفعل لله وأما قول الْحَسَن فمعناهُ حتى إذا كشف عنه الفزع عن قلوبهم وفرّغت منه. فهذا وجه. ومن قال فزّع أو فَزَّع فمعناهُ أيضًا: كُشف عَنْهُ الفزع (عَن) تدل عَلَى ذَلِكَ كما تَقُولُ: قد جُلِّيَ عنك الفزع. والعربُ تَقُولُ للرجل: إنه لمغَلَّب وهو غالب، ومغَلَّب وهو مغلوب: فمن قَالَ: مغلب للمغلوب يقول: هُوَ أبدًا مغلوب. ومن قَالَ: مغلب وهو غالب أراد قول الناس: هُوَ مغلَّب. والمفزع يكون جبانًا وشُجاعًا فمن جعله شجاعًا قَالَ: بمثله تنزل الأفزاع. ومن جعله جبانًا فهو بيّن. أراد: يَفزع من كلّ شىء.

وقوله: (قالُوا الْحَقَّ) فالمعنى فِي ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بين نبيّنا وبين عيسى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ فَترة، فلما نزل جبريل عَلَى مُحَمَّد- عليهما السَّلَام- بالوحي ظنّ أهل السموات أَنَّهُ قيام السَّاعة. فقال بعضهم: (ماذا قالَ رَبُّكُمْ) فلم يدروا، ولكنهم قالوا: قَالَ الحق. ولو قرئ (الْحَقّ) بالرفع أي هُوَ الحق كَانَ صوابًا. ومن نصب أوقع عَلَيْهِ القول: قالوا قالَ الحق. الفراء ٢/ ٣٦١الفراء ٢/ ٣٦١

وقوله: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً [٢٤] قَالَ المفسرون معناه: وإنا لعلى هُدًى وأنتم فِي ضلال مبين، معنى (أو) معنى الواو عندهم. وكذلك هُوَ فِي المعنى. غير أن العربية عَلَى غير ذَلِكَ: لا تكون (أو) بمنزلة الواو. ولكنها تكون فِي الأمر المفوض، كما تَقُولُ: إن شئت فخذ درهمًا أو اثنين، فله أن يأخذ واحدًا أو اثنين، وليس لَهُ أن يأخذ ثلاثة. وَفِي قول من لا يُبصر العربية ويجعل (أو) بمنزلة الواو يَجوز لَهُ أن يأخذ ثلاثة لأنه فِي قولهم بمنزلة قولك: خذ درهمًا واثنين. والمعنى فى قوله (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ) : إنا لضالون أو مهتدون، وإنكم أيضًا لضالون أو مهتدونَ، وهو يعلم أن رسوله المهتدي وأن غيره الضال: الضالون. فأنت تَقُولُ فِي الكلام للرجل: إن أحدنا لكاذب فكذبته تكذيبًا غير مكشوف. وهو فِي القرآن وَفِي كلام العرب كَثِير: أن يوّجه الكلام إلى أحسن مذاهبه إِذَا عُرف كقولك: والله لقد قدم فلان وهو كاذب/ ١٥٣ ب فيقول العالم: قل:

إن شاء الله أو قل فيما أظن فيُكذّبه بأحسن من تصريح التكذيب، ومن كلام العرب أن يقولوا.

قاتله الله: ثُمَّ يستقبحونها، فيقولون: قاتعه وكاتعه. ويقولون جوعًا دعاء عَلَى الرجل، ثُمَّ يستقبحونها فيقولون: جُودًا، وبعضهم: جُوسًا. ومن ذَلِكَ قولهم: وَيْحَك وويسكَ، إنما هي ويلك إلا أنها دونها بمنزلة ما مضى.

وقوله: قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ [٣٠] ولو قرئت : ميعادٌ يَوْمٌ. ولو كانت فِي الكتاب (يومًا ) بالألف لَجاز، تريد: ميعاد فِي يوم.

وقوله: لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [٣١] : التوراة لَمَّا قَالَ أهل الكتاب:

صفةُ مُحَمَّد فِي كتابنا كفر أهل مكة بالقرآن وبالذي بين يديه: الذي قبله التوراة. الفراء ٢/ ٣٦٢الفراء ٢/ ٣٦٢

وقوله: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [٣٣] المكر لَيْسَ لليل ولا للنهار، إنما المعنى: بَلْ مكركم بالليل والنهار. وقد يَجوز أن نضيف الفعل إلى الليل والنهار، ويكونا كالفاعلين، لأن العرب تَقُولُ: نهارك صائم، وليلك نائم، ثُمَّ تضيف الفعل إلى الليل والنهار، وهو فِي المعنى للآدميين، كما تَقُولُ: نام لَيْلُكَ وعَزَم الأمرُ، إنما عَزَمه القوم. فهذا مما يُعرف معناه فتتسع بِهِ العرب.

وقوله: زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ [٣٧] (مَنْ) فِي موضع نصب بالاستثناء. وإن شئت أوقعت عليها التقريب، أي لا تقرِّب الأموال إلا من كَانَ مطيعًا. وإن شئت جعلته رفعًا، أي ما هُوَ إلا من آمن.

ومثله (لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) وإن شئت جعلت (مَنْ) فِي موضع نصب بالاستثناء. وإن شئت نصبًا بوقوع ينفع. وإن شئت رفعًا فقلت: ما هُوَ إلا من أتى الله بقلبٍ سُلَيْم.

وقوله: (وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي) إن شئت جعلت (التي) جامعة للأموال والأولاد لأن الأولاد يقع عليها (التي) فلمّا أن كانا جَمْعًا صلح للتي أن تقع عليهما. ولو قَالَ:

(باللتين) كَانَ وجهًا صوابًا. ولو قَالَ: باللذين كما تَقُولُ: أمّا العسكر والإبل فقد أقبلا. وقد قالت العرب: مرّت بنا غَنَمان سُودان ، فقال: غَنَمان: ولو قَالَ: غَنَم لجاز. فهذا شاهد لمن قال (بالتي) ولو وجهت (التي) إلى الأموال واكتفيت بِهَا من ذكر الأولاد صلح ذَلِكَ، كما قَالَ مرَّار الأسَدي:

نحن بِمَا عندنا وأنت بِمَا ... عِندك راضٍ والرأيُ مختلفُ

وقال الآخر:

إنّي ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبي وكان وكنت غير غدور ولم يقل: غير غَدُورين. ولو قَالَ: وما أموالكم ولا أولادكم بالذين، يذهب بِهَا إلى التذكير للأولاد لَجَاز. الفراء ٢/ ٣٦٣الفراء ٢/ ٣٦٣

وقوله: (لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ) لو نصبت بالتنوين الَّذِي فِي الجزاء كَانَ صوابًا. ولو قيل (لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ) ولو قلت: جزاءٌ الضِّعْفُ كما قَالَ (بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ) (وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ) و (الغرفة) .

وقوله: وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ [٤٤] أي من أين كذبوا بك ولم يأتهم كتابٌ ولا نذيرٌ بِهذا.

قَالَ الله: وَكَذَّبَ الذين من قبلهم [٤٥] وما بلغ أهل مكة معشار الَّذِينَ أهلكنا من القوّة فى الأجسام والأموال. ويقال: ما بلغوا معشار ما آتيناهم فِي الْعِدّة. والمعشار فِي الوجهين الْعُشْر.

وقوله: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ [٤٦] أي يكفيني منكم أن يقوم الرجل منكم وحده، أو هو وغيره، ثم تنفكروا هَلْ جربتم عَلَى مُحَمَّد كذبًا أو رأوا بِهِ جنونًا ففي ذَلِكَ ما يتيقنون أَنَّهُ بنىّ.

وقوله: عَلَّامُ الْغُيُوبِ [٤٨] رفعت (علّام) وهو الوجه لأن النعت إِذَا جاء بعد الخبر رفعته العرب فِي إنّ، يقولون: إن أخاك قائم الظريف. ولو نصبوا كَانَ وجهًا. ومثله (إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ) لو قرئ نصبًا كَانَ صوابًا، إلا أن القراءة الجيّدة الرّفع. الفراء ٢/ ٣٦٤الفراء ٢/ ٣٦٤

وقوله وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ [٥٢] قرأ الأعمش وَحَمْزَة وَالْكِسَائي بالهمز يَجعلونه من الشيء البطيء من نأشت من النئيش، قَالَ الشاعر:

وجئت نئيشا بعد ما فاتك الخبر

وقال آخر»

:

تَمَنَّى نئيشًا أن يكون أطاعني ... وقد حَدَثت بعد الأمور أمورُ

وقد ترك همزها أهل الحجاز وغيرهم، جَعلوها من نُشْته نَوْشًا وهو التناول: وهما متقاربان، بمنزلة ذِمْتُ الشيء وذأمته أي عبته: وقال الشاعر :

فهْي تَنُوش الحوض نَوْشًا من عَلَا ... نَوْشًا بِهِ تقطع أجواز الْفَلَا

وتناوش القومُ فِي القتال إِذَا تناول بعضهم بعضًا ولم يتدانوا كل التداني. وقد يَجوز همزها وهي من نُشت لانضمام الواو، يعني التناوش مثل قوله (وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ) .

وقوله: وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [٥٣] يقولون لَيْسَ بنبي وقد باعدهم الله أن يعلموا ذَلِكَ لأنه لا علم لَهُم، إنما يقولون بالظن وبالغيب أن ينالوا أَنَّهُ غير نبىّ. الفراء ٢/ ٣٦٥الفراء ٢/ ٣٦٥

[ومن سورة فاطر]

قوله: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ [١] هَذَا فِي الأجنحة التي جعلها لجبريل وميكائيل يعني بالزيادة فِي الأجنحة.

وقوله: وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ [٢] ولم يقل: لَهَا، وقد قَالَ قبل ذَلِكَ (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها) فكان التأنيث فِي (لَهَا) لظهور الرحمة. ولو قَالَ: فلا مُمسك لَهُ لَجاز، لأن الْهَاء إنما ترجع عَلَى (ما) ولو قيل فِي الثانية: فلا مرسل لَهَا لأن الضمير عَلَى الرحمة جاز، ولكنها لَمَّا سقطت الرحمة من الثاني ذكّر على (ما) .

قوله: اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [٣] وما كَانَ فِي القرآن من قوله (اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) فمعناهُ: احفظوا، كما تَقُولُ: اذكر أياديّ عندك أي احفظها.

وقوله: (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) تقرأ (غيرُ) و (غَيرِ) قرأها شقيق بن سَلَمة (غَيْرِ) وهو وجه الكلام. وقرأها عَاصِم (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) فمن خفض فِي الإعراب جعل (غير) من نعت الخالق. ومن رفع قَالَ: أردت بغير إلا، فلما كانت ترتفع ما بعد (إلا) جعلت رفع ما بعد (إِلَّا) فِي (غير) كما تَقُولُ: ما قام من أحد إلا أبوك. وكل حسنٌ. ولو نصبت (غَير) إِذَا أريد بِهَا (إِلا) كَانَ صوابًا.

العرب تقول: ما أتاني أحد غَيْرك. والرفع أكثر ، لأن (إلا) تصلح فِي موضعها.

وقوله: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً [٨] يقول: شُبّه عَلَيْهِ عمله، فرأى سيئه حسنًا.

ثم قال/ ١٥٤ ب (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ) فكان الجواب متبعا بقوله (فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) واكتُفي بإتباع الجواب بالكلمة الثانية لأنها كافية من جواب الأولى: ولو أخرج الجواب كله كَانَ : أفمن زين لَهُ سوء عمله ذهبت نفسك، أو تذهب نفسك لأن قوله (فَلا تَذْهَبْ) نهي يدل عَلَى أن ما نُهِيَ عَنْهُ قد مضى فِي صدر الكلمة. ومثله فِي الكلام: الفراء ٢/ ٣٦٦الفراء ٢/ ٣٦٦

إِذَا غضبت فلا تقتل، كأنه كَانَ يقتل عَلَى الغضب، فنُهي عَن ذَلِكَ. والقراء مجتمعون على (تَذْهَبْ نَفْسُكَ) وقد ذَكر بعضهم عَن أبي جَعْفَر المدنيّ (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ) وكلّ صوابَ.

وقوله: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً [١٠] فإن (الْعِزَّةَ) معناهُ: من كَانَ يريد عِلْم العزة ولمن هي فإنها لله جميعًا، أي كل وجهٍ من العزّة فلله.

وقوله: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) الْقُراء مجتمعونَ عَلَى (الْكَلِمُ) إلا أبا عبد الرحمن فإنه قرأ (الكلام الطيب) وكل حسنٌ، و (الْكَلِم) أجود، لأنها كلمة وكلم. وقوله (الكلمات) فِي كَثِير من القرآن يَدلّ عَلَى أن الكلم أجود: والعربُ تَقُولُ كلمة وكَلِم، فأمّا الكلام فمصدر.

وقد قَالَ الشاعر:

مالك تَرْغين ولا يَرْغُو الْخَلِفْ ... وَتضْجَرين والمطيّ مُعترِف

فجمع الْخَلفة بطرح الْهَاء، كما يُقال: شجرة وشجر.

وقوله: (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) أي يرفع الكلم الطيب. يقول: يُتقبّل الكلام الطيب إِذَا كَانَ معه عمل صالِح. ولو قيل: (والعملَ الصَّالِحَ) بالنصب عَلَى معنى: يرفع الله العملَ الصالِح، فيكون المعنى: يرفع الله (العمل الصالِح) ويَجوز عَلَى هَذَا المعنى الرفع، كما جازَ النصبُ لمكان الواو فِي أوَّله. الفراء ٢/ ٣٦٧الفراء ٢/ ٣٦٧

وقوله: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ [١١] يقول: ما يُطَوَّل من عمر، وَلا يُنْقَصُ من عمره، يريدُ آخر غير الأول، ثُمَّ كُني عَنْهُ بالهاء كأنه الأول.

ومثله فِي الكلام: عندي درهم ونصفه يعني نصف آخر. فجازَ أن يكنى عَنْهُ بالهاء لأن لفظ الثاني قد يظهر كلفظ الأول. فكنى عَنْهُ ككناية الأوّل.

وفيها قول آخر: (وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ) يقول: إِذَا أتى عَلَيْهِ الليلُ والنهار نَقَصَا من عمره، وَالْهَاء فِي هَذَا المعنى للأول لا لغيره، لأن المعنى ما يطوّل ولا يذهب منه شيء إلا هُوَ محصًى فِي كتاب، وكل حسن وكأنّ الأول أشبه بالصواب.

وقوله: وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا [١٢] يريدُ: من البحرين جَميعًا: من الْمِلح والعَذْب.

(وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً) من الملح دون العذب.

وقوله: (وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ) ومَخْرها: خرقها للماء إِذَا مَرَّتْ فِيهِ، واحدها ماخِرة.

وقوله. وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها [١٨] يقول: إن دعت داعية ذات ذُنُوبٍ قد أثقلتها إلى ذنوبها ليُحمل عنها شيء من الذنوب لَمْ تَجد ذَلِكَ. ولو كَانَ الَّذِي تدعوهُ أبًا أو ابنًا. فذلك قوله:

(وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى) ولو كانت: ذو قربى لَجازَ لأنه لَمْ يُذكر فيصير نكرة. فمن رفع لَمْ يضمر فِي (كَانَ) شيئًا، فيصير مثل قوله: (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ) ومن نصب أضمر. وهي فِي قراءة أُبَيّ: (وإنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ) عَلَى ذَلِكَ. وإِنَّما أنّث (مُثْقَلَةٌ) يذهب إلى الدابة أو إلى النفس، وهما يعبِّران عَن الذكر والأنثى، كما قَالَ: (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) للذكر والأنثى. الفراء ٢/ ٣٦٨الفراء ٢/ ٣٦٨

وقوله: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ [١٩] فالأعمى هاهنا الكافر، والبصير المؤمنُ.

وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ [٢٠] الظلمات: الكفر، والنور: الإيمان.

وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ [٢١] الظل: الجنة، والحرُور: النار.

وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [٢٢] الأحياء: المؤمنون، والأموات: الكفار.

وقوله: جُدَدٌ بِيضٌ [٢٧] الْخُطط والطرق تكون فِي الجبال كالعُروق، بيض وسُود وحمر، واحدها جُدّة.

وقال امرؤ القيس، يصف الحمار:

كأنّ سَرَاتَيه وجُدَّةُ مَتْنِه ... كنائِن يجري فوقَهنّ دَلِيص

والجُدّة: الْخُطّة السوداء فِي متن الحمار.

وقال الفراء. يقال: قد أدلصت الشيء ودلصته إِذَا برق، وكل شيء يبرق، نحو المرآة والذهب والفضة فهو دَليص.

قَالَ: الطُّرُق جَمع طريق. والطُرق جمع طُرْقة.

وقوله: كَذلِكَ [٢٨] من صلة الثمرات. واختلاف ألوانها أي من الناس وغيرهم كالأول. ثُمَّ استأنف فقال: (إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) .

وقوله: يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ [٢٩] جواب لقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ) أولئك يرجون (تِجارَةً لَنْ تَبُورَ) ف (يرجونَ) جواب لأول الكلام.

وقوله: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ [٣٢] هذا الكافر (وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) فهؤلاء أصحاب اليمين (وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ) وهذه موافقٌ تفسيرها تفسير التي فِي الواقعة. فأصحاب الميمنة هم المقتصدون. ويقال: هم الولدان. وأصحاب المشأمة الكفّار. والمشأمة النار. والسّابقون السّابقون هؤلاء أهل الدرجات العلى أولئك المقرّبون فِي جناتِ عَدْنٍ. الفراء ٢/ ٣٦٩الفراء ٢/ ٣٦٩

قوله: جَنَّاتُ عَدْنٍ [٣٣] ومعنى عدنٍ إقامة بِهِ. عَدَن بالموضع.

وقوله: أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [٣٤] الحزن للمعاش وهموم الدُّنْيَا. ويُقال: الحزن حَزَنَ الموت.

ويُقال الحزن بالجنة والنار لا ندري إلى أيّهما نصير .

وقوله: دارَ الْمُقامَةِ [٣٥] هي الإقامة . والمقامة: المجلس الَّذِي يُقام فِيهِ. فالمجلس مفتوح لا غير كما قَالَ الشاعر :

يومانِ يومُ مقاماتٍ وأنديةٍ ... ويومُ سير إلى الأعداء تأويبِ

وقرأ السُّلمي (لَغُوب) كأنه جعله ما يُلغب، مثل لَغُوب والكلام لُغُوب بضم اللام، واللغوب: الإعياء.

وقوله: وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ [٣٧] يعنى محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وذُكر الشيب.

وقوله: أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ [٤٠] أي إنهم لَمْ يخلقوا فِي الأرض شيئًا. ثم قال:

(أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ) أي فِي خلقها، أي أعانوه عَلَى خلقها.

وقوله: وَلَئِنْ زالَتا [٤١] بمنزله قوله: ولو زالتا (إِنْ أَمْسَكَهُما) (إنْ) بمعنى (ما) وهو بمنزلة قوله: (وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ) .

وقوله: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) المعنى معنى (لو) وهما متآخيتان يجابان بجواب واحد. الفراء ٢/ ٣٧٠الفراء ٢/ ٣٧٠

وقوله: اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ [٤٣] أي فعلوا ذلك استكبارا (وَمَكْرَ السَّيِّئِ) أضيف المكر إلى السيّء وهو هُوَ كما قَالَ: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ) وتصديق ذلك فى قراء عبد الله (ومكرًا سَيِّئًا) وقوله (وَمَكْرَ السَّيِّئِ) الهمزة فى (السّيّئ) مخفوضة/ ١٥٥ ب. وقد جزمها الأعمش وَحَمْزَة لكثرة الحركات، كما قال (لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) وكما قَالَ الشاعر:

إِذَا اعْوَجَجْن قُلْتُ صاحب قَوِّمِ

يريدُ صاحب قوم فجزم الباء لكثرة الحركات. قَالَ الفراء: حَدَّثَنِي الرؤاسي عَن أبي عمرو ابن العلاء (لا يحزنهم) جزم.

[ومن سورة يس]

قوله: يس [١] حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ عَنِ الْحَسَنِ نَفْسَهُ قَالَ: يس: يَا رَجُلُ. وَهُوَ فِي الْعَرَبِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ حَرْفِ الهجاء كقولك:

حم وأشباهها.

القراءة بوقف النون من يس. وقد سمعت من العرب من ينصبها فيقول: (يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) كأنه يجعلها متحركة كتحريك الأدوات إِذَا سكن ما قبلها مثل لَيْتَ ولعلّ ينصب منها ما سكن الَّذِي يلي آخر حروفه. ولو خُفض كما خُفض جَيْرِ لا أفعل ذَلِكَ خُفضت لمكان الياء التي فِي جير. الفراء ٢/ ٣٧١الفراء ٢/ ٣٧١

وقوله: عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [٤] يكون خيرا بعد خبر: إنك لمن المرسلين، إنك على صراط مستقيم. ويكون: إنك لمن الَّذِينَ أرسلوا عَلَى صراط مستقيم عَلَى الاستقامة.

وقوله: تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ [٥] القراءة بالنصب، عَلَى قولك: حقًّا إنك لَمِنَ المرسلين تنزيلًا حقًّا. وقرأ أهل الحجاز بالرفع، وَعَاصِم والأعمش ينصبانِها. ومن رفعها جعلها خبرًا ثالثًا: إنك لتنزيل العزيز الرحيم. ويكون رفعه عَلَى الاستئناف كقولك: ذَلِكَ تنزيل العزيز الرحيم كما قَالَ (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ) أي ذَلِكَ بلاغ.

وقوله: لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آباؤُهُمْ [٦] يُقال: لتنذر قومًا لَمْ يُنذَر آباؤهم أي لَمْ تنذرهم ولا أتاهم رسول قبلك. ويُقال: لتنذرهم بما أنذر آباؤهم، ثُمَّ تُلقي الباء، فيكون (ما) فِي موضع نصب كما قَالَ (أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ) .

وقوله: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ [٨] .

فكنى عَن هي، وهي للأيمان ولم تُذكر. وَذَلِكَ أن الْغُلّ لا يكون إلا باليمين، والعنق، جامعًا لليمين، والعُنق، فيكفي ذكر أحدهما من صاحبه، كما قَالَ (فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ) فضمّ الْوَرثة إلى الوصيّ ولم يُذكروا لأن الصلح إنّما يقع بين الوصي والورثة. ومثله قول الشاعر:

وما أدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ وجهًا ... أريدُ الخير أيُّهما يليني

أألخير الَّذِي أنا أبتغيه ... أم الشرّ الذي لا يأتلينى فكنى عَن الشر وإنما ذكر الخير وَحده، وَذَلِكَ أن الشر يُذكر مع الخير، وهي فِي قراءة عبد الله (إنا جعلنا فِي أيمانهم أغلالا فهى إلى الأذْقَانِ) فكفَتِ الْأَيْمَان من ذكر الأعناق فِي حرف عبد الله، وكَفَت الأعناق من الْأَيْمَان فِي قراءة العامّة. والذَقَن أَسْفل اللحيين. والمقمَح: الغاضّ بصره بعد رفع رأسه. ومعناه: إنا حبسناهم عَن الإنفاق فِي سبيل الله. الفراء ٢/ ٣٧٢الفراء ٢/ ٣٧٢

وقوله: فَأَغْشَيْناهُمْ [٩] أي فألبسنا أبصارهم غشاوة. ونزلت هَذِه الآية فِي قوم أرادوا قتل النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بني مخزوم، فأتوه فِي مصلاه ليلًا، فأعمى الله أبصارهم عَنْهُ، فجعلوا يسمعونَ صوته بالقرآن ولا يرونه. فذلك قوله (فَأَغْشَيْناهُمْ) وتقرأ (فأعشيناهم) بالعين. أغشيناهم عَنْهُ لأن الْعَشْو بالليل، إِذَا أمسيت وأنت لا ترى شيئًا فهو الْعَشْو.

وقوله: وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا [١٢] أمّا ما قدّموا فما أسلفوا من أعمالهم. وآثارهم ما استنّ به من بعدهم. وهو/ ١٥٦ امثل قوله (يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ

وْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ) .

وقوله (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ) القراء مجتمعونَ عَلَى نصب (كُلّ) لِمَا وقع من الفعل عَلَى راجع ذكرها. والرفع وجه جيّد قد سمعت ذَلِكَ من العرب لأن (كُلّ) بمنزلة النكرة إِذَا صحبها الجحد فالعرب تَقُولُ: هَلْ أحد ضربته، وَفِي (كلّ) مِثْل هَذَا التأويل، ألا ترى أن معناهُ: ما من شيء إلا قد أحصيناه.

وقوله: إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ [١٤] والثالث قد كَانَ أرسل قبل الاثنين فكُذِّبَ. وقد تراهُ فِي التنزيل كأنه بعدهما. وإنَّما معنى قوله (فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ) : بالثالث الَّذِي قبلهما كقولك: فعززنا بالأول. والتعزيز يقول: شدّدنا أمرهما بما علمهما الأول شمعون. وكانوا أرسلوا إلى أنطاكية . وهي فِي قراءة عبد الله (فَعَزَّزنا بالثالث) لأنه قد ذكر فى المرسلين ، وإذا ذُكرت النكرة فِي شيء ثُمَّ أعيدت خرجت معرفة كقولك للرجل: قد أعطيتك درهمين، فيقول: الفراء ٢/ ٣٧٣الفراء ٢/ ٣٧٣

فأين الدرهمان؟ وقرأ عَاصِم (فَعَززْنا) خفيفة. وهو كقولك: شدّدنا وشددنا.

وقوله: لَنَرْجُمَنَّكُمْ [١٨] .

يريد: لنقتلنكم. وعامة ما كَانَ فِي القرآن من الرجم فهو قتل ، كقوله (وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ) .

وقوله: طائِرُكُمْ مَعَكُمْ [١٩] القراء مجتمعون على (طائِرُكُمْ) بالألف. والعرب تقول:

طيركم معكم.

وقوله: (أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ) قراءة العامة بالهمز وكسر ألف (إِنْ) .

وقرأ أَبُو رَزِين- وَكَانَ من أصحاب عبد الله- (أأن ذكّرتم) ومن كسر قال (أَإِنْ) جعله جزاء أدخل عَلَيْهِ ألف استفهام. وقد ذُكِرَ عَن بعض القرّاء (طائركم معكم أين ذُكِّرْتُم) و (ذُكِرتم) يريد: طائركم معكم حيثما كنتم. والطائر هاهنا: الأعمال والرزق. يقول: هُوَ فِي أعناقكم.

ومن جعلها (أَين) فينبغي لَهُ أن يخفّف (ذكرتم) وقد خَفّف أَبُو جَعْفَر المدني (ذُكرتم) ولا أحفظ عَنْهُ (أين) .

وقوله: إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ [٢٥] .

أي فاشهدوا لي بذلك. يقوله حبيب للرسل الثلاثة.

وقوله: بِما غَفَرَ لِي رَبِّي [٢٧] و (بما) تكون فِي موضع (الَّذِي) وتكون (ما) و (غفر) فِي موضع مصدر. ولو جعلت (ما) فِي معنى (أي) كَانَ صوابًا. يكون المعنى: ليتهم يَعلمون بأي شيء غَفَر لي رَبِّي. ولو كَانَ كذلك لجازَ لَهُ فِيهِ: (بِمَ غفر لي رَبِّي) بنُقصان الألف، كما تقول: الفراء ٢/ ٣٧٤الفراء ٢/ ٣٧٤

سَلْ عَمَّ شئت، وكما: قَالَ (فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ) وقد أتَمَّها الشاعر وهي استفهام فقال:

إنا قتلنا بقتلانا سَراتكم ... أهلَ اللِّوَاءِ ففِيما يُكثَر الْقِيلُ

وقوله: إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً [٢٩] نصبتها القراء، إلا أبا جَعْفَر، فإنه رفعها، عَلَى ألا يُضمِر فِي (كانت) اسمًا. والنصب إِذَا أضمْرت فيها كما تَقُولُ: اذهب فليس إلا الله الواحد القهار والواحد القهار، عَلَى هَذَا التفسير، وسمعتُ بعض العرب يقول لرجل يصفه بالخِبّ : لو لَمْ يكن إلا ظِلَّة لَخَاب ظِلُّه. والرفع والنصب جائزان. وقد قرأت القراء (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً) بالرفع والنصب. وهذا من ذَاكَ.

وقوله (إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً) وَفِي قراءة عبد الله (إن كانت إلَّا زَقْيَةً) والزَقْيَة والزَقْوة لغتان. يقال زَقَيت وَزَقوت. وأنشدني بعضهم وهو يذكر امرأة:

تلد غلامًا عَارِمًا يؤذيكِ ... ولو زَقَوت كَزُقاء الدّيك

وقوله: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ [٣٠] المعنى: يا لَهَا حسرةً عَلَى العباد. وقرأ بعضهم (يا حسرة العباد) والمعنى فِي العربية واحد. والله أعلم. والعرب إِذَا دعت نكرة موصولة بشيء آثرت النصب، يقولون: يا رجلًا كريمًا أقبل، ويا راكبًا عَلَى البعير أقبل. فإذا أفردوا رفعوا أكثر/ ١٥٦ ب مما ينصبون. أنشدني بعضهم:

يا سيّدا ما أنت من سَيِّدٍ ... موطّأ الأعقابِ رَحْبِ الذراع

قوّال معروف وفعّاله ... نَحّار أُمَّات الرِّبَاع الرِّتَاع أنشدنيه بعض بني سُلَيْم (موطّأ) بالرفع، وأنشدنيه الْكِسَائي (موطأ) بالخفض. وأنشدني آخر: الفراء ٢/ ٣٧٥الفراء ٢/ ٣٧٥

ألا يا قتيلًا ما قتيلَ بني حِلْس ... إِذَا ابتلَّ أطرافُ الرماح من الدَّعْسِ

ولو رفعت النكرة الموصولة بالصفة كَانَ صوابًا. قد قالت العرب:

يا دار غيرها البلى تغييرا

تريد: يا أيتها الدار غيَّرهَا. وسمعت أبا الجراح يقول لرجل: أيا مجنونُ مَجْنُونُ، إتباع .

وسمعت من العرب: يا مهتمُّ بأمرنا لا تهتمّ، يريدون: يا أيها المهتمّ.

وقوله: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا [٣١] (كَمْ) فِي موضع نصب من مكانين: أحدهما أن توقع (يَرَوْا) عَلَى (كَمْ) وهي فِي قراءة عبد الله (ألم يروا مَن أهلكنا) فهذا وجه. والآخر أن توقع (أهلكنا) عَلَى (كم) وتجعله استفهامًا، كما تَقُولُ: علمت كم ضربت غلامك. وإذا كَانَ قبل مَن وأيّ وكم رأيت وما اشتُقّ منها، أو الْعِلم وما اشتقّ منه وما أشبه معناهما، جازَ أن توقع ما بعدكم وأيّ ومن وأشباهها عليها، كما قَالَ الله (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى) ألا ترى أنك قد أبطلت العلم عَن وقوعه عَلَى أيّ، ورفعت أيّا بأحصى. فكذلك تنصبُها بفعل لو وقع عليها.

وقوله (أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ) فُتحت ألفها لأن المعنى: ألم يروا أنهم إليهم لا يرجعون. وقد كسرها الْحَسَن الْبَصْرِيّ، كأنه لَمْ يوقع الرؤية عَلَى (كم) فلم يوقعها عَلَى (أنّ) وإن شئت كسرتها عَلَى الاستئناف وجعلت كم منصوبة بوقوع يروا عليها.

وقوله: وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ [٣٢] شدّدها الأعمش وعاصم. وقد خفّفها قومٌ كَثِير منهم من قرَّاء أهل المدينة وبلغني أن عليًّا خَففها. وهو الوجه لأنَّها (ما) أدخلت عليها لام تكون جوابا لإنْ كأنك قلت: وإن كلّ لَجميع لدينا محضرون. ولم يثقلها من ثقلها إلا عَن صواب. فإن شئت أردت: وإن كل لمن ما جميع، ثُمَّ حُذفت إحدى الميمات لكثرتهنّ كما قَالَ. الفراء ٢/ ٣٧٦الفراء ٢/ ٣٧٦

غداة طفتْ عَلْماءِ بكرُ بن وائل ... وَعُجْنَا صدورَ الخيل نَحو تَميم

والوجه الآخر من التثقيل أن يجعلوا (لَمَّا) بمنزلة (إلا) مع (إِنْ) خاصة، فتكون فِي مذهبها بمنزلة إنما إِذَا وضعت فِي معنى إلا، كأنها لَمْ ضُمّت إليها ما فصارا جَميعًا (استثناء وخرجتا من حد الجحد. ونَرى أن قول العرب (إِلَّا) إنما جمعوا بين إن التي تكون جحدًا وضمّوا إليها (لا) فصارا جَميعًا حرفًا واحدًا وخرجا من حد الجحدِ إذ جمعتا فصارا حرفًا واحدًا. وكذلك لمّا. ومثل ذَلِكَ قوله: لولا، إنما هي لو ضمت إليها لا فصارتا حرفًا واحدًا) . وَكَانَ الْكِسَائي ينفي هَذَا القول.

ويقول: لا أعرفُ جهة لَمّا فِي التشديد فِي القراءة.

وقوله: لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وما عملت أيديهم [٣٥] وَفِي قراءة عبد الله (وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ) وكل صواب. والعربُ تضمر الْهَاء فِي الَّذِي ومن وما، وتظهرها. وكل ذَلِكَ صواب (وما عَمِلت) (ما) إن شئت فِي موضع خفض: ليأكلوا من ثَمره ومما عملت أيديهم. وإن شئت جعلتها جحدًا فلم تجعل لَهَا موضعًا. ويكون المعنى: أنا جعلنا لَهُم الجنات والنخيل والأعناب ولم تعمله أيديهم (أَفَلا يَشْكُرُونَ) .

وقوله: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها [٣٨] إلى مقدار مجاريها: المقدار المستقر. من قَالَ:

(لا مستقرّ لها) أو (لا مستقرّ/ ١٥٧ الها) فهما وجهان حَسَنانِ، جعلها أبدًا جاريةً. وأمّا أن يخفض المستقرَّ فلا أدري ما هُوَ. الفراء ٢/ ٣٧٧الفراء ٢/ ٣٧٧

وقوله: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ [٣٩] الرفع فِيهِ أعجب إليّ من النصب، لأنه قال (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ) ثُمَّ جعل الشمس والقمر مُتبعَين لليل وهما فِي مذهبه آيات مثله. ومن نصب أراد: وقدَّرنا القمر منازلَ، كما فعلنا بالشمس. فردّه عَلَى الْهَاء من الشمس فِي المعنى، لا أَنَّهُ أوقع عَلَيْهِ ما أوقعَ عَلَى الشمس. ومثله فِي الكلام: عبد الله يقوم وجاريته يضربها، فالجارية مردودة عَلَى الفعل لا عَلَى الاسم، لذلك نصبناهَا لأن الواو التي فيها للفعل المتأخّر.

وقوله: (كَالْعُرْجُونِ) والعُرْجون ما بين الشماريخ إلى النابت فِي النخلة. والقديم فِي هَذَا الموضع: الَّذِي قد أتى عَلَيْهِ حول.

وقوله: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ [٤٠] يقول: تطلع ليلًا، ولا أن يسبق الليل النهار، يقول: ولا القمر لَهُ أن يطلُع نهارًا، أي لا يكون لَهُ ضوء. ويُقال: لا ينبغي للشمس أن تُدِركَ القمر فتُذهب ضوءه، ولا أن يسبق الليل النهار فيظلمه. وموضع (أن تدرك) رفع.

[قوله: نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [٣٧] فإن قَالَ قائل: مَا قوله: (نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ) ؟

فإنما معناه: نسلخ عَنْهُ النهار: نرمي بالنهار عَنْهُ فتأتي الظلمة. وكذلك النهار يُسلخ منه الليل فيأتي الضوء. وهو عربيٌّ معروف، ألا ترى قوله: (آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها) أي خرج منها وتركها. وكذلك الليل والنهار.

وقوله: وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ [٤٢] : من مثل فلك نوح (ما يَرْكَبُونَ) يقول: جعلنا لَهُم السفن مثلت عَلَى ذَلِكَ المثال. وهي الزواريق وأشباهها مما يَركب فِيهِ الناس. ولو قرأ قارئ:

من مَثَلِهِ كَانَ وجهًا يريد من مثاله: ولم أسمع أحدًا قرأ به. الفراء ٢/ ٣٧٨الفراء ٢/ ٣٧٨

وقوله: ذُرِّيَّتَهُمْ [٤١] إنّما يخاطب أهل مكة، فجعل الذرية التي كانت مع نوحٍ لأهل مكة لأنها أصل لهم، فقال: (ذُرِّيَّتَهُمْ) وهم أبناء الذُّرِّية.

وقوله: فَلا صَرِيخَ لَهُمْ [٤٣] الصريخ: الإغاثة.

وقوله: إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا [٤٤] يقول: إلا أن نفعل ذَلِكَ رحمةً. وقوله (وَمَتاعاً إِلى حِينٍ) يقول: بقاء إلى أجَلٍ، أي نرحمهم فنمتعهم إلى حين.

وقوله: اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ [٤٥] من عذاب الآخرة (وَما خَلْفَكُمْ) من عذاب الدُّنْيَا مما لا تأمنونَ من عذاب ثَمُود ومن مضى.

وقوله: إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ [٤٦] جواب للآية، وجواب لقوله (وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا) فلما أن كَانُوا معرضين عَن كل آية كفى جوابُ واحدةٍ من ثنتين لأن المعنى: وإذا قيل لَهُم:

اتقوا أعرضوا، وإذا أتتهم آية أعرضوا.

وقوله: وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [٤٩] قرأها يَحْيَى بن وثّاب (يَخصمون) وقرأها عَاصِم (يَخِصِّمُونَ) ينصب الياء ويكسر الخاء. ويَجُوز نصب الخاء لأن التاء كانت تكون منصوبة فنقل إعرابُها إلى الخاء. والكسر أكثر وأجود. وقرأها أهل الحجاز (يَخْصّمونَ) يشدّدون ويَجمعون بين ساكنين. وهي فِي قراءة أُبَيّ بن كعب (يَخْتَصِمُون) فهذه حجة لمن يشدد. وأمّا معنى يَحْيَى بن وثاب فيكون عَلَى معنى يفعلون من الخصومة كأنه قَالَ: وهم يتكلمونَ ويكون عَلَى وجه آخر: وهم يخصمون: وهم فِي أنفسهم يخصِمُونَ من وعدهم الساعة. وهو وجه حسن أي تأخذهم الساعة لأن المعنى: وهم عند أنفسهم يَغلبونَ من قَالَ لَهُم: إن الساعة آتية.

وقوله: فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً [٥٠] يقول: لا يستطيع/ ١٥٧ ب بعضهم أن يوصى إلى بعض. (وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) أي لا يرجعونَ إلى أهلهم قولًا. ويُقال: لا يرجعون: الفراء ٢/ ٣٧٩الفراء ٢/ ٣٧٩

لا يستطيعون الرجوع إلى أهليهم من الأسواق.

وقوله: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا [٥٢] يُقال: إن الكلام انقطعَ عند المرقد. ثُمَّ قالت الملائكة لَهُم: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) ف (هَذَا) و (ما) فِي موضع رفع كأنك قلت:

هَذَا وعد الرحمن. ويكون (مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا) فيكون (هَذَا) من نعت المرقد خفضًا و (ما) فِي موضع رفع: بعثكم وعد الرحمن. وَفِي قراءة عبد الله بن مسعود (مَنْ أَهَبَّنَا من مرقدنا هَذَا) والبعث فِي هَذَا الموضع كالاستيقاظ تَقُولُ: بعثت ناقتي فانبعثت إِذَا أثارها.

وقوله: فاكِهُونَ [٥٥] بالألف. وتقرأ (فكِهون ) وهي بمنزلة حَذِرون وحاذرون وهي فِي قراءة عبد الله (فاكهينَ) بالألف.

وقوله: عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ [٥٦] و (عَلَى الأرائك متكئين) منصوبًا عَلَى القطع. وَفِي قراءتنا رفع، لأنها منتهى الخبر.

وقوله (فِي ظُلَلٍ ) أراد جمع ظُلَّة وظُلَل. ويكون أيضًا (ظِلَالًا ) وهي جمع لظُلَّة كما تَقُولُ: حُلّة وحُلل فإذا كثرت فهي الحلال. والجِلال والقلال . ومن قال: (فى ظلال) فهى جمع ظلّ .

وقوله: سَلامٌ قَوْلًا [٥٨] وَفِي قراءة عبد الله (سلامًا قولًا) فمن رفع قَالَ: ذَلِكَ لَهُم سلام قولًا، أي لَهُم ما يدّعونَ مُسَلّم خالص، أي هُوَ لهم خالص، يجعله خبرا لقوله (لَهُمْ ما يَدَّعُونَ) الفراء ٢/ ٣٨٠الفراء ٢/ ٣٨٠

خالص. ورُفع عَلَى الاستئناف يريد ذَلِكَ لَهُم سَلام. ونصب القول إن شئت عَلَى أن يخرج من السَّلَام كانك قلت قاله قولًا. وإن شئت جعلته نصبا من قوله (لَهُمْ ما يَدَّعُونَ) (قولًا) كقولك:

عِدَة من الله.

وقوله: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ [٦٥] وَفِي قراءة عبد الله (ولِتُكَلِّمَنَا) كأنه قَالَ: نختم عَلَى أفواههم لتكلمنا. والواو فِي هَذَا الموضع بمنزلة قوله (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ) وقوله: نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ [٦١] قرأ عَاصِم والأعمش وحَمْزَة (نُنَكِّسْهُ) بالتشديد. وقرأ الْحَسَن وأهل المدينة (نَنْكُسْهُ) بالتخفيف وفتح النون

وقوله: فَمِنْها رَكُوبُهُمْ [٧٢] اجتمعَ القراء عَلَى فتح الرّاء لأن المعنى: فمنها ما يركبون. ويقوّي ذَلِكَ أن عائشة قرأت (فمنها رَكُوبَتُهم) ولو قرأ قارئ: فمنها رُكوبهم كما تَقُولُ: منها أكلهم وشربهم ورُكوبهم كان وجها.

وقوله: مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ [٨٠] ولم يقل: الْخُضْر. وقد قَالَ الله (مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ) ولم يقل: أخضر. والرَفْرَف ذكر مثل الشجر. والشجر أشدّ اجتماعًا وأشبه بالواحد من الرفرف ألا ترى اجتماعه كاجتماع الْعُشب والحصى والتمر، وأنت تَقُولُ: هَذَا حَصًى أبيض وحَصًى أسود، لأن جمعه أكثر فِي الكلام من انفراد واحده. ومثله الحنطة السمراء، وهي واحدة فِي لفظ جمع. ولو قيل حنطة سمركان صوابًا ولو قيل الشجر الْخُضُر كَانَ صوابًا كما قيل الحنطة السمراء وقد قَالَ الآخر:

بهر جاب ما دام الأراك به خضرا فقال: خُضْرًا ولَم يقل: أخضر. وكل صواب. والشجر يؤنث ويُذكر. قَالَ الله (لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ) فأنّث. وقال (وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ) فذكر ولم يقل: الفراء ٢/ ٣٨١الفراء ٢/ ٣٨١

فيها. وقال (فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ) فذكّر.

[ومن سورة الصافات]

قوله: وَالصَّافَّاتِ [١] تخفض التاء من (الصافات) ومن (التاليات) لأنه قسمٌ. وكانَ ابن مسعود يُدغم (وَالصَّافَّاتِ صفا) / ١٥٨ اوكذلك (فَالتَّالِياتِ) (فَالزَّاجِراتِ) يُدغم التاء منهن والتبيان أجود لأن القراءة بنيت عَلَى التفصيل والبيان.

وهذه الأحرف- فيما ذكروا- الملائكة.

قوله: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ [٦] تُضاف الزينة إلى الكواكب. وهي قراءة العامة. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي قيس وَأَبُو معاوية عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق أنه قرأ (بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ) يخفض الكواكب بالتكرير فيَرُدّ معرفة عَلَى نكرة، كما قَالَ (لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) فردّ نِكرة عَلَى معرفة. ولو نصبت (الْكَواكِبِ) إِذَا نَوَّنت فِي الزينة كَانَ وجهًا صوابًا. تريد: بتزييننا الكواكب. ولو رفعت الكواكب) تريد: زيَّناها بتزيينها الكواكب تجعل الكواكب هي التي زيَّنت السماء.

وقوله: لا يَسَّمَّعُونَ [٩] قرأها أصحاب عبد الله بالتشديد عَلَى معنى يتسمعونَ. وقرأها الناسُ (يَسْمَعُونَ) وكذلك قرأها ابن عباس وقال: هم (يتَسَمَّعُونَ ولا يسمعون ) . الفراء ٢/ ٣٨٢الفراء ٢/ ٣٨٢

وَمَعْنَى (لا) كقوله (كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ) لو كَانَ فِي موضع (لا) (أَنْ) صلح ذَلِكَ، كما قَالَ (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تضلّوا) وكما قَالَ (وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) ويصلح فِي (لا) عَلَى هَذَا المعنى الجزم. العرب تَقُولُ: ربطت الفرس لا ينفلت، وأوثقت عبدي لا يفِررْ. وأنشدني بعض بني عقيل:

وَحَتَّى رأينا أحسنَ الْوُدّ بيننا ... مساكتةً لا يقرِفِ الشرَّ قَارفُ

وبعضهم يقول: لا يَقْرفُ الشرّ والرفع لغة أهل الحجاز. وبذلك جاء القرآن.

وقوله: مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً [٨] بضم الدَّال. ونصبها أَبُو عبد الرحمن السلمي. فمن ضمها جعلها مصدرًا كقولك: دَحرته دُحُورًا. ومن فَتَحها جعلها اسمًا كأنه قَالَ: يقذفونَ بداحرٍ وبِما يَدْحَرُ. ولست أشتهيها لأنها لو وجِّهت عَلَى ذَلِكَ عَلَى صحة لكانت فيها الباء كما تقول: يقذفون بالحجارة، ولا نقول يُقذفونَ الحجارة. وهو جائز قَالَ الشاعر:

نُغَالِي اللحم للأضياف نِيئًا ... وتُرخصه إِذَا نِضجَ الْقُدورُ

والكلام: نغالى باللحم.

وقوله: (عَذابٌ واصِبٌ) (وَلَهُ الدِّينُ واصِباً) دائم خالص. الفراء ٢/ ٣٨٣الفراء ٢/ ٣٨٣

قوله: مِنْ طِينٍ لازِبٍ [١١] اللازب: اللاصق. وقيس تَقُولُ: طين لاتب. أنشدني بعضهم:

صُدَاع وتوْصيم العظام وفَترة ... وغثيٌ مع الإشراق فِي الْجَوْف لاتب

والعربُ تَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بضربةِ لازِب ولازم، يبدلونَ الباء ميمًا لتقارب المخرج.

وقوله: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ [١٢] قرأها الناس بنصب التاء ورفعها والرفع أحبّ إليّ لأنها قراءة عَليّ وابن مسعود وعبد الله بن عَبَّاسٍ. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ:

حَدَّثَنِي مِنْدَلُ بْنُ عَليّ الْعَنْزِيّ عَن الأعمش قَالَ: قَالَ شقيق: قرأتُ عند شُرَيح (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ) فقال: إن الله لا يَعْجب من شيء، إنها يَعجب من لا يعلم. قَالَ: فذكرت ذَلِكَ لإبراهيم النَّخَعيّ فقال: إن شرُيحًا شاعر يُعجبه عِلمه، وعبد الله أعلم بذلك منه. قرأها (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ) .

قَالَ أَبُو زكريّا: والعجب ١٥٨ ب وإن أُسند إلى الله فليسَ معناهُ من الله كمعناهُ من العباد، ألا ترى أَنَّهُ قال (فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ) وليس السُّخْرِي من الله كمعناهُ (من العباد ) وكذلك قوله (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) (لَيْسَ ذَلِكَ من الله كمعناهُ من العباد) ففي ذَا بيانٌ (لكسر قول) شُرَيح، وإن كَانَ جائزًا لأن المفسرين قالوا: بَلْ عَجِبْتَ يا محمد ويسخرون هم. فهذا وجه النصب.

وقوله: كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ [٢٨] يقول: كنتم تأتوننا من قبل الدين، أي تأتوننا تخدعوننا بأقوى الوجوه. واليمين: القدرة والقوّة. وكذلك قوله (فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ) أي بالقوّة والقدرة. الفراء ٢/ ٣٨٤الفراء ٢/ ٣٨٤

وقال الشاعر :

إِذَا ما غاية رُفِعت لمجدٍ ... تلقاها عَرَابةُ باليمين

أي بالقدرة والقوة. وقد جاء فِي قوله (فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ) يقول: ضربهم بيمينه التي قالها (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ) .

وقوله: لا فِيها غَوْلٌ [٤٧] لو قلت: لا غَوْلَ فيها كَانَ رفعًا ونصبًا. فإذا حُلْتَ بين لا وبينَ الغول بلامٍ أو بغيرها من الصفات لَمْ يكن إلّا الرفع. والغول يقول: ليس فيها غِيلَةَ وغَائلة وغُول وغَوْل.

وقوله: (وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ) و (يُنْزَفُونَ) وأصحابُ عبد الله يقرءون (يُنْزِفُون) وله معنيان.

يُقال: قد أنزفَ الرجل إِذَا فنيت خَمْره، وأنزف إِذَا ذهب عقله. فهذان وجهان. ومن قال (ينزفون) يقول: لا تذهب عقولهم وهو من نُزِف الرجلُ فهو مَنْزوف.

وقوله: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ [٥٤] هَذَا رجل مِنْ أهل الجنة، قد كَانَ لَهُ أخ من أهل الكفر، فأحبّ أن يَرَى مكانه فيأذنَ الله لَهُ، فيطلع فِي النار، ويخاطبه.

فإذا رآهُ قَالَ (تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) وَفِي قراءة عبد الله (إِنْ كِدْت لَتُغْوِين) ، ولولا رحمة ربى (لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) أي معك فِي النار مُحضرًا.

يقول الله (لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ) وهذا من قول الله.

وقد قرأ بعضُ القراء (قالَ هَلْ أَنتم مُطْلِعُونِ فَأُطْلِعَ) فكسر النون. وهو شاذٌّ لأن العرب لا تختار عَلَى الإضافة إِذَا أسندوا فاعلًا مجموعًا أو موحدًّا إلى اسم مكنّى عَنْهُ. فمن ذَلِكَ أن يقولوا: أنت ضاربي. ويقولون للاثنين: أنتما ضارباي، وللجميع: أنتم ضاربي، ولا يقولوا للاثنين: الفراء ٢/ ٣٨٥الفراء ٢/ ٣٨٥

أنتما ضاربانني ولا للجميع: ضاربونَني. وإنّما تكون هَذِه النون فِي فعل ويفعل، مثل (ضربوني ويضربني وضربني) . وربما غلط الشاعر فيذهب إلى المعنى، فيقول: أنتَ ضاربُني، يتوهم أَنَّهُ أراد: هَل تضربني، فيكون ذَلِكَ عَلَى غير صحَّة.

قَالَ الشاعر:

هَلِ الله من سَرْو الْعَلَاةِ مُرِيحنِي ... ولَمَّا تَقَسَّمْني النِّبَارُ الكوانِسُ

النِّبْر: دابة تشبه الْقُرَاد. وقال آخر:

وما أدري وظنِّي كلُّ ظنّ ... أمسلمني إلى قوم شراح

١٥٩ ايريد: شراحيل ولم يقل: أمسلميّ. وهو وجه الكلام. وقال آخر:

هم القائلونَ الخيرَ والفاعلونَه ... إِذَا ما خَشُوا من محدث الأمر مُعْظَما

ولم يقل: الفاعلوه. وهو وجه الكلام.

وإنّما اختاروا الإضافة فِي الاسم المكنى لأنه يختلط بِما قبله. فيصير الحرفان كالحرف الواحد.

فلذلك استحبُّوا الإضافة فِي المكنيّ، وقالوا: هما ضاربان زيدًا، وضاربَا زيدٍ لأن زيدًا فِي ظهوره لا يَختلط بِما قبله لأنه لَيْسَ بِحرف واحدٍ والمكنى حرف. الفراء ٢/ ٣٨٦الفراء ٢/ ٣٨٦

فأمَّا قوله (فَاطَّلَعَ) فإنه يكون عَلَى جهة فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ، كما تَقُولُ: دعَا فأجيب يَا هَذَا.

ويكون: هَل أنتم مُطْلِعِونِ فَأَطَّلِعَ أنا فيكون منصوبًا بِجواب الفاء.

وقوله: شَجَرَةٌ تَخْرُجُ [٦٤] وهي فِي قراءة عبد الله (شَجَرةً نابتة فى أصل الجحيم) .

وقوله: كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ [٦٥] فإن فِيهِ فِي العربية ثلاثة أوجه. أحدها أن تشبه طَلْعها فِي قبحه برءوس الشياطين لأنها موصوفة بالقبح، وإن كانت لا تُرى. وأنت قائل للرجل: كأنه شيطان إِذَا استقبحته. والآخر أن العرب تسمّي بعض الحيّات شيطانًا. وهو حَيّة ذو عرف .

قَالَ الشاعر، وهو يذم امرأة لَهُ:

عنجرد تحلف حين أحلف ... كمثل شيطانِ الحماط أعرف

ويُقال: إنه نبت قبيح يسمى برءوس الشياطين. والأوجه الثلاثة يذهب إلى معنى واحد فِي القبح.

وقوله: لَشَوْباً [٦٧] الْخَلْط يُقال: شاب الرجل طَعَامه يشوبُه شَوْبًا.

وقوله: فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ [٧٠] أي يسرعونَ بسيرهم. والإهراع: الإسْرَاع فِيهِ، شبيه بالرِّعدة (ويُقال قد أُهْرِعَ إهراعًا) .

وقوله: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ [٧٨] (يقول: أَبقينا لَهُ ثناءً حَسَنًا فِي الآخرين ويقال:

(تَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى نُوحٍ) أي تركنا عَلَيْهِ هَذِه الكلمة كما تَقُولُ: قرأت من القرآن (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) فيكون فِي الجملة فِي معنى نصبٍ ترفعها بالكلام، كذلك (سَلامٌ عَلى نُوحٍ) ترفعه بِعَلَى، وهو فِي تأويل نَصْبٍ. ولو كَانَ: تركنا عَلَيْهِ سَلامًا كَانَ صوابًا. الفراء ٢/ ٣٨٧الفراء ٢/ ٣٨٧

وقوله: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ [٨٣] يقول: إِنّ من شيعة مُحَمَّد لإبراهيم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

يقول: عَلى دينه ومنهاجه، فهو من شيعته، وإن كَانَ إِبْرَاهِيم سابقًا لَهُ. وهذا مثل قوله (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ) أَيْ ذرية من (هُوَ منهم) فجعلها ذريتهم وقد سبقتهم.

وقوله: إِنِّي سَقِيمٌ [٨٩] أي مطعون من الطاعون. ويُقال: إنها كلمة فيها مِعْراض ، أي إنه كُلُّ من كَانَ فِي عنقه الموت فهو سقيم، وإن لَمْ يكن بِهِ حين قالها سُقْم ظاهر. وهو وجهٌ حسن.

حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ الْمُهَلَّبِ أبو كدينة عن الحسن ابن عمارة ١٥٩ ب عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيِّ فِي قوله (لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ) قَالَ: لَمْ يَنْسَ وَلَكِنَّهَا مِنْ مَعَارِيضِ الْكَلامِ وقد قال عُمَر فِي قوله: إنّ فِي معاريض الكلام لَمَا يُغنينا عَن الكذب.

وقوله: فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ [٩٣] أي مال عليهم ضربًا، واغتنم خَلوتَهم من أهل دينهم.

وَفِي قراءة عبد الله (فَرَاغَ عَليهم صَفْقًا باليمين) وكأن الروغ هاهنا أنّه اعتلّ رَوْغًا ليفعل بآلهتهم ما فعل.

وقوله: فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [٩٤] قرأها الأعمش (يُزِفُّونَ) كأنَّها من أزففت. ولم نسمعها إلّا زَفَفْت: تَقُولُ للرجل: جاءنا يَزِفّ. ولعلّ قراءة الأعمش من قول العرب: قد أطردْت الرجل أي، صيّرته طريدًا، وطَرَدْته إِذَا أنت قلت لَهُ: اذهب عنّا فيكون (يُزِفّون) أي جَاءوا عَلَى هَذِه الهيئة بمنزلة المزفوفة عَلَى هَذِه الحال فتدخل الألف كما تَقُولُ للرجل: هُوَ محمودٌ إِذَا أظهرت حمده، وهو مُحَمَّد إِذَا رأيت أمره إلى الحمد ولم تنشر حمده. قَالَ: وأنشدني المفضل: الفراء ٢/ ٣٨٨الفراء ٢/ ٣٨٨

تَمَّنى حُصَين أن يسود جِذَاعَه ... فأَمْسَى حُصَين قد أَذَلّ وَأَقَهَرا

فقال: أَقْهَرَ أي صار إلى حَالِ القهر وإنما هُوَ قُهِرَ. وقرأ الناس بعدُ (يَزِفُّونَ) بفتح الياء وكسر الزَّاي وقد قرأ بعضُ القراء (يَزِفونَ) بالتخفيف كأنها من وَزَف يَزف وزعم الْكِسَائي أَنَّهُ لا يعرفها.

وقال الفراء: لا أعرفها أيضًا إلا أن تكون لَمْ تقع إلينا.

وقوله: هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [١٠٠] ولم يقل: صالِحًا، فهذا بمنزلة قوله: ادْنُ فأصِب من الطعام، وهو كَثِير: يَجْتزأ بمن عَن المضمر كما قَالَ الله (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) ولم يقل:

زاهدينَ من الزاهدين.

وقوله: بِغُلامٍ حَلِيمٍ [١٠١] يريد: فِي كِبَره .

[قوله] : فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ [١٠٢] يقول: أطاقَ أن يعينه على عمله وَسَعْيه. وَكَانَ إِسْمَاعِيل يومئذ ابن ثلاث عشرة (فَانْظُرْ ماذا تَرى) وتُقرأ (تُرَى) حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي هُشَيْم عَن مُغِيرَة عَن إِبْرَاهِيم أَنَّهُ قرأ (فَانْظُرْ ماذا تَرى) قَالَ الفراء:

وَحَدَّثَنِي حَفْص بن غِيَاث عَن الأعمش عَن عمارة بن عمير عَن الأسود أَنَّهُ قرأها (تَرَى) وأن يَحْيَى بن وثّاب قرأها (تُرِي) وقد رُفع (تُرِي) إلى عبد الله بن مسعود قَالَ الفراء، وحدثنى قيس عن مغيرة عَن إِبْرَاهِيم قَالَ (فَانْظُرْ مَاذا تَرى) : تشير، و (ماذا تَرى) : تَأمر قَالَ أَبُو زكريا: وأرى والله أعلم- أنه لم يستشره فِي أمر الله، ولكنه قَالَ: فانظر ما تريني من صبرك أو جزعك، فقال (سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) وقد يكون أن يطلع ابنه عَلَى ما أمر بِهِ لينظر ما رأيه وهو ماضٍ عَلَى ما أُمِرَ بِهِ. الفراء ٢/ ٣٨٩الفراء ٢/ ٣٨٩

وقوله فَلَمَّا أَسْلَمَا وتلّه للجبين [١٠٣] يقول: أسْلَما أي فَوَّضَا وأطاعَا وَفِي قراءة عبد الله (سَلَّمَا) يقول سَلّمَا من التسليم، كما تَقُولُ: إِذَا أصابتك مُصيبة فسَلّم لأمر الله أي فارْضَ بِهِ.

وقد قَالَ (افْعَلْ ما تُؤْمَرُ) ولم يقل (بِهِ) كأنه أراد: افعل الأمر الَّذِي تؤمره. ولو كانت (بِهِ) كَانَ وجهًا جيدًا وَفِي قراءة عبد الله (إني أَرَى فِي المنامِ افعل ما أُمِرْت بِهِ) .

ويُقال أين جواب قوله (فَلَمَّا أَسْلَما) ؟

وجوابها فى قوله (وَنادَيْناهُ) والعرب ١٦٠ اتدخل الواو فى جواب فلمّا (وحتّى إذا) وتُلقيها.

فمن ذَلِكَ قول الله (حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ) وفى موضع آخر (وَفُتِحَتْ) وكلّ صَوَابٌ. وَفِي قراءة عَبْد اللَّه (فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ وَجَعَل السِّقَايَةَ) وَفِي قراءتِنَا بغير واو وقد فسرناهُ فِي الأنبياء .

وقوله: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [١٠٧] والذِّبْح الكبش وكلّ ما أعددته للذَبْح فهو ذِبْح.

ويُقال: إنه رَعَى فِي الجنة أربعين خريفًا فأعظم بِهِ. وقال مجاهد (عَظِيمٍ) متقبَّل.

وقوله: وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ [١١٦] فجعلهَما كالجمع، ثُمَّ ذكرهما بعد ذَلِكَ اثنين وهذا من سعة العربيّة: الفراء ٢/ ٣٩٠الفراء ٢/ ٣٩٠

أن يُذهب بالرئيس: النَّبِيّ والأمير وشبهه إلى الجمع لِجنوده وأتباعه، وإلى التوحيد لأنه واحد فِي الأصل. ومثله (عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ) وفى موضع آخر (وَمَلَأَهُ) ورُبّما ذهبت العرب بالاثنين إلى الجمع كما يُذهب بالواحِدِ إلى الجمع ألا ترى أنك تُخاطب الرجل فتقول:

ما أحسنتم ولا أجملتم، وأنت تريده بعينه، ويقول الرجل لِلْفُتْيا يُفتي بِهَا: نحن نقول: كذا وكذا وهو يريد نفسه. ومثل ذلك قوله فى سورة ص (وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ) ثُمَّ أعاد ذكرهما بالتثنية إذ قَالَ: خَصْمَانِ بغى بعضنا على بعض.

وقوله: وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [١٢٣] ذُكِرَ أَنَّهُ نبيٌّ، وأنّ هَذَا الاسم اسم من أسماء العبرانية كقولِهم: إِسْمَاعِيل وإسحاق والألف واللام منه، ولو جعلته عربيًا من الألْيَس فتجعله إفعالًا مثل الإخراج والإدخالِ لَجَرى .

ثُمَّ قال: سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ [١٣٠] فجعله بالنون. والعجميُّ من الأسماء قد يفعل بِهِ هَذَا العرب. تَقُولُ: ميكالُ وميكائيل وميكائل وميكائين بالنون. وهي فِي بني أسد يقولون: هَذَا إسماعين قد جاء، بالنون، وسائر العرب باللام. قَالَ: وأنشدني بعض بني نُمَير لضب صاده بعضهم:

يقول أهلُ السوق لَمَّا جينا ... هَذَا وَربِّ البيت إسرائينا

فهذا وجه لقوله: إلياسينَ. وإن شئت ذهبت بإلياسين إلى أن تجعله جمعا . فتجعل أصحابه داخلين فِي اسمه، كما تَقُولُ للقوم رئيسهم الْمُهَلّب: قد جاءتكم المهالبة والمهلَّبون، فيكون بمنزلة قوله: الفراء ٢/ ٣٩١الفراء ٢/ ٣٩١

الأشعرِين والسَّعْدِين وشبهه. قَالَ الشاعر :

أنا ابن سعدٍ سَيّدِ السَّعْدِينا

وهو فِي الاثنين أكثر: أن يضم أحدهما إلى صاحبه إِذَا كَانَ أشهر منه اسمًا كقول الشاعر :

جزاني الزَّهدمان جزاء سَوءٍ ... وكنتُ المرءَ يُجزَى بالكرامَهْ

واسم أحدهما زَهْدَم. وقال الآخر :

جزى الله فيها الأعورَين ذَمَامةً ... وفروة ثَغْر الثورة المتضاجِم

واسم أحدهما أَعور:

وقد قرأ بعضهم (وَإِنَّ الْيَأْسَ) يجعل اسْمه يأسًا، أدخل عَلَيْهِ الألف واللام. ثُمَّ يقرءون (سَلامٌ عَلَى آل ياسينَ) جاء التفسير فِي تفسير الكلبي عَلَى آل ياسين: عَلَى آل مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

والأوّل أشبه بالصواب- والله أعلم- لأنها فِي قراءة/ ١٦٠ ب عبد الله (وَإِنّ إدريسَ لَمِنَ المرسَلِينَ) (سَلَامٌ عَلَى إدراسِين) وقد يشهد عَلَى صواب هَذَا قوله: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ) ثُمَّ قَالَ فِي موضع آخر (وَطُورِ سِينِينَ) وهو معنى واحد وموضع واحد والله أعلم.

وقوله: أَتَدْعُونَ بَعْلًا [١٢٥] ذكروا أَنَّهُ كَانَ صنمًا من ذهب يُسمَّى بعلا، فقال (أَتَدْعُونَ بَعْلًا) أي هَذَا الصنم ربًّا. ويُقال: أتدعون بعلًا ربًّا سوى الله. وذُكر عَن ابن عباس أن ضالّة أُنشدت، فجاء صاحبها فقال: أنا بعلها. فقال ابن عباس: هَذَا قول الله (أَتَدْعُونَ بَعْلًا) أي ربّا. الفراء ٢/ ٣٩٢الفراء ٢/ ٣٩٢

وقوله: اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [١٢٦] تقرأ نصبًا ورفعًا . قرأها بالنصب الربيع بن خيثم.

وقوله. الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ

[١٤٠] السفينة إِذَا جهزت وملئت وقع عليها هَذَا الاسم. والفُلك يذكر ويؤنث ويُذهب بِهَا إلى الجمع قَالَ الله (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) فجعلها جَمعًا. وهو بمنزلة الطفل يكون واحدًا وجَمعًا، والضيفُ والبَشَر مثله.

وقوله: وَهُوَ مُلِيمٌ [١٤٢] وهو الَّذِي قد اكتسبَ اللَّوْمَ وإن لَمْ يلم. والموم الذي قد لِيم باللسان. وهو مثل قول العرب أصبحت مُحمقًا معطِشًا أي عندك الحمق والعطش. وهو كثير فى الكلام.

وقوله. المدحضين [١٤١] المغلوبين. يُقال: أدحض الله حُجَّتك فَدَحضت. وهو فِي الأصل أن يَزْلَق الرَّجُل.

وقوله: مِنْ يَقْطِينٍ [١٤٦] قيل عند ابن عباس: هُوَ ورق الْقَرْع. فقال: ومَا جعل ورق الْقَرع من بين الشجر يقطينًا! كل وَرَقةٍ اتسعت وسَترت فهي يقطين.

وقوله: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [١٤٧] أو هاهنا فِي معنى بَلْ. كذلك فِي التفسير مع صحته فِي العربية.

وقوله: فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ [١٤٨] وَفِي قراءة عبد الله (فمتعناهم حَتَّى حين) وحتى وإلى فِي الغايات مع الأسماء سواء.

وقوله: فَاسْتَفْتِهِمْ [١٤٩] أي سلهم سل أهل مكة. الفراء ٢/ ٣٩٣الفراء ٢/ ٣٩٣

وقوله: لَكاذِبُونَ [١٥٢] أصطفى [١٥٣] استفهام وَفِيهِ توبيخ لَهُم. وقد تُطرح ألف الاستفهام من التوبيخ. ومثله قوله (أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ) يُستفهم بِهَا ولا يستفهم. ومعناهما جَميعًا واحد.

وألف (أَصْطَفَى) إِذَا لَمْ يُستفهم بِهَا تذهب فِي اتّصال الكلام، وتبتدئها بالكسر.

وقوله: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [١٥٨] يُقال: الْجِنَّة هاهنا الملائكة. جعلوا بينه وبين خلقه نسبا. (وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ) أنّ الذين قالوا هذا القول (لَمُحْضَرُونَ) فى النار.

وقوله: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ [١٦١] يريد: وآلهتكم التي تعبدون (مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ) بمضلّين.

وما أنتم عَلَيْهِ [١٦٢] أي عَلَى ذَلِكَ الدين بمضلين. وقوله (عليه) و (به) و (له) سواء.

وأهل نَجد يقولون: بمُفتنينَ. أهل الحجاز فتنت الرجل، وأهل نَجد يقولون: أفتنتُه.

وقوله: إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ [١٦٣] إلا من قُدّر لَهُ أن يَصْلَى الجحيم فِي السابق من علم الله.

وقرأ الْحَسَن (إِلَّا من هُوَ صَالُ الجحيم) رفع اللام فيما ذكروا فإن كَانَ أراد واحدًا فليس بِجائز لأنك لا تَقُولُ: هَذَا قاضٌ ولا رامٌ. وإن يكن عَرَف فيها لغة مقلوبة مثل عاثَ وعثا فهو صواب.

قد قالت العرب. جُرُفٌ هارٌ وهَارٍ وهو شاكُ السّلاح ١٦١ اوشاكى السّلاح وأنشدني بعضهم:

فلو أَنِّي رميتك من بَعيد ... لَعاقَكَ عَن دعاء الذئبِ عَاقِي

يريد: عائِق. فهذا مما قُلِب. ومنه (وَلا تَعْثَوْا ) ولا تعِيثوا لغتان. وقد يكون أن تجعل (صالو) جَمعًا كما تَقُولُ: من الرجال من هُوَ إخوتك، تذهب بِهُوَ إلى الاسم المجهول، وتُخرج فعله عَلَى الجمع كما قَالَ الشاعر: الفراء ٢/ ٣٩٤الفراء ٢/ ٣٩٤

إِذَا ما حَاتم وُجد ابن عمّي ... مَجَدنَا من تكلّم أجْمَعينَا

ولم يقل تكلّموا. وأجود ذَلِكَ فِي العربية إِذَا أخرجت الكناية أن تخرجها عَلَى المعنى والعدد لأنك تنوي تَحقيق الاسم.

وقوله: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [١٦٤] ، هَذَا من قول الملائكة. إلى قوله (وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ) يريد: (المصَلُّون) وَفِي قراءة عبد الله (وإِنْ كُلَّنا لَمَّا لَهُ مقامٌ معلوم) .

وَفِي مريم (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً) ومعنى إن ضربت لزيدًا كمعنى قولك: ما ضربت إلا زيدًا، لذلك ذكرت هذا.

وقوله: وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ [١٦٧] يعني أهل مكة (لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ) يقول: كتابًا أو نُبُوَّةً (لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) .

قال الله: فَكَفَرُوا بِهِ [١٧٠] والمعنى: وقد أرسل إليهم مُحَمَّد بالقرآن، فكفروا بِهِ. وهو مضمر لَمْ يُذكر لأن معناهُ معروف مثل قوله (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ) ثم قال (فَماذا تَأْمُرُونَ) فوصل قول فرعون بقولِهم لأن المعنى بيّن.

وقوله: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا [١٧١] التي سبقت لَهُم السعادة. وهي فِي قراءة عبد الله (ولقد سبقت كلمتنا عَلَى عبادنا المرسَلين) وَعَلَى تصلح فِي موضع اللام لأن مَعْنَاهُمَا يرجع إلى شَيء واحدٍ.

وكأن المعنى: حَقّت عليهم ولهم، كما قَالَ (عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ) ومعناهُ: فِي مُلك سُلَيْمَان. فكما أُوخِيَ بين فِي وَعَلَى إذَا اتّفقَ المعنى فكذلك فُعِلَ هذا. الفراء ٢/ ٣٩٥الفراء ٢/ ٣٩٥

وقوله: فإذا نزل بساحتهم معناه: بهم. والعرب تجتزىء بالسَّاحة والعَقوة من القوم.

ومعناهما وَاحدٌ: نزل بك العذاب وبساحتك سوَاء.

وقوله: (فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ) يريد: بئس صَبَاحُ. وهي فِي قراءة عبد الله (فَبئس صَبَاحُ المنذرينَ) وَفِي قراءة عبد الله آذنتكم بإذانة المرسلين لتسألن عَن هَذَا النبأ العظيم، قيل لَهُ إنما هي وأذنت لكم فقال هكذا عندى.

[ومن سورة ص]

قوله ص، وَالْقُرْآنِ [١] جَزَمَها القراء، إِلَّا الْحَسَن فإنه خفضها بلا نون لاجتماع السَّاكنين.

كانت بمنزلة من قرأ (ن وَالْقَلَمِ) و (يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) جُعلت بمنزلة الأداة كقول العرب:

تركته (حاث باث) و (خاز باز ) يخفضان لأن الذي بلى آخر الحرف ألف. فالخفض مع الألف، والنصبُ مع غير الألف. يقولون: تركته حَيْثَ بَيْثَ، ولأجعلنّك حَيْصَ بَيْصَ إِذَا ضُيّق عَلَيْهِ.

وقال الشاعر:

لَمْ يَلتحِصني حَيْص بَيْصَ الحاصي

يريدُ الحائص فقلبَ كَمَا قَالَ: (عاقِ ) يريد: عائق.

وص فى معناها كقولك: / ١٦١ ب وجب والله، ونزل والله، وحَقّ والله. فهي جواب لقوله (وَالْقُرْآنِ) كما تَقُولُ: نزلَ والله. وقد زعم قوم أنّ جَوَاب (وَالْقُرْآنِ) (إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ) وَذَلِكَ كلام قد تأخّر تأخُّرًا كثيرًا عَن قوله (والقرآن) وجرت بينهما قِصص مختلفة، فلا نَجد ذَلِكَ مُستقيمًا فِي العربية والله أعلم. الفراء ٢/ ٣٩٦الفراء ٢/ ٣٩٦

ويُقال: إن قوله (وَالْقُرْآنِ) يمين اعترض كلام دون مَوقع جوابها، فصَار جوابها جوابًا للمعترضِ ولها، فكأنه أراد: والقرآن ذى الذكر لَكَمْ أهلكنا، فلمّا اعترض قوله: بَلِ الَّذِينَ كفروا فى عزّة وشقاق: صارت (كم) جَوَابًا للعزة ولليمين. ومثله قوله (وَالشَّمْسِ وَضُحاها) اعترض دون الجواب قوله (وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها) فصارت (قَدْ أَفْلَحَ) تابعة لقوله (فَأَلْهَمَها) وكفى من جَواب القسم، وكأنه كَانَ: وَالشَّمْسِ وضحاها لقد أفلح.

وقوله: فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ [٣] يقول: لَيْسَ بحين فِرار. والنَوْص: التأخّر فِي كلام العرب، والبَوْص: التقدم وقد بُصْته.

وقال امرؤ القيس:

أمِن ذكر ليلى إذ نَأَتكَ تَنُوص ... وتَقْصُر عنها خُطوةً وتَبُوص

فمناص مَفْعَل مثل مقام. ومن العرب من يضيف لات فيخفض. أنشدوني:

... لات ساعةِ مَنْدَمِ

ولا أحفظ صَدره. والكلام أن ينصب بِهَا لأنها فِي معنى لَيْسَ. أنشدني المفضل:

تذكّرَ حبّ ليلى لاتَ حينا ... وأضحى الشيب قد قطعَ القرينَا فهذا نصب. وأنشدني بعضهم: الفراء ٢/ ٣٩٧الفراء ٢/ ٣٩٧

طلبوا صُلحنا ولاتَ أوانِ ... فأجبنَا أن لَيْسَ حِينَ بقَاءِ

فخفض (أوانِ) فهذا خَفْض.

قَالَ الفراء: أقف عَلَى (لاتَ) بالتاء، وَالْكِسَائي يقف بالهاء.

قوله: لَشَيْءٌ عُجابٌ [٥] ، وقرأ أَبُو عبد الرحمن السُّلمي (لشيء عُجَّابٌ) والعربُ تَقُولُ:

هَذَا رجل كريم وكُرَّام وَكُرَام، والمعنى كله واحدٌ مثله قوله تعالى (وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً) معناه: كبيرًا فشدّد. وقال الشاعر.

كحلفة من أبي رياح ... يسمعها الْهِمَّةُ الْكُبار

الهمّ والهمةُ الشيخ الفاني.

وأنشدني الْكِسَائي:

يسمعها الله والله كبار

وقال الآخر :

وآثرت إدلاجي عَلَى ليل حُرَّة ... هَضيم الْحَشَا حُسّانَة المتجرَّد

وقال آخر:

نَحن بذلنا دونَها الضِّرَابا ... إنا وجدنا ماءها طُيّابَا

يريد: طَيِّبًا وقال فِي طويل، طُوَال الساعدين أشم.

طوال الساعدين أشمّ وقال الآخر: الفراء ٢/ ٣٩٨الفراء ٢/ ٣٩٨

جاء بصيد عَجَب من العجب ... أزيرق العينين طُوَّالِ الذَّنَبْ

فشدّ الواو عَلَى ذَلِكَ المجرى. فكلّ نعت نعتّ بِهِ اسمًا ذكرًا أو أنثى أتاكَ عَلَى فُعَّال مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا فهو صَواب.

وقوله. وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا [٦] انطلقوا بِهذا القول. فأن فِي موضع نصب لفقدها الخافض، كأنك قلت: انطلقوا مشيًا ومُضِيًا ١٦٢ اعلى دينكم. وهي فِي قراءة عبد الله (وانطلق الملأ منهم يمشون أن اصبروا عَلَى آلهتكم) ولو لَمْ تكن (أن) لكان صوابًا كما قال (وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا) ولم يقل: أَنْ أخرجوا لأن النية مضمر فيها القول.

وقوله: مَا سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ [٧] يعني اليهودية والنصرانية.

وقوله: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ [٨] وهي فِي قراءة عبد الله (أَمْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذكر) وهذا مما وصفت لك فِي صدر الكتاب: أن الاستفهام إِذَا توسّط الكلام ابتدئ بالألف وبأم. وإذا لَمْ يسبقه كلام لَمْ يكن إلا بالألف أو بهل.

وقوله: فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ [١٠] يريد: فليصعدوا فِي السموات، وليسوا بقادرين عَلَى ذلك أي لم يصدقوك وليسوا بقادرين عَلَى الصعود إلى السموات فما هم! فأين يذهبون.

وقوله: جُنْدٌ مَا هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ [١١] يقول مغلوب عَن أن يصعد إلى السّماء.

و (مَا) هاهنا صلة. والعرب تجعل (ما) صلة فِي المواضع التي دخولها وخروجها فيها سواء، فهذا من ذلك. الفراء ٢/ ٣٩٩الفراء ٢/ ٣٩٩

وقوله (عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ) من ذلك.

وقوله (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ) من ذَلِكَ لأن دخولها وخروجها لا يغير المعنى.

وأمّا قوله (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ) فإنه قد يكون عَلَى هَذَا المعنى.

ويكون أن تجعل (ما) اسمًا وتجعل (هم) صلة لِمَا ويكون المعنى: وقليل ما تجدّنَّهم فتوجّه (ما) والاسم إلى المصدر ألا ترى أنك تَقُولُ: قد كنت أراك أعقل مما أنت فجعلت (أنت) صلةً لِمَا والمعنى. كنت أرى عقلك أكثر مِما هُوَ، ولو لَمْ ترد المصدر لَمْ تجعل (ما) للناس، لأن من هي التي تكون للناس وأشباههم. والعرب تَقُولُ: قد كنت أراك أعقل منك ومعناهما واحد، وكذلك قولهم: قد كنت أراهُ غير ما هُوَ المعنى: كنت أراهُ عَلَى غير ما رأيتُ منه.

وقوله: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ [١٤] وَفِي قراءة عبد الله (إِنْ كُلُّهُم لَمّا كَذَب الرُّسُلَ) .

وقوله: مَا لَها مِنْ فَواقٍ [١٥] من راحةٍ ولا إفاقة. وأصْله من الإفاقة فِي الرضاع إِذَا ارتضعت الْبَهْمَةُ أمَّها ثُمَّ تركتها حَتَّى تُنْزل شيئًا من اللبن، فتلك الإفاقة والفُواق بغير همزٍ. وجاء عَن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: العيادة قدر فواق ناقة. وقرأها الْحَسَن وأهل المدينة وَعَاصِم بن أبى النجود (فواق) بالفتح وهي لغة جَيّدة عالية، وضم حَمْزَةُ وَيَحْيَى والأعمش وَالْكِسَائي.

وقوله: عَجِّلْ لَنا قِطَّنا [١٦] الْقِطّ: الصَّحيفة المكتوبة. وإنما قالوا ذَلِكَ حِينَ نزل (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ) فاستهزءوا بذلك، وقالوا: عَجِّل لنا هَذَا الكتاب قبل يوم الحساب. والقِطّ فِي كلام العرب. الصكّ وهو الخط والكتاب. الفراء ٢/ ٤٠٠الفراء ٢/ ٤٠٠

وقوله: ذَا الْأَيْدِ [١٧] يريد: ذا القوّة.

وقوله: وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً [١٩] ذكروا أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَبَّح أجابته الجبال بالتسبيح، واجتمعت إِلَيْهِ الطير فسبحت. فذلك حشرها ولو كانت: والطير محشورة بالرفع لَمَّا لَمْ يظهر الفعل مَعَها كَانَ صوابًا.

تكون مثل قوله (خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ) وقال الشاعر:

ورأيتم لمجاشعٍ نَعَمًا ... وبني أبيه جَامل رُغُب

ولم يقل: جَاملًا رُغبًا والمعنى: ورأيتم لَهم جاملًا رُغُبًا. فلمّا لَمْ يظهر الفعل جاز رفعه.

وقوله: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ [٢٠] اجتمعت القراء عَلَى تَخفيفها ولو قَرَأ قارئ (وَشَدَّدنا) بالتشديد كَانَ وجهًا حسنًا. ومعنى التشديد أن محرابه كَانَ يحرسه ثلاثة وثلاثون ألفًا.

وقوله: وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ [٢٠] .

قَالَ الفراء: حَدَّثَنِي عَمْرو بن أبي المقدام عَن الحكم بن عتيبَة عَن مُجاهد فِي قوله (وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ) قَالَ: الشهود والأيمان. وقال بعضُ المفسرين: فصْل الخطاب أمّا بعد.

وقوله: إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ [٢١] إذ دخلوا [٢٢] قد يُجاء بإذ مرّتين، (وَقَد) يكون معناهما كالواحد كقولك: ضَربتك إذ دخلت عَليّ إذ اجترأت، فيكون الدخول هو الاجتراء. ويكون أن تجعل أحدهما عَلَى مذهب لِمَا، فكأنه قَالَ: إذ تسَوَّرُوا المحراب لَمَّا دخلوا. وإن شئت جعلت لِمَا فِي الأول. فإذا كانت لَمّا أولًا وآخرًا فهي بعد صاحبتها كما تَقُولُ: أعطيته لمَّا سألني. فالسؤال قبل الإعطاء فِي تقدّمه وتأخّره.

وقوله: (خَصْمانِ) رفعته بإضمار (نحن خصمان) والعرب تضمر للمتكلّم والمكلّم المخاطب ما يرفع فِعْله. ولا يَكادونَ يفعلونَ ذَلِكَ بغير المخاطب أو المتكلم. من ذَلِكَ أن تَقُولَ للرجل: أذاهب، أو أنْ يقول المتكلم: واصلكم إن شاء الله ومحسن إليكم. وَذَلِكَ أن المتكلم والمكلَّم حاضِران، فتعرف معنى أسمائهما إِذَا تركت. وأكثره فِي الاستفهام يقولون: أجادّ، أمنطلق. وقد يكون فى غير الاستفهام. الفراء ٢/ ٤٠١الفراء ٢/ ٤٠١

فقوله (خَصْمانِ) من ذَلِكَ. وقال الشاعر:

وَقولًا إِذَا جاوزتما أرض عَامِرٍ ... وجاوزتما الحيَّيْنِ نَهْدًا وَخَثْعما

نَزيعانِ من جَرْم بن زَبَّان إنهم ... أبوا أن يميروا فِي الهزاهز مِحجَما

وقال الآخر:

تَقُولُ ابنَة الْكَعبيّ يوم لقيتُها ... أمُنْطلق فِي الجيش أم متثاقِلُ

وقد جاء فِي الآثار للراجع من سَفر: تائبونَ آئبونَ، لربنا حامدون. وقال: من أمثال العرب:

مُحسنَة فِهيلي.

قَالَ الفراء: جاء ضيف إلى امرأة ومَعه جِرابُ دقيق، فأقبلت تأخذ من جرابه لنفسها، فلمّا أقبل أخذت من جِرابها إلى جرابه. فقال: ما تصنعين؟ قالت: أزيدك من دقيقي. قَالَ: محسنة فهيلي. أي أَلْقِي. وجاء فِي الآثار: مَن أعانَ عَلَى قتل مؤمنٍ بشَطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبًا بَيْنَ عينيه:

يائس من رحمة الله. وكلّ هَذَا بضمير ما أنباتك بِهِ.

ولو جاء فِي الكتاب: خصْمَين بغى بعضُنَا لكان صَوَابًا بضمير أتيناكَ خصمين، جئناكَ خَصْمين فلا تَخفنا. ومثله قول الشاعر:

وقالت ألا يا اسمع نِعظك بخُطَّةٍ ... فقلت سَميعًا فانطقى وأصيبى

١٦٣ اأي سميعًا أسمعُ منك، أو سميعًا وَعَظْتِ. والرفعُ فيه جائز على الوجوه الاول. الفراء ٢/ ٤٠٢الفراء ٢/ ٤٠٢

وقوله (وَلا تُشْطِطْ) يقول: ولا تَجُر: وقد يقول بعضُ العرب: شططتَ عليّ فِي السَّوم، وأكثر الكلام أشططت. فلو قرأ قارئ (وَلَا تَشْطِطْ) كأنه يذهب به إلى معنى التباعد و (تَشْطُطْ) أيضًا. العرب تَقُولُ: شطَّت الدار فهي تَشِطّ وتَشُطّ.

وقوله (وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ) إلى قَصْدِ الصراط. وهذا مِمَّا تدخل فِيهِ (إلى) وتخرج منه.

قَالَ الله (اهْدِنَا»

الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) وقال (وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ) وقال (إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ) ولم يقل (إلى) فحذفت إلى من كل هَذَا. ثُمَّ قَالَ فِي موضع آخر (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ) وقال (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) ويُقال هديتك للحق وَإِلَيْهِ قَالَ الله (الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ) وكأن قوله (اهْدِنَا الصِّراطَ) أعلمنا الصراط، وَكَأنَّ قوله (اهدنا إلى الصراط) أرشِدْنَا إِلَيْهِ والله أعلم بذَلِكَ.

وقوله: إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً [٢٣] وَفِي قراءة عبد الله (كانَ لَهُ) وربّما أدخلت العرب (كَانَ) عَلَى الخبر الدائم الَّذِي لا ينقطع. ومنه قول الله فِي غير موضع (وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً) (وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) فهذا دائم. والمعنى البيّن أن تُدخل (كَانَ) عَلَى كل خبر قد كَانَ ثُمَّ انقطع كما تَقُولُ للرجل: قد كنت موسرًا، فمعنى هَذَا: فأنت الآن مُعْدِم.

وَفِي قراءة عبد الله (نَعْجةً أُنْثَى) والعربُ تؤكد التأنيث بأُنثاه، والتذكير بمثل ذَلِكَ، فيكون كالفضل فِي الكلام فهذا من ذَلِكَ. ومنه قولك للرجل: هَذَا والله رجل ذكر. وإنما يدخل هذا فِي المؤنث الَّذِي تأنيثه فِي نفسه مثل المرأة والرجل والجمل والناقة. فإذا عَدَوت ذَلِكَ لَمْ يَجز. الفراء ٢/ ٤٠٣الفراء ٢/ ٤٠٣

فخطأ أن تَقُولَ: هَذِه دارٌ أنثى، ومِلحفة أنثى لأن تأنيثها فِي اسمها لا فِي معناها. فابن عَلَى هَذَا.

وقوله (وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ) أي غلبني. ولو قرئت (وَعَازَّني) يريد: غَالبني كَانَ وَجْهًا.

وقوله: لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ [٢٤] المعنى فِيهِ: بسؤاله نعجتك، فإذا ألقيت الْهَاء من السؤال أضفت الفعل إلى النعجة. ومثله قوله (لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ) ومعناهُ من دعائه بالخير: فلمّا ألقى الْهَاء أضاف الفعل إلى الخير وألقى من الخير الباء، كقول الشاعر:

ولستُ مُسَلِّمًا ما دمتُ حيًّا ... عَلَى زَيْدٍ بتَسليم الأمِير

إنّما معناهُ: بتسليمي عَلَى الأمير. ولا يصلح أن تذكر الفاعل بعد المفعول بِهِ فيما ألقيت منه الصفة. فمن قَالَ: عجبتُ من سؤال نعجتك صاحبك لَمْ يَجز لَهُ أن يقول: عجبت من دعاء الخير الناس، لأنك إِذَا أظهرت الآخر مرفوعًا فإنَّما رَفعُه بنيَّةِ أن فَعل أو أن يفعل، فلا بُدَّ من ظهور الباء وما أشبهَهَا من الصفات. فالقول فِي ذَلِكَ أن تَقُولَ عَجِبْتُ من دعاءٍ بالخير زَيْدٌ، وعجبتُ من تسليمٍ عَلَى الأمير زيدٌ. وجازَ فِي النعجة لأن الفعل يقع عليها بلا صفة فتقول: سألتك نعجة، ولا تَقُولُ: سالتك بنعجة. فابن عَلَى هَذَا.

وقوله (وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ) أي علمَ. وكل ظنٍّ أدخلته عَلَى خبر فجائز أن تجعله عِلْمًا إلا أَنَّهُ علم ١٦٣ ب مالا يعاين.

وقوله: الصَّافِناتُ الْجِيادُ [٣١] يعني الخيل، كَانَ غَنِمَها سُلَيْمَان بن داود من جيش قاتله فظفر بِهِ. فلما صَلَّى الظهر دعا بِهَا، فلم يزل يعرضها حَتَّى غابت الشمس ولم يصلّ العصر. وَكَانَ عندهم مهيبًا. لا يبتدأ بشيء حَتَّى يَأمر بِهِ، فلم يذكر الْعَصْر. ولم يَكُن ذَلِكَ عَن تجبّر منه، فلمّا ذكرها قَالَ (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ) يقول: آثرت حُبّ الخيل، والخير فِي كلام العرب: الفراء ٢/ ٤٠٤الفراء ٢/ ٤٠٤

الخيل. والصافناتِ- فيما ذكر الكلبي بإسناده- القائِمة عَلَى ثلاث قوائم وقد أقامت الأخرى عَلَى طرف الحافر من يدٍ أو رجلٍ. وهي فِي قراءة عبد الله (صَوَافِنَ فإذا وَجَبَتْ) يريد:

معقولة عَلَى ثلاث. وقد رأيتُ العرب تجعل الصَّافِن القائم عَلَى ثلاث، أو عَلَى غير ثلاث. وأشعارهم تدل عَلَى أنها القيام خاصة والله أعلم بصوابه: وَفِي قراءة عبد الله (إني أحببت) بغير (قَالَ) ومثله ممّا حذفت فِي قراءتنا منه القول وأثبت فِي قراءة عبد الله (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ من البيتِ وإسْمَاعيلَ وَيَقُولانِ) وليسَ فِي قراءتنا ذَلِكَ. وكلّ صواب.

وقوله: فَطَفِقَ [٣٣] يريد أقبل يمسح: يضرب سوقها وأعناقها. فالمسحُ القطع.

وقوله: عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً [٣٤] يريدُ: صَنَمًا. ويُقال: شيطان.

وقوله: لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [٣٥] فيريد سُخرة الريح والشياطين.

وقوله: رُخاءً حَيْثُ أَصابَ [٣٦] والرُخَاء: الريح اللينة التي لا تعصف. وقوله (حَيْثُ أَصابَ) :

حَيْثُ أراد.

وقوله: هَذَا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ [٣٩] . يقول فمُنّ بِهِ أي أعط، أو أمسك، ذاك إليك. وَفِي قراءة عبد الله: (هَذَا فامنن أو أمسك عطاؤنا بغير حساب) مقدّم ومؤخّر.

وقوله: بِنُصْبٍ وَعَذابٍ [٤١] . اجتمعت القراء عَلَى ضم النون من (نُصْبٍ) وتخفيفها .

وذكروا أن أبا جَعْفَر المدني قَرأ (بِنَصَبٍ وعذابٍ) ينصب النون والصاد. وكلاهما فِي التفسير واحد. الفراء ٢/ ٤٠٥الفراء ٢/ ٤٠٥

وذكروا أَنَّهُ المرض وما أصابه من الْعَناء فِيهِ. والنُّصْبُ والنَّصَبُ بمنزلة الْحُزن والْحَزَن، والْعُدْمِ والْعَدَمِ، والرُّشْد والرَشَد، والصُّلْب والصَّلَب: إِذَا خُفِّفَ ضُمّ أوله ولم يثقل لأنهم جعلوهما عَلَى سَمْتين : إِذَا فتحُوا أوّله ثقّلوا، وإذا ضَمُّوا أوله خَفَّفُوا، قَالَ: وأنشدني.

بعض العرب:

لئِن بعثت أم الْحُميدَينِ مَائِرا ... لقد غنِيت فِي غير بؤسٍ ولا جُحد

والعرب تَقُولُ: جَحِد عيشُهم جحَدًا إِذَا ضاق واشتدّ، فلمّا قَالَ: جُحْد وضمّ أوله خَفَّف. فابن عَلَى ما رأيت من هاتين اللغتين.

وقوله: ضِغْثاً [٤٤] والضِّغْث: ما جمعته من شيء مثل حُزمة الرَّطْبَة ، وما قام عَلَى ساقٍ واستطالَ ثُمَّ جمعته فهو ضغث.

وقوله: وَاذْكُرْ عِبادَنا [٤٥] . قرأت القراء (عبادنا) يريدونَ: إِبْرَاهِيم وولده وقرأ ابن عباس:

(واذكر عَبْدنا إِبْرَاهِيم) وقال: إنما ذكر إِبْرَاهِيم. ثُمَّ ذكرت ذرِّيّتُه من بعده. ومثله:

(قالوا نَعْبُدُ إلهَكَ وَإِلَهَ أبيِك) عَلَى هَذَا المذهب فِي قراءة ابن عباس. والعامّة (آبائِكَ) وكلّ صواب.

وقوله (أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ) يريد: أولي القوَّة والبصر فِي أمر الله. وهي فِي قراءة عبد الله: (أولِي الْأَيْدِ) بغير ياء، فقد يكون لَهُ وجهان. إن أراد: الأيدى وحذف الياء فهو صواب مثل: الجوار والمناد . وأشباه ذاك. وقد يكون فِي قراءة عبد الله من القوة من التأييد. الفراء ٢/ ٤٠٦الفراء ٢/ ٤٠٦

وقوله: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [٤٦] فردّ (ذِكْرَى الدَّارِ) وهى معرفة على (خالصة) وهى نكرة. وهى كقراءد مسروق (بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ] ومثله/ ١٦٤ اقوله (هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها) فردّ جهنّم وهى معرفة على (لَشَرَّ مَآبٍ) وهي نكرة. وكذلك قوله: (وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً) والرفعُ فِي المعرفة كلها جائز عَلَى الابتداء.

أنشدني بعضُ العرب:

لعمرك ما نخلي بدارِ مَضِيعَةٍ ... ولا ربُّهَا إن غاب عنها بخائفِ

وإن لَهَا جَارين لن يَغْدِرا بِهَا ... رَبيبُ النَّبِيّ وابن خير الخلائفِ

فرفع عَلَى الابتداء.

وقد قرأ أهلُ الحجاز (بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) أضافوها. وهو وجهٌ حسنٌ. ومنه:

(كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) ومن قَالَ (قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ) جَعَلَ القلب هُوَ المتكبّر.

وقوله: وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ [٤٨] قرأه أصحاب عبد الله بالتشديد. وقرأه العوام (اليسع) بالتخفيف. والأوَّل أشبه بالصواب وبأسماء الأنبياء من بنى إسرائيل. حدّثنا أبو العباس قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّيْمِيّ عَن مُغيرة عَن إِبْرَاهِيم أَنَّهُ قرأ (واللَّيْسَع) بالتشديد. وأما قولهم (وَالْيَسَعَ) فإن العرب لا تُدخل عَلَى يفعَل إِذَا كَانَ فِي معنى فلانٍ ألفًا ولامًا. يقولون: هَذَا يَسَع، وهذا يَعْمر، وهذا يزيد. فهكذا الفصيح من الكلام. وقد أنشدني بعضهم: الفراء ٢/ ٤٠٧الفراء ٢/ ٤٠٧

وجدنا الوليد بن اليزيد مباركًا ... شديدًا بأحناء الْخِلافة كاهلُهْ

فلمَّا ذَكَر الوليد فِي أول الكلمة بالألف واللام أتبعه يزيد بالألف واللام وكلّ صواب.

وقوله (وَذَا الْكِفْلِ) يُقال إنه سُمي ذا الكفل أن مائة من بني إسرائيل انفلتوا من القتل فآواهم وَكَفَلَهُمْ. ويُقال: إنه كَفَلَ لله بشيء فوفى بِهِ. والْكِفْلُ فِي كلام العرب: الْجَدّ والحَظّ فلو مُدح بذلك كَانَ وَجْهًا عَلَى غير المذهبين الأوّلين.

وقوله: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ [٥٠] ترفع (الْأَبْوابُ) لأن المعنى: مفتَّحَةً لَهم أبْوابها.

والعربُ تجعل الألف واللام خَلفا من الإضافة فيقولون: مررتُ عَلَى رجلٍ حَسَنَةٍ الْعَيْنُ قَبِيحٍ الأنفُ والمعنى: حسنةٍ عَيْنُه قَبِيحٍ أنفهُ. ومنه قوله (فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى) فالمعنى- والله أعلم-:

مأواهُ. ومثله قول الشاعر:

ما ولدتكم حيّة بنة مالك ... سِفَاحًا وَمَا كانت أحاديث كاذب

ولكن نرى أقدامنا فِي نعالكم ... وآنُفَنا بين اللحى والْحَواجِبِ

ومعناهُ: ونرى آنفنا بين لِحاكم وحواجبكم فِي الشبة. ولو قَالَ: (مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ) عَلَى أن تجعل المفتحة فِي اللفظ للجنات وَفِي المعنى للأبواب، فيكون مثل قول الشاعر .

ومَا قَوْمِي بثعلبة بن سَعْدٍ ... ولا بفزارة الشعر الرقابا والشُعْرى رقابا. ويروى: الشُّعْر الرقابا. الفراء ٢/ ٤٠٨الفراء ٢/ ٤٠٨

وقال عَدِيّ:

مِن وَلِيٍّ أوْ أخي ثِقَةٍ ... والبعيد الشاحِط الدّارا

وكذلك تجعل معنى الأبواب فِي نَصْبها، كأنك أردت: مفتَّحة الأبواب ثُمَّ نوَّنت فنصبت.

وقد يُنشَد بيت النابغة:

ونأخذ بعده بذُناب دَهْرٍ ... أجبَّ الظهرَ ليسَ لَهُ سَنَامُ

وأَجَبِّ الظهر.

/ ١٦٤ ب وقوله: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ [٥٢] مرفوعة لأن (قاصِراتُ) نكرة وإن كانت مضافة إلى معرفة ألا ترى أن الألف واللام يحسنان فيها كقول الشاعر:

من القاصرات الطَّرْفِ لو دَبّ مُحْوِلِ ... من الذَّرّ فوق الإتْب منها لأثَّرا

(الإتب : المئزر) فإذا حسنت الألف واللام فِي مثل هَذَا ثُمَّ ألقيتهما فالاسم نكرة. وربما شبَّهت العرب لفظه بالمعرفة لِمَا أضيف إلى الألف واللام، فينصبونَ نعته إِذَا كَانَ نكرة فيقولون:

هَذَا حَسَن الوجه قائمًا وذاهبًا. ولو وضعت مكان الذاهب والقائم نكرة فيها مدح أو ذمّ آثرت الإتباع، فقلتُ: هَذَا حَسَنُ الوجه موسر، لأنَّ الْيَسَارة مدح. ومثله قول الشاعر:

ومَنْ يُشوِه يوم فإن وراءه ... تباعة صيّاد الرّجال غشوم قَالَ الفراء: (وَمَنْ يُشوِه) أي يأخذ شَوَاه وأطايبه. فخفض الغشوم لأنه مدح، ولو نصب لأن لفظه نكرة ولفظ الَّذِي هُوَ نعت لَهُ معرفة كَانَ صوابًا كما قالوا: هَذَا مِثْلك قائِمًا، ومثلك جَميلًا. الفراء ٢/ ٤٠٩الفراء ٢/ ٤٠٩

وقوله عَزَّ وَجَلَّ: فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ [٥٧] رفعت الحميم والغسّاق بِهذا مقدّمًا ومؤخرًا.

والمعنى هَذَا حميم وغسَّاق فليذوقوه. وإن شئت جعلته مستأنفًا، وجعلت الكلام قبله مكتفيًا كأنك قلت: هذا فليذوقوه، ثُمَّ قلت: منه حميم ومنه غسّاق كقول الشاعر:

حَتَّى إِذَا ما أضاءَ الصُّبْحُ فِي غَلَسٍ ... وغودر البقلُ مَلْوِيّ ومحصودُ

ويكون (هَذَا) فِي موضع رفعٍ، وموضع نصبٍ. فمن نصب أضمرَ قبلها ناصِبًا كقول الشاعر :

زيادتنا نُعمان لا تَحْرِمَنَّها ... تَقِ الله فينا والكتابَ الَّذِي تتلو

ومن رفع رفع بالهاء التي فِي قوله: (فَلْيَذُوقُوهُ) كما تَقُولُ فِي الكلام: اللَّيْلَ فبادرُوه واللَّيْلُ.

والغساق تشدّد سينُه وتُخفف شددها يَحْيَى بن وثاب وعامّة أصحاب عبد الله، وخففها الناس بَعْدُ. وذكروا أن الغساق بارد يُحرق كإحراق الحميم . ويُقال: إنه ما يَغْسِق ويسيل من صديدهم وجلودهم.

وقوله: وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ [٥٨] قرأ الناس (وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ) إلّا مجاهدا فإنه قرأ (وَأُخَرُ) كأنه ظنّ أن الأزواج لا تكون من نعتٍ وَاحِدٍ . وإذا كَانَ الاسم فعلًا جاز أن ينعت بالاثنين والكثير كقولك فِي الكلام: عذاب فلان ضروب شتّى وضربان مختلفان. فهذا بيّن. الفراء ٢/ ٤١٠الفراء ٢/ ٤١٠

وإن شئت جعلت الأزواج نعتًا للحميم وللغساق ولآخر، فهنّ ثلاثة، وأن تجعله صفة لواحد أشبهُ، والذي قَالَ مجاهد جائز، ولكني لا أستحبّه لاتّباع الْعَوَامّ وبيانه فِي العربيّة.

وقوله: هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ [٥٩] هي الأمَّة تدخل بعد الأمة النار.

ثُمَّ قال: (لا مَرْحَباً بِهِمْ) الكلام متصل، كأنه قول واحد، وإنما قوله: لا مرحبا بهم) من قول أهل النار، وهو كقوله: (كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها) وهو فِي اتّصاله كقوله: (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ) فاتصل قول فرعون بقولِ أصحابه.

وقوله: قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا [٦١] معناه: من شرع لنا وسنّه (فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً/ ١٦٥ ب فِي النَّارِ) .

وقوله: أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا [٦٣] قَالَ زهير عَن أبان عَن مجاهد- قَالَ الفراء ولم أسمعه من زهير- (أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا) ولم يكونوا كذلك. فقرأ أصحابُ عبد الله بغير استفهامٍ، واستفهم الْحَسَن وَعَاصِم وأهل المدينة، وهو من الاستفهام الَّذِي معناه التعجب والتوبيخ فهو يَجوز بالاستفهام وبطرحِهِ.

وقوله: إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ [٧٠] إن شئت جعلت (أَنَّما) فِي موضع رفع، كأنك قلت: ما يوحى إلي إلا الإنذار. وإن شئت جعلت المعنى: ما يوحى إليّ إلا لأني نذير ونبي فإذا ألقيتَ اللام كَانَ موضع (أنَّما) نصبًا. ويكون فِي هَذَا الموضع: ما يوحى إليّ إلا أنك نذير مبين لأن المعنى حكاية، كما تَقُولُ فِي الكلام: أخبروني أني مسيء وأخبروني أنك مسيء، وهو كقوله: الفراء ٢/ ٤١١الفراء ٢/ ٤١١

رَجُلانِ من ضَبَّةَ أَخبرانا ... إِنَّا رأينا رجلًا عُرْيَانَا

والمعنى: أخبرانا أنهما رأيا، فجازَ ذَلِكَ لأن أصله الحكاية.

وقوله: بيدَيّ اسْتكبرت اجتمع القراء عَلَى التثنية ولو قرأ قارئ (بيدي) يريد يدًا عَلَى واحدة كَانَ صدابا كقول الشاعر:

أيها المبتغى فناء قريشٍ ... بيد الله عُمرها والفناء

والواحد من هَذَا يكفي من الاثنين، وكذلك العينان والرجلان واليدان تكتفي إحداهما من الأخرى لأن معناهما واحد.

وقوله: قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ [٨٤] قرأ الْحَسَن وأهل الحجاز بالنصب قيهما. وقرأ الأعمش وَعَاصِم وأكبر منهم : ابن عباس ومجاهد بالرفع فِي الأولى والنصب فِي الثانية.

حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي بِهرام- وَكَانَ شيخًا يقرىء فِي مسجد المطمورة ومسجد الشعبيين- عَن أبان بن تَغْلِب عَن مجاهد أَنَّهُ قرأ (فالحقُّ مني والحقَّ أقولُ) : وأقول الحقَّ. وهو وجه: ويكون رفعه عَلَى إضمار: فهو الحقّ.

وذُكِرَ عَن ابن عباس أَنَّهُ قَالَ: فأنا الحقُّ. وأقولُ الْحَقَّ. وقد يكون رفعه بتأويل جَوابَه لأن العرب تَقُولُ: الحقُّ لأقومَنَّ، ويقولون: عَزْمَةٌ صادقة لآتينَّك لأن فِيهِ تأويل: عَزْمة صادقة أن آتيك. الفراء ٢/ ٤١٢الفراء ٢/ ٤١٢

ويبين ذَلِكَ قوله: (ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ) أَلَا ترى أَنَّهُ لا بد لقوله (بَدا لَهُمْ) من مرفوع مضمر فهو فِي المعنى يكون رفعًا ونصبًا. والعربُ تنشد بيت امرئ القيس:

فقلتُ يَمينَ الله أبرحُ قاعدًا ... ولو قطّعوا رَأْسِي لديكِ وَأوصالِي

والنصبُ فِي يمين أكثر. والرفعُ عَلَى ما أنبَأتُك بِهِ من ضمير (أن) وَعَلى قولك عَلَيّ يمين.

وأنشدونا:

فإنّ عليّ الله إن يحملونني ... عَلَى خُطّة إلا انطلقتُ أسيرها

ويروى لا يحملونني.

فلو ألقيت إن لقلت عَليّ الله لأضربنك أي عليّ هَذِه اليمين. ويكون عَلَيّ الله أن أضربك فترفع (الله) بالجواب. ورفعه بعلى أحبُّ إليَّ. ومن نَصَب (الحقَّ والحقَّ) فعلى معنى قولك حقًّا لآتينّك، والألف واللام وطرحهما سواء. وهو بمنزلة قولك حَمْدًا لله والحمدُ لله. ولو خفض الحق الأول خافِضٌ يجعله الله تعالى يعني فِي الإعراب فيقسم بِهِ كَانَ صوابًا والعربُ تُلقي الواو من القسم ويخفضونه سمعناهم يقولون: الله لتفعلنّ فيقول/ ١٦٥ ب المجيب: أَلله لأفعلنّ لأن المعنى مستعمل والمستعمل يَجوز فِيهِ الحذف، كما يقول القائل للرجل: كيف أصبحت؟ فيقول: خيرٍ يريد بِخَيْرٍ، فلما كثرت فِي الكلام حذفت.

وقوله: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ [٨٨] نبأ القرآن أَنَّهُ حَقّ، ونبأ مُحَمَّد عَلَيْهِ السلام أنه نبىّ.

وقوله: (بَعْدَ حِينٍ) يقول: بعد الموت وقبله: لَمّا ظهر الأمر غلموه، ومن مات علمه يقينا. الفراء ٢/ ٤١٣الفراء ٢/ ٤١٣

[ومن سورة الزمر]

قوله: تَنْزِيلُ الْكِتابِ [١] ترفع (تَنْزِيلُ) بإضمار: هَذَا تنزيل، كما قَالَ: (سُورَةٌ أَنْزَلْناها ) ومعناه: هذه سورة أنزلناها وإن شئت جعلت رفعه بِمَن. والمعنى: من الله تنزيل الكتاب ولو نصبته وأنت تأمر باتباعه ولزومه كَانَ صوابًا كما قَالَ الله (كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) أي ألزمُوا كتابَ الله.

وقوله: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ [٢] منصوب بوقوع الإخلاص عَلَيْهِ. وكذلك ما أشبهه فى القرآن مثل (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ينصب كما نُصب فِي هَذَا. ولو رفعت (الدين) بِلَهُ، وجعلت الإخلاص مُكتفيًا غير واقع كأنك قلت: اعبد الله مُطيعًا فَلَه الدين.

وقوله: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ [٣] (الَّذِينَ) فِي موضع رفع بقول مضمر. والمعنى:

(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ) يقولون لأوليائهم وهى الأصنام: ما نعبدكم إلا لتقربونا إلى الله.

وكذلك هي فِي (حرف ) أُبَيّ وَفِي حرف عبد الله (قالوا ما نعبدهم) والحكاية إِذَا كانت بالقول مضمرًا أو ظاهرًا جازَ أن يجعلَ الغائب كالمخاطب، وأن تتركه كالغائب، كقوله: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سيغلبون) و (سَتُغْلَبُونَ) بالياء والتاء عَلَى ما وصفتُ لك.

وقوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها [٦] يقول القائل: كيف قَالَ:

(خلقكم) لبني آدم. ثم قال: (ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها) والزوجُ مخلوق قبل الولد؟ ففي ذَلِكَ وجهان من العربيّة: الفراء ٢/ ٤١٤الفراء ٢/ ٤١٤

أحدهما: أن العرب إِذَا أخبرت عَن رجل بفعلين رَدّوا الآخر بِثُمَّ إِذَا كَانَ هُوَ الآخر فِي المعنى. وربما جعلوا (ثُمَّ) فيما معناهُ التقديم ويَجعلونَ (ثُمَّ) من خبر المتكلم. من ذَلِكَ أن تَقُولَ: قد بلغني ما صنعت يومك هَذَا، ثُمَّ ما صنعت أمس أعجب. فهذا نَسَق من خبر المتكلم.

وتقول: قد أعطينك اليوم شيئًا، ثُمَّ الَّذِي أعطيتك أمس أكثر، فهذا من ذَلِكَ.

والوجه الآخر: أن تجعل خَلْقَه الزوج مردودًا عَلَى (وَاحدة) كأنه قَالَ: خلقكم من نفسٍ وحدها، ثُمَّ جعل منها زوجها. ففي (واحدةٍ) معنى خَلقها واحدة.

قَالَ: أنشدني بعضُ العرب:

أعددتَه للخَصْم ذي التعدّي ... كوّحتَه منك بدون الْجَهْدِ

ومعناهُ الَّذِي إِذَا تعدى كوَّحتَه، وكوَّحته: غلبته وقوله: وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [٧] يقول: يرضى الشكر لكم. وهذا مثل قوله:

(فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً) أي فزادهم قولُ الناس، فإن قَالَ قائل: كيف قال (وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ) وقد كفروا؟ قلتُ: إنه لا يرضى أن يكفرو. فمعنى الكفر: أن يكفروا. وليسَ معناهُ الكفر بعينه. ومثله مما يبيّنه لك أنك تَقُولُ: لست أحب الإساءة، وإني لأحب أن يُسيء فلان فيُعذَّب فهذا مما يبيّن لك معناهُ.

وقوله: نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ [٨] .

يقول: ترك الَّذِي كَانَ يدعوه إِذَا مسّه، الضر يريد الله تعالى. فإن قلت: فهلّا قيل: نسى من كَانَ يَدْعُو؟ قلت: إن (ما) قد تكون فى موضع (من) قال الله (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ) يعني الله. وقال (فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) فهذا وجه. وبه جاء التفسير، ومثله (أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) وقد تكون (نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ) يراد : نسيَ دعاءه إلى الله من قبل. فإن شئت جعلت الْهَاء التي فِي (إِلَيْهِ) لِمَا . الفراء ٢/ ٤١٥الفراء ٢/ ٤١٥

وإن شئت جعلتها لله وكل مستقيم.

وقوله (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا) ١٦٦ افهذا تهدُّد وليس بأمر محض. وكذلك قوله: (فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) وَمَا أشبهه.

وقوله: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ [٩] قرأها يَحْيَى بن وَثّاب بالتخفيف. وذُكر ذَلِكَ عَن نَافِع وَحَمْزَة وفسروها يريد: يا من هو قانت. وهو وجه حسن، العرب تدعو بألف، كما يدعون بيَا.

فيقولون: يا زيدُ أقبل، وأزيدُ أقبل. قال الشاعر:

أبنِي لُبَيْنَى لستُم بِيَدٍ ... إِلا يدٍ ليسَت لَهَا عَضُد

وقال الآخر:

أضمر بن ضمرة ماذا ذكر ... ت مِنْ صِرْمة أُخذت بالْمُرارِ

وهو كَثِير فِي الشعر فيكون المعنى مردودًا بالدعاء كالمنسوق ، لأنه ذكر الناسي الكافر، ثم قَصّ قصة الصالِح بالنداء، كما تَقُولُ فِي الكلام: فلان لا يصلّى ولا يصوم فيامن يُصلي ويصوم أبشر فهذا هُوَ معناه. والله أعلم. الفراء ٢/ ٤١٦الفراء ٢/ ٤١٦

وقد تكون الألف استفهامًا بتأويل أم لأن العرب قد تضع (أَمْ) فِي موضع الألف إِذَا سَبَقَها كلام، قد وصفت من ذَلِكَ ما يُكتفى بِهِ. فيكون المعنى أمَن هُوَ قانت (خفيف) كالأول الَّذِي ذُكِرَ بالنسيان والكفر.

ومن قرأها بالتشديد فإنه يريد معنى الألف. وهو الوجه: أن تجعل أم إِذَا كانت مردودة عَلَى معنى قد سَبق قلتها بأم. وقد قرأ بِهَا الْحَسَن وَعَاصِم وَأَبُو جَعْفَر المدني. يريدون: أمْ مَنْ. والعرب تَقُولُ: كَانَ هَذَا حين قلت: أأخوكَ أم الذئب. تقال هَذِه الكلمة بعد المغرب إِذَا رأيت الشخص فلم تَدْر ما هُوَ. ومنه قولك: أَفتِلكَ أم وَحْشِيّة، وقولك أذلك أم جأْب يطارد أُتنا .

فإن قَالَ قائل فأين جواب (أَمَّنْ هُوَ) فقد تبيّن فِي الكلام أَنَّهُ مضمر، قد جرى معناه فِي أوّل الكلمة، إذ ذكر الضال ثُمَّ ذكر المهتدي بالاستفهام فهو دليلٌ عَلَى أَنَّهُ يريد: أهذا مثل هَذَا أو أهذا أفضل أم هَذَا. ومن لَمْ يعرف مذاهب العرب ويتبين لَهُ المعنى فِي هَذَا وشبهه لَمْ يكتف ولم يشتف ألا ترى قول الشَّاعِر:

فأقسمُ لو شَيْء أتانا رَسولُه ... سِوَاك ولكن لَمْ نَجد لك مَدْفعَا

أنّ معناهُ: لو أتانا رسولُ غيرِك لدفعنَاهُ، فعلم المعنى ولم يُظهر. وجرى قوله: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ) عَلَى مثل هَذَا.

وقوله (آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً) نُصِب عَلَى قوله: يَقنت ساجدًا مرة وقائمًا مرة، أي مطيع فِي الحالين. ولو رفع كما رُفعَ القانت كَانَ صوابًا. والقنوت: الطاعة. الفراء ٢/ ٤١٧الفراء ٢/ ٤١٧

وقوله: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ [١٩] .

يقال: كيف اجتمع استفهامان فِي معنى واحد؟ يُقال: هَذَا مِمّا يُرادُ بِهِ استفهامٌ واحدٌ فيسبق الاستفهام إلى غير موضعه يُردّ الاستفهام إلى موضعه الَّذِي هُوَ لَهُ. وإنَّما الْمَعْنَى- والله أعلم-: أفأنتَ تُنْقِذُ من حَقّت عَلَيْهِ كلمةُ العذاب. ومثله من غير الاستفهام قوله: (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) فردّ (أنّكم) مرّتين، والمعنى- والله أعلم-: أيعدكم أنكم مخرجونَ إِذَا متم وكنتم ترابًا. ومثله قوله: (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ) فرَدّ (تَحْسَبَنَّ) مرّتين ومعناهما- والله أعلم- لا تحسبن الَّذِينَ يفرحونَ بما أتوا بِمفازةٍ من العذاب. ومثله كَثِير فِي التنزيل وغيره من كلام العرب.

وقوله: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [٢٢] و (عَن ذكرِ الله) كلّ صواب. تَقُولُ:

اتّخمتُ من طعامٍ أكلته وعن طعام أكلته، سَواءً فِي المعنى. وكأنّ قوله: قسَت من ذكره أنهم جعلوه كذبًا فأقسى قلوبهم: زادها قَسْوة. وكأن من قَالَ: قست عَنْهُ يريد: أعرضت عنه.

وقوله: كِتاباً مُتَشابِهاً [٢٣] أي غير مختلف لا ينقض بعضه بعضًا.

وقوله (مَثانِيَ) أي مكرّرًا يكرّر فِيهِ ذكر الثواب والعقاب.

وقوله: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) : تقشعر خوفًا من آية العذاب إِذَا نزلت (ثُمَّ تَلِينُ) عند نزول آية رَحْمة.

وقوله: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ [٢٤] .

يُقال: إِنّ الكافر تنطلقُ بِهِ الْخَزنة إلى النار مغلولًا، فيُقذف بِهِ فِي النار، فلا يتقيها إلا بوجهه وجوابه من المضمر الَّذِي ذكرت لك. الفراء ٢/ ٤١٨الفراء ٢/ ٤١٨

وقوله: فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ [٢٩] مختلفونَ. هَذَا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن. فجعل الَّذِي فِيهِ شركاء الَّذِي يَعبد الآلهة المختلفة.

وقوله (رَجُلًا سَالِمًا لرجُلٍ) هُوَ المؤمن الموحّد. وقد قرأ العوامّ (سَلَماً) وَسَلَمٌ وسالِم متقاربان فِي المعنى، وكأن (سَلَماً) مصدر لقولك: سَلِم لَهُ سَلَمًا والعرب تَقُولُ: رَبِحَ رِبْحًا ورَبَحًا، وَسَلِمَ سلمًا وسَلَمًا وسلامة. فسالِم من صفة الرجل، وسَلَمَ مصدرٌ لذلك. والله أعلم.

حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ التَّيْمِيُّ- وَلَيْسَ بِصَاحِبِ هُشَيْمٍ- عَنْ أَبِي رَوْقٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ (وَرَجُلًا سَالِمًا) قَالَ الفراء:

وَحَدَّثَنِي ابن عيينة عَن عبد الكريم الجزري عَن مجاهد أَنَّهُ قرأ (سالِمًا) .

وقوله: هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا [٢٩] ولم يقل مثلين، لأنهما جَميعًا ضُرِبا مثلًا واحدًا، فجرى المثل فيهما بالتوحيد. ومثله (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً) ولم يقل: آيتين لأن شأنهما واحد. ولو قيل مَثَلين أو آيتين كَانَ صوابًا لأنهما اثنان فِي اللفظ.

وقوله: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [٣٣] (الَّذِي) غير موقّت، فكأنه فِي مذهب جماع فِي المعنى. وَفِي قراءة عبد الله (وَالَّذِينَ جاءوا بالصدق وصَدّقوا بِهِ) فهذا دليل أنّ (الَّذِي) فِي تأويل جَمْع.

وقوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عِبَادَهُ [٣٦] قرأها يَحْيَى بن وثاب وَأَبُو جَعْفَر المدني (أليس الله بكافٍ عباده) عَلَى الجمع. وقرأها الناس (عَبْدَهُ) وَذَلِكَ أن قريشًا قالت للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

أما تخاف أن تَخْبِلَكَ آلهتُنا لعيبكَ إيّاها! فأنزلَ الله (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ) محمّدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكيف يخوِّفونَكَ بِمن دونه. والذين قالوا (عباده) قالوا: الفراء ٢/ ٤١٩الفراء ٢/ ٤١٩

قد همّت أمم الأنبياء بهم، ووعدوهم مثل هذا، فقالوا الشعيب (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ.) فقال الله (أليس الله بكافٍ عباده) أي محمدا عَلَيْهِ السَّلَام والأنبياء قبله، وكلٌّ صواب.

وقوله: هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ [٣٨] وممسكات رحمته [٣٨] نوَّن فيهما عَاصِم والحسن وشَيْبَة المدني. وأضافَ يَحْيَى بن وثاب. وكل صواب. ومثله (إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ) و (بالِغُ أَمْرِهِ) و (مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ) و (مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ) وللإضافة معنى مضى من الفعل. فإذا رأيت الفعل قد مضى فِي المعنى فآثر الإضافة فِيهِ، تَقُولُ أخوك أخذ حقه، فتقول هاهنا:

أخوك آخذُ حقِّه. ويقبح أن تَقُولَ: آخذٌ حقَّه. فإذا كَانَ مستقبلًا لَمْ يقع بعد قلت: أخوكَ آخِذٌ حقّه عَن قليل، وآخذُ حقِّه عَن قليل: ألا ترى أنك لا تَقُولُ: هَذَا قاتلٌ حَمْزَةَ مُبغضًا، لأن معناهُ ماضٍ فقبح التنوين لأنه اسم.

وقوله: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [٤٢] والمعنى فِيهِ يتوفى الأنفس حين موتها، ويتوفى التي لَمْ تمت فِي منامها عند انقضاء أجلها. ويُقال: إن توفِّيهَا نومُها.

وهو أحبّ الوجهين إليّ لقوله (فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ) .

ولقوله: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) وتقرأ (قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ) (وقُضِيَ عَليها الموتُ) .

وقوله: بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ [٤٩] خرجت (هي) بالتأنيث لتأنيث الفتنة. ولو قيل: بل هو فتنة لكان صوابًا كما قَالَ (هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي) ومثله كَثِير فِي القرآن. وكذلك قوله: (قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أنثت إرادة الكلمة ولو قيل: قد قاله الَّذِينَ من قبلهم كَانَ صوابًا. ومثله فِي الكلام أن تَقُولُ: قد فعلتها وفعلت ذاك: ومثله. قوله: (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ) يَجوز مكانها لو أتى: وفعلت فِعلكَ. الفراء ٢/ ٤٢٠الفراء ٢/ ٤٢٠

وقوله: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [٥٣] هي فِي قراءة عبد الله (الذنوبَ جَميعًا لِمن يشاء) قَالَ الْفَرَّاءُ: وَحَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي رَوْقٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا كَمَا هِيَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَنْ يَشَاءُ) وَإِنَّمَا نَزَلَتْ فِي وَحْشِيٍّ قَاتِلِ حَمْزَةَ وَذَوِيهِ.

وقوله: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتى [٥٦] أي افعلوا وأنيبوا وافعلوا (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ) ألّا يقول أحدكم غدا (يا حَسْرَتى) ومثله قوله: (وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) أي لا تميد.

وقوله: (يا حَسْرَتى) : يا ويلتا مُضاف إلى المتكلم يَحوّل العرب الياء إلى الألف فِي كلّ كلام كَانَ معناهُ الاستغاثة، يَخرج عَلَى لفظ الدعاء. وربّما قيل: يا حَسْرَتِ كما قالوا: يا لَهفِ عَلَى فلانٍ، ويا لَهَفَا عَلَيْهِ قَالَ: أنشدني أبو ثروان العكلىّ.

تزورونها أو لا أزور نِساءكم ... ألهَفِ لأولاد الإماء الحواطِبِ

فخفض كما يُخفض المنادَى إِذَا أضافه المتكلم إلى نفسه. الفراء ٢/ ٤٢١الفراء ٢/ ٤٢١

وربَّما أدخلت العرب الْهَاء بَعدَ الألف التي فى (حَسْرَتى) فيخفضونها مَرة، ويرفعونَها. قَالَ:

أنشدني أَبُو فَقْعَس، بعضُ بني أسد:

يا ربِّ يا ربّاهِ إيّاك أسَلْ ... عَفْراء يا ربّاهِ من قبل الأجَل

فخفض، قَالَ: وأنشدني أَبُو فَقْعَسٍ:

يا مرحباهِ بِحمار ناهِيَهْ ... إِذَا أتى قرّبته للسَّانية

والخفضُ أكثر فِي كلام العرب، إلا فِي قولهم: يا هَناه ويا هَنْتَاه، فالرفع فِي هَذَا أكثر من الخفض لأنه كثُر فِي الكلام فكأنه حَرف واحدٌ مدعو.

وقوله: لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [٥٨] النصب فِي قوله (فَأَكُونَ) جَواب لِلو.

وإن شئت جَعلته مردودًا عَلَى تأويل أَنْ، تُضمرهَا فِي الكرَّة، كما تَقُولُ: لو أَنَّ لي أن أكُرَّ فأكونَ. ومثله مِمَّا نُصِبَ عَلَى ضمير أنْ قوله: (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ) المعْنَى- والله أعلم- ما كَانَ لبشرٍ أن يُكلمه الله إلا أن يُوحي إِلَيْهِ أو يرسل. ولو رفع (فيُوحي) إِذَا لَمْ يظهر أن قبله ولا معه كَانَ صوابًا. وقد قرأ به بعض القراء.

قال: وأنشدني بعض بنى أسد: الفراء ٢/ ٤٢٢الفراء ٢/ ٤٢٢

يَحُلّ أحَيْدَه ويُقالُ بَعْلٌ ... ومثلُ تموُّلٍ مِنْهُ افتقارُ

فما يُخطئكِ لا يخطئكِ منه ... طَبَانِيَةٌ فيحظل أو يغار

فرفع. وأنشدنى آخر:

فمالك منها غير ذِكرى وحِسْبة ... وتسأل عَن ركبانها أينَ يَمَّمُوا

وقال الْكِسَائي: سمعتُ من العرب: ما هي إِلَّا ضَرْبة من الأسَد فيحطِمُ ظهره، (و) يحطم ظهرَه. قَالَ: وأنشدني الأسَدِي:

عَلى أَحْوذِيَّيْنِ استقلت عَشِيَّة ... فما هي إلا لَمْحة فتغيب

وقوله: بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها [٥٩] القراء مجتمعونَ عَلَى نصب الكاف وأن المخاطب ذَكَر. قَالَ الفراء وَحَدَّثَنِي شيخ عَن وِقَاء بن إياسٍ بسنده أَنَّهُ قرأ (بَلَى قد جاءَتْكِ آيَاتِي) فكذَّبْتِ بِهَا واستكبرت (فخفض الكاف والتاء كأنه يُخاطب النفس. وهو وجه حسَن لأنه ذكر النفس فخاطبها أوَّلًا، فأجْرى الكلام الثاني عَلَى النفس فِي خطابها.

وقوله: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [٦٠] ترفع (وجوههم) و (مسودّة) لأنّ الفعل قد وقع عَلَى (الَّذِينَ) ثُمَّ جاء بعد (الذينَ) اسم لَهُ فعل فرفعته بفعله، وَكَانَ فِيهِ معنى نصب. وكذلك فالفعل بكل اسم أوقعتَ عَلَيْهِ الظنّ والرأي وما أشبههما فارفع ما يأتي بعده من الأسماء إِذَا كَانَ معها أفاعيلها بعدها كقولك: رأيت عبد الله أمرُه مستقيم. فإن قدمت الاستقامة» الفراء ٢/ ٤٢٣الفراء ٢/ ٤٢٣

نصبتها، ورفعت الاسم، فقلت: رأيتُ عبد الله مستقيمًا أمرُه، ولو نصبت الثلاثة فِي المسألة الأولى عَلَى التكرير كَانَ جائزًا، فتقول: رأيتُ عبد الله أمرَهُ مستقيمًا. وقال عدي ابن زيد.

ذرِيني إِن أمركِ لن يُطاعا ... وما ألفيتني حِلْمي مُضَاعا

فنصب الحلم والمضاع عَلَى التكرير. ومثله:

ما للجمال مشيها وئيدا

فخفض الجمال والمشي عَلَى التكرير. ولو قرأ قارئ (وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) عَلى هَذَا لكان صوابًا.

وقوله: بِمفازاتِهم [٦١] جمع وقد قرأ أهل المدينة (بِمَفازَتِهِمْ) بالتوحيد . وكل صواب. تَقُولُ فِي الكلام: قد تَبيَّن أمر القوم وأمورُ القوم، وارتفع الصوت والأصوات (ومعناهُ ) واحد قَالَ الله (إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) ولم يقل: أصواتٌ وكل صواب.

وقوله: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ [٦٦] تنصب (الله) - يعني فِي الإعراب- بِهذا الفعل الظاهر لأنه رد كلام. وإن شئت نصبته بفعل تُضمره قبله لأن الأمر والنهي لا يتقدمهما إلا الفعل.

ولكن العرب تَقُولُ: زيد فليقم، وزيدًا فليقم، فمَن رفعه قَالَ: أرفعه بالفعل الذي بعده إِذْ لَمْ يظهر الَّذِي قبله. وقد يرفع أيضًا بأن يُضمر لَهُ مثل الَّذِي بعده كأنك قلت: لينظر زيد فليقم. الفراء ٢/ ٤٢٤الفراء ٢/ ٤٢٤

ومن نصبه فكأنه قَالَ: انظروا زيدًا فليقم.

وقوله: (وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ) [٦٧] ترفع القبضة. ولو نصبها ناصب، كما تَقُولُ: شهر رمضان انسلاخ شعبان أي هَذَا فِي انسلاخ هذا.

وقوله: (وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) ترفع السموات بمطويات إِذَا رفعت المطويات. ومن قَالَ (مَطْوِيَّاتٌ) رفع السموات بالباء التي فِي يمينه، كأنه قَالَ: والسموات فِي يمينه. وينصبُ المطويَّاتِ عَلَى الحال أو عَلَى القطع . والحال أجود.

وقوله: فِي الصُّورِ [٦٨] قَالَ: كَانَ الكلبي يقول: لا أدري ما الصور. وقد ذُكِرَ أَنَّهُ القرن وذكر عَن الْحَسَن أو عَن قتادة أَنَّهُ قَالَ: الصور جماعة الصورة.

وقوله: طِبْتُمْ [٧٣] أي زكوتم (فَادْخُلُوها) .

وقوله: وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ [٧٤] يعنى الجنّة. الفراء ٢/ ٤٢٥الفراء ٢/ ٤٢٥

[الجزء الثالث]

بسم الله الرّحمن الرّحيم ومن سورة المؤمن الفراء ٣/ ٣الفراء ٣/ ٣

إعراب القرآنالنحاس، ت ٣٣٨هـ
أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَالنحاس ٣/ ١٠٠النحاس ٣/ ١٠٠

أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا فأنكر الله عليهم ذلك لما أظهر من البراهين فقال: بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. النحاس ٣/ ١٠٠النحاس ٣/ ١٠٠