حمٓ ١
لها في الأقسام:الدلائل
التفسير
{حم} سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم- ١- تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ يقول قضي تنزيل الكتاب من الله الْعَزِيزِ في ملكه الْعَلِيمِ- ٢- بخلقه غافِرِ الذَّنْبِ يعني من الشرك «وَقابِلِ التَّوْبِ» شَدِيدِ الْعِقابِ لمن لم يوجده ذِي الطَّوْلِ يعني ذي الغنى عمن لا يوحده، ثم وحد نفسه- جل جلاله- فقال: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ- ٣- يعني مصير العباد إليه في الآخرة فيجزيهم بأعمالهم، قوله: مَا يُجادِلُ يعني يماري فِي آياتِ اللَّهِ يعنى آيات القرآن إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا يعني الحارث بن قيس السهمي فَلا يَغْرُرْكَ يا محمد تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ- ٤- يعني كفار مكة يقول لا يغررك ما هم فيه من الخير والسعة من الرزق فإنه متاع قليل ممتعون به إلى آجالهم في الدنيا، ثم خوفهم مثل عذاب الأمم الخالية ليحذروا فلا يكذبوا محمدا- صلى الله عليه وسلم- فقال: «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ» قبل أهل مكة قَوْمُ نُوحٍ رسولهم نوحا- عليه السلام- وَكذبت الْأَحْزابُ يعني الأمم الخالية رسلهم مِنْ بَعْدِهِمْ يعني من بعد قوم نوح وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ يعني ليقتلوه «وَجادَلُوا» يعني وخاصموا رسلهم بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ يعني ليبطلوا به الحق الذي جاءت به الرسل وجدالهم أنهم قالوا لرسلهم: ما أنتم إلا بشر مثلنا، وما نحن إلا بشر مثلكم ألا أرسل الله ملائكة فهذا جدالهم كما قالوا للنبي- صلى الله عليه وسلم- فَأَخَذْتُهُمْ بالعذاب فَكَيْفَ كانَ عِقابِ- ٥- يعنى عقابي أليس وجدوه حقا وَكَذلِكَ يعنى وهكذا عذبتهم، «وكذلك» حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ يقول وجبت كلمة العذاب من ربك عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ- ٦- حين قال لإبليس: «لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ» . قوله: مقاتل بن سليمان ٣/ ٧٠٥مقاتل بن سليمان ٣/ ٧٠٥
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ فيها إضمار وهم أول من خلق الله- تعالى- من الملائكة وذلك أن الله- تبارك وتعالى- قال فى سورة «حم عسق» « ... وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ... » «فاختص» في «حم» المؤمن، من الملائكة حملة العرش وَمَنْ حَوْلَهُ، يقول «ومن» حول العرش من الملائكة «واختص استغفار الملائكة بالمؤمنين» من أهل الأرض فقال: «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ» يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ يقول يذكرون الله بأمره وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ويصدقون بالله- عز وجل- بأنه واحد لا شريك له وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا حين قالوا: « ... فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا ... » وقالت الملائكة: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ يعنى ملأت كل شيء من الحيوان في السموات والأرض رَحْمَةً يعني نعمة يتقلبون فيها وَعِلْماً يقول علم من فيهما من الخلق وقالوا: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا من الشرك وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ يعني دينك وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ- ٧- رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ على ألسنة الرسل وَأدخل معهم الجنة مَنْ صَلَحَ يعني من وحد الله «من» الذين آمنوا مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ من الشرك إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ- ٨- ثم قال: وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ يعني الشرك وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ فى الدنيا «يَوْمَئِذٍ» فَقَدْ رَحِمْتَهُ «يومئذ» : في الآخرة وَذلِكَ الذي ذكر من الثواب هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ- ٩-. مقاتل بن سليمان ٣/ ٧٠٦مقاتل بن سليمان ٣/ ٧٠٦
قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ- ١٠- وذلك أن الكفار إذا عاينوا النار في الآخرة ودخلوها مقتوا أنفسهم فقالت لهم الملائكة، وهم خزنة جهنم يومئذ، لمقت الله إياكم في الدنيا حين دعيتم إلى الإيمان يعني التوحيد فكفرتم أكبر من مقتكم أنفسكم.
قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ يعني كانوا نطفا فخلقهم فهذه موتة وحياة، وأماتهم عند آجالهم، ثم بعثهم في الآخرة فهذه موتة وحياة أخرى، فهاتان «موتتان» وحياتان فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا بأن البعث حق فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ- ١١- قالوا فهل لنا كرة إلى الدنيا مثلها في «حم عسق» قوله: ذلِكُمْ المقت في التقديم إنما كان بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ يعني إذا ذكر الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ به يعنى بالتوحيد وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا يعني وإن يعدل به تصدقوا، ثم قال: فَالْحُكْمُ يعني القضاء لِلَّهِ الْعَلِيِّ يعني الرفيع فوق خلقه الْكَبِيرِ- ١٢- يعني العظيم فلا شيء أعظم منه، قوله- تعالى-: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ يعني السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والليل والنهار والفلك في البحر والنبت والثمار عاما بعام وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً يعني المطر وَما يَتَذَكَّرُ في هذا الصنع فيوحد الرب- تعالى- إِلَّا مَنْ يُنِيبُ- ١٣- إلا من يرجع، ثم أمر المؤمنين بتوحيده فقال- عز وجل-: مقاتل بن سليمان ٣/ ٧٠٧مقاتل بن سليمان ٣/ ٧٠٧
فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ [١٢٨ أ] يعني موحدين لَهُ الدِّينَ يعني التوحيد وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ- ١٤- من أهل مكة، ثم عظم نفسه عن شركهم فقال- عز وجل-: رَفِيعُ الدَّرَجاتِ يقول أنا فوق السموات لأنها ارتفعت من الأرض سبع سموات ذُو الْعَرْشِ يعني هو عليه يعني على العرش يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ يقول ينزل الوحي من السماء بإذنه عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ من الأنبياء لِيُنْذِرَ النبيون بما في القرآن من الوعيد يَوْمَ التَّلاقِ- ١٥- يعني يوم يلتقي الخالق والخلائق، ثم ذكر ذلك اليوم فقال: مقاتل بن سليمان ٣/ ٧٠٨مقاتل بن سليمان ٣/ ٧٠٨
يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ من قبورهم على ظهر الأرض مثل الأديم الممدود لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ يقول لا يستتر عن الله- عز وجل- منهم أحد، فيقول الرب تبارك- وتعالى- لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ يعنى يوم القيامة حين قبض على السموات والأرض في يده اليمنى فلا يجيبه أحد، فيقول لنفسه لِلَّهِ الْواحِدِ لا شريك له الْقَهَّارِ- ١٦- لخلقه حين أحياهم الْيَوْمَ في الآخرة تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بر وفاجر بِما كَسَبَتْ من خير أو شر لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ- ١٧- يفرغ الله- تعالى- من حسابهم في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا، قوله- تعالى-: وَأَنْذِرْهُمْ يعني النبي- صلى الله عليه وسلم- أنذر أهل مكة يَوْمَ الْآزِفَةِ يعني اقتراب الساعة إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ وذلك أن الكفار إذا عاينوا النار في الآخرة شخصت أبصارهم إليها فلا يطرفون وأخذتهم رعدة شديدة من الخوف فشهقوا شهقة فزالت قلوبهم من أماكنها فنشبت في حلوقهم فلا تخرج من أفواههم ولا ترجع إلى أماكنها أبدا، فذلك قوله تعالى: «إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى» يعنى عند «الْحَنَاجِرِ» كاظِمِينَ يعني مكروبين مَا لِلظَّالِمِينَ يعني المشركين مِنْ حَمِيمٍ يعني قريب ينفعهم وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ- ١٨- فيهم يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ يعني الغمزة فيما لا يحل بعينه والنظرة فى المعصية وَما تُخْفِي الصُّدُورُ- ١٩- يعني وما تسر القلوب من الشر وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ يعني يحكم بالعدل وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ من الآلهة لا يَقْضُونَ يعني لا يحكمون بِشَيْءٍ يعني والذين يعبدون من دونه لا يقضون بشيء، يعني آلهة كفار مكة إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ- ٢٠- ثم خوفهم بمثل عذاب الأمم الخالية ليحذروا فيوحدوا الرب- تبارك وتعالى- فقال: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم الخالية عاد، وثمود، وقوم لوط، كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ [١٢٨ ب] يعني من كفار مكة قُوَّةً يعني بطشا وَآثاراً فِي الْأَرْضِ يعني أعمالا وملكوا في الأرض فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ فعذبهم وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ- ٢١- يقي العذاب عنهم يقول ذلِكَ العذاب إنما نزل بهم بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني بالبيان فَكَفَرُوا بالتوحيد فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بالعذاب إِنَّهُ قَوِيٌّ في أمره شَدِيدُ الْعِقابِ- ٢٢- إذا عاقب يعني عقوبة الأمم الخالية، قوله- تعالى-: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا يعني اليد والعصا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ- ٢٣- يعني وحجة بينة إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فلما رأوا اليد والعصا قالوا ليستا من الله بل موسى ساحر، في اليد حين أخرجها بيضاء، والعصا حين صارت حية «فَقالُوا ساحِرٌ» كَذَّابٌ- ٢٤- حين زعم أنه رسول رب العالمين فَلَمَّا جاءَهُمْ موسى بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا يعني اليد والعصا آمنت به بنو إسرائيل ف قالُوا أي قال فرعون وحده لقومه للملأ يعني الأشراف: اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ يعني مع موسى وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ يقول اقتلوا أبناءهم ودعوا البنات، فلما هموا بذلك حبسهم الله عنهم حين أقطعهم البحر، يقول الله- عز وجل- وَما كَيْدُ «الْكافِرِينَ» إِلَّا فِي ضَلالٍ- ٢٥- يعني خسار يقول «وَمَا كَيْدُ» فرعون الذي أراد ببني إسرائيل من قتل الأبناء واستحياء النساء «إِلَّا فِي ضَلالٍ» يعني خسار. مقاتل بن سليمان ٣/ ٧٠٩مقاتل بن سليمان ٣/ ٧٠٩
وَقالَ فِرْعَوْنُ لقومه القبط ذَرُونِي أَقْتُلْ يقول خلوا عني أقتل مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ فليمنعه ربه من القتل إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ يعني عبادتكم إياي أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ أرض مصر الْفَسادَ- ٢٦- يعني بالفساد أن يقتل أبناءكم ويستحيى نساءكم كما فعلتم بقومه يفعله بكم، فلما قال فرعون لقومه: «ذروني أقتل موسى» استعاذ موسى:
وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ يعني متعظم عن الإيمان يعني التوحيد لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ- ٢٧- يعني فرعون لا يصدق بيوم يدان بين العباد وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يعني قبطي مثل فرعون يَكْتُمُ إِيمانَهُ مائة سنة حتى سمع قول فرعون في قتل موسى- عليه السلام- فقال المؤمن: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ يعني اليد والعصا وَإِنْ يَكُ موسى كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً في قوله وكذبتموه يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ من العذاب إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي إلى دينه مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ- ٢٨- يعنى مشرك «مفتن» [١٢٩ ا] وقال المؤمن: يَا قَوْمِ لأنه قبطي مثلهم لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ يعنى أرض مصر على أهلها فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ يقول فمن يمنعنا من عذاب الله- عز وجل- إِنْ جاءَنا لما سمع فرعون قول المؤمن قالَ عدو الله فِرْعَوْنُ عند ذلك لقومه: مَا أُرِيكُمْ من الهدى إِلَّا مَا أَرى لنفسي وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ- ٢٩- يقول وما أدعوكم إلا إلى طريق الهدى، بل يدلهم على سبيل الغي وَقالَ الَّذِي آمَنَ يعني صدق بتوحيد اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- يَا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ فى تكذيب موسى مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ- ٣٠- يعني مثل أيام عذاب الأمم الخالية الذين كذبوا رسلهم مِثْلَ دَأْبِ يعني مثل أشباه قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ- ٣١- فيعذب على غير ذنب، ثم حذرهم المؤمن عذاب الآخرة، فقال: وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ- ٣٢- يعني يوم ينادي أهل الجنة أهل النَّارِ « ... أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا ... » وينادي أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ « ... أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ... » . مقاتل بن سليمان ٣/ ٧١١مقاتل بن سليمان ٣/ ٧١١
ثم أخبر المؤمن عن ذلك اليوم، فقال: يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ يعني بعد الحساب إلى النار ذاهبين، كقوله: «فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ» يعني ذاهبين إلى عيدهم مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ يعني من مانع يمنعكم من الله- عز وجل- وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن الهدى فَما لَهُ مِنْ هادٍ- ٣٣- يعني من أحد يهديه إلى دين الله- عز وجل-، ثم وعظهم ليتفكروا فقال: وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ ولم يكن رآه المؤمن قط، «من قبل» موسى «بالبينات» يعنى بينات تعبير رؤيا الملك البقرات السبع بالسنين . مقاتل بن سليمان ٣/ ٧١٢مقاتل بن سليمان ٣/ ٧١٢
فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ يعني مما أخبركم من تصديق الرؤيا حَتَّى إِذا هَلَكَ يعني مات قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذلِكَ يعني هكذا يُضِلُّ اللَّهُ عن الهدى إضمار مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ يعني من هو مشرك مُرْتابٌ- ٣٤- يعني شاك في الله- عز وجل-، لا يوحد الله- تعالى-، قوله: الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ يعني بغير حجة أَتاهُمْ من الله كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا نزلت في المستهزئين من قريش يقول: كَذلِكَ يعني هكذا يَطْبَعُ اللَّهُ يعني يختم الله- عز وجل- بالكفر عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ- ٣٥- يعني قتال يعني فرعون تكبر عن عبادة الله- عز وجل-، يعني التوحيد كقوله « ... إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً ... » يعنى قتالا وَقالَ فِرْعَوْنُ [١٢٩ ب] : يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً يعني قصرا مشيدا من آجر لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ- ٣٦- أَسْبابَ السَّماواتِ يعني أبواب السموات السبع يعني باب كل سماء إلى السابعة فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى ثم قال فرعون لهامان: وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ يعني إني لأحسب موسى كاذِباً فيما يقول: إن في السماء إلها، وَكَذلِكَ يقول وهكذا زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ أن يطلع إلى إله موسى قال: «وَصُدَّ» عَنِ السَّبِيلِ يقول وصد فرعون الناس حين قال لهم ما أريكم إلا ما أرى فصدهم عن الهدى وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ- ٣٧- يقول وما قول فرعون إنه يطلع إلى إله موسى إلا فى خسار، ثم نصح المؤمن لقومه: وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ- ٣٨- يعني طريق الهدى يَا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ قليل وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ- ٣٩- يقول تمتعون في الدنيا قليلا، ثم «استقرت» الدار الآخرة بأهل الجنة وأهل النار، يعني بالقرار لا زوال عنها، ثم أخبر بمستقر الفريقين جميعا ، فقال- تعالى-: مقاتل بن سليمان ٣/ ٧١٣مقاتل بن سليمان ٣/ ٧١٣
مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً يعنى الشرك فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها فجزاء الشرك النار «وهما» عظيمان كقوله: «جَزاءً وِفاقاً» وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ- ٤٠- يقول بلا تبعة في الجنة فيما يعطون فيها من الخير، ثم قال: وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ من النار إضمار يعني التوحيد وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ- ٤١- يعنى إلى الشرك تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ بأن له شريكا وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ في نقمته من أهل الشرك الْغَفَّارِ- ٤٢- لذنوب أهل التوحيد، ثم زهدهم في عبادة الآلهة فقال: لا جَرَمَ يعني حقا أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ من عبادة الآلهة لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ مستجابة إضمار تنفعكم يقول ليس بشيء فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ يعني مرجعنا بعد الموت إلى الله في الآخرة وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ يعني المشركين هُمْ أَصْحابُ النَّارِ- ٤٣- يومئذ فردوا عليه نصيحته، فقال المؤمن: فَسَتَذْكُرُونَ إذا نزل بكم العذاب ما أَقُولُ لَكُمْ من النصيحة فأوعدوه، فقال: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ- ٤٤- واسمه «حزبيل بن برحيال» . فهرب المؤمن إلى الجبل فطلبه رجلان فلم «يقدرا» عليه، فذلك قوله: فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ مَا مَكَرُوا يعني ما أرادوا به من الشر وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ- ٤٥- يقول ووجب [١٣٠ ا] بآل القبط وكان فرعون قبطيا مثلهم، شدة العذاب: مقاتل بن سليمان ٣/ ٧١٤مقاتل بن سليمان ٣/ ٧١٤
يعني الغرق، قوله- تعالى-: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها وذلك أن أرواح آل فرعون، وروح كل كافر تعرض على «منازلها» كل يوم مرتين غُدُوًّا وَعَشِيًّا ما دامت الدنيا، ثم أخبر بمستقرهم في الآخرة، فقال: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يعنى القيامة «يقال» أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ- ٤٦- يعني أشد عذاب المشركين، ثم أخبر عن خصومتهم فى النار، فقال: مقاتل بن سليمان ٣/ ٧١٥مقاتل بن سليمان ٣/ ٧١٥
وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ يعني يتخاصمون «فَيَقُولُ» الضُّعَفاءُ وهم الأتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا عن الإيمان وهم القادة إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً في دينكم فَهَلْ أَنْتُمْ يا معشر القادة مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ- ٤٧- باتباعنا إياكم قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا وهم القادة للضعفاء:
إِنَّا كُلٌّ فِيها نحن وأنتم إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ يعني قضى بَيْنَ الْعِبادِ- ٤٨- قد أنزلنا منازلنا في النار «وأنزلكم منازلكم فيها» «وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ» »
فلما ذاق أهل النار شدة العذاب قالوا: لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا «رَبَّكُمْ» يعني سلوا لنا ربكم يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً من أيام الدنيا إضمار مِنَ الْعَذابِ- ٤٩- فردت عليهم الخزنة ف قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ
يعني رسل منكم بِالْبَيِّناتِ يعني بالبيان قالُوا بَلى قد جاءتنا الرسل «قالُوا» قالت لهم الخزنة: فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ- ٥٠- إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعني بالنصر في الدنيا الحجة التي معهم إلى العباد وَنصرهم فى الآخرة يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ- ٥١- يعني الحفظة من الملائكة يشهدون للرسل بالبلاغ ويشهدون على الكفار بتكذيبهم والنصر للذين آمنوا: أن الله - تبارك وتعالى- أنجاهم مع الرسل من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، ثم أخبر عن ذلك اليوم فقال: يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ يعنى المشركين مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ يعنى العذاب وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ- ٥٢- الضلالة نار جهنم وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى يعني أعطيناه الْهُدى يعني التوراة هدى من الضلالة وَأَوْرَثْنا من بعد موسى بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ- ٥٣- هُدىً من الضلالة وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ- ٥٤- يعني تفكرا لأهل اللب والعقل، قوله: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وذلك أن الله- تبارك وتعالى- وعد النبي- صلى الله عليه وسلم- فى آيتين من القرآن أن يعذب كفار مكة في الدنيا فقالوا للنبي- صلى الله عليه وسلم- متى يكون هذا الذي «تعدنا» ؟ يقولون ذلك استهزاء وتكذيبا بأنه غير كائن، فأنزل الله [١٣٠ ب] - عز وجل- يعزي نبيه- صلى الله عليه وَسَلَّمَ- ليصبر عَلَى تكذيبهم إياه بالعذاب، فَقَالَ: «فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ» في العذاب أنه نازل بهم القتل ببدر، وضرب الملائكة الوجوه والأدبار، وتعجيل أرواحهم إلى النار، فهذا العذاب وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ- ٥٥- يعني وصل بأمر ربك بالغداة يعني صلاة الغداة وصلاة العصر، قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ وذلك أن اليهود قالوا للنبي- صلى الله عليه وسلم- إن صاحبنا يبعث في آخر الزمان وله سلطان يعنون الدجال ماء البحر إلى ركبته والسحاب فوق رأسه فقال: «إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ» يعني يمارون في آيات الله لأن الدجال آية من آيات الله- عز وجل- «بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ» يعني بغير حجة «أتتهم» من الله، إضمار بأن الدجال كما يقولون، يقول الله- عز وجل-: إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ يقول ما في قلوبهم إلا عظمة مَا هُمْ بِبالِغِيهِ إلى ذلك الكبر لقولهم إن الدجال يملك الأرض فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ يا محمد من فتنة الدجال إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لقولهم يعني اليهود الْبَصِيرُ- ٥٦- به، ثم قال: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ يعني بالناس في هذا الموضع الدجال وحده يقول «خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس» يقول هما أعظم خلقا من خلق الدجال وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ- ٥٧- يعنى اليهود. مقاتل بن سليمان ٣/ ٧١٦مقاتل بن سليمان ٣/ ٧١٦
ثم ضرب مثل المؤمن ومثل الكافر، فقال- تعالى-: وَما يَسْتَوِي في الفضل الْأَعْمى يعني الكافر وَالْبَصِيرُ يعني المؤمن وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ يعني وما يستوي في الفضل المؤمن المحسن ولا الكافر المسيء قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ- ٥٨-، قوله: إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها يعني كائنة لا شك فيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ- ٥٩- يعني كفار مكة أكثرهم لا يصدقون بالبعث وَقالَ رَبُّكُمُ لأهل اليمن: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، ثم ذكر كفار مكة فقال:
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي يعنى عن التوحيد سَيَدْخُلُونَ في الآخرة جَهَنَّمَ داخِرِينَ- ٦٠- يعني صاغرين، ثم ذكر النعم فقال- تعالى-: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً لابتغاء الرزق فهذا فضله، فذلك قوله- سبحانه-: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ يعني كفار مكة وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ- ٦١- ربهم فى نعمه فيوحدونه، ثم دلهم على نفسه [١٣١ أ] - تعالى- بصنعه ليوحد فقال: ذلِكُمُ اللَّهُ الذي جعل الليل والنهار هو رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ثم وحد نفسه فقال: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ- ٦٢- يقول من أين تكذبون بأنه ليس بواحد لا شريك له؟ كَذلِكَ يُؤْفَكُ يعني هكذا يكذب بالتوحيد الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يعني آيات القرآن يَجْحَدُونَ- ٦٣- اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ في الأرحام يعني خلقكم فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ولم يخلقكم على خلقة الدواب والطير وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ يعني من غير رزق الدواب والطير، ثم دل على نفسه فقال: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ الذي خلق الأرض والسماء وأحسن الخلق ورزق الطيبات فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ مقاتل بن سليمان ٣/ ٧١٨مقاتل بن سليمان ٣/ ٧١٨
- ٦٤- هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ثم أمره بتوحيده فقال- تعالى-: فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ يعني موحدين لَهُ الدِّينَ يعني له التوحيد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ- ٦٥- قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وذلك أن كفار مكة من قريش قالوا للنبي- صلى الله عليه وسلم-: ما يحملك على هذا الذي أتيتنا به ألا تنظر إلى مَلَّة أبيك عبد الله، وجدك عبد المطلب، وإلى سادة قومك يعبدون اللات والعزى ومناة فتأخذ به فما يحملك عَلَى ذَلِكَ إلا الحاجة فنحن نجمع لك من أموالنا، فأمروه بترك عبادة الله- تعالى- فأنزل الله «قل» يا محمد لكفار مكة «إنى نهبت أن أعبد الَّذِينَ تَدْعُونَ» يعني تعبدون «مِنْ دُونِ اللَّهِ» من الآلهة لَمَّا جاءَنِي يعني حين جاءني الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ يعني أخلص التوحيد لِرَبِّ الْعالَمِينَ- ٦٦- هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ وذلك أن كفار مكة كذبوا بالبعث فأخبرهم الله عن بدء خلقهم ليعتبروا في البعث فقال- تعالى-: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ» يعني آدم- عليه السلام- ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ يعنى ذريته ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ يعني مثل الدم ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ يعني «ثماني عشرة سنة» فهو في الأشد ما بين الثماني عشرة إلى الأربعين سنة ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً يعني لكي تكونوا شيوخا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ أن يكون شيخا وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى يعني الشيخ والشاب جميعا وَلَعَلَّكُمْ يعني ولكي تَعْقِلُونَ- ٦٧- يقول لكي تعقلوا «آثار» ربكم في خلقكم بأنه قادر على أن يبعثكم كما خلقكم، ثم قال: هُوَ الله الَّذِي يُحْيِي الموتى وَيُمِيتُ الأحياء فَإِذا قَضى أَمْراً [١٣١ ب] كان في علمه يعني البعث فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ- ٦٨- مرة واحدة لا يثني قوله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ يعنى آيات القرآن أنه ليس من الله- عز وجل- أَنَّى يُصْرَفُونَ- ٦٩- يقول من أين يعدلون عنه إلى غيره يعنى كفار مكة، ثم أخبر عنهم فقال- تعالى-: الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ يعنى بالقرآن وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا يعني محمدا- صلى الله عليه وسلم- أرسل بالتوحيد، فأوعدهم في الآخرة. فقال: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ- ٧٠- هذا وعيد، ثم أخبر عن الوعيد. فقال: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ- ٧١- على الوجوه فِي الْحَمِيمِ يعني حر النار ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ- ٧٢- يعني يوقدون فصاروا وقودها. ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ قبل دخول النار يعنى تقول لهم الخزنة: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ- ٧٣- يعنى تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ فهل يمنعونكم من النار يعنى الآلهة. وقالُوا ضَلُّوا عَنَّا ضلت عنا الآلهة بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً يعني لم نكن نعبد من قبل في الدنيا شيئا إن الذي كنا نعبد كان باطلا لم يكن شيئا كَذلِكَ يعني هكذا يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ- ٧٤- ذلِكُمْ السلاسل والأغلال والسحب بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ يعني تبطرون من الخيلاء والكبرياء بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ- ٧٥- يعني تعصون في الأرض «ادْخُلُوا» أَبْوابَ جَهَنَّمَ السبع خالِدِينَ فِيها لا تموتون فَبِئْسَ مَثْوَى يعنى فبئس مأوى الْمُتَكَبِّرِينَ- ٧٦- عن الإيمان فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- أخبر كفار مكة أن العذاب نازل بهم فكذبوه فأنزل الله- عز وجل- يعزي نبيه- صلى الله عليه وسلم- ليصبر على تكذيبهم إياه بالعذاب فقال: «فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ» في العذاب أنه نازل بهم ببدر «فَإِمَّا» نُرِيَنَّكَ فى حياتك بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب في الدنيا القتل ببدر وسائر العذاب بعد الموت نازل بهم، ثم قال: أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ يا محمد قبل عذابهم في الدنيا فَإِلَيْنا في الآخرة يُرْجَعُونَ- ٧٧- يعني يردون فنجزيهم بأعمالهم وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ يا محمد مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ذكرهم وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ وذلك أن كفار مكة سألوا النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يأتيهم بآية يقول الله- تعالى- «وما كان لرسول» يعني «وما ينبغي» لرسول «أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ» إلى قومه إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يعني إلا بأمر الله [١٣٢ أ] فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ بالعذاب يعني القتل ببدر فيها تقديم قُضِيَ العذاب بِالْحَقِّ يعني لم يظلموا حين عفوا وَخَسِرَ هُنالِكَ يعني عند ذلك الْمُبْطِلُونَ- ٧٨- يعني المكذبين بالعذاب في الدنيا بأنه غير كائن، ثم ذكرهم صنعه ليعتبروا فيوحدوه، فقال- سبحانه-: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ يعني الإبل والبقر «لِتَرْكَبُوا مِنْها» وَمِنْها تَأْكُلُونَ- ٧٩- يعنى الغنم وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ في ظهورها، وألبانها، وأصوافها، وأوبارها، وأشعارها وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ يعني في قلوبكم وَعَلَيْها يعني الإبل والبقر وَعَلَى الْفُلْكِ يعني السفن تُحْمَلُونَ- ٨٠- ثم قال: يُرِيكُمْ آياتِهِ مقاتل بن سليمان ٣/ ٧١٩مقاتل بن سليمان ٣/ ٧١٩
فهذا الذي ذكر من الفلك والأنعام من آياته فاعرفوا توحيده بصنعه وإن لم تروه، ثم قال:
َيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ
- ٨١- أنه ليس من الله- عز وجل-، ثم خوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية ليحذروا، فيوحدوه، فقال- تعالى-: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني قبل أهل مكة من الأمم الخالية يعني عادا وثمود وقوم لوط كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ من أهل مكة عددا وَأَشَدَّ قُوَّةً يعني بطشا وَآثاراً فِي الْأَرْضِ يعني أعمالا وملكا في الأرض فكان عاقبتهم العذاب فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَا كانُوا يَكْسِبُونَ- ٨٢- في الدنيا حين نزل بهم العذاب يقول ما دفع عنهم العذاب أعمالهم الخبيثة فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني بخبر العذاب أنه نازل بهم فَرِحُوا في الدنيا يعني رضوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ فقالوا لن نعذب وَحاقَ بِهِمْ يعني وجب العذاب لهم ب ما كانُوا بِهِ بالعذاب يَسْتَهْزِؤُنَ- ٨٣- أنه غير كائن يقول- تعالى-: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا يعني عذابنا في الدنيا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ لا شريك له وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ- ٨٤- يقول الله- عز وجل-: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا يعني عذابنا في الدنيا يقول لم يك ينفعهم تصديقهم بالتوحيد حين رأوا عذابنا سُنَّتَ اللَّهِ «الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ» : بالعذاب في الذين خلوا من قبل يعني في الأمم الخالية إذا عاينوا العذاب لم ينفعهم إيمانهم إلا قوم يونس فإنه رفع عنهم العذاب وَخَسِرَ هُنالِكَ يقول غبن عند ذلك الْكافِرُونَ- ٨٥- بتوحيد الله- عز وجل- فاحذروا يا أهل مكة سنة الأمم الخالية فلا تكذبوا محمدا- صلى الله عليه وسلم-. مقاتل بن سليمان ٣/ ٧٢٢مقاتل بن سليمان ٣/ ٧٢٢
[١٣٢ ب] قال مُقَاتِلُ: فرعون أول من طبخ الآجر وبنى به. وقال:
قتل جعفر ذو الجناحين وابن رواحة وزيد بن حارثة بموته قتلهم غسان، وقتل خالد بن الوليد يوم فتح مكة من بني جذيمة سبعين رجلا.
قال مُقَاتِلُ: عاد وثمود ابنا عم، وموسى وقارون ابنا عم، وإلياس واليسع ابنا عم، ويحيى وعيسى ابنا خالة. مقاتل بن سليمان ٣/ ٧٢٣مقاتل بن سليمان ٣/ ٧٢٣
قال مُقَاتِلُ: أم عبد المطلب سلمى بنت زيد بن عدى «من بنى عدى ابن النجار» وأم النبي- صلى الله عليه وسلم- آمنة بنت وهب «من بني عبد مناف ابن زهرة» . مقاتل بن سليمان ٣/ ٧٢٤مقاتل بن سليمان ٣/ ٧٢٤
سورة فصّلت مقاتل بن سليمان ٣/ ٧٢٥مقاتل بن سليمان ٣/ ٧٢٥
يقول تعالى: (حم * تَنزيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) يعني: القرآن منزل من الرحمن الرحيم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] ، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤] .
وقوله: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ) أي: بُينت معانيه وأحكمت أحكامه ، (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) أي: في حال كونه لفظا عربيا، بينا واضحا، فمعانيه مفصلة، وألفاظه واضحة غير مشكلة، كقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] أي: هو معجز من حيث لفظه ومعناه، ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] .
وقوله: (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) أي: إنما يعرف هذا البيان والوضوح العلماءُ الراسخون، (بَشِيرًا وَنَذِيرًا) أي: تارة يبشر المؤمنين، وتارة ينذر الكافرين، (فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) أي: أكثر قريش، فهم لا يفهمون منه شيئا مع بيانه ووضوحه.
(وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ) أي: في غلف مغطاة (مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ) أي: صمم عما جئتنا به، (وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ) فلا يصل إلينا شيء مما تقول، (فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ) أي: اعمل أنت على طريقتك، ونحن على طريقتنا لا نتابعك.
قال الإمام العَلَم عبد بن حُمَيد في مسنده: حدثني ابن أبي شيبة، حدثنا علي بن مُسْهِر عن الأجلح، عن الذَّيَّال بن حَرْمَلة الأسدي عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنه ، قال: اجتمعت قريش يوما فقالوا: انظروا أعْلَمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي قد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه ولننظر ماذا يرد عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة ابن ربيعة. فقالوا: أنت يا أبا الوليد. فأتاه عتبة فقال: يا محمد، أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله ﷺ ، فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله ﷺ فقال: فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك، فقد عبدوا الآلهة التي عِبْتَ، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك، إنا والله ما رأينا سَخْلةً قط أشأم على قومك منك؛ فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا، وأن في قريش كاهنا! والله ما ننظر إلا مثل صيحة الحُبْلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف، حتى نتفانى! أيها الرجل، إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش [شئت] فلنزوجك عشرا. فقال رسول الله ﷺ : "فَرَغْتَ؟ " قال: نعم فقال رسول الله ﷺ : (بسم الله الرحمن الرحيم * حم * تَنزيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) حتى بلغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فقال عتبة: حسبك! حسبك! ما عندك غير هذا؟ قال: "لا" فرجع إلى قريش فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه به إلا كلمته. قالوا: فهل أجابك؟ [قال: نعم، قالوا: فما قال؟] قال: لا والذي نصبها بَنيَّةً ما فَهِمْتُ شيئا مما قال، غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قالوا: ويلك! يكلمك الرجل بالعربية ما تدري ما قال؟ ! قال: لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة. ابن كثير ٨/ ١٦١ابن كثير ٨/ ١٦١
وهكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي بكر بن أبي شيبة بإسناده، مثله سواء .
وقد ساقه البغوي في تفسيره بسنده عن محمد بن فُضَيل، عن الأجلح -وهو ابن عبد الله الكندي [الكوفي] -وقد ضُعِّفَ بعض الشيء عن الذّيَّال بن حرملة، عن جابر، فذكر الحديث إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فأمسك عتبة على فيه، وناشده بالرحم، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش واحتبس عنهم. فقال أبو جهل: يا معشر قريش، والله ما نرى عتبة إلا قد صَبَا إلى محمد، وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة [قد] أصابته، فانطلقوا بنا إليه. فانطلقوا إليه فقال أبو جهل: يا عتبة، ما حبسك عنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك طعامه، فإن كانت لك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد. فغضب عتبة، وأقسم ألا يكلم محمدا أبدا، وقال: والله، لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا ولكني أتيته وقصصت عليه [القصة] فأجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، وقرأ السورة إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فأمسكت بفيه، وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخشيت أن ينزل بكم العذاب .
وهذا السياق أشبه من سياق البزار وأبي يعلى، والله أعلم.
وقد أورد هذه القصة الإمام محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة على خلاف هذا النمط، فقال: ابن كثير ٨/ ١٦٢ابن كثير ٨/ ١٦٢
حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القُرَظي قال: حُدِّثْتُ أن عتبة بن ربيعة -وكان سيدا-قال يوما وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله ﷺ جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيَّها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة، ورأوا أصحاب رسول الله ﷺ يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد، فقم إليه فكلمه . فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السِّطَة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها. قال: فقال له رسول الله ﷺ : "قل يا أبا الوليد، أسمع" . قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريدُ بما جئتَ به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون من أكثرنا أموالا . وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا، حتى لا نقطع أمرًا دونك. وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا. وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيّا تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يُدَاوَى منه -أو كما قال له- حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله ﷺ يستمع منه قال: "أفرغت يا أبا الوليد؟ " قال: نعم. قال: "فاستمع مني" قال: أفعل. قال: (بسم الله الرحمن الرحيم * حم * تَنزيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) ثم مضى رسول الله ﷺ فيها يقرؤها عليه. فلما سمع عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه، ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها، فسجد ثم قال: "قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: أقسم -يحلف بالله-لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة. يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها لي، خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونَنَّ لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فمُلْكُهُ ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه! قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم .
وهذا السياق أشبه من الذي قبله، والله أعلم. ابن كثير ٨/ ١٦٣ابن كثير ٨/ ١٦٣
لا كتاب مختار.